الفصل 30 | من 70 فصل

رواية للقدر حكاية الفصل الثلاثون 30 - بقلم سهام صادق

المشاهدات
26
كلمة
4,007
وقت القراءة
21 د
التقدم في الرواية 43%
حجم الخط: 18

تجمدت أطرافها وانكمشت على حالها وهي تشعر بعبق أنفاسه داخلها. دقيقة مرت وهو ينظر إلى جسدها الذي يرتجف من قربها. شاح وجهه بعيداً عنها مُتمتماً بجمود: -اخرجي يا ياقوت. فرت من أمامه دون كلمة نحو الباب لتقبض على مقبضه فتجده يُفتح بسهولة معها. دارت بعينيها نحوه لتجده مازال على وقفته وظهره مُقابل لها. لتسرع في خطاها نحو الدرج فتعلقت عيناها بأعين مريم التي كانت تصعد لأعلى. رمقتها مريم بنظرات جامدة.

فابتسمت لها بابتسامة تُداري خلفها ارتباكها. ولكن مريم لم تُقابلها إلا بإشاحة عينيها عنها، زافرة أنفاسها بحنق تتوعد لها داخلها. أكملت خطاها لأسفل وهي تلتقط أنفاسها وقلبها يخفق بقوة من تلك المشاعر التي لم تعشها من قبل. كل شيء كان جديداً عليها وما هي إلا أنثى أرادت أن تنعم بحنان فقدته منذ طفولتها. ولم يكن الحرمان إلا بسبب انفصال الوالدين.

تنهد حمزة وهو ينثر عطره بعد أن أنهى ارتداء ملابسه بملامح جامدة كلما تذكر خوفها منه. سمع طرقات خافتة على باب غرفته. ليجد مريم تقف على أعتاب الغرفة تطوي ساعديها أمامها وتُطالعه بابتسامة واسعة. -إيه الجمال ده يا سي بابا. ارتخت ملامحه سريعاً فور أن سمع صوت صغيرته، فالتف نحوها يرمقها ضاحكاً. -كبرتي وبقيتي بكاشة. ابتسمت بسعادة واقتربت منه. ليسمع صوت شهاب خلفها يحثه على النزول. تععلقت مريم بذراع حمزة ليضحك شهاب.

-أنا مش عارف هنجوزك إزاي. زمت مريم شفتيها عبوساً. فضحك حمزة على تذمرها. -مش وقت الكلام ده يا شهاب. مريم لسه قدامها مستقبل. تراقصت ملامحها بسعادة وطالعت شهاب تُخرج له لسانها. وما كان من شهاب إلا أنه عبس بوجهه متذمراً مُخرجاً لها لسانه مثلما فعلت. *** تعلقت عين نادية بشقيقها وفور أن وجدته يتقدم منها أشاحت عيناها بعيداً عنه تُداري حالها من نظراته الثاقبة. -ممكن أفهم إيه اللي عملتيه ده.

تنحنت نادية بهدوء والتفت نحوه بثبات ترسم فوق شفتيها ابتسامة واسعة. -أنا عملت إيه يا حمزة. ارتكزت عيناه نحو ياقوت التي وقفت مع فؤاد زوج شقيقته يتحدثون. ثم التقطت منه الهاتف بعد أن حادث أحدهم فأعطاها الهاتف. -عينك هتطلع عليها ومتابع كل خطواتها. مع أن سهل عليك تقربها منك. تكتفت بها نادية وطالعته بمكر تتفنن فيه. لتحتد نظراته نحوها. -نادية بلاش شغل الستات ده.

ضحكت بشقاوة رغم سنوات عمرها الأربعين وابتعدت عنه تشكر نفسها عما قدمته. تنهد بمقت وعيناه تُلاحقها في كل مكان. ولكنه لا يستطيع أن يتحرك نحوها. فقيود الواجب والعائلة كانت في عرفه هي الأساس. اتجهت ياقوت لأحد الأماكن الجانبية تتحدث مع صديقتها وهي لا تُصدق أنها أخيراً أجابت عليها. -كده يا هناء. اتجوزتي والجواز أخدك مني. حتى محولتيش تسألي عني.

غمضت هناء عيناها وهي تسمع عتاب صديقتها وتنظر لمراد الذي أعطاها ظهره بعدما ناولها الهاتف حتى تُحادث صديقتها. -متزعليش مني يا ياقوت. حقك عليا. وخطت بقدميها نحو غرفتها لتأخذ حريتها في الحديث. -حاجات كتير حصلت معايا وكان غصب عني. ترقرق الدموع في عينيها وهي تود أن تخرج كل ما يثقل على روحها من ألم. تمالكت حالها بصعوبة تعض على شفتيها. -هناء انتي فيكي حاجة. قلبي حاسس إنك تعبانة.

جالت عين هناء بالغرفة وهي لا تقوى على كتم حزنها. -لا أنا كويسة يا ياقوت متخافيش. نسيت أباركلك يا حبيبتي. متعرفيش أنا فرحانة قد إيه. ويوم الفرح هتلاقيني عندك. تعلقت عين ياقوت بحمزة الذي أخذ يقترب منها ببطء. -هستناكي يا هناء. أوعي تسبيني اليوم ده لوحدي. وساعتها هعرف إيه اللي مخبياه عني. انتهت المكالمة. لتنظر هناء نحو الهاتف ثم غادرت غرفتها. وجدته يجلس على الأريكة يضع حاسوبه فوق ساقيه. فوضعت الهاتف أمامه متمتمة. -شكراً.

واستدارت بجسدها عائدة لغرفتها. ولكن وقفت متذكرة أمر العمل الذي قُبلت فيه وستبدأ من الغد. ألفتت نحوه لتجده يحدق بها بصمت يود الحديث معها ولكن كبرياؤه يمنعه. -بكرة هبدأ أول يوم شغل. ولم تنتظر سماع رده واندفعت نحو غرفتها. لتفزع من صوته. -هناء أنا صابر عليكي وبقول حقها تزعل. بس متزوديهاش. طالعته بهدوء تنظر إليه وجلست على فراشها. -أول مرة أشوف ابن عم بيحاكم بنت عمه عشان عايزة تشتغل وتشوف مستقبله.

تجمدت ملامحه بضيق من نسيانها أنها زوجته. -هناء افهمي كلامك كويس. ضاقت عيناها وانتفضت من فوق الفراش ترمقه بحقد. -انت أناني. عارف يعني إيه أناني. أنا مش عارفة إزاي كنت بحب واحد زيك. طعنت كلماتها رجولته وآلمت هيئتها. وقبل أن يهتف بشيء. اقتربت منه تدفعه على صدره. -ياريتك فضلت مسافر ومرجعتش. ياريتني ما حلمت بيك. أغمض عيناه وهو يسمعها. ولأول مرة يُدرك أنه أكبر خاسر. *** أطرقت ياقوت عيناها خجلاً عندما وجدته يقترب منها.

ولكن أوقفه في البداية أحدهم يتحدث معه. فركت يداها بتوتر تنتظر قدومه. لتجد مريم تتعلق بذراعه ثم جذبته نحو العروسين والتجمع العائلي الخاص بهم. وما كانت هي إلا الطرف المنبوذ. تجمدت عيناها على المشهد بألم. اقتربت منها ياسمين تزفر أنفاسها بملل. -ياقوت أنا عايزة أروح. زهقت. طالعتها وهي لا تعرف من سيعود بهم إلى بلدتهم. نظرت حولها ونظرت لملامح شقيقتها المستاءة. -ياقوت اتصرفي. وشوفي حمزة خلينا نروح.

خشيت أن تذهب إليه ولكن إلحاح شقيقتها جعلها تخطو نحوه بخطوات مُرتبكة وكأنه ليس لها وليست له وإنما هي كالغريبة. تقدمت نحوه بتوتر ولكن وجدت مريم تقطع عليها الطريق وتقترب منها. الكل ظن أنها تتحدث معها وتُرحب بها وستبدء بينهم صداقة. أجدت الصغيرة رسم ابتسامة واسعة فوق شفتيها حتى هي فرحت بقربها وبابتسامتها الودودة وسيتجاوزوا ذلك الكره ويصبحوا عائلة واحدة. ولكن كان خلف تلك الابتسامة قناعاً آخر ظهر مع لذعات لسانها.

-لو رايحة لبابا ياريت بلاش لأنه مش فاضيلكوا. أشارت نحو شقيقها وحمزة وندى ونادية التي كانت تتابع الموقف وهي تتمنى أن تعتاد مريم على ياقوت. -شايفة محدش فاضيلك إزاي. حتى الجو عندنا مش لايق عليكي. ألقت عباراتها ثم انصرفت تبتسم بفخر عما حققته. لتتعلق عين ياقوت بها ذهولاً غير مصدقة أن فتاة بعمرها تتحدث وكأنها امرأة ماكرة تعرف صب سمومها. بلعت غصتها بمرارة وابتسمت كي تُداري كسرتها.

وفي دقائق كانت تسحب يد شقيقتها وتُغادر المكان. لتنفض ياسمين يدها تسألها. -ياقوت ماتردي عليا هنروح إزاي. تنهدت بأنفاس مُثقله وهي تلتف حولها وكل ما تريده أن تُغادر المكان. لتنظر أمامها بخيبة. تهللت أسارير ياسمين وهي تجد حمزة يقترب منهم. أما هي أشاحت عيناها عنه. شهقت وهو يجذبها من مرفقها دون كلمة مُعتذراً من شقيقتها. -ممكن أفهم ليه سبتي الحفلة. مع أن مريم طلبت منك تيجي تتصوري معانا وتُباركي لشريف.

اتسعت عيناها وكادت أن تهتف موضحة له أنها لم تُخبرها بشيء هكذا. إنما هي من أخبرتها أن تبتعد عنهم أو تزعجهم. -مش مضطرة تقبلي أي دعوة من عيلتي يا ياقوت. مدام مش هتكوني مبسوطة. واتمنى تحترميهم وتعامليهم كأنهم عيلتك. ألقى عبارته الأخيرة وكأنه يُحذرها من الإساءة لعائلته. فابتلعت عبارات دفاعها عن نفسها. فالاتهام قد سقط عليها وأصبحت هي المُذنبة. واتقنت الصغيرة لعبتها وانتهى الأمر.

-ممكن أمشي عشان ترجع لعيلتك وميفتكروش إني باخدك منهم. رمقها بنظرة طويلة. أما هي كانت تقف تتمالك دموعها تعض باطن خدها كي لا تبكي أمامه. *** قادها برفق نحو الفراش والسعادة كانت مرسومة فوق شفتيه. كل شيء تم سريعاً ولكن وقت أن يصبحوا معاً قد جاء. كانت خائفة وبقدر خوفها كانت سعيدة. -مها. همس اسمها برقة وجلس جانبها ينظر لملامح وجهها الناعمة يشبع عيناه منها. أغمضت عيناها بخجل. فابتسم وهو يضمها إليه. -تعرفي إنك جميلة أوي.

حررت جفونها من غلقهما وفتحت عيناها تسأله. -بجد أنا جميلة يا شريف. أنا طالعة حلوة. تنهد وهو يشعر بالألم اتجاهها. يقسم أنه سيفعل كل شيء حتى يعود لها بصرها إذا كان مقدر لها. وإن لم يكن لن يتركها مهما حدث. -انتي أجمل بنت شافتها عيوني. ده انتي كتير عليا. الناس النهاردة كانت بتشاور وتقول إزاي العروسة الحلوة دي تتجوز الوحش ده. ابتسمت وهي تتذكر أحاديث البعض. كيف العمياء تتزوج بمثله.

ولكنه لم ترغب أن تخبره بما سمعته فقد اعتادت على أقوال البعض دون رحمة. -أنا بحبك أوي يا شريف. ورفعت يدها نحو صدره تبحث عن دقات قلبه. لتستقر كفها على موضع قلبه. -أنا حبيت ده. حبيت قلب شريف. لم يتمالك شريف نفسه يداه جالت على جسدها بعبث. ولكن مع لمساته كانت تتذكر أيد سالم التي كانت تعبث بجسدها. سقطت دموعها ويداها تدفعه عنها. فابتعد عنها قلقاً. -مالك يا مها. انكمشت على نفسها وضمت جسدها بذراعيها تهتف بخوف. -متعملش زيه.

متعملش زيه. وانختمت ليلتهم بتلك الجملة التي جعلت عيناه تجحظ على وسعهما وكلام المرأة التي قادته لغرفتها ذلك اليوم يتردد في أذنيه. "طالع يتسحب على السلالم بليل. وبيتلفت حواليه وهو واد بتاع مزاج." *** بدأت هناء عملها كموظفة استقبال في أحد الفنادق الكبرى بمدينة الإسكندرية. لم تطلب مساعدة عمها الذي كان من الممكن أن يجد لها وظيفة أفضل.

إلا أنها قررت أن تعتمد على حالها وتبدأ المشوار وتخوض كل شيء بنفسها حتى تواجه حياتها القادمة. لم يعلم مراد بمكان عملها ورضخ لإصرارها بعدما انهارت أمامه تلك الليلة. ابتسمت ابتسامة لطيفة عندما وقف أمامها أحد نزلاء الفندق يطلب منها أن تستدعي له سيارة أجرة. كان المدير يراقبها من بعيد ليتقدم منها فتوترت من وجوده وحصار نظراته عليها. -أفندم يامستر خالد. تعلقت عين خالد بها ثم انصرف دون كلمة.

فرفعت إحدى طرفي شفتيها مُستنكرة فعلته. *** اتسعت عين ياقوت دون تصديق لتمسح يداها من الأتربة التي تعلقت بهما من أثر تنظيف المنزل. -سماح. أنا مش مصدقة إنك هنا. ضمتها سماح باشتياق تُعاتبها. -معرفتش أوصل ليكي. فقولت أجيلك بنفسي البلد. طالعتها ياقوت بسعادة. -انتي رجعتي إمتى من مهمتك. نظرت لها سماح ثم تعلقت عيناها بداخل المنزل مُتسائلة. -انتي هتسبيني واقفة على الباب يابنتى. ارتبكت ياقوت وهي تخشى أن تحرجها زوجة أبيها.

ولكن سناء تقدمت منهم. -مين يا ياقوت. عرفتها سماح عنها. لتلقفها سناء بين ذراعيها مُرحبة بها. -أهلاً يا حبيبتي نورتينا. ونظرت إلى ياقوت تُعاتبها وترمي بسمومها. -كده تسيبي صاحبتك على الباب يا ياقوت. أصل ياقوت مبتفهمش في الأصول. رمقت سماح صديقتها وتعبيرات وجهها التي اخذت تتغير مع عبارات سناء التي كانت كالبلسم أمامها. -اتفضلي يا بنتي. ودفعت ياقوت من أمامها هاتفه. -روحي يلا يا ياقوت اعملي عصير.

اتجاهت أنظار ياقوت نحو صديقتها التي أخذتها سناء. تتنهد بيأس من أفعال زوجة أبيها. فاللُطف لا يأتي إلا مع الغرباء. إنما معها لا تريها إلا السواد. تُدفعها الثمن كل يوم من خدمة في البيت حتى تنام وهي لا تشعر بحالها. والكلمة التي اعتادت عليها هذه الأيام. "اعملي بلقمتك الأيام دي يابنت صباح. ولا انتي هتشوفي نفسك علينا من دلوقتي. يلا أه بكرة تتجوزي وترجعيلنا بشنطة هدومك ويا خوفي ترجعيلنا بعيل."

تلقى عباراتها كل ليلة وهي تلوي شفتيها بتهكم. وكأنها تنتظر فشل تلك الزيجة. أعدت أكواب العصير. لتجد سماح قد اندمجت معها في الحديث. -اتفضلي يا سماح العصير. اتفضلي يا مرات أبويا. وناولت سماح الكوب كما تناولت سناء. وقبل أن تجلس هتفت بها. -إيه ده انتي هتقعدي يا ياقوت. مش عيب كده قومي ادبحي دكر بط انتي وياسمين من فوق السطح واطبخي لصاحبتك.

ورغم اعتراض سماح إلا أن أمر سناء قد تم وحشرت هي وشقيقتها في الدبح والتنظيف والطبخ حتى هلكت. *** دبت سماح على معدتها وهي تجلس على الفراش الذي تحتويه الغرفة. -بس مرات أبوكي دي ست كريمة أوي يابت يا ياقوت. فابتسمت ياقوت وهي تقترب منها لتهمس سماح. -شكلك انتي المفترية. تنهدت ياقوت وهي تفكر أن صديقتها تظنها كاذبة. ولكن سماح لم تكن سهلة. -أنتي اللي طيبة يا سماح. ضحكت سماح وهي توقظها على ذراعها هاتفه.

-انتي اللي هبلة وعلى نياتك. وارتمت سماح بين ذراعيها تحضنها بقوة. -أنا مسافرة لندن يا ياقوت. وأغمضت عيناها مُتذكرة تلك الليلة التي جعلها سهيل تخضع لأمر الزواج ليتم الأمر. واتضحت لها الحكاية أن سهيل يفعل ذلك من أجل حبيبة شقيقه التي تحبه هو وتسعى لتوقيعه لتناله. أخبرها عن حاله شقيقه الصحية وعجزه بعد أن أصابه الشلل. وتلك المُخادعة التي يُحبها تسعى نحوه وتضعه كهدف وتتلاعب بشقيقه حتى تصل إليه.

والحل أخبره به أحد أصدقائه أن يتزوج زواجاً مؤقتاً بشروط ومن فتاة بعيدة عن عالمه حتى لا تزعجه ثانية حيناً ينفصل عنها ويمضي الأمر. وتفقد "جين" اللعينة الأمل بهدر خطته. واستجاب لافكار صديقه واقحمها هي بكل وقاحة لتتقبل الحكاية بعناد ورغبة في الانتقام منه على لعبته الدنيئة التي أقحمها بها دون أن يفكر فيها. وخرج صوتها بثقل. -أنا اتجوزت يا ياقوت. لتبتعد عنها ياقوت فزعاً. -اتجوزتي. ماهو.

ضحكت سماح وهي تتذكر ماهر الذي أرسلت له صورة زواجها من سهيل. -ماهر ده خاين. لا أنا اتجوزت سهيل نايف. لتنظر إليها ياقوت وهي لا تستوعب الحكاية. -لاعب الكورة. إزاي ده حصل. فزفرت سماح أنفاسها بقوة وشاكستها. -أهي أقدار. زيك كده مع حمزة الزهدي البعبع اللي كان بيرعبك. *** نظرت صفا إلى الإسطبل الذي تعبئه القاذورات. فطالعت عنتر الذي وقف يرمقها بجمود. -هنفضل كتير كده. ما يلا يا ختي ابدأي التنضيف.

طالعته صفا بصمت ثم حملت الأدوات التي أعطاها لها. لتبدأ في مهمتها باكية واعين عنتر تُتابعها. ثم انصرف لغرفة مكتب فرات. -أي أوامر تانية يا فرات بيه. طالع فرات بعدما مد ساقيه بتعب وارخي ظهره على مقعده. -كفاية عليها شغل لحد كده. تنهد عنتر من صمودها. -ما تطردها يابيه من نفسك ونخلص. احتلت عين فرات. فأطرق عنتر عيناه أرضاً. -روح شوف شغلك. غادر عنتر. لينهض من فوق مقعده تاركاً عصاه التي تشعره بعجزه.

تحمل على قدميه وسار نحو الشرفة شارداً في مكالمة شقيقته تبكي له عن غضب عزيز عليها وإهماله لها وأولادها منذ أن اختفت صفا. تترجاه أن ينفيها بعيداً حتى لو لزم الأمر وبعثها لبلد أخرى خارج مصر. *** ضاقت عين شهاب بغضب وهو ينظر لندى التي رفضت الذهاب لحضور العرس في بلدة ياقوت. فقد اقترح فؤاد عليهم أن يقيموا العرس في منزل شقيقه بعد أن حدث إعصار حين طالبت نادية أن يفعل شقيقها عرسًا. -ندي اعقلي كده وجهزي نفسك عشان نسافر.

أنا متحمل اعتراضك على جواز حمزة وأقول معلش مهما كان أخته. وأردف بضيق. -ما انتوا أه حبيتوا مها. اشمعنا يا ياقوت. فصاحت به باكية. -مش قادرة يا شهاب. سوسن مكنتش أختي بس. دي أمي. مش قادرة أتخيل إنه هيبقى لواحدة غيرها. أحضر فرحه إزاي مش كفاية قبلنا. تجمدت ملامحه وهو يرمقها. -دي اسمها أنانية. والمفروض تكوني ناضجة عن كده يا ندي. طب مريم ولسا صغيرة مش فاهمة حاجة. أما انتي. آخر كلام تجهزي. وإلا هتصرف تصرف مش هيعجبك يا هانم.

تركها بعد أن ضاقت أنفاسه من ذلك الجدال الذي صار محور حياتهم كلما اقترب موعد العرس. تجلس فوق فراشها متنهدة. وبعد تفكير نهضت لتُرتب حاجتهم. فالأمر قد انتهى. *** نظرت ياقوت لكل من سماح وياسمين وهناء الملتفون حولها بحبولم يتركوها ذلك اليوم. لم تسافر سماح رغم سفر سهيل لبدء تدريباته واقتراب موعد الدوري الإنجليزي. أرادت أن تنهي متعلقاتها وتستعد للمواجهة ونيل حقها منه بعد أن ظن أنها لقمة سهلة المنال.

أما هناء كانت تؤلمها تلك اللحظة ورغم إصرار ياقوت عليها أن تخبرها أن تحكي لها ما يُحزنها إلا أنها لم ترغب في أحزانها تلك الليلة. تأملتها هناء بسعادة. -طالعة قمر يا ياقوت. فطالعت زينة وجهها مُتسائلة. -المكياج مش تقيل شوية. لتنظر سماح لوجهها. -لا خالص. أنا مش عارفة ليه مروحتش الكوافير ولا في صوت حتى أغاني ولا حاجة. ده ولا كأننا في عز فرح. تنهدت بألم وهي تتذكر موت زوجة عم زوجة أبيها.

فقلبت الدنيا عليها ولم ترغب بفعل عرس لها. إلا أن والدها وقف لها ومع مساعده السيد مهاب ومحبته لها قرروا أن يفعلوا العرس في منزله. -متقلقيش يا سماح أنا مجهزة البنات في بيتنا وهنرقص للصبح. تفتحت هناء بسعادة وقد نست كل آلامها مع فرحة صديقتها. وفجأة شهقوا حين دلفت زوجة أبيها فجأة مرتدية السواد. لتظهر من خلفها نادية المبتسمة ووالدتها التي سمح لها أخيراً زوجها أن تأتي لها كالأغراب.

فمنذ رفضها لابن شقيقه مرة أخرى وازداد بغضه عليها وبغضه لم يأتي إلا في صورة حرمانها من والدتها في لحظات حياتها التي لا تُنسى. *** بدأ العرس وقد كان كما أخبرتها هناء. وقامت سماح بالواجب وما أعطا لهم الحرية أن العرس كان منفصلاً. فالنساء بالأعلى والرجال بالأسفل في غرفة الضيافة الواسعة. رقصت هناء حتى قطعت أنفاسها ولم تنتبه لتقي التي ألتقطت لها بعض الصور وسجلت لها فيديو لرقصها مُقررة أنها ستبعثهم لشقيقها حتى يرى زوجته.

أما ندي جلست وبجانبها مها ومريم التي تنظر نحو ياقوت بغضب. رغم رغبة مها في التهليل مع الفتيات إلا أن كلامهم عنها كان له تأثير. أخبروها بعدم فرحتهم وأن ياقوت ماهي إلا فتاة لاعوب ساعدوها لتعمل ثم وضعت شباكها على حمزة الذي كان عازفاً عن الزواج. فرحت ياقوت من قلبها لأنها ستتخلص من أسر زوجة أبيها. فلم تجد في الزواج إلا نيل حريتها رغم خوفها. وما أراحها قليلاً أنها ستعيش بشقة خاصة بها بعيدة عنهم وهذا ما تمنته.

ومع طمأنينة نادية ومعاملتها الحسنة وأخبار سلوى لها عن حنان حمزة مع زوجته الأولى وأبناء زوجته كانت تنفض مخاوفها وتتبع قلبها. وانتهى العرس أخيراً. وبدأت حياة جديدة لها معه. *** دلفت للشقة الواسعة بخطوات مُرتبكة تطرق عيناها أرضاً تشعر بالنعاس والتعب. تقدم أمامها ليُضيء أنوار المكان. لتظهر لها الشقة بأثاثها وجمالها العصري. أغلق الباب لتنتفض فأقترب منها يرفع ذقنها. -بصيلي يا ياقوت.

رفعت عيناها نحوه خجلاً ليميل على جبينها يلثمه. -مبروك. حررت أنفاسها أخيراً فلم تعد تقوى على حبسها. ليبتعد عنها. -مالك يا ياقوت. طالعته بتوتر وخرج صوتها مذبذباً. -مافيش. وألتفت حوله تسأله. -هو إحنا مينفعش نفتح الباب. تجلجلت ضحكاته بقوة مُحركاً رأسه. -للأسف مينفعش يا ياقوت. ومازحها ومازال يضحك. -ممكن نتسرق. عبست من ضحكاته وأشاحت عيناها عنه. تبحث عن مكان تخرج فيه حتى تلتقط أنفاسها.

لتسقط عيناها نحو الشرفة فحملت فستانها وسارت تحت نظراته المتعجبة لفعلتها. وقف يتأملها كيف تستنشق الهواء ثم تزفره وتكرر فعلتها مرة تلو الأخرى. طوى ساعديه أمام صدره يُطالعها. إلى أن ألتفت بجسدها لتجده يُحدق بها فتمتمت بخجل وهي تخفض عيناها حرجاً. -في حاجة. بتبصلي كده ليه. ابتسم وهو يقترب منها وألتقط كفوفها الباردة. -في أن الجو بارد ويلا ادخلي عشان متبرديش. دلف بها من الشرفة.

وأغلق الشرفة جيداً لينظر لها وهي تهرب بعينيها بعيداً عنه. ولم تشعر إلا وهو يضم وجهها بين كفوفه ثم حرر وجهها لتشهق وهي تجده يحملها بين ذراعيه. يتبع بأذن الله

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...