الفصل 33 | من 70 فصل

رواية للقدر حكاية الفصل الثالث والثلاثون 33 - بقلم سهام صادق

المشاهدات
30
كلمة
4,103
وقت القراءة
21 د
التقدم في الرواية 47%
حجم الخط: 18

دارت نظراته بين شقيقته التي وقفت تُطالعه بنظرات ماكرة وتلك التي وقفت مطرقة الرأس تُداري خجلها عن أعينهم. لحظة كان الصمت يخيم عليهم جميعاً. شهاب، أمسك كف ندي يضغط عليه وكأنه يُحذرها من أي فعلة غير لطيفة. أما شريف، فكان يخشى من رد فعل شقيقته التي وقفت جامدة الملامح. رفعت ياقوت عيناها نحو من تنتظر سماع صوته فيطمئنها. شعر بها، فأقترب منها يمسك يدها، ناظراً لهم وبنبرة مرحة لطيفة حتى يكسر حاجز الصمت بينهم هتف:

"ايه يا ندى، عاملة حسابنا في العشا ولا نروح؟ توتّرت ندي ونظرت لياقوت بترحيب من أجله ومن أجل زوجها: "اه طبعاً يا حمزة، مكانك ديما محفوظ وسطنا." قالتها بصدق. وعندما وجدت نظرات شهاب الجامدة نحوها وكأنه ينتظر منها أن تُكمل عبارتها وترحب بياقوت أيضاً، فهمت نظراته وأكملت على الفور: "شرفتّينا يا ياقوت." واقتربت منها تُصافحها. وقفت الصغيرة بعيداً تتابع الموقف بعينيها. نظر لها شريف وأقترب منها يضمها إليه بحب هامساً لها:

"حببتي، اللي بيحب حد بيحب الناس اللي ليه. عملي ياقوت كويس عشان خاطره." دفنت مريم رأسها بحضنه. كل ما كان يدور بعقلها الصغير أنها ستسرقه منها، ستأخذه لها وحدها، وستفقد حبه واهتمامه. كما أخبرتها إحدى صديقاتها بالمدرسة أن والدها هجرهم منذ أن تزوج بأخرى ولم يعودوا يروا والدهم إلا كل فترات بعيدة. كانت مها تقف تسمع الحوارات الدائرة مبتسمة تتمنى أن تتحدث معهم، ولكنها تخشى أن لا يهتم أحداً بها. فظلت صامتة.

"كنت أتمنى أفضل معاكم، لكن ورايا مشوار مهم." هتفت نادية عبارتها بابتسامة واسعة واتجهت نحو حمزة تُعانقه هامسة: "حاول تقرب مريم من ياقوت عشان متتعبش." هتفت بعبارتها وأكملت عناقها بالآخرين ثم انصرفت. فهتف شهاب وهو يسير معها للخارج نحو سيارتها: "بتعرفي تلعبي صح يانادية. اختنا الكبيرة بس مكارة." ضحكت بدلال وألتقطت ذراعه تقرصه بخفة فتأوه: "اه دراعي يا جبّارة. أنا مش عارف فؤاد بيحبك على ايه." صعدت سيارتها تضحك ناظرة إليه:

"ملكش دعوة بجوزي، روح لمراتك اجري." وانطلقت بسيارتها ليضحك على أفعال شقيقته متذكراً عندما كانت في بداية شبابها وكان هو صغيراً. لم تكن إلا فتاة خجولة لا تتحدث إلا قليلاً. عاد أدراجه نحو الداخل ليجدهم جالسين يشرعون في تناول الطعام. ***

سلطت ياقوت نظراتها نحو شريف ومها بعدما تمالكت غصتها من الموقف المحرج الذي حدث عندما منعتها الصغيرة من الجلوس فوق مقعد والدتها. لم يكن حمزة موجود بينهم تلك اللحظة فقد كان يتحدث في هاتفه. لكن شريف، وقد قدّر موقفه اللطيف، جعل مريم تعتذر منها. لم تجلس على المقعد احتراماً لمشاعرهم وتمنت لو أن الصغيرة طلبت ذلك منها برفق موضحة لها الأمر، ولكنها ترى عدائيتها رغم أنها تتمنى من كل قلبها أن تحبه.

مقَت ندي ملامح ياقوت وقد أثارت فعلتها اللطيفة مع ابنة شقيقتها وصمتها عند قدوم حمزة. بدأت تُدرك أن عدائيتها لم تكن إلا خوف، وقد بدأ خوفها منها ومن هدم حياتهم العائلية يزول. تابع حمزة نظراته نحو شريف ومها. شريف الذي كان يجلس دون خجل يطعم زوجته برفق ويُمازحها. ابتسمت وهي تستمع لمزاح شريف مع زوجته: "هتاكلي صباعي يا ماما؟ تخضبت وجنتاها وخنقته بصدره برفق. فضحك شهاب عليهم: "عصافير كنارية يا ناس." جذب ندي نحوه متمتماً:

"تعالي أما أكلك ياحبيبتي، هي جت عليكي." يضحك الجميع. ومريم التي كانت تجلس على يسار حمزة، رمقت ياقوت بضيق وهي ترى ابتسامتها وضحكتها معهم. فمضغت طعامها بحنق. كانت عيناها تُطالع ما يحدث وهي لا تحلم أن يفعل ذلك معها. ولكن يده التي قبضت على يدها أسفل المائدة ونظراته نحوها جعلتها تشعر أنه يشعر بها ويُقدر ما تُحرم منه أمامهم.

من نظراتها تأكد أنه ظلمها معه. ياقوت، حياتها وأحلامها الحالمة الهادئة لا تشبه حياته المعقدة. أطرق عيناه نحو طبقه بعد أن حرر يدها من قبضة كفه وهو يلوم نفسه أنه أدخلها حياته التي تجعله ماهو إلا كبير العائلة وأنه من يجب أن يجمعهم دون أن يفكر بسعادته مدام هم سعداء فسعادته تأتي بعدهم.

مكانه وضعته به الحياة ولم يكرهها يوماً، ولكن الدور أصبح ثقيلاً عليه هذه الأيام ولا يعلم السبب. ولكن قلبه كان خير من يخبره. فقد ملّ من ذلك الدور ويريد أن يحيا لو قليلاً. أول من أنهت طعامها كانت مها التي تمتمت بحنان لزوجها الذي يفرط في تدليلها أمام الجميع: "خلاص ياشريف، أنا شبعت. كل أنت." ونهضت برفق فنهض شريف هو الآخر وكاد أن يهتف باسم الخادمة حتى تصطحبها لدورة المياه كي تغسل يداها.

"الحمدلله. ممكن تقوليلي فين الحمام يا أستاذ شريف وأنا هاخد مها." الكل تعجب منها فطالعتهم بخجل، فهي لم تكن إلا تريد أن تزيل الحواجز بينهم وتخبرهم أنها تطمح أن تكون جزء من عائلتهم بالمحبة لا بشيء آخر. تعلقّت عين حمزة بشريف ليبتسم إليها شريف بلطف كما ابتسمت مها: "أكيد مدام ياقوت." وأشار إليها نحو الطريق المؤدي لدورة المياه. فتناولت يد مها التي تمتمت بهمس: "أنا كنت عايزة أتعرف عليكي، انتي شكلك لطيفة." طرب قلب ياقوت

وهي تشعر بود مها وطيبتها: "على فكرة انتي جميلة، ماشاء الله." اخجلت مها من مديحها. ومع بضعة خطوات ودقائق، بدأت صداقة ودودة بينهم بعدما اطمأنت مها لياقوت. مما جعل شريف يتعجب من سرعة تقاربهم. ***

دَلفت سماح لأحد المطاعم الفخمة وهي تعلم أن عشاء اليوم سيكلفها كثيراً، ولكن قررت أن تدلل نفسها بمكافأة الجريدة التي حصلت عليها بسبب السبق الصحفي الخاص بذلك الذي صار زوجها. تذكرته بمقت، فكلما تذكرت اللعبة التي أدخلها بها كرهته أكثر وتمنت لو تقبض على رقبته لتشفي غليلها وتبرد نيرانها.

أزاحت المقعد بعد أن قادها أحد موظفي المطعم نحو طاولة فارغة. لتسقط عيناها نحو آخر رجل تمنت رؤيته اليوم ولم يكن إلا ماهر، الذي انتبه على وجودها لحظة رؤيتها له. كان يُداعب ابنه ويمسك كف زوجته الجميلة، ابنة العائلة العريقة. أضعفت رغماً عنها وهي تتذكر أنها أحبت جباناً مثله يوماً. تذكرت جنينها الذي أجهضته من حزنها على ما فعلوه بها هو ووالده. والده بجبورته وهو بضعفه.

عندما شعرت بحرقة عينيها وعدم تحملها، خرجت من المطعم بخطوات أشبه بالركض، لتنحني بجزعها العلوي وتلتقط أنفاسها بصعوبة والماضي يعود لمخيلتها من جديد فيحيي ألماً أمات قلبها. صرخت بصوت مكتوم لتسمع صوته خلفها: "سماح! أغمضت عينيها بقوة تتمالك دموعها، لكنها لم تستطع. اقترب منها ليقف أمامها: "كان لازم أرجعها، مستقبلي كان هيضيع. سامحيني."

التقطت أنفاسها ببطء وهي ترفع عيناها نحوه. اعتدلت في وقفتها وهي تتمنى أن يعود الماضي من جديد لتدير له ظهرها ولا تقع في حبه وتسلمه نفسها. اقترب منها خطوة لتبصق بوجهه وقد شعرت بثقل أنفاسها: "للأسف الزمن مابيرجعش. لو كان بيرجع مكنتش وقعت في حب واحد جبان زيك وسلمته نفسي." مسح وجهه بألم واطرق عيناه أرضاً: "صحيح قصة حبك انتي وسهيل نايف." لم تعلم اتبكي على خيبتها الأخرى أم تضحك وتحكي للعالم تعاستها: "يهمك في ايه؟ رفع

عيناه نحوها يسألها برجاء: "حبتيه يا سماح؟ لكي تؤلمه مثلما آلمها قديماً. "اه حبيته." وانصرفت دون أن تنظر إليه مجدداً تُداري خيبتها. ليقف يتأملها، ورغم أنه أحبها، إلا أنه كان جباناً نذلاً لا يقوى على تحمل رفاهيته في سبيل الحب ولا يعرف ما هي التضحية. الحب معه متعة جسد وكلام معسول. سمع طرقات حذاء زوجته التي وقفت خلفه ترمقه بألم: "سنين ولسه بتحبها. بس تعرف هي الكسبانة ياماهر." ***

دَلِف للمطبخ يُطالعها وهي تجلي الأطباق قبل أن تذهب للفراش. شعر بالامتنان لها بعد تلك العزيمة ورغم أنها أتت من عملها مرهقة إلا أنها أحسنت ضيافة صديقه. "شكراً يا هناء." ألتفت نحوه تنظر إليه وهي تُجفف الطبق الذي في يدها: "المهم يكون الأكل عجب صاحبك." ابتسم وهو يتذكر مدح صديقه الذي جاء مصر في رحلة قصيرة وقصد النزول بالإسكندرية لرؤيته: "عجبه جداً وخصوصاً الملوخية."

أصبح حديثه معها ودوداً، ولكنها لم تعد تشعر إلا بجرحها. صمتت عندما تذكرت أنها كانت تتمنى كلمة لطيفة واحدة منه، ولكنه كان يبخل بها عنها ويفر من المنزل كي لا يجلس معها. أنهت جلي الأطباق ومسحت يداها تنفض من رأسها ما يؤلم قلبها: "تصبح على خير." ومرت من أمامه ليمسك ذراعها برفق مُقترحاً عليها: "ايه رأيك نتعشا بكره بره؟ طالعته وهو يمسك يدها، ففهم نظرتها فأزاح يده عنها:

"هناء، خلينا ولاد عم وأصحاب. يمكن خسرنا بعض أزواج، بس ايه رأيك السنة دي نكون ولاد عم بجد؟ لم تحلم يوماً أن تكون ابنة عم فقط، إنما أرادته حبيباً وزوجاً وصديقاً. ابتسمت حتى تُداري الألم الذي لم تخفيه عيناها: "مافيش مشكلة يا مراد." وانصرفت من أمامه لا تشعر إلا بقبضة تعتصر قلبها وعقلها يؤنبها. ما زلتي تحبيه، ما زلتي تركضين وراء حلمك. ***

ضمها شريف إليه وهو يُطالع حماسها وسعادتها عن لطافة ياقوت وأنها أصبحت فرد في عائلة جميلة مثلهم. ابتسم على حماسها ودغدغها مازحاً. ضحكت مها وهي تتلوى أسفله وتدفعه عنها: "كفاية ياشريف، مش قادرة خلاص." ضحك وهو يرفع كفيه نحو وجنتيها: "بتحلوي كل يوم، ينفع كده؟ تخضبت وجنتاها بخجل تسأله: "أنا فعلاً جميلة ولا بتقولولي كده عشان متحسسنيش إني ناقصة عنكم؟

أغمض عيناه بقوة. فتقارير حالتها بعثها لأكبر مشافي لندن منذ أسبوع وينتظر جوابهم. ولكنه أراد أن يهيئها نفسياً للأمر. وأردفت بحنين لطفولتها وفترة إبصارها: "أنا فاكرة صورة بصيت لملامحي وأنا طفلة كنت بضفائر طويلة." تأملها بحنو ولثم خدها وكفه يداعب خدها الآخر: "قريب ياحبيبتي هتشوفي نفسك وتعرفي ملامحك." عبّست ملامحها وهي تفهم مقصده: "بس أنا مش عايزة... قالوا لي إني هفضل عمياء. مش عايزة أحط أمل ويموت جوايا من تأنيبك."

بكت بحرقة وهي تتذكر تجربتها من قبل: "بابا مات بسببي، أنا اللي خليته يخرج بيا اليوم ده." دفنت وجهها بين أضلعه وكأنها تطلب منه الأمان. ضممها بقوة إليه وهو يتمنى أن يزيل آلامها، أن يراها مبصرة، أن تحبه بعينيها كما أحبته بقلبها. انصدم وهو يراها تُحاول تقبله وكأنها تسمح له اليوم أن تكون منه. كانت خائفة، ولكن اليوم شقيقتها عندما أتت لزيارتها صباحاً أخبرتها أن الرجال تمل وسيتركها حينما لا يجد بها متعته. ابتعد عنها وسط

مشاعرهم الهائجة يسألها: "مها، انتي متأكدة انك عايزة كده؟ ابتَلعت ريقها بخوف. وعندما شعر بتردده، أغمض عيناه حتى تهدأ أنفاسه ويصارع رغبته التي أشعلتها: "ايه رأيك نروح عند دكتورة تتكلمي معاها وتسمعك؟ اعتدلت بتخبط واغلقت أزرار منامتها تبحث عن معنى لعرضه: "هو انت زهقت مني؟ أنا مش تعبانة ياشريف." ابتسم وهو يجدها عبست بملامحها: "يا حبيبتي، انتي محتاجة تتكلمي وتحكي عن اللي جواكي وده هيساعدنا في العملية وفي علاقتنا." ***

عبثت ندي بلحية زوجها فنفر من مشاكساتها بضيق: "ندي، عايز أنام." ضحكت على حنقه فأعادت فعلتها ليفتح عيناه ممتعضاً: "عايزة ايه؟ زَمّت شفتيها بعبوس مصطنع تدفعه على صدره بغل: "احنا مش اتفقنا هنسهر سوا النهارده؟ ضاقت عيناه، ولكن سريعاً اتسعت ذهولاً: "ايه اللي لبساه ده؟

ابتسمت وهي تنهض من فوق الفراش حتى تريه ما تلبسه. حدق بما ترتديه من زي تنكري يشبه الشرطة. تمتع بالنظر قليلاً فأبتسمت عندما رأت إعجابه. شعرت بالسعادة من نظراته كما أخبرتها البائعة التي يتعاملوا معها زميلاتها بالمدرسة فأرادت التجربة مثلهم. "وهتنضمي للداخلية امتى؟ انكمشت ملامحها لترفع طرفي شفتيها مستنكرة حديثه: "هو ده ردك على اللي أنا عملاه ليك؟ مقّها ببطء عائداً ليتفحص هيئتها: "فين الجمال فيه؟ وايه اللي في ايدك ده؟

كلبشات؟ هتفت عبارته الأخيرة ساخراً وتوالت سخريته إلى أن جعلها تلقي بالقبّعة التي فوق رأسها وتلتقط إحدى منامتها وتسرع نحو المرحاض. تنهد وهو يسمع صفعتها القوية للباب وهمهماتها. فعاد لنومه يدفن رأسه أسفل وسادته. خرجت من المرحاض تنظر إليه وهو نائم فأزداد غضبها: "أنا اللي استاهل." أغلقت أنوار الغرفة وتسطحت بجانبه وهي تسبه وتشتم حالها على فعلها لكل ما يفتنه بها ويُعجبه، ولا تعلم أنه قد وجد فيها الجزء الذي كان يبحث عنه.

شعر بلملمتها فوق الفراش فعلم أنها لم تغفو. حاوطها بذراعه وهو بين اليقظة والغفلة: "أنا بيعجبني ندي مراتي الحنينة اللي لما بتعمل حاجة بتعملها عشان خاطري وبتكبرني." يخفق قلبها وأنفاسه تسري فوق عنقها: "شكراً إنك قدرتي ياقوت النهارده واحترمتي وجودها وسطنا." أدارت جسدها نحوه لتصبح جبهتها فوق جبهته ولا يفصلهم سوا أنفاسهم:

"تعرفي ياندي، من أسباب غضبي قبل جوازنا ونفورى منك، إن ديما علاقتنا كانت معروفة لحمزة وسوسن، ويجوا يحاسبوني." قالها وهو مغمض العين يُخبرها بأسراره وهو ذاهب لعالم أحلامه. وكادت أن تغمض عيناها هي الأخرى: "بحبكم." وغفا بعدها ليتركها تنظر إليه، بعد أن قالها لها صراحة الليلة. ***

نظر لها وهي غافية جانبه تضم الغطاء على جسدها. تأمل سكونها وملامحها فأتّكأ على راحة كفه يُطالعها دون قيود. ابتسم عندما أصبحت ملتصقة به للغايه تُحاوطه بذراعيها. فمسح على وجهها ونهض من جانبها يشعر بالتعب بكل ما يُحيطها. استيقظت بعد وقت تبحث عنه بعينيها. نهضت من فوق الفراش ترتدي حذائها المنزلي. وخرجت من الغرفة تبحث عنه لتجده غافياً على الأريكة. فأقتربت منه تهتف اسمه بخفوت وتوتر: "حمزة."

استمع لهتافها وتظاهر بالنوم. فجثّت على ركبتيها بجانب الأريكة تتأمل ملامحه وتبتسم. رفعت يدها كي تمسح على وجهه براحة كفها. زال خوفها واستمتعت بلمس ملامحه بخفة. كما استمعت. انصدمت مما تفعله وكأن شيئاً كان يقودها دون شعور. فرفعت كفها عنه تؤنب نفسها: "ايه اللي أنا بعمله ده. غبية يا ياقوت." وكادت أن تفر من أمامه بعدما نهضت من رقدتها، ولكن يده كانت أسرع فقبض على ذراعها: "رايحة فين؟

شحب وجهها وهي تُدرك أنه كان مستيقظاً أثناء فعلتها. ابتلعت لعابها بخجل: "أنا كنت جاية اصحيك تنام جوه." وقبل أن تنفض ذراعها من قبضته وتفر، آسرها أسفله ولم تعلم كيف أصبحت في تلك الوضعية. مشاعر كانت تقوده إليها بعطش وكأن مراهقته وشبابه الذي قارب على الانتهاء عادوا إليه معها. ***

انتهت أوراق سفرها بسهولة. فمكانها، فرات القديمة والحالية، أنهت كل شيء دون إطالة. وها هي معه في دولة أخرى يصطحبها معه كخادمة. تألمت من المسمى، ولكن ماذا ستحصل إلا عن ذلك والقانون والناس يرونها قاتلة للشباب بالسموم التي كانت تتاجر فيها. أخذت بذنب ليس لها ودفعت سنوات من عمرها في السجن وما زالت تدفع الضريبة.

وصلت السيارة بهم لفيلا صغيرة بحديقة. ليفتح أحد الرجال باب السيارة لفرات مرحباً به. فنظر إليها الرجل بغرابة فلا هيئتها تشبه السكرتيرة الحسناء ولا لشخص مهم يقربه. كانت ترتدي فستاناً بسيطاً وحجابها الذي قررت أن ترتديه. ورغم أن البداية كانت إجبار، إلا أنها شعرت أنها بحاجة أن تقترب من الله وتتوب بعد أن خذلها البشر وقذفوا بها تحت أقدامهم.

تحركت خلف فرات تحمل حقيبة ملابسها الصغيرة بعدما أخذتها من السائق الذي حمل حقائب فرات. تأملت المكان فوجدت أن هنا أفضل إليها حتى لو سبب قدومها كان إجباراً. تحدث فرات مع الرجل الذي استقبله. أما هي وقفت بعيداً منزوية على نفسها تنتظر أن يدلّها على مكان غرفتها. انتظرت لدقائق إلى أن انتهى حديث فرات مع الرجل ورحلوا. وجدته يصعد الدرج دون أن يعطيها اهتماماً فأقتربت منه بلهفة تسأله: "فرات بيه؟ وقف في مكانه ثم التفت نحوها بجمود

ينتظر سماع ما تريده منه: "مكان أوضتي فين؟ رمقها فرات محتقراً ورفع عصاه مشيراً نحو المطبخ: "تفتكري مكان الخدم فين؟ في المطبخ." أوجعتها عبارته فعادت تسأله وهي تطرق عيناها أرضاً: "طيب هنام فين؟ تأتيه نفس الإجابة ثانية: "في المطبخ. ولا انتي فاكرة هتعيشي هنا معززة؟ وتابع بقسوة وهو يرمقها: "وبطلي المسكنة اللي انتي فيها دي. أوعي تكوني فاكراني عزيز."

غرز طرف عصته في كتفها من شدة ضيقه من وجودها معه. فالصورة التي يرسمها لها داخله أنها امرأة سيئة دمرت مستقبل أحدهم قديماً والآن تدور حول رجل متزوج. تأوهت من دفعته بعصته، فصاح بغضب: "هطلع أرتاح في أوضتي. اصحي ألاقي الأكل جاهز والبيت متنضف. مفهوم؟ وأكمل صعوده. ورغم نظافة المنزل كانت هذه البداية. لتسقط دموعها بحرقة وألم: "السجن كان أهون يارب." ***

وقفت هناء أمام مديرها بتوتر تخشى أن يخبرها أنها فشلت في فترة تدريبها بفندقهم. "آنسة هناء." ارتبكت من الكلمة فلم تخبر أحد أنها متزوجة. فرفعت عيناها بقلق: "أنا علمت حاجة يا فندم. هو أنا فشلت في فترة تدريبي؟ ابتسم خالد على عباراتها ولم يزدها توترها إلا فتنة: "لا يا آنسة هناء." وأردف بجدية حتى يُداري المشاعر التي تنتابه حين يراها: "حبيت أعرض عليكي شغل شايفه أنسب ليكي من شغل الريسبشن." فانتظرت سماع عملها الجديد:

"ايه رأيك تشتغلي في العلاقات العامة؟ *** فتحت سماح باب غرفتها بالسكن ولم تنتبه لهيئتها المبعثرة لتشهق وهي تراه أمامها: "انت؟ ابتسم سهيل بصفاقة وهو يدلف الغرفة ويغلق الباب خلفه. فالسماح له بالدخول كان سهلاً فهي زوجته: "هل هذا هو استقبالك لي زوجتي؟ وجلس على فراشها الصغير واسترخى بجسده مُطالعاً غرفتها: "أمامك ساعة واحدة وتجهزي زوجتي." ضاقت أنفاسها بمقت وصرخت بوجهه وهي تقترب منه تسحب ذراعه من فوق فراشها:

"مش هسافر معاك. وقوم من على سريري." لتلمع عين سهيل بخبث وفي ثواني كانت منبطحة فوق الفراش وهو يعلوها زافراً أنفاسه فوق خصلاتها: "ما رأيك أنا نستمتع قليلاً زوجتي." *** قذف فرات قهوته عليها لتصرخ بألم من سخونتها: "كم مرة أقولك أعملي قهوة تتشرب. يعني ولا بتعرفي تطبخي عدل ولا بتعملي قهوة عدلة."

تعالت شهقاتها من كم الإهانة التي تتلقاها. فلم تولد إلا ابنة لرجل ثري ماله حراما، ولكنها عاشت تتمتع بالمال. لم تتعلم في السجن إلا المسح والتنظيف وغسل الثياب وبعض من الحياكة، ولكن الطعام لم تكن يوماً بارعة فيه. صرخ بوجهها حانقاً: "غوري من وشي. شكلك مالكيش فايدة غير إنك تلعبي على الرجالة."

طعنتها الكلمة بمقتل وظلت واقفة بمكانها لا تشعر بحركة قدميها. فنهض من فوق مقعده يتأهب لخروجه بعد أن تعكر مزاجه. لتقبض على سترته وقبل أن يدفعها صارخاً بها، ارتخى جسدها غائبة عن الوعي بين ذراعيه. *** خمسة أيام مرت على زواجهم. وفي نفس اليوم الذي عاد فيه لعمله، هو نفسه الذي قررت زوجة أبيها ووالدتها وأشقائها القدوم إليها. ولم تعلم بذلك إلا صباحاً. أخبرها أن لا تتعب حالها وسيبعث لها كل شيء للضيافة وسيأتي مبكراً قبل قدومهم.

تناولت زوجة أبيها الحلوى تسألها بشماتة: "فين جوزك يا ياقوت؟ مش المفروض يستقبل أهل مراته؟ ونظرت إلى صباح غريمتها: "ولا انتي ايه رأيك يا صباح؟ لوت صباح شفتيها مؤكدة على كلامها لأول مرة: "عندك حق يا سناء." فتعلقّت عيناها بالساعة المعلقة. فقد أخبرها أنه سيأتي بالموعد المحدد ولكنه أخلف وعده. شعرت بالخيبة وقبضة تعتصر بقلبها فقد جعلها لقمة بين أنياب زوجة أبيها التي لم ترحمها. أشفقت ياسمين عليها لتنهض من

جانبهم تخلصها من محاصرتهم: "ياقوت عايزة أكلمك في موضوع مهم." وأخذت بيدها نحو المطبخ تزفر أنفاسها من أفعال والدتها: "اتصلي بي يا ياقوت، مش معقول يسيبك وانتي عروسة." ألمتها الكلمة فدمعت عيناها وهي تنظر لهاتفها: "تليفونه مقفول يا ياسمين. قوليلي أعمل ايه؟ وعندما سمعت صوت والدتها أشاحت وجهها بعيداً: "بنتي يا ياقوت فين جوزك؟ خليتي واحدة زي سناء تشمت فيكي." تنهدت ياسمين وهي تسمع جملتها عن والدتها فغادرت حتى تجعل

والدتها تكف عن حديثها: "اتصلت بي قالي جاي في الطريق. أصل عنده شغل مهم." هتفت عبارتها كاذبة تهرب بنظراتها عن والدتها. لتقترب منها صباح بشك وقد وضعت بيدها على صدرها شاهقة: "أوعي يكون جوزك قرفان منك يا بت. يا خبتك يا بنت صباح هترجعلي مطلقة. وهتشمتي فيا سناء وسعيد جوزي." ضاقت أنفاسها من عويل والدتها وصوتاً بالخارج أعاد لها الحياة لتخطو نحو صوته تستنجد به.

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...