الفصل 34 | من 70 فصل

رواية للقدر حكاية الفصل الرابع والثلاثون 34 - بقلم سهام صادق

المشاهدات
22
كلمة
3,611
وقت القراءة
19 د
التقدم في الرواية 49%
حجم الخط: 18

ركضت إليه تلقي نفسها بين ذراعيه. رمت أوجاعها وكسرتها وآلام سنين عاشت فيها لا ترغب بشيء إلا العيش. شعر بها فضمها نحوه مبتسمًا: -آسف يا حبيبتي اتأخرت عليكي. لوت سناء شفتيها مستنكرة فعلتها. أما صباح كانت تنظر إلى سناء نظرات ساخرة. لم ينظر للمشاهد ببرآءة وسعادة سوى أشقائها، فلم يصل إليهم خبث ومكر أمهاتهم. أكبر حظ كان لياقوت هم أخوتها لا يرونها سوى الأخت الكبرى الحنونة.

ابتعدت عنه خجلاً بعدما أدركت فعلتها، ولكن حديث والدتها وجرحها لها بكلامها جعلها لا تدري إلا وهي تركض نحوه تتمنى أن تخبره أنها هربت بالزواج منه ليس لنيله لأنه رجل مقتدر أو أعجبتها مكانته، إنما الخلاص الذي رغبه به بداية من عمل قست عليها الحياة فيه، وها هو الزواج الذي في أيام قليلة ذرفت فيه دموع خيبتها، فزوجها لديه مسؤوليات وهي تأتي بالمرتبة الأخيرة كما اعتادت دوماً. -منور بيتك يا جوز بنتي.

تفتحت صباح عبارتها وهي تقترب منه تمسح على سترته وعيناها ترمق سناء بمكر. ابتسم حمزة بلطف لها واعتذر منهم بلباقة: -آسف يا جماعة، كان عندي شغل مهم. بس ده بيتكم وانتوا مش ضيوف. التوت شفتي سناء أكثر فتمتمت داخلها: "آه ياناري بقى بنت صباح تتجوز الراجل ده وأنا بنتي حظها يقع في حتت موظف مرتبه يدوبك بيكفي.. ياميلة بختك ياسناء". ورغم نيران حقدها إلا أنها رسمت فوق شفتيها ابتسامة تُداري خلفها ما يجول بنفسها:

-كلك ذوق ياحمزة بيه... عرفتي تختاري يا ياقوت يا حبيبتي. لم يخفَ عن ياقوت حقد زوجة أبيها لها، ومن أجل تكملة دور واجبها بين أهلها ابتسمت. تربية عمتها لها جعلتها تتعلم أموراً كثيرة في الحياة وازدادت أخلاقها تهذيباً أكثر حين عملت بالملجأ بين الأطفال. لا الحياة تأخذ بلوي الذراع ولا المكر ولا القوة، إنما نيتك تجعلك تحصد ما تستحق.

داعب حمزة أشقاءها بلطف تحت نظراتها المحبة لما يفعله مع عائلتها. لم ينفر من شقاوة أشقائها ولا تنطيطهم، أنما عاملهم بلطف وانسحب من بينهم بعد أن جلس برفقته دقائق. -هدخل أغير هدومي.. عشان نتغدى سوا. اتسعت ابتسامة صباح بعدما غادر ثم دفعت ياقوت: -روحي ورا جوزك يا ياقوت. انصرفت ياقوت بتوتر خلفه، لتنظر صباح لسناء التي تشيطت غضباً: -شايفة جوز بنتي.. يامحلاه.. حبيبتي يابنتي كانت بيضالك في القفص.

احتقن وجه سناء وكادت أن ترد لها الصاع صاعين، إلا أن ياسمين وقفت حائل بينهم: -خلاص ياماما كفاية بقى. وانتي يا طنط صباح بلاش الكلام ده هنا.. جوزها يقول علينا إيه. تجهم وجه صباح فأشاحت عيناها بعيداً متأففة، ولكنها كانت تشعر بالزهو من رؤية حنق سناء. وقفت ياقوت وظهرها ملتصق لباب الغرفة تنظر إليه وهو يزيل ربطة عنقه بإرهاق ورمقها بابتسامة لعوب: -ماماك جابتك ورايا عشان تساعديني مش تقفي تتفرجي علي.

تخضبت وجنتا ياقوت حرجاً فأشار إليها أن تقترب منه، فألتفت حولها فضحك على هروبها وصمتها: -ياقوت مش هتساعديني وأنا بغير هدومي. اشتعلت وجنتاها بحمرة الخجل تنظر إليه: -ها... آه حاضر. واقتربت منه ببطء ليبتسم هو على ما يفعله بها، فقد أصبح يشعر بالمتعة وهو يرى ارتباكها وتوترها: -طب يلا ساعديني عشان نخرج لأهلك، ليفهمونا غلط.

اتسعت حدقتاها وهي تفهم مغزى كلامه، وفي ثواني كانت تتحرك يداها بخفة على أزرار قميصه تفتحه له، وعندما انتهت من الأمر ابتعدت عنه بحرج ليقبض على يداها بنظرات ماكرة: -كملي يا ياقوت، ولا أنده حماتي أقولها بنتك مش بتسمع الكلام. تعرقت يداها من فرط توترها وابتلعت لعابها هاتفة: -ما أنا هروح أجيب لك اللبس اللي هتلبسه.

ضحك مستمتعاً بتعلثمها ودنى منها يزفر أنفاسه على أحد خديها، أغمضت عيناها بقوة مع سرعة خفقان قلبها، فتحركت شفتاه صوب هدفها وقبل أن تنال ما يريد صاحبها، صدح صوت تكسير أحد الأشياء بالخارج، لتبتعد عنه فزعاً وفرت من أمامه لترى ما حدث. تنهد وهو يتبعها بعينيه زافراً أنفاسه مستاءً: -كان وقته... وقفت على مقربة منه تنتظر أن ينهي طعامه، جسدها كان يئن من الألم بسبب نومها على أرضية المطبخ.

تنفست براحة عندما أنهى طعامه دون كلمة جرحه على مذاق الطعام، فمنذ أن سقطت أمامه مغشية عليها وأصبح يرحمها قليلاً من قسوته: -اعملي لي قهوة وهاتيها مكتبي. تمتم عبارته بغلظة وأكمل خطواته نحو مكتبه، تابعته بعينيها متمتمة: -حاضر. وأسريت بجمع الطعام حتى تصنع له قهوته وتجلس تتناول طعامها وتأخذ قسطاً من الراحة التي أصبحت لا تحصل عليها إلا في أحلامها. أعدت له القهوة تدعو بداخلها أن تتقن صنعها ولا تجعلها تعيدها.

سارت بصينية القهوة وطرقت الباب بخفة ودلفت دون سماع رده. كان يمدد ساقه بوجع بسبب ضغطه عليها كثيراً في الحركة وعدم تمسيدها من حين لآخر: -أنا أذنت لك تدخلي. واردف وهو يعتدل في جلوسه: -حطي القهوة واخرجي. أسريت في وضع القهوة أمامه وخرجت تلتقط أنفاسها. انهمكت ياقوت في ترتيب المنزل وتنظيفه بعد أن رحل أهلها، جلست على الفراش براحة غير مصدقة أنها أخيراً ستجد الراحة. وفي دقائق معدودة كانت غافية ولم تشعر إلا بحركة يده على

ظهرها ويكتم ضحكاته بصعوبة: -ياقوت فوقي... محدش كسر الفازة ولا الطبق. كانت تعيد مشاهد اليوم مع أشقائها في أحلامها. انتفضت من نومها بفزع تنظر حولها: -في إيه.. في حاجة حصلت. تجلجلت ضحكاته وهو يرمقها: -أنتي مش معقولة.. أخواتك مشيوا يا ياقوت.. أنتي بتعيدي كل حاجة حصلت معاهم وانتي نايمة. وأكمل بمكر: -أنتي بتحبي مرات أبوكي أوي كده. اتسعت عيناها ذهولاً من أثر ذكره لزوجة أبيها: -بحبها.. هو أنا قولت إيه بالظبط.

تلاعب بها بنظراته العابثة: -كنتي عايزة تجيبيها من شعره. لتشهق مصدومة مما قالته لتصدح ضحكاته بعلو وهو يراها تشير نحو حالها: -أنا قولت كده. أومأ برأسه مجيباً فهو بالفعل استيقظ على همهماتها وهي غافية. تأملها وهي تفرك عيناها من النعاس وفي ثواني كان يأسرها بين ذراعيه يعيش معها أحلامه الضائعة. استيقظ فرات بصداع يدق رأسه ألماً، هبط الدرج يبحث عن مسكن.

دلف المطبخ لا يرى أمامه من شدة الصداع وقد ترك عصاه، بحث في أرجاء المطبخ عن مسكن ليتناوله، بعثرته في أرجاء المطبخ جعلتها تستيقظ من نومتها فزعاً. عدلت وضعيتها بخجل وألتقطت حجابها الذي تضعه جانبها فوضعته على رأسها وهي تنهض من رقدتها المؤلمة فوق الأرضية: -بتدور على حاجة يا فرات بيه. لم ينتبه عليها فرات إلا الآن ناسياً أن المطبخ مكان نومها: -اعملي لي قهوة وهاتي لي أي مسكن.

شعرت بأنه يتألم رغم ما يفعله بها إلا أنها أشفق عليه، فهو طوال وقته يعمل وكأنه آلة وليس بشراً: -حاضر. وأسريت في إعداد القهوة والمسكن، كان يتعقبها بعينيه وهو جالس على أحد المقاعد في المطبخ. ظهر شعرها من أسفل حجابها، وجهها كان محمرًا من أثر النوم وعباءتها المنزلية ترسم منحنياتها. عندما شعر أن شيطانه يأخذه إلى طريقه أشاح عينيه مستغفراً ثم نهض أمراً لها بجمود: -هاتي لي القهوة غرفة المكتب.

وصلت سماح لندن برفقة سهيل وطوال طريق رحلتهم كان الصمت يجلسهم. وبعد وقت وصلت لمنزل كبير بحديقة خلابة، نظرت من السيارة نحو المنزل متسائلة: -أنت عايش هنا. اعتدل سهيل في جلسته زافراً أنفاسه: -أيوه. عادت تحدق بالمنزل ولوت شفتيها ممتعضة: -هي الكورة طلعت بتكسب أوي كده. التقط سهيل خروج شقيقه وجين تدفع مقعده المتحرك. دنى منها يُقبل جانب شفتيها حتى يتظاهر أمامهم أنه يُقبل شفتيها ويثبت لهم حقيقة زواجهم. اتسعت حدقتا سماح

وكادت أن تدفعه عنها وتسبه: -إنهم ينظرون إلينا. قطبت سماح حاجبيها بضيق بعد أن فهمت، حانقة من فعلته الوقحة: -مش خلاص عرض المحبين خلص. هبطوا من السيارة لتحدق سماح بشقيقها والفتاة التي تقف خلفه، أشفت على شقيقها وهي ترى نظرات تلك الواقفة ولم تكن نظراتها إلا موجهة إليها ترمقها بكره وحقد: -أهلاً بكي ضمن عائلتنا... أدعي نور الدين وهذه جين حبيبتي. رحب بها نور الدين بود ولطف فشكت أن الاثنان أخوة. ابتسمت إليه وبادلته لطفه:

-لي الشرف سيدي. تمتم نورالدين وهو يطالع شقيقه الواقف جانبها وقد تحركت يداه على خصر سماح: -أصبحتِ من العائلة سماح... أنا نورالدين فقط. لم تبدِ جين أي ترحيب بها وإنما ظلت ترمقها بنظرات حاقدة، وقد كان سهيل يتلذذ في رؤيتها هكذا وينتظر رحيلها من المنزل الذي تقيم فيه معهم لأنها ممرضة شقيقه وتعتني به: -كنت أظن أنك ستتزوج بفتاة شقراء يا سهيل، ليست كما توقعت. أخيراً تخلصت جين من صمتها وكانت تظن أن سماح سهلت المنال،

فأحتقن وجهها هاتفة: -القلب كما يهوى عزيزتي.. وسهيل يذوب بي عشقاً.. مدام اختارني قلبه فأنا لست أي امرأة. تجمدت ملامح جين وهي لا تصدق أن سهيل الذي يمقت النساء وليسوا في قاموس حياته أحب وتزوج، فكم مرة عرضت عليه نفسها بإذلال ولا تلقى منه إلا النفور والطرد. فابتسم بزهو على ردها الذي أعجبه وانتهى أخيراً اللقاء الذي حققت فيه جين على سهيل وأقسمت أنها ستذيقه مرارة فعله وجرحه. دارت عين سماح بالغرفة الواسعة: -أعجبتك الغرفة.

طالعته بحنق مشيرة نحو كلاهما: -أنا وأنت سنقعد فيها مع بعض. اقترب منها وسلط عيناه نحو إصبعها: -بالطبع.. وفي نفس الفراش أيضاً. اتسعت عيناها غضباً وقبل أن تبدي ردة فعل صدمتها وقاحته: -لا تقلقي أنا أمقت النساء وحين أتخلى عن كرهي لهم فلن أقع في غرامك أنتِ. لم تتحمل سماح إهانته، فمثلما يبغض النساء هي تبغض أمثاله. وكادت أن تلذعه بوقاحتها مثلما تواشح معها، ولكنها أدركت أن البرود مع أمثاله هو الأفضل: -القلوب عند بعضها.

ومع صوت جين تهتف بهم أنهم ينتظرونهم على الطعام: -اضحكي واصنعي أي دور، أم أنكِ لا تفهمين في أمور النساء أيتها الشويش. رغم حنقها منه كانت تمثل الدور ليس من أجله إنما رداً لأنوثته. تتسترقي جين السمع لأصواتهم: -سهيل بس عيب بقى.. ابعد خليني أنزل. والمشهد لم يكن إلا هي تدفعه على صدره وتارة تعض ذراعه وهو يحاول أن يمسك يداها أو رأسها. نظر مراد نحو الفطور المعد على المائدة ليلتقط الورقة الموضوعة أسفل كأس العصير:

"كان لازم أروح شغلي بدري النهارده". وأنهت جملتها برسم وجه على شكل ابتسامة. ابتسم رغماً عنه وجلس يتناول فطوره. كل يوم أصبح يكتشف فيها أشياء عدة. هناء الفتاة القوية التي تمالكت جرحها ولم تتبع أساليب النساء في الخصام، إنما اتبعت تربيتها، تحضر طعامه وغدائه وما يريده منها. رأته كيف تكون ابنة الأصول التي لا تثور وتفضح أمرها. أكملت حياتها معه إلى أن يأتي وقت الرحيل ولم تنسى بناء كيانها والذي لم يكن إلا ترميماً لجراحها.

وفي مكان عملها كانت تقف في مطبخ الفندق تتناول كأس الشاي وقطعة من الكعك وتتحدث ببشاشة مع العاملين داخل المطبخ: -عليك كيكة يا عم علي تهبل.. عايزة الطريقة بقى. وأردفت مبتسمة: -أوعي تقولي دي سر المهنة. ضحك على الطاهي الخاص بالفندق: -عنينا ليكي يا أستاذة. ووسط شرح على طريقة إعداد الكعكة، دلف خالد للمطبخ ليسرع الجميع في إتمام عمله باهتمام ليتمتم على باحترام: -أهلاً خالد بيه.

وقفت رشفة من الشاي في حلقها لتسعل من ارتباكها ونظرت إلى قطعة الكعك الصغيرة المتبقية فألتقطتها لتلتهمها: -اشربي بؤه ميه يا أستاذة. كان خالد يرمق تصرفاتها بصمت إلى أن قرر أن يتخلى عن صمته وهتف بجمود عكس ما بداخله: -أستاذة هناء. دارت هناء جسدها نحوه ببطء تبحث عن إجابة لوجودها بالمطبخ: -مش على مكتبك ليه يا أستاذة. طالعت هناء الواقف جانبها ثم العاملين لتنظر إلى خالد الذي ينتظر إجابتها: -أصل كنت...

بصراحة يا فندم الشيف علي بيعمل كيكة خرافة وأنا أدمنتها... فقولت آخد فطاري هنا. ضحك "علي" على عباراتها وصراحتها وقد ظن أن حديثها لن يعجب مديرهم واتسعت عيناه وهو يجد مديره يبتسم مشيراً لها بعد أن أخفى ابتسامته: -اتفضلي يا أستاذة. طالع شهاب سكرتيرته الجديدة التي أوصت عليها زوجته بشدة: -اتفضلي يا آنسة سمر.

حدقت به سمر بافتتان من وسامته وجسده. أفكارها كانت تنحصر دوماً بالرجال في الوسامة والجسد، تذكرت حديث إحدى صديقاتها فمن أجل أن تعاقب خطيبها السابق وترد كرامتها عليها أن تجذب أحد الرجال وها هي وجدت الرجل المطلوب. نست ندي التي وظفتها لدى زوجها ونست لما أتت لتنتبه على صوت شهاب: -آنسة سمر أنتِ معايا.. ممكن أوراقك. نفضت أفكارها وأعطته أوراقها بابتسامة متسعة: -اتفضل يا فندم. تنهد شهاب وهو يطالع أوراقها متمتماً بداخلها حانقاً

من زوجته: "أقول فيكي إيه يا ندي.. جايبالي واحدة ضايعة". تنهدت ياقوت بملل وهي تنظر إلى الطعام منتظرة قدومه، تعلقت عيناها بالوقت فقد مضى وقت انتهاء عمله. نظرت للطعام الذي أعدته. رمقت هاتفها تخجل من مهاتفاته ولكنها لم تجد شيئاً غيره. ألتقطت هاتفها كي تدق عليه فسمعت صوت الباب يفتح ليدلف للشقة فنهضت نحوه قلقة: -اتأخرت أوي.. أنت كويس.

طالعها حمزة وهو لا يعرف بماذا يجيبها فقد أصبح منقسماً بين واجبه مع أسرته الأخرى وواجبه عليها. كل يوم يكتشف أنه دخل حياة لن يصبح عادلاً فيها، فلن يحطم عائلة بناها من أجل شغف قلبه، كانت نيته وهو عائد من عمله أن يذهب حيث يرغب قلبه ولكنه عدل عن الأمر وذهب للفيلا كي ينعم بعشائه وسط عائلته وصغيرته. انتبه على سؤالها: -أنت كويس.. أكيد جعان. رمق مائدة الطعام المُعدة ونظر لها فأشفق على ما صنعته من أجله، وأقترب

منها يمسح على خدها برفق: -هغير هدومي تكوني سخنتي الأكل وناكل سوا. ابتسمت وهي تطالعه خجلاً وذهبت لتسخن الطعام الذي سخنته من قبل. عاد بعد أن بدل ثيابه وجلس أمام المائدة، صنعت له كل الطعام الذي يفضله: -أنا سألت نادية على الأكل اللي بتحبه. قالتها بحماس. ليطالع حماسها مبتسماً. وأخذت تضع له من الأصناف التي أعدتها في طبقه وهو لا يستطيع تناول شيء. شرع في تناول الطعام ببطء وبدأت هي بالأكل وبعد لقمتين أكلتهم:

-تسلم إيدك الأكل طعمه يجنن. نظرت إلى الطبق الذي لم يمس منه إلا القليل ولم يكن إلا صنفاً واحداً قد تناوله: -بس أنت مأكلتش حاجة. ابتسم بلطف وتناول ملعقتها منها: -عايز آكلك بنفسي. تعجبت من أمره وبالفعل بدأت تطعامه مع دعاباته، أنساها أمر أنه لم يأكل شيئاً وأراح ضميره أنه هنأ بعشاء هادئ وجميل.

أنساها لماذا تأخر عنها ولما لم يأكل طعامه وكانت هي كالعطش الذي يرتوي من الحب والحنان حتى لو كان عدد من الساعات التي تنتهي بهم كما يرغب هو بين ذراعيه. رمق سالم مها بنظرات متفحصة يعض على شفتيه يتأمل كيف أصبحت سيدة من سيدات المجتمع، فالرفاهية ظهرت على جسدها وملابسها ووجهها فأزدادت جمالاً. كانت ماجدة بالمطبخ تجهز الطعام من أجل شقيقتها أما مها جلست تتحاشى الحديث معه تتلاعب بأصابعها:

-إيه يامها أنتِ مخاصمة جوز أختك ولا مبقيناش نشرفك. صمتت دون رغبة في سماع حديثه. ما زالت ذكرى لمساته القذرة وهي نائمة وكانت تظنها أحلاماً تقتحم مخيلتها، وصوته حين وضعها شقيقتها فوق سطح المنزل صداه داخلها. أخبرها أنه سيجعل ماجدة تعيدها للشقة والمقابل أن تصمت على أي شيء، ولم يكن الشيء إلا انتهاك حرمة جسدها. -احلويتي يابت يامها.

هتف بها سالم بصفاقة، فضاقت أنفاسها من سماع صوته فمجيئها اليوم لم يكن إلا بسبب شكوك شريف في رفضها للذهاب لشقيقتها التي تظن أنه يحرمها من عائلتها، ولكن الحقيقة هي من لا ترغب بالذهاب فلا هي تستطيع الحديث وهدم حياة شقيقتها ولا هي تعرف كيف تأخذ حقها. -وعلى كده شريف باشا شايف شغله وقايم بالواجب. لم تفهم مقصده في البداية ولكن بعدما أكمل باقي عباراته البذيئة مشيراً نحو علاقتهما: -ماجدة أنتِ فين... تعالي أنا مش عايزة آكل.

ونهضت نحو المطبخ هاربة تتعثر في خطواتها ولكنها لم تعد تحتمل حديثه داعية أن الوقت يمر ويأتي شريف ويأخذها. ضحك سالم على هروبها متلذذاً: -ياخسارة بقى حتة الفرسة دي تضيع مني وأتدبس في أختها. نظرت مريم لهديل صديقتها بسعادة: -أخيراً خلصنا امتحانات وبقي فاضل لينا سنة وندخل الجامعة. كانت هديل تحدق بالمكان الذي اصطحبتها إليه مريم بانبهار متسائلة: -مريم ما تيجي نقوم من هنا.. المكان شكله غالي. طالعتها مريم ضاحكة تنظر حولها:

-متقلقيش يابنتي.. أنا مش عارفة اتأخرت ليه ديه كمان. تنهدت هديل بيأس من صديقتها وأفكارها: -بلاش تمشي ورا رؤى يامريم... وكمان حرام عليكم اللي هتعمليه في مرات باباكي ديه شكلها طيب. احتلت نظرات مريم ولانت ملامحها وهي تشير بيدها نحو رؤى القادمة نحوهم. جلست بينهم ولم تعد مريم لصداقتها مع رؤى إلا عندما شعرت بحاجتها لمكرها، أما الأخرى مدام ترى الجميع يعاني في حياته وليس لديه عائلة تهتم لأمره فهم أحبائها:

-فينها يامريم أنا متحمسة أوي. ضحكت مريم باستمتاع لتلتقط عيناها ياقوت القادمة وقد أتت إليها بسعادة حتى يقتربوا من بعضهم. واقتربت من طاولتهم بابتسامة صادقة ولم تنتبه لغمزات مريم مع صديقاتها.

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...