كان طيلة رحلة عودتهم صامتًا، جامد الملامح، لا ينظر إليها إلا إذا وضعت يدها على كفه تربت عليه، تُخبره بنظراتها أن مريم ستكون بخير ولن يرى بها مكروهًا. هبطت من الطائرة خلفه، تسرع في خطاها حتى تُلاحقه. سائقه كان ينتظره، وفور أن صعد أمرهم: -على المستشفى فورًا. أرادت أن تتحدث معه، لكنها لم تجد حديثًا تُرتبه لتدعمه به، فهي لا تعلم إلا أن مريم في حالة حرجة بالمشفى.
انخرط في الحديث مع شقيقه إلى أن وصلت السيارة أخيرًا للمشفى. كادت أن تهبط خلفه، لكنه أوقفها بحزم: -وصل المدام على الفيلا. -لا، أنا جاية معاك. اعترضت، فنظر لها ثم تركها ليُتابع خطواته لداخل المشفى. تنهدت بقله حيلة، وخفق قلبها بخوف مما هو قادم. فاقت على صوت السائق وهو يسألها باحترام: -أوصلك على الفيلا يامدام؟ -لا يا عم فتحي، أنا هنزل. ترجلت من السيارة تتبعه، تشعر بالرهبة والخوف، تدعو داخلها لها بأن تطيب.
كانت أعين ندي هي أول من التقطت قدومهم، فأسرعت لحمزه تبكي بحرقة: -مريم ياحمزه.. أمانة سوسن لينا. ترددت وصية سوسن تلك اللحظة داخل عقله: "بنتي أمانة عندك، متنسهاش ياحمزه، حتى لو بقى عندك ولاد من صلبك، أفضل أب ليها عشان أرتاح في تربتي." لم توصِ نحو شريف كما أوصته عليها، وكأنها كانت تخشى ضياعها يومًا. ابتعد عنها عند خروج الطبيب من غرفة العناية التي تقبع بها، لتكون إجابته غير مطمئنة كما اعتادوا في الساعات الماضية.
وقفت في ركن بعيد تستمع إلى ما يحدث، ونظرات شريف لها كانت كالنيران تحرقها. *** نظرات الكره التي باتت تحتل عينيها كانت تقتله. رمقه شزراً وهو يقترب منها بالطعام. لم يعد الصراخ والسباب يجدي شيئًا، فقد انكسر شيء قوي داخلها بعدما ظنت أنها رمت جميع أوجاعها بدونه ومعه. -تناولي طعامك... لا أريد أن يُصيب طفلي مكروه. -أغرب عن وجهي... أكره صوتك ورؤيتك.
قتلته عبارتها كما قتلته نظراتها، ولكن من أجل أن تسير خطته كما يرغب، لابد أن يدفع الثمن. -لا أظن أنني أيضًا أريد رؤية وجهك وسماع صوتك سماح... ولكن طفلي يجبرني على فعل هذا. كانت جين تقف خارج الغرفة متلصصة، تسمع حديثهم الدائر، وقلبها يرقص بلذة النصر. -أكرهك سهيل، أكرهك. وانخرطت في البكاء وهي تتساءل بصوت آدمي قلبه: -كيف صدقتك... كيف تركت قلبي لرجل مرت أخرى؟
أراد في تلك اللحظة تدمير كل ما يخطط له وضَمّها إليه، ولكن ما هو الدليل الذي سيجعله يركل تلك الحياء إلى المكان الذي تستحقه؟ إلا التمثيل بمثل هذا. *** رغم رفضها لتلك العزيمة، إلا أن إصرار مراد في اصطحابها معه جعلها ترضخ لطلبه. تنهدت وهي تدلف للمطعم، تُخبره حانقة: -مراد، هي ساعة ونمشي... أنا ماليش مزاج أحضر عزومات وبالي مشغول على ياقوت. ضم كفها داخل قبضته مبتسمًا: -مش هنطول يا هناء...
لولا إتمام الصفقة مع الشريك الجديد ما كنتش جيت، بس وجودي لازم. تنهدت بقله حيلة وسارت معه. وعندما سقطت عيناها على فستان نغم، زفرت أنفاسها بقوة. لامت نفسها أنها أتت معه تلك العزيمة بملابس بسيطة هادئة ولم تتأنق كالمعتاد. فأبتسامة نغم تراها متسعة فوق شفتيها. تقدموا سويًا لتتعلق عين نغم بمراد، كما تعلقت عين الآخر بها هي، يفحصها عن قرب وليس مجرد صور تُرسل إليه. -أحب أعرفك يامراد... مستر مارتن الشريك الجديد.
هتفت نغم بتعريفها، فلم يكن مراد ينقصه أن يعرف شيئًا عنه، فهو يعلم بهويته. -أهلاً مستر مارتن. صافحه مارتن ببرود دون أن ينهض من فوق مقعده، ومازالت سيجاره بين شفتيه ينفث أنفاسها. -ودي مدام هناء زوجته. تمتمت بها نغم بضيق، فتعريف هويتها قد اتخذ منها مجهودًا جبارًا. إيماءت هناء له رأسها ببرود كما فعل هو، وشعرت بكبره.
كانت الجالسة تتمركز حول حديث دائر عن الأعمال والصفقة التي سيتم توقيعها، والأرباح المبهره التي سيجنوها، وعن النجاح الذي سيحققه مراد وتزداد ثقته أكثر بنفسه. مدير أعمال مارتن كان هو من يهتم بكل التفاصيل، مع حديث بسيط من رئيسه الذي لم يترك أنش من وجه هناء وجسدها دون فحصه بحرية. لم ينتبه مراد لشيء، ولكن نغم كانت من حين لآخر ترمق نظرات مارتن وتجذب مراد بالحديث كلما حاول الالتفاف نحو زوجته.
تلملمت في هناء في جلستها، وفور أن وضع النادل مشروبها المفضل، ابتسمت بسعادة كطفلة صغيرة، وألتفت بمقعدها حتى تختلي بنفسها بعيدًا عن هذا الملل. مر الوقت، وأعين مارتن لا تبتعد عنها إلا إذا تجاذب الحديث معهم. تمت الصفقة بنجاح وتم التوقيع، ووضع الشرط الجزائي الذي لم ينتبه مراد لفداحته، فالربح وعلو الشركة كان يحتل عقله. انتهت الجلسة لتنظر نغم نحو مارتن مبتسمة: -كما اتفقنا.
فأبتسم مارتن بإيماءة وعقله يدور في امتلاك هناء وتجربة امرأة مسلمة مُحجبة. *** تأملت ياسمين حالها بحزن. الكل أصبح ينظر لشقيقتها بأنها سبب مأساتهم، لا حديث يقال، إنما نظرات وتجاهل يقتل أكثر من أي شيء. -ياقوت. تمتمت باسمها، فأنتبهت ياقوت إليها، فأزالت دموعها سريًا حتى تخفيها عن أعين شقيقتها. -تعالي ياياسمين. اقتربت منها حتى جلست جوارها فوق الفراش. -هتفضلي قاعدة في أوضتك محبوسة كده؟
لم تستطع تحمل ما استوطن قلبها من ألم، وكأنها هي من جعلت مريم تذهب لتلك البناية، فلا أحد يعلم سبب ذهابها لهناك، فالشقة كانت مستأجرة بالباطل وصاحبها مهاجر لإحدى الدول الأوروبية. الحقيقة كانت لدى مريم، ولكن الحديث الذي يتداوله الأقارب والمعارف أنها بالتأكيد ذهبت لتلك الشقة لرؤية رجل. دموعها عادت تسقط مجددًا. -بيحملوني الذنب ياياسمين... نظراتهم بتدبحني.
كانت تعلم ياسمين بتلك الأشياء التي تتحدث عنها، فمنذ غيبوبة مريم وعدم وضع الأطباء موعدًا لاستيقاظها، والكل أصبح في حالة حداد وحزن. والبيت الذي حسدت يومًا شقيقتها على العيش بمكان مثله أصبح كالمأتم. -اهدي ياياقوت.. أهم حاجة جوزك. ألتمعت عيناها بألم وهي تتذكره. -بقى بعيد عني أوي يا ياسمين.
تذكرت ياسمين مشهدهم صباحًا بعدما شعرت بالألم أسفل بطنها وهي تهبط درجات الدرج، وكان قد خرج من غرفة مكتبه للتو ليسرع نحوها يسألها بلهفة عما بها. طرقات الخادمة على باب غرفتها قطعت حديثهم، لتدلف الخادمة تُخبرها أن نادية بالأسفل وتريد الحديث معها. *** ألويت شفتي ياسمين بعد انصراف نادية ساخطة: -هي الست دي مبتحملش حاجة للآخر...
قولنا جاية تطمن عليكي جميل، لكن بعدين تقولك اهتمي بحمزه ياياقوت واستحملي الفترة دي، هما شايفينك إيه؟ صمتت ياقوت. كانت تريد الصراخ بها تسألها لما لا تكون عادلة وتُخبر شقيقها بهذا، ولكن مازالت حقيقة زواج حمزة منها والبدايات تقتحم قلبها. فمنذ متى كانت لديها قيمة بينهم إلا إسعاد شقيقها وإنجاب طفل له حتى يسير لشقيقها ذرية تحمل اسمه وتنعم بما حصده. -ياقوت أوعي تكوني زعلتي مني... أنا مقصدش...
بس هما ظالمينك أوي معاهم في كل حاجة. وأردفت بعد أن طال صمتها: -ياقوت انتي سمعاني؟ -بتقولي حاجة ياياسمين؟ لم تشأ ياسمين إعادة حديثها، فما تراه فوق صفحات وجه شقيقتها يكفي. *** ارتسمت السعادة فوق شفتيه، فشهر ونص وسيصل طفله الذي انتظره طويلاً.
التقط كفها يضمه بحنو وزفر أنفاسه براحة، فشعور الأبوة أصبح يخترق حواسه وكيانه، ولم يعد يكره سماع تلك الكلمة التي كلما كان يسمعها من أفواه أبناء أصدقائه كان يزداد نقماً على حياته وحرمانه من تلك النعمة. -نفسك في إيه أحققهولك ياصفا؟ حررت كفها من قبضته والتفت بعينيها نحوه، فوجدته ينظر إليها بنظرة لم تكن تراها إلا في أعين شخص انتهت حكايتهم منذ زمن. فكرت وفكرت، والإجابة كانت واحدة، هي تُريد الثأر. هتفت
روحها دون أن يسمع ما تمنت: "آخد حقي منك يافرات." انتظر أن يسمع حلمها فسألها ثانية: -ها ياصفا... قوليلي حلمك؟ -نفسي أعمل مشغل كبير أشغل فيه كل حد دخل السجن سوا مذنب أو مظلوم وخرج منه وحلمه إنه يتوب، لكن الحياة أخدته في ظلم أكبر. تعجب من حلمها وصمت مفكرًا، يدير الأمر بعقله. وحين صمت تأكدت أنه لو تقبلها بماضيها، فلن يقبل أن يفعل مثل هذا العمل. ف فرات النويري يخاف على اسمه واسم عائلته، والناس بالنسبة له كعبيد.
وقفت السيارة بعدما اجتازت بوابة المزرعة. ففتح لهما السائق أبواب السيارة وأسرع في إخراج الأكياس العديدة لإدخالها للمنزل. كانت الحقائب بها الكثير من الملابس للصغير، انتقاها هو بنفسه ولم تختر هي شيئًا. فكلما رأت الفرحة في عينيه كرهت فرحتها بذلك الطفل الذي ربطها به وجعلها عاجزة عن الهرب. دلفت لغرفتها تزيل عنها حجابها، ثم شرعت في إزالة ملابسها، لتجده خلفها يضمها ويداه تتمركز فوق بطنها.
-قالولي إني مش هخلف وهتحرم من النعمة دي طول عمري... كنت بفتخر بنفسي وأقنع رجولتي إني مش عاجز ومافيش حاجة هتمنعني وإني عازف عن الجواز برغبتي... لكن الحقيقة كانت جوايا... حديثه كان موجهًا لصغيره، ولكن كان يخترق فؤادها بقوة. وهناك نقطة كانت بين الانتقام والضمير. *** اقتربت منه تزيل عنه سترته. فأرتجف قلبها بألم من جموده معها. تلاشت شعورها تسأله: -روحت لمريم النهارده؟
أغمض عيناه بقوة وهو يتذكر منظر صغيرته وعدم استجابتها لشيء، لتعود لواقعهم. قاسمًا أنه سيثأر لحقها، لكن يجد تلك التي تُدعى رؤى أولًا، فلم تكن إلا هي القريبة منها. لم يجب على سؤالها الذي أخذه لمكان آخر. فتسألت ثانية وهي تُبلل شفتيها بلسانها: -أحضرلك العشا؟ -ماليش نفس. هوى بجسده فوق الفراش ليطرق عيناه، واضعًا رأسه بين راحتي كفيه. جلست جانبه تمسد فوق ظهره. -كنتِ بتلفتي نظري عشان كده، مريم كانت بتضيع وأنا مكنتش حاسس...
أنا السبب في اللي هي فيه. -متقولش كده ياحمزه... ده قضاء ربنا. رفع عيناه إليها ونهض من جوارها وكأنه نسي وجودها معه. فظل يتحدث ويخرج ما بداخله ولم يشعر أن الحديث كان يسقط فوق قلبها، لتجد حقيقة واحدة أنها المذنبة، أنها هي من شتت عائلتهم وأن الصغيرة ترقد بالمشفى بسببها. -لو مكنتش شوفت حياتي ونسيتها عشان سعادتي ما كنتش وصلت لكده... أنانيتي ضيعتها... أنا السبب. صمتت وهي تسمعه، ولم يرى دموعها التي كانت تسقط فتمسحها سريعًا.
رنين هاتفه كان المنقذ لها حتى لا تسمع ما يُدنيها أكثر. إدانتها لم تكن بعبارات صريحة، إنما كانت تندس بين تأنيبه لضميره. -تمام، أنا جاي أقنعه ينزل مصر معايا يشوف حالتها... بكرة هكون في أمريكا. لم يكن الاتصال إلا من أحد رجاله في أمريكا يُخبره برفض أشهر أطبائها للمجيء لهنا. ***
ودعت شقيقتها مع السائق الذي سيأخذها لبلدتهم حتى تقنع والديها بالعمل هنا وإكمال دراستها بالمعهد، وستتكفل هي بدراستها. رغم كل ما هي بداخلها لا تتمنى أن تجعل شقيقتها مُنكسرة مثلها، ترتضي بأي حياة حتى تفر من الهمسات واللمزات والشعور بالعبء على أحد، رغم أن حياة ياسمين ليست مثلها. فسناء زوجة أبيها تحب أولادها بشدة رغم لذعة لسانها، عكس والدتها حنانها بحساب وكأن حنان الأم يُعطي بمقدار.
وقعت عيناها على شريف الذي هبط من سيارته هو ومها. لم تتغير ابتسامة مها وطيبة قلبها، رغم أنها لا تتذكر أي شيء عما مضى. اتجهت نحو ياقوت، ولكن صوت شريف الحازم أوقفها. -مها. -شريف استنى هتكلم مع ياقوت أسألها عن حاجة. -أنا قولت إيه يلا ورايا... عايز أغير هدومي وأرجع المستشفى. رضخت لأمره، فهي تشعر به وبالمصاب الذي لحقه، ونظرته لرقدت شقيقته لا يعلم أهي ودعت الحياة أم ستظل متمسكة بها.
أغمضت ياقوت عيناها بقوة حتى لا تبكي، ودلفت للمنزل لتنتظر هبوطه لأسفل حتى تُحادثه. مرت نصف ساعة وهي جالسة إلى أن شعرت بخطواته على الدرج. -شريف ممكن أتكلم معاك؟ تجاهل شريف حديثها وأكمل خطواته إلى أن مر جانبها، فأسرعت بالالتفاف إليه. -شريف انت ليه بتحملني ذنب اللي حصل لمريم... أنا عملت إيه قولي؟ ألتمعت عيناه بغضب. -أنتي السبب، من ساعة ما دخلتي حياتنا وكأنك شؤم حل علينا. سقطت الكلمة كالخنجر فوق قلبها. -أنا ياشريف...
أنا عذراك رغم غضبك مش في محله. استشاط غضبًا منها، وكأن سماع صوتها يثير داخله تقصيره وإهماله لشقيقته. أراد إخراج غضبه من نفسه، فلم يخرجه إلا عليها. -أنا واثق إنك انتي أكتر واحدة شمتانة فيها ومش بعيد تكوني انتي السبب وسلطتي البنت دي عليها، ما انتي بتكرهيها. -انت بتقول إيه؟ جذب ذراعها يقبض عليه بكفه حتى تأوهت. -بقول الحقيقة... عايشة معانا في دور الملاك وانتي زي الحية بتخططي لكل حاجة بهدوء. -ابعد عني.
نفضت ذراعها منه لتمسده، فمسح بيده فوق وجهه، يُجاهد نوبة أخرى من نوبات غضبه، متذكرًا حمزة، فلولاه لكان فعل أكثر من ذلك بها. أسرع في خطاه ليفر من المنزل الذي بات يخنقه، ويرى نظرات والدته اللائمة له لبعده عن شقيقته. -قبل ما تتهم الناس اتهم نفسك ياحضرة الظابط، انت السبب... بعدك عن أختك هو السبب... اهتميت بحياتك وسيبت مسؤوليتها على راجل مش أبوها، وجاي دلوقتي بتدور على حقها، كانت فين أخوتك ليها؟
مريم كانت ماشية في طريق غلط ونبهتكم وأنتم مشوفتوش ده غير كره وافتري عليها، وادي النتيجة. -اخرسي. الحقيقة كانت يعلمها، ولكنه كان يتجاهلها، ولكن حين نطقت بها كانت تضع الجمر فوق قلبه. ألتمع الغضب في عينيه بعدما انطفئ. -اطلعي بره البيت ده... البيت ده بيت أمي مش بيتك. ولم يمهلها استيعاب ما نطقه، في يده كانت تسحبها للخارج.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!