في فيلا شوقي أبو الدهب اتجهت مها على الفور إلى والدتها لتخبرها بهذا الخبر الرائع بالنسبة لها الذي تلقته من ناصف. ابتسمت سعاد بتشفي تردف بعدما أخبرتها ابنتها: –شوفتي بقى؟ عرفتي إن القدر في صفك إنتِ. لازم تستغلي المعلومة دي لصالحك يا مها. أردفت مها بشرود تردف متسائلة بحقد: –تفتكري أوصل المعلومة دي لحمزة إزاي؟ عايزة أثبت له إنه كان غلطان لما حبها أو فكر فيها حتى. أردفت سعاد معنفة بحدة:
–تبقي مش مها أبو الدهب. كده هتخليه يفكر فيها أكتر. وبعدين مهو أنتِ كمان أجلتي موضوع الخلفه ده معاه. أردفت مها بتمتع وتعالي: –آه طبعاً. أنا مش من النوع اللي أشغل وقتي بتربية طفل وإنتِ عارفة كده يا مامي. أنا وقتي بفلوس. أردفت سعاد بفحيح وخبث: –بس جه الوقت إنك تعيدي تفكيرك في الموضوع ده بالذات. بعد الخبر ده لازم تقوي علاقتك بحمزة وتثبتي للبنت دي إنها مينفعش تحطي راسها براسك. ضيقت عينيها مستفهمة: –إزاي؟ قصدك إيه؟
أردفت سعاد بخبث ودهاء: –قصدي إنك توقفي الأقراص. هو ده الوقت الصح إنك تحملي من جوزك. طالعتها بغضب وأردفت مستنكرة ذلك الأمر: –مستحيل يا مامي. مستحيل أشغل وقتي بطفل. مش مستعدة أبداً لده. وبعدين حمزة ده بارد أووي. أردفت سعاد معنفة بتعجب:
–مش ممكن تكوني بنتي. إزاي مها أبو الدهب تقول كده. انتِ لازم توقفي الأقراص وتحملي في أقرب وقت. لو عايزة تكسري بنت السواق بحق يبقى تحمي وتجيبي لحمزة الطفل اللي هي مش هتعرف تجيبه لناصف. وبعدين إنتِ مش هتشغلي وقتك بيه خالص. أنتِ زي ما أنتِ في شغلك والطفل هتسبيه لصفية تربيه. هما بس التسع شهور بتوع الحمل وبعد كده تقدري تعملي اللي إنتِ عايزاه. اللمعت الفكرة في رأسها وابتلعت لعابها تردف بشرود وهي على وشك الاقتناع: –طب وحمزة!
هقوله إيه؟ هو عارف إني رافضة الموضوع ده. قالت سعاد بخبث: –مش هتقولي حاجة خالص دلوقتي. لما تعرفي إنك حامل وقتها هتقولي إنك نسيتي تاخدي حباية. ووقتها خلاص هو مش هيعرف يعمل حاجة. بس اللي متأكدة منه إنه هيفرح. وسالم كمان هيفرح جداً. تنهدت بقوة ثم أردفت بترقب: –سيبيني أفكر. الموضوع مش سهل. وهيتطلب تنازل مني قدام البارد ده. اقتربت منها وقالت بفحيح وخبث:
–الغاية تبرر الوسيلة. مش إنتِ بتقولي إنه لسه بيفكر فيها لحد دلوقتي. يبقى لازم تحاربي بكل أسلحتك علشان متخسريش قدام بنت السواق دي. لازم تاخدي سعادتك بإيدك من الدنيا يا مها. أوعي تنتظري الظروف أبداً. إنتِ مراته. يعني مباح ليكي كل الصالحيات. طالعتها مها بعمق وشردت تفكر في حديثها الخبيث الذي سيثمر رويداً رويداً هلاكها. بعد أيام قليلة ليلاً.
تجلس مها في غرفتها بعدما حسمت أمرها. ترتدي ملابس غير نمطية بالنسبة لها وقد تزينت وتعطرت. تزفر بقوة وضيق فهي ليست معتادة على تلك الأفعال ولكن لتفعل مثلما قالت والدتها فالغاية تبرر الوسيلة. دلف حمزة العائد من عند شقيقته وألقى السلام يبتسم لها متعجباً من هيأتها الغير معتادة. ردت عليه بنعومة جديدة فتنهد وشعر بالضيق ولا يعلم لما أحس أن عطرها الواصل لأنفه كأنه غاز يساعد على الاختناق.
اتجه إلى حمامه وتركها تنتظره وتزفر وتشهق تهيئ حالها لما ستفعله. خرج بعد دقائق وبعد أن أبدل ثيابه بأخرى قطنية. اتجه يتمدد مجاوراً لها ويدعي التعب ويحاول إغلاق عينه فطالعته بضيق وأردفت بترقب: –حمزة أنت هتنام؟ خلينا نتكلم شوية؟ تنهد وفتح عينه يطالعها بتعمق وشرود ثم ابتسم مجبراً يردف ويجبر صدره على إخراج كلمات:
–معلش يا مها. أنتِ عارفة إن النهاردة الشغل كان مكثف وأنا صاحي بدري جداً. أوعدك مرة تانية هنسهر ونتكلم. تصبحي على خير. زفر والتفت يوالييها ظهره ويغلق عينه. يعلم أن ما يفعله مخالفاً لعقد زواجهما ولكن يحاول حقاً. لذلك هرب مسرعاً في النوم كي يتوقف عن التفكير.
أما هي فنظرت له بغيظ وشعرت بأنوثتها مهانة وبدلاً من أن تكف عن تلك الحركات كأي أنثى ذات كرامة وتترك له المبادرة أصرت على إكمال محاولاتها فهي عاشقة للتحديات. لقد ولد داخلها كره شديد لتلك ريتان منذ أن رأتها ورأت في عين حمزة الحب لها وستفعل أي شئ يجعلها تنتصر عليها. صباحاً. دلف ناصف شقته بعدما قضى أيامه في الفندق. اتجه على الفور لغرفته لعلمه وتأكيده أنها نائمة الآن.
وجدها بالفعل تنام متكورة على الفراش وتحتمى بالوسادة الناعمة فلم يعد هناك دفء في القلوب وباتت هي مصدر البرد القارص لذلك اتخذت من هذه الوسادة الهشة درعاً لها تنام مستسلمة تماماً. لم تعد تلك ريتان القوية الشامخة يبدو أنه أرعبها بعدما نزع قشرته المتفهمة. يبدو أنها كانت تحتمى بقوة هشة سقطت بعد أفعاله المخيفة. طالعها بعمق وشرود. اختارها بعد إعجابه بها منذ أن رآها في منزل شقيقه.
زاد إصراره عليها بعد علمه أنها من أسرة فقيرة لا تملك سلطة ولا مال فمؤكد لن يبحث أحدهم خلفه. يعلم علته منذ مدة ولذلك تركته زوجته الفرنسية التي تزوجها منذ سنوات. وبسبب عدم قدرته على الإنجاب تركته وتزوجت غيره.
لقد حاول أن يصلح من نفسه كثيراً. ابتعد عن المخدرات وابتعد عن عائلته وابتعد عن عنف والده وشقيقه وغادر ليحصل على حياة جديدة ولكن أحياناً لا نقوى على شرور أنفسنا. فتسليط النفس على النفس أمر يعجز عنه الحب. أمر لا يغيره إلا القدر. لذلك فدعوتنا الدائمة هي (اللهم لا تسلط علينا أنفسنا) فيمكن أن تغلب شيطانك بإيمانك ولكن لتغلب نفسك لابد من إرادة يصعب تواجدها وسط هؤلاء البشر الذين يسعون لتدمير حياة غيرهم.
تنهد بقوة وها هو يعود لعهده ويخلع جاكيته يلقيه بعيداً واتجه ببطء يتمدد بجوارها ثم لف ذراعه اليمنى حول خصرها فانتفضت فجأة تستيقظ مذعورة والتفتت تطالعه بخوف مردفة بصوت متحشرج من أثر النوم: –أنت بتعمل إيه. أردف بهمس وعيون حالكة السواد: –إيه. أنتِ مراتي ولا ناسية؟ ليا حقوق عليكي. هزت رأسها تردف بخوف وريبة منه وهي تبتلع لعابها: –مبقاش ينفع. أنت عملت شرخ كبير أوي في علاقتنا.
صك أسنانه يطالعها بغضب ثم فجأة اعتلاها وقيّدها بقوة من معصميها ورفع ذراعيها فوق رأسها ثم انحنى عليها يحاول تقبيلها بالقوة فبدأت تتلوى بعنف تحت قبضته وتردف مترجية ببكاء وتوسل: –لو سمحت متعملش كده. هكرهك يا ناصف لو عملت كده هكرهك صدقني. ابتعد عنها ينفض يدها بقوة وقسوة يتنفس ويعتدل ويطالعها بخبث ثم أخرج هاتفها من جيبه وألقاه عليها وأردف بتحذير وملامح غريبة عليها كأنها لم تراه يوماً:
–هيحصلك كده وأكتر بكتير لو فكرتي تتكلمي أو تشتكي لحد. هكرهك في عيشتك صدقيني. للأسف إنتِ حضرتي شيطان ناصف السوهاجي اللي كنت بحاول أغلبه معاكي بغبائي. أنا هعرفك إزاي تاخديني وجه تعاندي بيها حبيبك. من هنا ورايح المعاملة الكويسة اللي كنت بتعامل معاكي بيها هحرمك عليها. وبالنسبة لأهلك، صاحبتك، سناء، أي حد يسألك موبايلك كان مقفول ليه هتقولي كنت تعبانة شوية وبس. كلمة زيادة يا ريتان هتشوفي مني اللي عمرك ما شوفتيه وخذي بالك دلوقتي تليفونك مراقب. واعرفي إن أبوكي مش هيقدر يقف في وشي. فبلاش تأذيه هو أو أمك أو اختك. فهمتي؟
كانت منكمشة على نفسها تستمع إليه بذهول وصدمة تؤكد لها يوماً بعد يوم أن خلاصها هو الحل. تابع بحدة: –فهمتي! انتفضت تومئ بزعر فمد يده يملس على شعرها فانتفضت تبعد رأسها عنه فضحك يردف كالمجنون: –شاطرة. عايزك كده على طول تخافي مني. ابتعد عنها يقف ليغادر ثم التفت يطالعها ويردف بترقب وابتسامة خبيثة: –إيه رأيك نروح نزور أهلك سوا؟ يالا جهزي. بعد مدة وصلت معه لمنزل أهلها ودلفت صامتة بينما هو يبتسم ويلقي السلام على جميلة وبسمة.
كان حمدي قد غادر لعمله عند سالم وجلس ناصف وجاورته ريتان تطالعه بتعجب تارة وتنظر لوالدتها ولشقيقتها تارة أخرى كأنها في عالم الكوابيس وليست على أرض الواقع. أردفت جميلة بترقب: –إيه الزيارة الحلوة دي! طب كنتِ عرفتيني يا ريتا كنت قولت لحمدي ياخد إجازة النهاردة. تطلعت على والدتها بصمت فأجاب هو مسرعاً حتى لا تلاحظ صمتها الزائد وأردف: –مافيش داعي يا طنط جميلة. أنا لقيت ريتان تعبانة شوية قولت أجيبها تغير جو وهنروح تاني بسرعة.
نظرت جميلة لأبنتها بشك ثم تنهدت تومئ ووقفت مردفة بود: –لاء تمشوا إيه؟ مافيش مرواح غير لما تتغدوا معانا. أنا هروح حالاً أحضر الغدا. خطت متجهة إلى المطبخ ولكن قبل دلوفها أردفت تنادي: –ريتان، تعالى ساعديني يا حبيبتي. ابتلعت لعابها وهي تنظر لوالدتها ثم لفت نظرها إليه فابتسم لها والتقط كفها يرفعه ويلثمه بشفتيه كأنه يذكرها. تنهدت بقوة ووقفت تنزع يدها من يده تحت أنظار بسمة المتعجبة وخطت باتجاه والدتها.
أما بسمة فاردفت بحماس: –ناصف كنت عايزة أطلب منك طلب ممكن؟ ضيق عينيه يترقب تلك السليطة ويردف: –أكيد يا بسمة قولي. تحمحمت تبتسم ثم أردفت: –كنت عايز أجى عندك الشركة أشتغل جنب الدراسة وكده. يعني أهو بالمرة يبقى تدريب ليا علشان لما أخلص توظفني علطول. يعني بما إنك المدير هتقدر تضبط الدنيا. وممكن تجربني أنا بلقطها وهي طايرة على فكرة. ابتسم ساخراً ثم زفر يطالعها بغموض ويردف:
–تمام يا بسمة. هشوفلك وظيفة مناسبة. وده استثناء لإنك أخت مراتى لأن في العادة مش بنوظف بنات لسه بتدرس. صفقت بيديها بحماس تردف بسعادة: –أيوه بقى هو ده الكلام. على فكرة بقى إنت أحسن من أختي. ابتسم بجانب فمه ثم لف عينيه عنها بضيق ويفكر في تلك القانطة في الداخل ترى ماذا ستردف وهل يمكن أن تخبر والدتها بما فعله؟ ولكن هي تعلم جيداً أن العواقب ستطول الجميع.
أما في الداخل فتحاول جميلة جاهدة معرفة ما بها. وريتان تردف أسباباً غير مقنعة. أردفت جميلة متسائلة بقلق: –طب هو بيتعامل معاكي إزاي بعد موضوع الخلفه ده؟ إتغير ولا كويس؟ أردفت ريتان بهدوء ونبرة حزينة: –يا ماما لو سمحتِ. قولتلك أموري تمام. أنا بس تعبت شوية بسبب لغبطة في الأكل وناصف قال نيجي نشوفكوا يمكن أرتاح. مدت كفها تحتضن وجنتها وأردفت بحنو: –يعني مافيش حاجة مزعلاكي؟ عينك بتقول غير كده؟
اغمضت عينيها التي كادت أن تسقط دموعها ثم تنهدت وطالعتها تردف مؤكدة: –لو فيه حاجة هقولك. يالا بس نحضر الأكل.
ابتعدت عنها تلتفت وتبدأ في إحضار الطعام كي تكف جميلة عن سؤالها. ستحاول. ستحاول معه. مؤكد أن ناصف الذي عاشرته لعام كامل يحمل داخله القليل من التفاهم. ستحاول معه أن يحررها. تعلم أنه تحول لشخص مرعب بسبب تلك الصور التي لا تعلم من أوصلها إليه. لحظة يا ريتان ولكنه أهانكِ. قال ما بعثر كيانكِ مثلما فعل غيره. هل يمكن أن يكون متفهماً بعد الآن؟ تنهدت بقوة ولكن يبقى سؤال داخلها يتردد. من أوصل إليه تلك الصور القديمة؟
هل يمكن أن يكون سالم؟ أم ابنه هو الفاعل؟ لاااا قلبها يستنكر تماماً أنه الفاعل. ابتسمت ساخرة وهي تقطع الخضروات وتهمس داخلها معنفة (أما زلتي تصدقين قلبكِ أيتها الجدباء؟ بعد مرور شهر تجلس كاريمان في غرفتها تتنهد بضيق فقد أغلقت لتوها مع ريتان التي بدت مؤخراً على غير طبيعتها. منذ فترة وهي تهاتفها ولكن ريتان تختصر الحديث وتغلق فوراً ونبرتها غير مطمئنة. رن هاتفها فتناولته ونظرت بتعجب لهذا الرقم غير المسجل.
تركته ووقفت تتجه للخارج ولكنه عاد يرن مرة أخرى. تنهدت وظنت أنه ربما اتصال خاص بالوظيفة التي أقبلت عليها لذا أجابت مردفة بترقب: –الو! أجابها مراد بمرح وحب: –إزيك يا كاري. لسة نايمة ولا إيه؟ تعجبت لثواني ثم تساءلت بجمود: –مين معايا؟ ضحك بخفة وأردف: –أنا مراد يا كاري. معقول نسيتي صوتي؟ أبعدت الهاتف تطالعه ذاهلة ثم أعادته إلى أذنها وتساءلت بتعجب وحِدة: –إنت جبت رقمي منين؟ أردف مراد بفخر كأنه بنى هرماً:
–سرقته من موبايل سناء أختي. ضحكت لا إرادياً بخفة وأردفت مستفهمة: –سرقته؟ طب وخير. بتتصل ليه؟ تحمحم وحاولت التحدث بجدية مردفاً: –بصراحة عايز أتكلم معاكي. أنا من وقت ما شفتك عند أختي من كذا شهر وانتِ شقلبتي حالي. ليل نهار بفكر فيكي.. تنهدت بقوة ثم أردفت بحدة وضيق: –وطبعاً قولت أنا مراد الجواد وهي كاريمان بنت الناس اللي على قد حالهم مش مشكلة لما اجيب رقمها واكلمها واتسلى شوية. مش كده.
صُدم من فهمها له بشكل خاطئ وأردف مدافعاً: –لاء طبعاً. إنتِ فهمتيني غلط. أنا نيتي خير وعايز أدخل البيت من بابه. بس قولت أعرف رأيك الأول. اومأت تبتسم ساخرة ثم أردفت بحدة: –أنت بتضحك على مين؟ هو حضرتك مفكرني عيلة صغيرة؟ إنتوا كلكوا ماشيين تحت طوع سالم بيه وبتختاروا ناس تشبهكم. حل عني وملكش دعوة بيا والأحسن تمسح رقمي خالص. أغلقت في وجهه فنظر للهاتف بتعجب ثم شرد يفكر في حديثها. تظنه يتلاعب بها؟ إذا ليثبت لها العكس.
بعد شهر آخر انتظر مراد عودة سالم من رحلة العمل هو وشريكه شوقي ليعيد طلبه عليه. اما ريتان فحياتها أصبحت باهتة تماماً. أصبحت تعيش معظم الوقت بمفردها. حاولت معه مرات عدة أن يطلقها ويعتقها ولكن عند ذكرها للطلاق يصبح مرعب حقاً. ها هو يفتح باب شقته بعدما أغلقه عليها منذ أمس ويدلف. سمعت صوته فخرجت تطالعه بغضب وقد تخلت عن خوفها واتجهت إليه تردف بحدة: –مينفعش تفضل حابسني هنا بالطريقة دي؟
دي مش حياة أبداً. مش عايزني طلقني إنما هتفضل تتعامل كده لحد إمتى؟ توقف أمامها يبتسم بخبث ويردف ببرود: –هانت يا ريتا. هنبدأ حياة جديدة أنا وانتِ قريب. ضيقت عينيها وانسحبت أنفاسها كأنها لم تكن موجودة وهي تتساءل بقلق: –يعني إيه؟ مينفعش خلاص. مينفعش بعد إهانتك نبدأ حياة جديدة. صدقني يا ناصف أنا مش نفعاك في أي حاجة. خلينا نطلق وإنت أختار واحدة غيري تكمل معاها وتخلف منها. أنا منفعش.
كانت عيناه منكبة عليها وهي تتحدث. لا لا لن يتركها. يعلم أنه لن يجد مثلها. أردف بهدوء شديد هزها داخلياً: –توء. أنا عايزك إنتِ. واللي حصل هننساه. هنبدأ من جديد بس مش هنا. هنسافر أنا وانتِ نعيش في فرنسا. توقف قلبها وشهقت برعب تتسع عينيها وتهز رأسها بهستيرية مردفة: –لا لا. مستحيل. مستحيل ده يحصل. مش هسافر معاك في أي مكان. أومأ عدة مرات يردف مؤكداً:
–هتسافري. هتسافري معايا. هتوافقي علشان خاطر أهلك يا ريتا. مش معقول أبوكي الراجل الطيب ده هيتحمل أي قضية أو تهمة على آخر الزمن. كلها حاجات بسيطة هصفى شغلي هنا ونسافر يا حبيبتي. أنا مبقتش أعرف أتخلى عنك. كانت في صدمة صنمت جسدها وهي تطالعه بحسرة. كيف ستخرج من هذه الدائرة المظلمة التي أدخلت نفسها بها ظناً أنها سترتاح ولكن يبدو أن جحيمها بدأ للتو.
أما هو فابتسم ومر للداخل. نعم قرر العودة بها إلى فرنسا. سينهي أعماله ويغادر بعد أن يتمم صفقته الكبرى مع هؤلاء الشياطين البشرية. في قصر الجوادي
جلس سالم بعد عودته أمس يتناول فطوره مع أولاده وتجلس مها بغرور تتناول معهم على مضض فهي اعتادت تناول فطورها في جناحها حتى لا تلتقي بهم ولكن عليها التروي قليلاً لتستطيع إخبار حمزة بالأمر الذي اكتشفته مؤخراً ولم تسعد به ولكنه سيشفي غليلها في تلك ابنة السائق. نعم فهي تتلون كالحرباء لتحصل على مبتغاها. تحمحم مراد ونظر لحمزة الذي يومئ له باطمئنان وأردف: –بابا ممكن نتكلم بعد الفطار شوية قبل ما نروح الشركة! أردف سالم بجمود:
–اتكلم. تنهد مراد وأردف بتوتر أمام الجميع: –أنا اتكلمت مع حضرتك قبل كده يا بابا وحضرتك رفضت. بس أنا بحب كاريمان وعايز ارتبط بيها. نظر له سالم ببرود وأردف: –لاء. تنهد مراد بعمق وأردف بتروي متحلياً بالهدوء ليحاول إقناعه: –صدقني يا بابا مش هطلب منك أي حاجة تاني. الطلب ده وبس. أنا مش هقدر ارتبط بغيرها. هو حضرتك مش تحب تشوفني مرتاح؟ تدخلت مها وأردفت متسائلة تقاطعهم: –مين كاريمان دي؟ أردف حمزة محذراً بهدوء: –مها لو سمحتي.
نظرت له بغيظ ثم وقفت تردف وهي على وشك المغادرة فلم تهتم لأمرهم انحنت عليه تقبل وجنته ثم أردفت: –أووكي يا حمزة. أنا راحة ع الشركة. تنهد بقوة بينما غادرت وتركتهم يتناقشون فتابع مراد بهدوء: –بابا علشان خاطري اقبل. أنا مش حابب اعمل حاجة بدون رضاك. أردف سالم بغضب وحدة: –بدون رضاي؟ عايز تروح تحط إيدك في إيدهم من غيري؟
يظهر إني معرفتش أربيك كويس. ولو هما وافقوا يعطوك بنتهم وأبوك مش موافق يبقى هما ناس خسيسة زي ما أنا متوقع. بس أنا مش رايح وهرفع إيدي خالص من الجوازة دي وهسحب منك كل الصلاحيات. وأبقى وريني إذا هما وافقوا عليك أصلاً بعد ما تبقى زيهم. ظهر الحزن على ملامح مراد ونظر للجميع بقهر فتألمت صفية ونظرت لسالم تردف بترقب: –اسأل عنهم يا سالم. يمكن ناس طيبين ويمكن تكون بنت حلال تفرح قلب ابنك. ولا عايزة يبقى زي حمزة؟
طالعها بغضب وأردف بتحذير: –ناس طيبين؟ وهو إحنا ناس أشرار ولا إيه يا ست صفية؟ يختار بنت طيبة من مستواه. وبعدين مالو حمزة؟ هو اللي مش عارف يتقبل مراته ويندمج معاها. إنما أنا عارف مصلحة ولادي كويس. أردف حمزة بهدوء يحمل حزناً وغضباً مكبوتاً: –لا يا بابا. حضرتك مش عارف مصلحة ولادك. حضرتك بتدور على الشكل الاجتماعي للعيلة. إنما مصلحتنا ومشاعرنا فدي بعيدة تماماً عن أفكارك. نظر لأبنه بعمق وتعجب ثم ابتسم وأردف ساخراً:
–كل ده علشان مرضتش عن علاقتك ببنت السواق؟ تقدر تقولي ناقصك إيه دلوقتي؟ طالع والده بحزن وتساءل بنبرة متألمة: –تقدر حضرتك تقولي إيه اللي كامل في حياتي؟ إيه الحلو فيها؟ جوازي من إنسانة شايفة نفسها طول الوقت أعلى مننا كلنا وهدفها الأول والوحيد هو أنها تعلي مركزها. كل ما بحاول أتقبلها واتعايش بلاقي منها حاجات تقفلني. من برا الكل شايف إني عايش في سعادة وراحة والقلوب ربنا وحده اللي يعلم بيها. زفر بقوة
وتابع يخرج مكنونه بألم: –من وأنا صغير ربتني أني أصاحب اللي زيي وأبعد تماماً عن اللي أقل مني. زرعت جوايا إن الشكل الخارجي أهم بكتير من الجوهر. فهمتني إن علاقاتي القوية بالناس التقيلة أهم بكتير من الطيبة وكسب القلوب. نظر لأمه بحنو وتابع بحزن: –يمكن الحاجة الوحيدة اللي كانت بتريني هو كلام أمي ليا. القصص والحكايات اللي كانت بتحكيهالي وأنا صغير لسه أثرها جوايا لحد دلوقتي. وقف يردف بغضب وقد تخلى عن هدوءه:
–مش كل مرة بتتفق المظاهر مع النفوس يا بابا. منصور السوهاجي مكانش لايق أبداً على أختي بنت الأصول. ولا مها كانت زوجة مناسبة ليا. ومش هقبل إنك تعمل مع مراد نفس اللي عملته معايا. نظر والده بصدمة من حديثه الغير متوقع وأردف مستفهماً يضيق عينيه: –يعني إيه؟ هتعصوني؟ هتمردوا عليا؟ بتلوا دراعي؟ نظر لوالده بعمق وآخيراً أعلن قوته وشموخه مردفاً:
–لا يا بابا. مافيش لوي دراع ولا حاجة. حضرتك المرة دي هتتبع الأصول وتسأل على الناس دي كويس. وبعد كده هنروح نطلبها لمراد ونفرح قلبه. واظن حضرتك عندك الخبرة الكافية تعرف بيها معادن الناس. وبالنسبة للمجتمع الراقي متقلقش. محدش هيتكلم اكتر من اللي اتقال عننا وقت اتجوزت مها. نظر سالم لإبنه الذي تحول ولم يعد يهمه شئ وأردف بتوتر داخلي لم يؤثر على ثباته: –وأفرض البنت دي طمعانة فيه؟ ابتسم حمزة ساخراً وأردف بترقب
وألم لأجل حبيبته البعيدة: –تاني يا سالم بيه؟ نفس السؤال تاني؟ على العموم الناس دي الطمع مش من طبعهم. الطمع والأخلاق مبيتجمعوش سوا. أسأل واتأكد بنفسك. دي بنت محترمة ووالدها راجل مدرس وقور ربّاهم كويس. واطمن. هتبقى أم مناسبة لأحفادك. زي مها كده. نظر لشقيقه بإطمئنان ونظر لوالدته التي تطالعه بحزن على ما أصابه حتى أن شيرين حزينة من أجله ولكن صامتة تتابع فقط تجبر عمها.
التفت يغادر تاركاً المكان. يشعر بالاختناق. لم يعد ينفك من حول رقبته ذلك الحبل القوي. يتهاوى ويضيق ولكن لا ينفك أبداً. القبضة القوية التي تعتصر قلبه باتت مصاحبة له. لم تكن تلك القبضة من غريب بل كانت منه هو. هو من أوصل نفسه لتلك الحالة. استقل سيارته وقرر الذهاب لشقيقته الوحيدة التي تخفف عنه.
أما سالم فنظر للجميع بضيق ووقف يغادر هو الآخر دون إضافة حرف. ولكن يبدو أنه سيفكر في الأمر. فلن يستطيع خسارة أولاده خصوصاً ابنه الأكبر حمزة. في فيلا سناء اتجهت كاريمان إليها كي تخبرها بما يقلقها عن ريتان. تجلس معها حيث تنتظر سناء حديثها فاردفت كاري بقلق وترقب: –بصي يا مدام سناء يمكن أنا ببالغ بس أنا قلقانة على ريتان أوي. بقالها فترة متغيرة جداً. صوتها وطريقتها. بتكلمني باختصار جداً. وبتنهي أي نقاش بينا.
تنهدت سناء تطالعها بتمعن فهي أيضاً لاحظت ذلك عندما هاتفتها وفي كل مرة تسأل ناصف يطمئنها بكلامات غير مقنعة. تابعت كاري:
–أنا طلبت أروح لها بس هي رفضت. احترمت ده بس استغربت. وبعدين لما عرفت أنها راحة زيارة بيتهم روحت لها هناك بس ناصف كان معاها طول الوقت مسبهاش. حتى لما سألت طنط جميلة استغربت جداً وقالت أن ناصف بقى يروح معاها يقعدوا شوية وياخدها ويمشي. يمكن أكون بيتهيألي بس لأني عارفة ريتان كويس قلقت. إنتِ أكيد تقدري تروحي لها وكده بما إن ناصف يبقى أخو جوزك يعني. تنهدت سناء وابتلعت لعابها تردف بقلق:
–أروح لها مافيش مشكلة بس تفتكري لو فعلاً زي ما بتقولي هي هتحكيلي حاجة؟ معتقدش أنها هتتكلم معايا أصلاً. أردفت كاريمان بتوتر ورجاء: –طيب حاولي لو سمحتِ. حاولي وطمنيني. تنهدت بعمق تومئ فوقفت كاري تردف بامتنان: –متشكرة جداً يا مدام سناء. أنا همشي أنا بقى عن إذنك. ودعتها سناء وعادت تجلس شاردة تفكر في حديث كارى وتربطه مع شكوك حمزة حول ناصف ومع حالة ريتان مؤخراً.
سمعت صوت سيارة شقيقها فتنبهت ووقفت تفتح له باب الفيلا مرحبة به بشرود. دلف وجلس باختناق وتعب ولكن بسبب شرودها لم تلاحظ ما به بل لاحظ هو حالتها فتساءل بقلق: –سناء؟ مالك؟ طالعته بعمق ثم هزت رأسها بتوتر تردف: –أبداً مافيش. أنا كويسة. أنت مالك؟ طالعها بشك. يعلمها جيداً. تساءل بحزم وإصرار: –سناء قوليلي مالك؟ إيه اللي حصل؟ زفرت بقوة ثم أردفت بخوف وتوتر: –هقولك بس أوعدني تهدى ومتعملش أي تصرف وتيسبني أنا أتصرف. أومأ يساعدها
على الحديث فتابعت بقلق: –كاريمان كانت هنا وقالت إنها قلقانة على ريتان أوي وإنها حاولت تروح تزورها بس ريتان رفضت. وبقت تختصر الكلام معاها على التليفون وحتى لما بتروح عند عم حمدي بيكون ناصف معاها مش بيسيبها. هي بتقول إن يمكن عادي؟ وقف منافضاً يردف بحدة وغضب وألم: –لاء مش عادي يا سناء. مش عادي قولتلك الحقير ده ميريحش. الله أعلم عامل فيها إيه. أمسكت ريثه تجلسه مجدداً مردفة بترجي:
–حمزة هتخليني أندم إني قولتلك. علشان خاطري أنفاعلك ده ممكن يتسبب في أذيتها فعلاً. أهدى وخلينا نفكر نعمل إيه ولو فعلاً هي واقعة في مشكلة نخلصها إزاي؟ مسح على وجهه بقوة ثم عاد يجلس ويفكر بضيق وقد تحكم به الغضب فقالت سناء بتروي: –أحسن حاجة إني أروح لها. أروح أزورها وكده. هز رأسه يردف بتفكير ودهاء:
–لاء. مش هينفع. هيستغرب زيارتك. خصوصاً إنها أول مرة من وقت جوازهم. وأكيد هيبقى متواجد طول الوقت مش هتعرفي تتكلمي معاها. خلينا نهدى ونفكر. زفر تطالعه فهو محق بالأساس ريتان لن تخبرها ما بها. بعد دقائق أردف بترقب: –سناء كلمي ناصف. قوليله إن الأولاد نفسهم يشوفوه هو وريتان وخليه يبعتها ويخلص شغله وييجي. نظرت له بقلق وأردفت: –تفتكر هيوافق؟ أومأ يردف محذراً: –جربي وهتعرفي. بس خليكي هادية وعادية علشان مياخدش باله من حاجة.
تنهدت بعمق ثم أومأت وتناولت هاتفها تحاول الاتصال به. أجاب ناصف يردف بهدوء: –أيوه يا سناء. إزيك؟ زفرت تطالع حمزة الذي يشير لها أن تهدأ فأردفت بترقب: –إيه يا ناصف فينك. بقالك كذا يوم ممرتش علينا. الأولاد نفسهم يشوفوك. أردف بجدية: –تمام هعدي عليكي بكرة. أردفت فجأة: –إبقى هات ريتان معاك. تعجب ناصف يفكر في طلبها فتابعت بعدما أشار لها حمزة أن تخترع أمراً ما فوراً:
–أصل النهاردة وأنا براجع لهم دروسهم لقيتهم بيسألوني يا ماما مس ريتان مبقتش تزورنا ليه. ضحكت كنت عايزة أقولهم عمو ناصف خباها عننا خالص. ههههه. إيه رأيك لو تقضوا بكرة اليوم معايا من أوله. تيجي إنت وريتان نتغدا سوا ونتسلى؟ أومأ لها حمزة بارتياح فتنهدت بهدوء واستعادت ثباتها بينما على الجهة الأخرى ناصف لم يشك في الأمر حيث أردف: –تمام يا سناء هشوف ظروفي إيه وأبلغك. أردفت بتصميم:
–لأ هستناكوا بجد يا ناصف ولو مجيتوش هزعل. وهجيب سليم وتقى واجيلكوا أنا. توتر وأردف: –خلاص تمام. هنيجي. سلمي على الأولاد. سلام. أغلق معها وشرد يفكر. جميع مكالمات ريتان يسمعها لذلك لم يشك في الأمر. تناول هاتفه وقام بالاتصال على ريتان التي أجابت بعد فترة تردف بصوت خالٍ من أي مشاعر: –خير؟ أردف بهدوء: –بكرة هنروح عند سناء. جهزي نفسك كويس. أظن فهماني. جهزي نفسك ولمي لسانك. أردفت بحزن ويأس: –مش عايزة أروح في مكان.
أردف بغضب من بين أسنانه: –مش بمزاجك. طالما قولت هنروح يبقى هنروح. أغلق معها وتركها تلقي بالهاتف على الأريكة لتكمل قراءة آيات القرآن الكريم من مصحفها الشريف حيث كلام الرحمن الذي يطمئن القلوب ويريحها. في اليوم التالي ذهب حمزة إلى شقيقته التي تفاجأت من مجيئه. طوال ليله يفكر فيها وهل حقاً يمكن أن هذا الخبيث تعرض لها؟
عليه أن يراها. لن تهدأ أنفاسه إلا أن رآها واطمئن بنفسه. فراحته انعقدت في ربطة قوية براحته. كلما تخيل أذيتها أدمى قلبه بنزيف العشق الممنوع. آذاها بحديثه مسبقاً ومن وقتها لم ينعم بالهدوء والسلام لذلك لن يكرر الماضي. طالعته سناء بتعجب وأردفت معنفة: –حمزة أنت جيت لييه. قولتلك خليك لما يمشوا. زمانهم جايين يا حمزة الأحسن تروح علشان ميفكرش إننا متفقين سوا. أردف حمزة مطمئناً بذكاء ولهفة وقلب عاشق:
–أهدى يا نونا. أنا هدخل اداري جوة في أي مكان وعربيتي راكنها بعيد متقلقيش مش هخاطر وأأذيها. هو هيوصل ريتان وهيمشي طول. تعجبت تطالعه باستفهام: –ومين قالك أنه هيمشي؟ زفر وأردفت بتروي: –فيه واحد معرفة في الجمارك ليا عشم معاه عرفت منه إن فيه بضاعة تبع شركة ناصف متخزنة هناك وأول ما ناصف ييجي هو هيكلمه يروح يطمن عليها لأنه شاكك إنها بتتسرق. نظرت له بقلق وتوتر فتمسك بكتفيها يردف بطمئنان بتلف عاشق:
–متقلقيش لو ممشيش أنا هلاقي طريقة واطلع من هنا من غير ما يشوفني. بس خلينى أشوفها. لو فعلاً شكوكى صح تبقى هي محتاجة مساعدة. تنهدت بقوة تومئ وبالفعل دلف وأخذه للأعلى حيث غرفتها ليظل بها وحتى لا يراه الصغار. بعد دقائق جاء ناصف ورآه حمزة من نافذة الغرفة التي يختبئ خلف ستائرها القطيفة فهاتف الرجل يطلب منه أن يهاتفه. ترجل من سيارته ونزلت ريتان بملامح ذابلة حزينة. واتجها إلى باب الفيلا.
فتحت سناء تستقبلهما ولكن بمجرد أن وقعت عيناها على ريتان تأكدت من شكوكها. نظرت لناصف بصدمة وللعجب لأول مرة تراه يشبه شقيقه حتى في نظرة عينه لذلك اهتز قلبها. أسرعت تنتبه وترسم ابتسامة باهتة مردفة: –أهلاً وسهلاً نورتوا. اتفضلوا. رحب بها وكادا أن يخطيا للداخل ولكن رن هاتف ناصف فتناوله يجيب بترقب: –ألو. مين معايا؟ أردف الطرف الآخر: –ناصف بيه حضرتك ليك شحنة أغذية في الجمارك لسه مخرجتش؟ أردف ناصف بترقب وقلق:
–أيوه. خير. وانت مين؟ أردف الرجل بدهاء: –أنا محمود واصف شغال أمن في الجمارك. ياريت معلش تيجي تشوف بنفسك وتتأكد لأني لاحظت حركة غريبة. شحنات الأغذية مش لازم تطول لأن بتتسرق للأسف من موظفين معندهمش ضمير. لو فاضي ياريت تيجي تطمن بنفسك. أنا جبت رقم سعادتك من أوراق الشحنة وقولت ابلغك. توترت وظهر ذلك على ملامحه فهي لا تحتوى على أغذية فقط بل على ما يهربه لداخل البلاد من سموم هالكة للشباب لذلك أردف على عجل: –أنا جاي حالاً.
نظر لسناء وأردف: –أنا لازم أروح مشوار مهم وراجع بسرعة. نظر لريتان بتمعن يردف بنبرة تنبيهية: –ادخلي يا حبيبتي مع سناء. أنا مش هتأخر متقلقيش. مال على أذنها يردف بهمس: –خدي بالك كويس يا ريتان. بلاش تختبريني علشان حقيقي هتندمي. ابتعد يطالعها شحوب وجهها وهي تومئ له وبالفعل أسرع يغادر ليرى ماذا سيفعل بينما سحبت سناء ريتان للداخل وأغلقت الباب تطالعها بعمق ثم سحبتها إلى عناقها بحنو فتعلقت بها ريتان بقوة تبادلها وتحتمى بها.
ابتعدت عنها سناء تردف بقلق وهي تطالع شحوب وجهها: –ريتان مالك؟ إيه اللي حصل؟ هزت رأسها تردف بتوتر: –مافيش. أنا كويسة الحمدلله. نظرت لها بشك بينما ريتان لفت وجهها بعدما استمعت إلى خطوات تنزل الدرج.
تفاجأت به تطالعه لثواني بصدمة حتى توقف أمامها ينظر لملامحها بحزن واشتياق. ابتلع لعابه الذي يشبه العلقة المرة وهو يحاول التحكم في غضبه بعدما لاحظ عينيها الرماديتين كالنهر الصافي الذي انعكس عليه الظلام. لم يحتمل نظرتها لذلك أردف متسائلاً بلوعة حب واحشاؤه تتلوى داخل معدته: –عمل فيكي إيه؟ أبهتها كلمته ونظرت له بذهول ثم لفت نظرها تطالع سناء بخوف وقلق مستفهمة: –هو بيعمل إيه هنا؟ أنا لازم أمشي. لازم أمشي قبل ما ناصف يرجع.
التفتت لتغادر فوراً تحت أنظارهما المصدومة فأسرعت إليها سناء توقفها مردفة بتروي وهي تتمسك بها: –أهدى يا ريتان متخافيش. إحنا هنساعدك بس قولي فيه إيه؟ هزت رأسها تحاول نزع يدها وتردف بخوف وتوتر من أن يعود ناصف ويراهم: –لاء سبيني أمشي لو سمحتي. نغزه قلبه لحالتها وخوفها واعتصر عينيه يلعن نفسه ثم أردف يحاول بث الطمأنينة بها: –إهدى يا ريتان. فهمينا بس عملك إيه الكلب ده؟
طالعته بصمت. نظرت لعينيه بعمق كأنها تعاتبه بنظراتها دون أي حروف تنطق. فقط القلوب نابضة بصخب. تخبره بلمعة عينيها الذابلة أنه أذى روحها ولكنها لم تتألم مثلما تألمت منه هو. لذلك لا تهتم بي. دعني وشأني ولا تدعي الطيبة فقلبي لم يعد يحتمل بعد. لفت وجهها تطالع سناء مجدداً تبتلع لعابها وتردف بإصرار: –معلش يا سناء. أنا همشي حالاً وقولي لناصف لو رجع إني روحت لأن بسمة جاية.
بها شئ. حالتها وخوفها وعينيها ووجهها يؤكدون له أنها ليست بخير تماماً. زفر باختناق يطالعها. إن غادرت هي يمكن أن يؤذيها لذلك أردف: –خليكي يا ريتان. أنا اللي همشي بس إهدى واطمني. نظر لسناء وتابع بحزن: –سناء أنا همشي.
تركهما وغادر بعدما تأكد من شكوكه وتوعد بداخله أن يخلصها منه مهما كلفه الثمن. سيصلح ما كسره. يعلم أنه مستحيل أن يعود كما كان ولكن سيجعل من المستحيل ممكناً ويعيد بناء ما هدم. وبشكل أقوى. فعتابها الصامت قرأه جيداً. ولها الحق أن تعاتبه. فحق المحب على حبيبه قوي. وخطأ المحب للحبيب عظيم. ولسخرية القدر فقصة عشقهما صماء كامرأة جميلة متكاملة لا تسمع ولا تتكلم.
أما هي فاتجهت تجلس مع سناء التي حاولت أن تستدرجها في الحديث وتعلم منها شئ ولكنها التزمت الصمت حتى عاد ناصف بعدما اطمأن على بضاعته وجلس معها بعدما دخلت في حالة من الطمأنينة لا تعلم مصدرها. ليلاً دلف حمزة جناحه بعد تفكير طويل في ما سيفعله ليخلصها. هيأتها وخوفها يترددان على عقله بشكل دائم ليجعلانه يلعن ناصف ويلعن نفسه ويلعن الطبقات الاجتماعية بأكملها. اتجه يجلس على مقدمة فراشه بعقل شارد. خرجت مها من
حمامها تطالعه بترقب مردفة: –حمزة إنت جيت؟ زفر وأومأ بصمت فاتجهت تجلس بجواره وأردفت بابتسامة غير معهودة: –عندي ليك خبر حلو أوي. صحيح حصل فجأة بس حصل وخلاص. تنبه ولف لها يضيق عينيه مستفهماً يردف: –خير؟ فتحت كفها القابض تعرض عليه اختبار الحمل وتبعته مردفة بفرحة كاذبة: –أنا حااامل. نظر لما في يدها بصدمة ثم نظر لعيونها وأردف بعدم استيعاب: –حامل إزاي؟ هزت كتفيها وأردفت باستنكار ومراوغة:
–مش عارفة. لقيت نفسي فجأة دوخت ومش حابة الأكل فسألت مامى وقالتلي أجرب Pregnancy Test وفعلاً طلعت حامل. وقف يطالعها بصدمة وأردف بغضب لم يستطع التحكم به: –يعني إيه الكلام ده. إحنا اتفقنا مافيش حمل خااالص الفترة دي. إزاااي ده حصل؟ وقفت تطالعه بغضب مماثل وتردف بحدة: –يعني إيه حصل إزاااي. إنت واخد بالك بتقول إيه كأني ضربتك على إيدك مثلاً. أنا كمان زيك اتفاجئت بس واضح إني نسيت أخد حباية.
طالعها بذهول إلي الآن لم يستوعب الخبر. شرد قليلاً ثم طالعها يومئ مؤكداً بغضب: –انتِ تعمدي تعملي كده صح؟ إنتِ بقالك فترة بتتصرفي على غير طبيعتك. بس ليه بقى؟ نطق الأخيرة مستفهماً بتعجب فأردفت بغضب موازٍ: –فيه إااايه؟ مش من حقك تتكلم معايا بالأسلوب ده أنا مش حامل من راجل تاني. قولتلك نسيت أخدها. أردف بعدم تصديق وتأكد:
–كذابة. أنتِ مستحيل تنسي حاجة زي دي. أنتِ قاصدة تعملي كده. بس اللي عايز أفهمه عملتي ليه كده بعد ما كنتِ رافضة تماماً موضوع الحمل دلوقتي. إنتِ إزاي هتعرفي تهتمي بطفل وتكوني مسئولة عنه. فهميني عملتي ليه كده؟ طالعته وأردفت بمراوغة: –عملت إيه. إنت ناسي إننا متجوزين يا حمزة بيه؟ وإن طبيعي إني أحمل. أردف بغضب:
–للأسف مش ناسي. بس أنتِ اللي اخترتي نأجل ده لأنه هيعطلك على نجاحك. تقدري تفهميني هتتحملي مسئولية طفل إزاي. هتقدري تسيبي شغلك وتهتمي بيه؟ هتقدري تتخيلي عن طموحك مؤقتاً علشان خاطره؟ شردت قليلاً تفكر فهي حقاً ليست على استعداد أبداً لتتحمل مسئولية طفل لذلك توترت وأردفت: –مش عارفة. يمكن وقتها أقدر. ابتسم ساخراً وهز رأسه يردف بغضب وضيق: –حتى مش قادرة تجاوبي. مش قادرة تقولي إنك هتتنازلي علشان ابنك ويبقى هو أول اهتماماتك.
أردفت بغضب وحدة وتعالي: –أيوه مش قادرة أقولها. هو ده أصلاً اللي أنت عايزه. أنت عايز تقعدني في البيت أستناك آخر الليل وإنت راجع من شغلك تعبان وأنا طول النهار مع الأولاد. بس أنسي يا حمزة يا جواد الدور ده مش دوري ومستحيل يبقى دوري في يوم من الأيام. أنت اتجوزتني بنت باشا رجل أعمال وورثت منه حب الأعمال والشغل ومش مستعدة إني أتنازل عن أحلامي علشان خاطر أي حد. اقتربت منه قليلاً وتابعت بغضب أخرج ما تخبأه
بسبب عدم فرحته بخبر حملها: –مش أنا أمينة أبداً وأنت كنت عارف ده كويس وجيت طلبت إيدي. كنت روح أختار واحدة تانية بنت سواق تقوم بالدور اللي إنت عايزه. أمسكها من رثغها يردف بفحيح وذهول: –قصدك إيه؟ انطقي قصد ااااايه؟ نزعت يدها منه بعنف وأردفت: –أنت عارف قصدي إيه كويس؟ طالعها بصدمة. إذا تعلم بأمر ريتان. لف رأسه وصمت قليلاً ثم رفع وجهه إليها وأردف متسائلاً: –يعني إنتِ كنتِ عارفة؟ ضحكت ساخرة بتعالي وصمت.
صُدم لثواني. تنفس بقوة وأومأ يطالعها بثبات ويتساءل: –من امتى وانتي عارفة. صمتت ولم تجيبه ولفت وجهها تشبك ذراعيها وتقف بغرور فتابع بغضب: –من وقت ما حاولتي تمثلي عليا الحب ومنجحتيش مش كده؟ إنت عارفة من قبل جوازنا صح؟ بس إزاي عرفتي حاجة زي دي؟ تجاهلت سؤاله وتسائلت بحدة وحقد دفين: –إنت اللي ازاااي تفكر في بنت زي دي؟ فيها إيه مميز؟ دي متنفعش لأي حاجة؟
أنا أفضل منها في كل شئ جمال تعليم مال طموح. إزاي تحب دي وتشوفها ولا مرة تشوفني؟ استمع لها بصدمة. وقف أمامها يطالعها بصمت. كيف أصرت على زواجه وهي تعلم بحبه لغيرها؟ حسناً. بات كل شئ معلوم. فليأخذ القرار الآن. أردف بضيق واختناق: –بما إنك طلعتي عارفة كل حاجة بقى من اللحظة دي جوازنا منتهى. وأدعي للحمل ده إنه جه في وقت كنت سهل جداً ارمي عليكي يمين الطلاق فيه. هزت رأسها بصدمة تردف بغضب عندما تحدث عن الطلاق:
–لاااا. أنت أكيد مجنون. أنت عايز تطلق مها أبو الدهب علشان خاطر بنت زي دي؟ مستحيل هسمحلك تعمل كده. صورتي اللي ببنيها في المجتمع الراقي عمري ما هسمحلك تهزها. أنا مش السهلة أبداً. إنت لسه متعرفش أنا ممكن أعمل إيه علشان أخد اللي ليا. إنت خلاص بقيت ملكي أنا واللي في بطنك. جوازنا مستحييييل ينتهي. أنت اللي قررت ترتبط بيا بس أنا اللي اقرر إمتى ينتهي. ومش هينتهي أصلاً. ياريت متنساش دلوقتي إني هبقى أم ابنك يا حمزة يا جواد.
قالتها باستفزاز فطالعها بتعجب ثم أردف بنبرة قوية شامخة: –أم إيه؟ إنتِ إزاي تتكلمي كده أصلاً. واضح إنك فكرتيني ضعيف يا مها. واضح إنك استقليتي بيا. بس لاء يا مها. إنتِ معرفتنيش كويس. أنا أحب عيلتي وأضحي علشان غيري بس منحنيش لست أبداً. لو عايز أطلقك هطلقك حالاً. وهبيع وأهد كل حاجة واللي يحصل يحصل ولا إنك تفكري إني ضعيف. أنا قوتي هنا يا مها. قالها وهو يشير على عقله ويتابع بجدية وثبات:
–عقلي اللي بيحكمني. من دلوقتي لحد ما يتم الطلاق علاقتنا منتهية. جن جنونها أكثر وهزت رأسها بهستيرية وهي تتمسك بياقته وتهزه بعنف مردفة بجنون: –مش هيحصل يا حمزة. مش هنطلق. وإلا هقول إنكوا على علاقة ببعض وشوف وقتها الفضيحة الحقيقية اللي هتحصل لبنت السواق الو***. لم يستطع التحكم في غضبه فرفع يديه يبعدها عنه ويلقيها على الفراش بعنف ثم أردف يحذرها بسبابته: –كلمة واحدة في حقها وفعلا هطلقك حالاً.
أثار جنونها أكثر فالتفتت تطالعه بغضب أعمى ووقفت تتجه إليه ثم رفعت كفها لتصفعه فاعترضه بيده يصدها بقوة ويطالعها بعيون سوداء حادة بينما هي لم تتوقف وأردفت بتكبر وهي تنزع يدها من قبضته: –حقها؟ بتضربني أنا علشان بنت السوااااق؟ حتة البنت دي أحسن من مها أبو الدهب؟ دي واحدة عقيمة مبتخلفش يعني هتفضل أقل مني طول عمرها. زلزلت كلمتها جسده كاملاً فديق عينيه وأردفت مستفهماً باختناق: –يعني إيه مبتخلفش! أردفت بغل دفين:
–أيوه مبتخلفش. يعني عمرها ما هتبقى أم. علشان تعرف كويس إنها هتفضل أقل مني. للأسف ناصف حظه قليل. يعني إنت المفروض تحمد ربنا على وجودي. طالعها بعمق لثواني يفكر ثم أومأ بعدما تأكد وأردف: –إنتِ قابلتي ناصف صح؟ قولتيله إيه؟ انطقي قولتيله إااايه؟ تتنفس بغضب ولم تتحدث فأكمل بعدما اتضح أمامه الأمر: –علشان كده قررتي تحملي. مش كده؟ صمتت تطالعه بغل وجسد مهتز لفهمه ما تخطط بينما هو أردف بهدوء وحزن وأسف:
–الحمل ده أنا مسئول عنه. وزي ما قولت من هنا ورايح ماليش علاقة بيكي نهائي. ولولا اللي في بطنك ده صدقيني كنت صلحت غلطة حياتي دلوقتي.
تركها تغلي وتتوعد وتخطط وخرج من جناحه يخطى بخطوات مبعثرة كحال أفكاره يتجه إلى غرفة جانبية معدة للأطفال وأغلق خلفه وخطى يجلس على الفراش ثم انحنى يضع رأسه بين راحتي يده المستندة على ساقه ويفكر فيها. منذ أن ألقى تلك الكلمات وسمعتها وغادرت وقد أخذت راحته معها. منذ تلك اللحظة ولم ينعم بالراحة والسكينة. أصابته بلعنتها فباتت حياته سوداء جحيمية بتلك الزوجة التي اختارها هو ووالده بعناية.
والآن سيصبح أبٌ منها هي. سيجن. ماذا فعل بحاله؟ كيف لتلك أن تصبح أم طفله؟ لحظة يا ابن الجواد. أولم تقل هذا مسبقاً. أولم تردده؟ يبدو أن ما خرج من فمك كتب على جبينك. كان يتمنى ويخطط لأحلام أخرى ولكن عليه الآن أن يعيد جميع حساباته. فلن يجعل طفله القادم يعاني من أم وأب مهملان. يكفيه أمه الذي هو على يقين أنها لن تهتم لأمره. ولكن أولاً ليخلص ريتان من هذا الحقير. هل قالت عقيمة؟ أيعقل أن حبيبته كذلك؟ ترى ما حالتها الآن؟
لن يتركها تلك المرة. سيخلصها مهما كلفه الأمر أولاً ثم ليبحث عن سعادته التي أضاعها بيده.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!