بسم الله ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم وَلقَد نَعلَمُ أَنَّكَ يَضيقُ صَدرُكَ بِمَا يَقُولُونَ فَسَبِّح بِحَمدِ رَبِّكَ وَكُن مِّنَ السَّاجِدِينَ وَاعبُد رَبَّكَ حَتَّى يَأتِيَكَ اليَقِينُ.
منذ أيام وحمزة يبحث خلف ناصف من خلال معارف ومصادر مقربة، ولم يصل لشيء، ولكنه تأكد من شكوكه بعد أن أسرع ناصف إلى الجمارك بعد مكالمة الموظف له. توتره وذهابه دليل استشفه حمزة ضده، ولكن يبدو أنه يؤمِّن نفسه جيدًا من أن يكشف. لو تُرِك الأمر له لقيَّد ناصف وقيَّد حاله، وانكبا على متن قارب متجه للطرف المنفي من العالم، وسيكون هذا عقابهما على ما فعلاه في تلك اللؤلؤة المكنونة.
ها هو يتحدث عبر الهاتف مع إحدى الشخصيات المرموقة يسأله عن ناصف، والآخر يجيب مردفًا بمكر ودهاء: "متدورش ورا ناصف يا حمزة، ناصف شغله سليم وهو مش زي منصور أخوه، متقلقش أختك وأولادها في أمان." أغلق معه حمزة وزفر بضيق، لقد تحدث مع معظم معارفهم ومعارف سالم الجواد المشتركين بينهم على أن يخبره أحد بأي معلومة يبحث خلفها ولكن دون جدوى. أغلق معه الرجل وقام على الفور بالاتصال على سالم الذي أجاب بترقب:
"أهلًا يا تحسين باشا، أخبارك إيه يا راجل." أردف تحسين بترقب: "أنا كويس يا سالم، بس حبيت أحذرك، ابنك بيحاول يجمع معلومات عن شغل ناصف، وكده مش صح، خلي ابنك يبعد عن السكة دي أحسن له." زفر سالم وأردف متسائلًا: "هو كلمك أنت كمان؟ أردف تحسين: "أيوة لسه قافل معايا حالًا، أنا لأني بحبه خايف عليه، خليه بعيد عن الطريق ده." زفر سالم وشرد قليلًا ثم أردف بضيق: "تمام يا تحسين، أنا هتكلم معاه."
أغلق معه ووقف على حاله يتجه لمكتب حمزة مندفعًا، دلف وأغلق خلفه يطالع ابنه الشارد ويردف بحدة وغضب: "فهمني بالضبط إيه اللي أنت عايز توصله؟ قاصد إيه من عمايلك دي؟ نظر لوالده باستفهام وشك ثم تساءل بترقب: "عملت إيه يا بابا؟ اتجه سالم يجلس ويقابله مردفًا بتحذير: "ابعد عن ناصف يا حمزة، ملكش دعوة بيه نهائي، بطل تدور وراه." ضيق عينيه وأردف بترقب: "ليه؟ هو حضرتك تعرف عنه حاجة؟ توتر سالم قليلًا ثم أردف بحدة: "وأنت مالك وماله؟
عايز تعرف معلومات عن شغله ليه؟ ما أنت عارف شغله كويس." رفع حاجبيه وتابع بترقب: "بس عصبيتك دي يا بابا تأكد شكوكي! وقف سالم ومال على المكتب يضع كفيه عليه ويقرب وجهه من ابنه قائلًا بفحيح غاضب: "أوعى تكون راسم جواك أوهام ومفكر إنك هتحققها، تبقى بتحلم يا حمزة، خلاص كان زمان وانتهى، أنت دلوقتى متجوز وقريب هتبقى أب." اعتدل يقف يطالع عينه الحزينة ثم تابع محذرًا بقوة: "أوعى تفكر إن جوز أختك مات في حادثة؟
الطريق اللي أنت عايز تدخله ده آخرته موت، وأنا مش هسمحلك تخطي فيه لو على جثتي." جحظت عين حمزة وفرغ فاهه لثوانٍ وعقله ذاهل ثم تساءل بصدمة: "قصدك إيه؟ حادثة منصور مدبرة؟ أنت كنت عارف حقيقته؟ كنت عارف وجوزته بنتك؟ نظر لابنه بتمعن ثم هز رأسه وجلس مرتدًا يردف بصدق وشرود:
"لا يا حمزة، مش للدرجادي، سناء بنتي، أنا كل اللي أعرفه عنه وعن أهله إنهم شغالين في استيراد وتصدير الأغذية، وأغلب السوق بتاعنا عارف كده، بس منصور هو اللي عك الدنيا واتفق مع ناس من برا عرفوا يوصلوا له واختاروه هو بالذات، وطبعًا محدش عرف عن شغله ده حاجة خالص غير متأخر، وقتها كلمته يطلق سناء بس هو هددني بيكوا." استمع له وتذكر القهر الذي عاشته شقيقته لسنوات ثم نظر لوالده بألم وأردف بترقب:
"يعني أختي كانت كبش الفدا اللي ضحيت بيه علشان خاطرنا؟ سبتهاله يا سالم بيه؟ نظر سالم لابنه بذهول ثم وقف يردف بحدة وغضب ويعود لعهده: "أنت متخلف؟ بقولك هددني بيكوا وبيها، ده واحد راح سلم روحه للمافيا وبتصال واحد منه ليهم يقدروا يخلصوا على أي حد هو عايزه، كنت عايزني أعمل إيه؟ ضمنت حياتكوا كلكوا بأنها تبقى على ذمته، تبقى عايشة معاه أحسن ما تموت هي وأنتوا." زفر بقوة ثم رفع سبابته يردف بتحذير وغضب:
"اسمع أما أقولك، ابعد عن ناصف وسكته، صحيح هو غير أخوه بس يا عالم الناس دي وصلوا له ولا لأ، أنا مش مستغني عن حد فيكم، أنا بحاول بكل قوتي أكبركم وأزيد قوتكم وأربطكم بمعارفي ومش هسمحلك تدخل نفسك في متاهة الناس دي، فاهم؟ شرد يتطلع على والده بصمت، كيف لن يدخلها وأغلى اثنتين لديه مقيدتان في حلقاتها، إحداهما شقيقته والأخرى ملكة قلبه. التّمعت عينه وأردف بصوت مختنق متسائلًا بترقب: "وأختي؟ هنسيبها؟ وأولادها اللي ناصف عمهم؟
أردف سالم بقوة: "أختك أنا مأمنها كويس، كل الحراسة اللي عندها دي مسلحة وعيونهم وسط راسهم، أنا قولتلها تيجي تعيش معانا بس هي رفضت، ومع ذلك هي في أمان، وعمرهم ما هيهددوا ناصف بأختك ولا أولادها، هما بيدوروا على نقطة ضعف أي واحد تبعهم، وأختك وأولادها مش نقطة ضعف ناصف." شعر بقبضة تلتف حول رقبته تخنقه، إذا حبيبته هي المستهدفة، شهق وزفر بقوة ثم أردف يومئ بغموض: "تمام يا بابا، هبعد زي ما أنت عايز، المهم أختي تكون بخير."
نظر له سالم بشك لثوانٍ ثم أردف محذرًا: "حمزة! بلاش تهد اللي ببنيه، متخلنيش أتصرف تصرف مش هيعجبك. ابتسم ساخرًا، ثم أومأ يردف بعيون لا يظهر فيهما ما ينوي فعله، فلم يعد حمزة السابق المطيع مردفًا: أطمن يا سالم بيه، مش هسأل وراه خلاص. زفر سالم باطمئنان ثم أومأ يردف بترقب ليشغله عن أي فكر آخر: أنا سألت على الراجل أبو البنت اللي أخوك عايزها، طلعوا ناس كويسين، بس ده ميمنعش إني لسه قلقان منهم. نظر له حمزة وأردف بهدوء
لعلمه أن والده شبه مقتنع: متقلقش يا بابا، حدد بس معاد ونروح نخطبهاله، خلي حد فينا يفرح يا سالم بيه. نظر لابنه بقوة ثم اندفع للخارج بصمت وترك حمزة يفكر، زاد إصراره لخلاصها، لن يتركها بعد كل ما سمعه، لن تكون نقطة ضعف أحد غيره. *** في اليوم التالي، وبعد تفكير شغل عقله وجعله يترك العمل والطعام والراحة ليجد حلًا يخلصها، قرر ما نواه.
جالسًا خلف مكتبه ثم تناول هاتفه الخاص وهاتف مهندس الإلكترونيات الخاص بالشركة والذي يكن له الود حيث كانا صديقين دراسة. أجاب مؤمن عليه يردف بترقب: حمزة باشا؟ أردف حمزة بهدوء: إزيك يا مؤمن، عامل إيه؟ أردف الآخر بود: بخير الحمد لله، أؤمر يا حمزة، عايزني في مصلحة مش كده؟ ابتسم حمزة وأردف بإعجاب: طول عمرك ذكي، مخك إعداداته شغالة على مستوى عالي. ضحك مؤمن وأردف بمرح ليشاكسه: ربنا يستر عليا، شكلي هعطل بعد الكلمتين دول.
ضحك حمزة بخفوت ثم أردف: لاء مش عايزك تعطل دلوقت، أقضي لي الطلب ده وبعدين على الله حكايتك. ضحك مؤمن يردف بعتاب محبب: شكرًا يا صاحبي، يالا قول يا باشا طلباتك أوامر. تحمحم حمزة وأردف بترقب وحذر: عايز microphone، من النوع السحري، اللي بيستعملوه في التصنت، أهم حاجة يكون حجمه صغير جدًا ومن غير أي أسلاك، والأهم من كل ده إن الموضوع ده ميخرجش بينا إحنا الاثنين. تنهد مؤمن بعمق لثوانٍ ثم تساءل بتوتر: ناوي على إيه يا حمزة بيه؟
أنت عارف إن ده موضوع صعب أوي، ولو سالم بيه عرف مش بس هيطردني من الشركة لا ده هيقطع عيشي من أي مكان تاني، ده غير إن الحاجات دي تدبيرها صعب. تنهد حمزة بضيق وحزن لحال والده ثم أردف مطمئنًا: إطمن يا مؤمن، محدش هيعرف، وعارف إنك قدها، هتهولي أنت بس وهقولك تسيبهولي فين، وبعدها أنت برا الموضوع ده تمامًا. أردف مؤمن بقليل من الراحة: تمام يا حمزة بيه، هجبهولك، بس هو غالي شوية. أردف حمزة بحماس:
ما فيش أي مشكلة، هبعتلك حالًا مبلغ على حسابك، تسحبه ولما تجيبه هتكلمني، وخد بالك من عيون سالم بيه وشوقي بيه اللي جوه الشركة. أومأ مؤمن يردف بترقب: تمام، ربنا يستر. أغلق معه وشرد حمزة يفكر فيما ينوي، إن تمت خطته كما ينوي سيخلصها، هذا هدفه الأهم الآن. *** بعد يومين، أخذ حمزة موعد مع ناصف ليقابله في مسألة عمل والآخر وافق على مضض.
أما مها فمنذ حوارها الأخير مع حمزة الذي تجنبها تمامًا وهي تفكر وتخطط وتتآكل غضبًا وكل سبلها تؤدي إلى وجهة واحدة وهي انتقامها من ابنة السائق هذه وعدم السماح لها بالراحة أو الهدوء ستجعلها تعاني كما تعاني هي الآن وستحصل على حياتها مع حمزة وستحقق جميع أهدافها واحدًا تلو الآخر والخسارة ستكون لريتان.
وحال ريتان تلك الجميلة المخطئة التي أسرعت لتعبر طريق الكرامة والكبرياء متجاهلة شاحنة الغموض التي اصطدمت بها بكل قوة وكشفت عن وجه ناصف الحقيقي. أخطأت في حق نفسها وبشدة، الآن تتمنى لو تعود للوراء لتصلح ما أفسده تسرعها وقلبها ولكن هل يفيد البكاء على اللبن المسكوب!
بعد تفكير عميق من سالم في حديث ابنه حمزة، وبعد سؤاله عن عائلة كاريمان، قرر أخيرًا أن يرضخ لرغبة ابنه مراد. نعم، سعد كثيرًا بخبر حمل مها، ولكنه لم يرَ الفرحة في عين ابنه حمزة، لذلك سيتهاون قليلًا معهما حتى يضمن ولاءهما له. اليوم سيذهب مع ابنيه حمزة ومراد ليطلب يد كاريمان لابنه رسميًا. تلك الزيارة التي ستسعد قلب مراد كثيرًا. الجميع سعيد، الكل متأهب، حتى حمزة لأول مرة يشعر بالفرح لأجل شقيقه.
أما كاريمان، فقررت مهاتفة ريتان وإخبارها بالأمر بعدما تم أخذ الموعد من والدها، لا تعلم كيف ستستقبله ولكن حتمًا عليها إخبارها. رن هاتف ريتان التي تقف بشرود في مطبخها تحضر كوبًا من مشروب النسكافيه الساخن. تناولته وتنهدت تجيب بحذر لعلمها أن ناصف يستمع إلى جميع مكالماتها: "أهلًا يا كاري، إزيك؟ تحمحمت كاري وأردفت بتوتر: "ريتان؟ عاملة إيه يا حبيبتي؟ أجابتها بهدوء ونبرة باتت حزينة:
"أنا تمام الحمد لله، طمنيني عنك، أنا آسفة ما رديتش على مكالماتك اليومين اللي فاتوا لأن الفون كان silent ما كنتش بسمعه." أردفت كاري بترقب وتوتر: "ولا يهمك، أنا بس حبيت أفرحك إن فيه النهاردة ناس جايين يطلبوني." انفرجت أساريرها وشهقت بسعادة حقيقية منذ زمن لم تشعر بها مردفة: "بجد يا كاري؟ ألف ألف مبروك يا حبيبتي، لو تعرفي حقيقي الخبر ده فرحني جداً." تنهدت كاري بقوة ثم أردفت: "كنت عارفة إنك هتفرحي." أردفت
ريتان بابتسامة حقيقية: "طبعًا يا كاري، أنتِ مش صاحبتي، أنتِ أختي وعشرة عمري، قوليلي بقى مين العريس؟ زفرت كاري بقوة وصمتت لثوانٍ فنادتها ريتان بتعجب متسائلة: "كاري سمعاني؟ أردفت كاري بترقب وقلق: "مراد يا ريتان، مراد الجواد." لكمة عنيفة ضربت يسارها فتألمت من وسط سعادتها وباتت لا تعلم أتفرح أم تتألم، باتت في حيرة وتشتت، صمتت لثوانٍ فتابعت كاري بحزن لأجلها: "ريتان لو سمحتِ قولي أي حاجة؟
اعتصرت عينيها وسحبت أنفاسها كمن يسحب دلوًا ممتلئًا بالماء بحبل هش من بئر عميق، وانتبهت للحديث الذي سيأخذ مجرى آخر وسينكشف أمرها، لذلك أظهرت السعادة وأردفت مجبرة: "أنا فرحانالك جدًا يا كاري، بجد فرحانة قوي إنك هتتجوزي إنسان بيحبك، بس أنا آسفة هقفل معاكي لأن بابا بيرن ع الـ waiting."
أغلقت معها سريعًا ورفعت رأسها للأعلى تحجب دموعها وتمنعها من السقوط، ولكن دموعها أبت أن تظل حبيسة، بل أعلنت تحررها وسالت من مقلتيها. إذًا الأمر لم يكن فرق طبقات أو عدم تكافؤ اجتماعي مثلما سمعته. إذًا هي المقصودة، هي بذاتها التي لم تكن مناسبة له ولعائلته، هي ريتان حمدي ابنة السائق، كان عليها أن تتصالح مع تلك الحقيقة منذ زمن، كان عليها أن لا ينبض قلبها له يومًا، كان يتوجب أن تبحر بقاربها الصغير في بحيرتها الآمنة وتبتعد
عن شلال الطبقات الذي ألقاها بقوة في المحيط فغرقت في عشقه للأبد. توهمت بعينه ونظرته برغم أنها درست منذ صفها الأول أن الثعلب مكار يخدع فريسته بنظراته البريئة، اطمأنت له وشعرت بجاوره بأمان العالم يحتويها برغم أنها تعلم جيدًا أن الأفاعي تحتضن فريستها قبل أن تقتلها. ليس هو الظالم لها، هو لم يعدها بشيء، بل هي من ظلمت نفسها، هي المذنبة الأولى والأخيرة. ولكن كيف؟
حتى شقيقته لاحظت حبه وتساءلت؟ لا، لم يكن حبًا، يبدو أنه كان استمتاع واستغلال. زفرت بقوة ومدت كفها تزيل دموعها بعنف، وتلتفت تتناول الكوب المعد لصب مشروبها ثم قامت بإلقائه بقوة على أرضية المطبخ الرخامية فتهشم إلى قطع صغيرة كحبات السكر وروحها. ***
ذهب سالم مع حمزة ومراد إلى منزل سمير عبد العال والد كاريمان على مضض ولكنه مضطر. بعد الترحاب يجلسون جميعهم في غرفة الصالون الراقية والنظيفة ذو رائحة عطرية مريحة للنفس. يجلس سالم بينهم بتعالٍ ووجه بارد ويجاوره مراد تقفز من عينيه السعادة وحمزة يجلس برتابة وهدوء وتواضع كعادته. رحب والدها وشقيقها حسن بهم بينما أردف حمزة وهو يميل على والده ليتحدث: "بابا، قول حاجة! نظر سالم لابنه بضيق ثم زفر ونظر لسمير والد
كاري وأردف بنبرة متعالية: "أكيد سبب زيارتنا معروف يا أستاذ سمير، ابني حب بنتك وصمم عليها، فإحنا جايين نخطبهالها." صمت ينظر لحمزة بتكلف يشعر أن الكلمات ثقيلة على لسانه، ولاحظ ذلك حسن شقيق كاري فتابع حمزة مسرعًا بنبرة لينة يصحح الوضع: "فعلاً مراد صمم عليها، لأن الآنسة كاريمان طول فترة تعليمها لأولاد أختي وهي كانت مثال للبنت الخلوقة الملتزمة."
هنا شرد في حبيبته البعيدة، تذكرها وهي تطالعه باستحياء، بخجل زادها جمالًا، بعيون لامعة حرم من نظرتها. التقط نفسًا عميقًا ثم تابع بعدها بابتسامة شاردة كأنه يتحدث عن نفسه ويصحح ما قاله في الماضي: "وإحنا مش هنلاقي أحسن منها تناسب عيلتنا." التفت فوجد مراد يطالعه بتمعن فعاد ينظر لهم وتحمحم يكمل: "فإحنا جايين نطلب إيدها على سنة الله ورسوله لأخويا مراد."
تحمحم حسن ونظر لوالده الذي ابتسم بطيبة بينما يجلس سالم على أسلاك شائكة حانق على الجميع ولكن عليه أن يرضخ قليلًا لأجل ولديه. أردف سمير برتابة وطيبة: "إنتوا على دماغنا يا سالم بيه أنت وحمزة بيه ومراد، ونسبكم شرف لينا، وزي ما رسول الله صلى الله عليه وسلم قال (إذا جاءكم من ترضون دينه وخلقه فزوجوه)
وإحنا سألنا على الأستاذ مراد وحضراتكم سمعتكوا طيبة، فأنا ما عنديش أي مانع من الارتباط، وبنتي سألتها وهي موافقة الحمد لله، فخلونا نتوكل على الله ونقرأ الفاتحة." هنا أطلقت والدة كاري زغروطة من الخارج وانتفض مراد بسعادة وحماس وربت حمزة على ظهره بدعم وسعادة لأجله بينما نظر لهما سالم وعندما رأى سعادتهما لا يعلم لما هناك جزء داخلي استكان فتنهد مستسلمًا لرغبتهما ولانت ملامحه قليلًا بطريقة لم يلاحظها أحد.
جاءت كاري بعد قليل تخطو بحياء ووجنتين متوردتين من شدة خجلها، تنظر أرضًا بخجل فوقف شقيقها يتجه إليها ويتمسك بها ليقدمها ويدعمها بحنو وحب. طالعها مراد بسعادة رفرفت قلبه وجعلته يحلق، أخيرًا تحققت أمنيته وستصبح من تمناها من نصيبه، أخيرًا سيتنهد بارتياح بعد أنفاسه المعذبة، سيحيا معها حياة مفعمة بالحب والشغف.
أما حمزة فلا يعلم لما رآها ريتان، منذ دلوفها وهو يتخيلها هي، خطواتها الخجولة وهيئتها تشبهها لدرجة أنه تخيل حاله هو من يتقدم لطلبها، فجأة لانت القبضة التي تعتصر قلبه لمجرد تخيله، انزاح اختناق صدره قليلًا معتقدًا أنها عفت عن ما قاله في الماضي. أفاق من أفكاره عندما أردف سمير بحنو: "تعالي يا كاريمان سلمي على عمك سالم وحمزة ومراد."
وصلت إليهم ورحبت بهم ووقف مراد يستقبل ترحيبها بسعادة ولهفة وهي تبادله بخجل وتوتر ولكن داخلها سعادة حالمة، فهو أثبت لها حبه وتخطى صعاب عائلته، اتجهت تجلس بجوار والدها ورفعت عينيها تطالعه بهدوء فوجدته لم يزح عينه من عليها، لا تعلم لما التفتت تطالع حمزة الذي وجدته ينظر لشقيقه بسعادة، حانقة عليه ولكن داخلها يردد لو كان يحبها بحق لفعل مثلما فعل شقيقه، يبدو أن صديقتها كانت تتوهم حبه، تنهدت بقوة وبدأوا جميعهم قراءة الفاتحة واتفقوا وحددوا موعد الخطبة القريب.
*** في اليوم التالي وبعد تحديد موعد ذهب حمزة إلى شركة السوهاجي ليقابل ناصف. دلف مكتبه فوقف ناصف يرحب به مردفًا بترقب ونظرة ثاقبة تخفي كرهًا وُلد منذ أن رأى تلك الصور: "أهلًا يا حمزة بيه، نورت." ابتسم حمزة بتكلف وأردف بهدوء وترقب وهو يجلس: "شكرًا يا ناصف، إيه رأيك ندخل في الموضوع علطول؟ تنبه له ناصف بتعجب وأردف بترقب: "أكيد، شكلك مستعجل". تنهد حمزة وأردف يتابع:
"أنت أكيد عارف إن أسهمي كلها محدودة في شركتنا بس، وإني من صغري متفاني في شغلي مع عيلتي، بس مؤخرًا حابب يكون ليّا تجربة جديدة في مجال جديد بعيد عن العيلة، وبصراحة فكرت ولقيت إن مجال الأغذية كويس جدًا، وملقتش أحسن منك في المجال تعرفني أكتر عنه وتقولي إيه سلبياته وإيجابياته". طالعه ناصف بغموض وشك، ليته يستطيع أن يقتل هذا الخائن الذي يدعي الود، أيأتي ويتطلع عليه هكذا دون خجل؟ يفكر ويردد داخله: ماذا أحبت فيك يا جبان؟
كان من المفترض أن تعشقني أنا بعد ما قدمته لها. تساءل حمزة بترقب عندما لاحظ شروده: "ناصف، أنت سامعني؟ تنبه ناصف فتنهد وأردف يخفي كرهه خلف ابتسامته: "أكيد سامعك، وبفكر في كلامك، بس قولي الأول تشرب إيه؟ ابتسم حمزة وأردف بخبث: "خليني آخد قهوة سادة". طلب لهما فنجانين قهوة بينما أخرج حمزة هاتفه الذي رن وأردف بترقب: "بعد إذنك هرد ع المكالمة".
أومأ له ناصف بينما وقف حمزة يتجه للنافذة الزجاجية ثم توقف أمامها يوالي ناصف ظهره، ثم وببطء شديد أخرج من جيبه ميكروفون صغير الحجم أحضره له مؤمن، ثم قام بلصقه أسفل حافة النافذة المعدنية، وادعى الحديث في الهاتف دون أن يلاحظ ناصف. ثبتها بيد قوية ثم التفت يعود بعدما أنهى المكالمة التي أعدها مسبقًا مع مؤمن واتجه يجلس مكانه وبدأ يتحدث مع ناصف عن أمور خاصة بالعمل وتناول قهوته وغادر على الفور دون أي إثارة شكوك حول زيارته. ***
تجلس ريتان في شقتها مساءً تنكمش على الأريكة وأمامها يعرض مسلسل تليفزيوني غافية هي عنه تفكر بشرود كيف تتخلص من هذه الزيجة دون أي أذى يمس عائلتها. فتح باب شقتها ودلف ناصف يتبعه حمدي وجميلة اللذان تعجبا من قفل الباب ونظرا لبعضهما. وقفت ريتان متفاجئة بهما وركضت إليهما بسعادة كأنها معتقلة أتيا لزيارتها. أردفت بلهفة وهي تعانق والدتها ثم والدها: "إيه المفاجأة الحلوة دي؟
نظر حمدي لملامح ابنته الباهتة وطالعها بتعجب يردف وهو يتطلع على ناصف تارة وعليها تارة: "مالك يا ريتان؟ مالها بنتي يا ناصف؟ نظر ناصف بمغزى لريتان وأردف مبتسمًا بمكر:
"أهو أنا بقى يا عمي جبتك أنت وطنط جميلة تعرفوا مالها، ريتان من وقت حكاية الحمل وهي على طول كده، أنا بقيت أخاف عليها جدًا، كل شوية تقولي أتجوز وطلقني وأنا ما أنفعكش، لدرجة إني بقيت أقفل الباب خوف لتمشي وتسيبني، اتكلم معاها يا عم حمدي وفهمها إني بحبها وعايزها هي والمشكلة دي هنلاقي لها حل أكيد ولو مش هنا هيبقى في فرنسا". صدما حمدي وجميلة ونظرا لبعضهما ثم نظر له حمدي وأردف متسائلًا: "فرنسا؟ يعني إيه يا ابني؟
ابتسم ناصف واتجه يجاور ريتان الصامتة تمامًا ويلف ذراعه حول خصرها يقربها منه مردفًا بترقب وحب زائف: "أنا وريتان قررنا نسافر فرنسا فترة بسيطة، تغيير جو وبالمرة نشوف هناك مشكلة الحمل دي، مع إني مستكفي بيها هي بس ده علشان خاطرها هي". نظر حمدي لابنته الساكنة وأردف بترقب وحزن لملامحها: "وأنت موافقة يا حبيبتي؟
نظرت له قليلًا ثم نظرت لناصف الذي يبتسم لها بخبث ويضغط بأصابعه على خصرها كتحذير فتنهدت بقوة وعادت تنظر لوالدها ووالدتها وترسم ابتسامة على ثغرها مردفة بإيماءة بسيطة: "لسة بفكر يا بابا، هي تجربة جديدة وقلقانة منها شوية، بس أطمن لها وهاخد القرار أكيد". غضب ناصف من حديثها ولكنه لم يظهر ذلك وفك قيده من حول خصرها بينما جلسوا جميعهم وأردفت جميلة بحنو:
"ما بلاش حكاية فرنسا دي يا ناصف يا ابني، أنا ما يهونش عليا ريتان تبعد عني، مش كفاية أننا في بلد واحدة أهو ومش بشوفها غير كل فين وفين". تنهد ناصف بقوة ثم أردف بغموض وهو يطالع ريتان: "قومي يا حبيبتي هاتي ضيافة لأهلك". نظرت له بترقب ثم تنهدت ووقفت تتجه للمطبخ فنظر هو لهما وأردف بود زائف وخفوت:
"أنا بدور على سعادتها، هي حاسة إن الموضوع فارق معايا مع إني بحسسها غير كده خالص، بس أنا يا عمي مش هقدر إن ريتان تبعد عني أو تسيبني بسبب حاجة زي دي، فخلينا نسافر ونجرب، أنا أعرف هناك مستشفى ممتازة متخصصة في الأمور دي، ومتقلقوش أكيد دايمًا هنكون على تواصل معاكم". اطمئنت جميلة قليلًا لظنها أن ابنتها ستتعالج ولكن حمدي لم يطمئن، يشعر أن هناك أمرًا سيئًا ولكن يبقى إحساسه مجرد شعور داخلي لا يمت للحقيقة بصلة.
بعد ساعة أو أكثر غادر حمدي وزوجته واتجهت ريتان تؤدي فرضها متجنبة وجوده. انتهت واتجهت لغرفة أخرى لتنام بها ولكنه لم يتركها بل تبعها حيث ذهبت ووقف أمامها وهي تستعد لتصعد الفراش مردفًا بترقب وهدوء كأنه لم يعنفها يوميًا: "أنت هتنامي هنا ليه؟ ولا مرة عملتيها من وقت جوازنا؟ ارجعي أوضتنا يا ريتان". نظرت له بتعجب وذهول، أنسي ما فعله بها؟ كيف ستأمنه على نفسها وتنام بجاوره مرة أخرى. هزت رأسها وأردفت بخوف:
"مش هينفع، بعد اللي أنت عملته مش هينفع، أنت عارف إني عايزة أطلق". حاول جاهدًا التحكم في حالته التي لو حضرت لا يعلم عواقبها وهو يتقدم منها وهي تطالعه بخوف وتقف بجسد مهزوز ثم توقف أمامها يرفع يده يزيح خصلاتها إلى الوراء ويطالع ملامحها بعمق وتمعن مردفًا بفحيح وترقب: "هينفع، لأني مش هطلقك، متخلنيش أرجع تاني للوش اللي بحاول أدفنه، أنا معاكي بحاول أنسى اللي كنت ناوي أعمله وأبدأ صفحة جديدة وده مش طبعي، بس علشانك بحاول".
كانت تنظر للأسفل لا تقوى على النظر لعينيه التي باتت تخيفها فتنهد وزفر يردف وهو يبعد يده عنها عندما لاحظ ارتعاشتها: "تمام، مش هضغط عليكي، هسيبك فترة تهدي، ومن دلوقتي لحد ما نسافر فرنسا هنبدأ حياة جديدة مع بعض". رفعت نظرها إليه تطالعه بعيون مترجية وأنفاس مسلوبة تحاول التقاطها مردفة بترقب لتحاول تفاديه: "تمام يا ناصف بس سيبني دلوقتي لو سمحت".
تنهد بضيق وأومأ عدة مرات ثم اندفع للخارج مجبرًا، يفكر في القادم، باقي وقت قليل وسيأخذها ويغادر وهناك سيفعل ما يحلو له معها ولن يتركها. *** بعد يومين ظل فيهما حمزة يتابع بتخفٍ أي حديث لناصف قد يكون حجة ضده. زفر بيأس فجميع مكالمات ناصف الفائتة فحواها الأعمال الرسمية والاجتماعات لذلك كان لا يستمع إليها، هو يبحث عن شيء معين. ها هو يستمع لرنين هاتف ناصف عبر الميكروفون المتصل على حاسوبه من خلال مؤمن.
اتجه حمزة مسرعًا يغلق باب مكتبه عليه وعاد يجلس خلف مكتبه ويضع السماعة فوق رأسه وترقب التنصت جيدًا. فتح ناصف الخط وخطى يجيب باتجاه النافذة مردفًا بالفرنسية: "ألو Bonjour" "ستصل خلال أسبوع Il arrivera dans une semaine" "لا داعي للقلق فقد رتب كل شيء Pas besoin de s’inquiéter j’ai tout arrangé" "حسنًا سوف أخبرك بالمستجدات Eh bien, je vous dirai ce qui se passe". أغلق ناصف وقام بالاتصال على مساعده الشخصي يردف:
"ألو، جمع الرجالة واستناني في مخزن الأغذية القديم بعد شوية". أغلق الخط وتطلع للأمام من النافذة يتنهد بقوة، هو على وشك تنفيذ أكبر مهمة في حياته قبل أن ينهي تلك الأعمال هنا، لن يسمح بأقل الأخطاء. صدم حمزة من ما سمعه، ظل ثابتًا مكانه يستوعب أن ما يحدث حقيقي، مؤكد هناك أمر غير قانوني، وهذا هو المطلوب تمامًا.
وقف مسرعًا يتناول أغراضه من فوق سطح مكتبه ويغادر، يعلم جيدًا مكان هذا المخزن القديم الخاص بأغذية شركة السوهاجي لذلك سيذهب ويحاول التقاط أي شيء يفيده في تنفيذ خطته. *** بعد حوالي ساعة كان حمزة يقف في مكان قريب متخفيًا بعيدًا عن الأنظار حتى سيارته أخفاها بعيدًا.. يقف يراقب ويرى رجال ناصف يتجمعون في انتظاره، وصل ناصف بعد دقائق إليهم وترجل من سيارته يلتفت حوله لذلك أخفض حمزة رأسه يتخفى جيدًا.
فتح حمزة هاتفه وقام بتشغيل مقطع فيديو صوتي وبدأ يسجل ما يحدث أمام عينيه بأنفاس متأهبة. اتجه ناصف إلى رجاله يردف بهدوء مخيف بدون أي مقدمات: "شحنة الأغذية هتوصل كمان أسبوع، وطبعًا البضاعة المرة دي غير كل مرة، المرة عبارة عن (فنتانيل)
ودي أول مرة تدخل عن طريقنا، هتكون كلها في أرضية الصناديق متوزعة بطريقة مستحيل حد يكشفها، مطلوب منكم تخلصوا أوراق الجمارك في أسرع وقت، لازم تتوزع على رجالتنا قبل نهاية الشهر، نسبة الغلط 0%، فاهمين؟ أردف أحدهم متسائلًا بقلق: "طيب ولو حصل زي المرة اللي فاتت يا ناصف بيه وواحد مننا كان هيتاخد؟ طالعه ناصف بعيون مظلمة وأردف بابتسامة مخيفة:
"ادعي ما يحصلش، لأن اللي هيتقبض عليه حتى لو اتسجن تحت الأرض هوصله قبل ما ينطق بحرف، البضاعة دي تساوي حياتي وحياتكم قبلي، ومش هقبل بأي خطأ". طالعه الرجل بخوف وأومأ بصمت فنظر لهم ناصف نظرة أخيرة قبل أن يلتفت يخطو ويستقل سيارته ويغادر فهذا هو لقاء تلك الأعمال لا يتعدى الدقيقة أو الاثنين وربما أقل.
أما حمزة فيقف يحمل هاتفه الذي ما زال يسجل، صدمته جعلته يتجمد، نعم كان يشك في أمره ولكن يبقى الشك مجردًا من التأكد، قاتل وتاجر مواد مخدرة؟ أيعقل؟ الآن ليس عليه حماية ريتان فقط، بل لديه واجب آخر تجاه بلده. أوقف الفيديو ودثر هاتفه جيدًا ونزل يغادر ببطء من حيث أتى بعدما غادر الرجال. ***
عاد حمزة إلى جناحه ليلًا بعد مدة قضاها بمفرده يفكر في ما سيفعله ويحسب خطواته جيدًا، دلف بملامح متهكمة وصمت ولم ينظر لتلك الجالسة تعبث بحاسوبها كالعادة.
تطلعت عليه بترقب إلى أن مر متجهًا للحمام بهدوء بعدما تناول ملابسه، دلف وأغلق خلفه واتجه يبدل ثيابه، خلع جاكيت بدلته وألقاه في سلة الغسيل ثم فك أزرار قميصه الأبيض وكاد أن ينزعه ولكنه تفاجأ بها تفتح باب الحمام وتلج للداخل بتردد متجهة إليه لتنفذ ما خططته مع والدتها وتبدأ باللعب على غريزته لتحصل على سيطرتها عليه مثلما تفعل والدتها مع والدها. توقف عن خلع قميصه وطالعها بضيق يردف بتعجب: "خير؟
توقفت أمامه وابتلعت لعابها ثم مدت يدها بترقب قاصدة نزع قميصه عنه بنظرات خبيثة فثبت يدها بيده يمنعها من الوصول إليه وأردف ينظر لعينيه بقوة: "بتعملي إيه؟ برغم جرأتها وغرورها إلا أن داخلها اهتز وانتابها شعور الرغبة من هيئته وملامحه الرجولية ورائحته تطالعه بنظرة ثاقبة وتردف بصوت متحشرج متنازلة عن غرورها المعتاد: "أنت جوزي، وأنا ليا حقوق عليك يا حمزة". أبعدها عنه قليلًا وابتعد خطوة للوراء ينظر لها بترقب ويردف بثبات:
"ما فيش بينا حقوق يا مها، أنا قلت لك جوازنا انتهى خلاص، ولولا حملك كنا اتحررنا من العقد الظالم ده، ولو عايزة تطلقي أنا معنديش أي مانع بس ابني اللي في بطنك أنا مسئول عنه وعن حمايته وأنا بصراحة معنديش ثقة إنك تحميه وأنت بعيد عني". برغم انزعاجها من حديثه عن إنهاء علاقتهما التي لم تسمح به أبدًا إلا أنها عادت تقترب وأردفت بخبث وهدوء وتساؤل وهي على وشك ملامسته: "طيب ليه ما نديش لعلاقتنا فرصة تانية؟
يعني أنا مستعدة أتنازل شوية وننسى الكلام اللي قلناه لبعض من كام يوم، لأني بحبك يا حمزة، بحبك وعايزاك وعايزة أكمل معاك". تنهد بقوة يحكم عقله على غريزته وأشار لها بيديه أن تتوقف مردفًا بثبات وهدوء: "ما ينفعش...
لو بعد كلامنا اللي قلناه وبعد اللي عرفتيه وأنا عرفته كملنا عادي يبقى أنا هكره نفسي يا مها، ما أعرفش أنت إحساسك هيبقى إيه وأنت مع راجل عارفة إن مشاعره مش ملكك بس أنا مش هقدر، صحيح ليا متطلبات شرعية بس مش أنا الراجل اللي تتحكم فيه غريزته عن عقله ومبدأه، علشان كده لو سمحت اطلعي برا".
اشتعَل وجهها وبات لونه يشبه البركان وتصاعد الغضب داخلها وهي تطالعه بحدة وتوعد ثم التفتت تندفع للخارج وتصفع الباب بقوة بينما هو تنهد بعمق وشرد قليلًا يفكر، ليتها كانت الزوجة المناسبة التي تتبع أسس الزواج لكان أعطاها حقوقها حتى وإن لم يكن لها عشقًا فحياته مع حبيبته مستحيلة الآن، ولكن هي من مزقت علاقتهما باعترافاتها ذلك اليوم.
أما هي اندفعت للخارج تشعر بالإهانة التي بدلًا من أن تقرر الابتعاد توعدت بالحرب الشرسة مجددًا للحصول على ما تريد. *** في اليوم التالي ذهب حمزة إلى شركة السوهاجي مجددًا. جلس ينتظر إلى أن تبلغ السكرتيرة ناصف بمجيئه الذي تعجب من أمره فهو كان هنا منذ أيام. زفر بضيق وأردف: "خليه يدخل". بعد ثوانٍ كان يخطو حمزة داخل مكتب ناصف بملامح منفرجة يطالعه بعمق والآخر متعجبًا من سبب زيارته. جلس حمزة أمام ناصف الذي
تساءل بعد الترحيب الكاذب: "خير يا حمزة؟ شايف إنك قريب هتشاركني". ابتسم حمزة ساخرًا وطالعه بعمق ثم أردف بترقب بدون مقدمات: "يا ريت، بس أنت عارف أنا ما ليش في الشغل ده؟ ادعى التفاجؤ قائلًا بخبث وترقب: "آه أنت تقصد الأغذية! أنا خيالي سرح في حاجة تانية. ضيق ناصف عينيه يتساءل متعجبًا من طريقته: "مش فاهم؟ زفر حمزة وأخرج هاتفه ثم عبث به وعرضه عليه يردف بتشفٍ: "طيب اتفرج على ده وإنت تفهم."
تناول ناصف منه الهاتف ونظر لما يعرضه قبل أن يتهاوى قلبه وتضيق أنفاسه وهو يرى نفسه ورجاله يتحدثون في أمر الشحنة القادمة خلال أيام. ابتلع لعابه ونظر لحمزة بصدمة وعيون جاحظة لثوانٍ ثم أردف بحسرة: "إنت صورت الفيديو ده إزاي؟ تنهد حمزة وعدل من وضعية جلوسه الأكثر ثقة ثم أردف بهدوء: "صورته من قلب الحدث، بس مش ده السؤال اللي المفروض تسأله دلوقتِ." اقترب من حافة المكتب ينظر داخل بؤبؤ عينه بقوة ويكمل بغضب مكبوت:
"المفروض تسأل أنا جاي ليه وعايز إيه؟ ما زالت الصدمة مرسومة على وجه ناصف الذي تساءل بترقب بعد ثوانٍ: "وأنت عايز إيه؟ تحمحم حمزة ورجع للوراء قليلًا يردف بثقة: "أول حاجة من اللحظة دي مالكش دعوة بأختي ولا أولادها." ضيق عينيه بعدم استيعاب ثم أردف بتهكم: "يعني إيه؟ أنت ناسي إنهم ولاد أخويا؟ اسمع أما أقولك، بلاش تهددني يا حمزة وإلا ما تعرفش أنا ممكن أعمل إيه." مسح حمزة على وجهه ثم تنهد وأردف بتروٍ متجاهلًا حديثه:
"اسمعني كويس يا ناصف، أنا بس جاي أحذرك... طول عمري وأنا مش برتاحلك لله في لله كده، كنت حاسس إنك غامض ومخبي عكس ما بتظهر، شبه أخوك بالضبط، دخل علينا بطريقته الخبيثة دي وأخد أختي غصب عنها واتجوزها وللأسف أبويا كان شاهد على الجوازة دي." تنهد باختناق يتابع وهو يتذكر عذاب شقيقته: "اتجوز أختي وطلع عقد تربيته كلها عليها، ضرب وإهانة وظلم وحتى لما حملت ما رحمهاش، وكل ده ليه؟ عملت فيه إيه؟
ولا أي حاجة، ملعون أبوه وأبو فلوسه ومكانته اللي خلت أبويا يوافق على واحد زي ده." أومأ يطالعه بغضب ويردف بتشفٍ: "ربنا رحمها منه، بس مش هيرحمه، وحق سناء راجع كده كده." كان ناصف يستمع له بغضب، فحمزة يعيد تذكيره بأسوأ ما يخفيه، بماضيه وماضي عائلته المظلم، بأيام حاول الابتعاد عنه ولكنها عادت تهاجمه بضراوة. صك أسنانه وأردف بغضب: "اخلص وقول عايز إيه؟ تنهد حمزة بقوة ثم عاد يطالعه ويكمل طلباته:
"زي ما قولتلك، هتبعد عن أختي وأولادها، تصفي الشركة واللي ليك فيها وترجع مطرح ما جيت، ونصيب أختي وأولادها في شغل التجارة الشرعية يتحفظ باسمهم ودائع في البنك." طالعه ناصف بعمق، فهذا بالأساس ما ينوي فعله لذلك أومأ وأردف ببعض الراحة: "تمام، هعمل كده." أردف حمزة ببرود وهدوء: "اهدأ بس أنا لسه ما خلصتش كلامي، ده أبسط طلب." ضيق عينيه مجددًا وعاد للخلف يستند على مقعده فتابع حمزة بثقة وثبات:
"الشحنة اللي ناوي تدخلها مصر دي ترجع تاني من مكان ما طلعت." انفجر ناصف ضاحكًا فجأة بهستيرية وهو يميل وأردف بجنون: "هههههههه، لاااا إنت مش طبيعي، مستحيل ده يحصل، إنت عارف أصحاب البضاعة دي ممكن يعملوا فيك وفيا وكل اللي حوالينا إيه؟ طالعه حمزة بعمق وأردف بثبات: "وأنت عارف لو أمن الدولة شم خبر بشحنة زي دي هيحصل ليك وليهم إيه؟
توتر ناصف لعلمه بحقيقة الأمر وعاد يصمت، فهو يستطيع أن يهدد رجاله بكل أريحية ولكن حمزة ابن سالم الجواد ليس علكة سهلة المضغ لذلك فإن تهديد حمزة له أصاب هدفه وجعل ناصف يشرد قليلًا فتابع حمزة ليكمل عليه: "زي ما سمحت لنفسك تدخل مصر حاجات من دي هتعرف تمنعها، تدفع بقى إنت ليهم تمن الخسائر تروح تبوس رجليهم يسامحوك، تروح تبيع لهم نفسك ما يهمنيش، إنت اللي اخترت."
أغمض ناصف عينيه بقوة، فهذا الفيديو كفيل بأن يلقيه خلف سبعين سور وقضبان ولن يرى الشمس مرة أخرى هذا إن لم يُقتل على يد تلك الجماعة. فتح ناصف عينيه ببطء ونظر لحمزة، هز رأسه يردف بتهديد: "إنت بتلعب بالنار يا حمزة يا جواد، أنا ممكن باتصال واحد أبلغهم بكلامك ده ويخلصوا عليك وما حدش يعرف مكان جثتك حتى، ابعد عنهم أحسنلك، أنا كده كده هخلص العملية دي وأسافر، الأحسن ما تلعبش لعبة إنت مش قدها."
ابتسم ساخرًا فهذا الحديث يسجل أيضًا ثم أردف بثبات: "عامل حسابي كويس، والحقيقة إن كل كلمة قولناها هنا بتتسجل برضه، وفي إيد أمينة، يعني لو حصل معايا أو مع أي حد يخصني أي شيء صدقني هتبقى إنت رقم واحد في المشتبه فيهم، خصوصًا وإن كده كده الفيديو هيوصل للنيابة في حالة حصل أي أذى لأي حد إن ما كانش عن طريقي يبقى عن طريق الطرف الثاني اللي أكيد عمر عقلك ما هيجيبه." استمع إليه بذهول وأردف بعدم تصديق: "معقول، إنت يطلع منك كل ده؟
ابتسم حمزة يردف باستفزاز: "ولسه عندي مفاجآت تانية ما تستعجلش، ها قولت إيه؟ ما فيش وقت قدامك أسبوع تخلص كل المطلوب منك وترجع على فرنسا." اعتصر ناصف عينيه بقوة وتعالت وتيرة أنفاسه يفكر في العواقب الجسيمة ثم حاول استعطافه يردف بترجٍ لعلمه بأن هؤلاء القوم ليسوا برحماء: "حمزة اسمعني، أنا ما كنتش ناوي اشتغل معاهم، الناس دي هددوني وما قدرش أرفض، الناس دي ما حدش قدها صدقني." زفر حمزة وتابع بقسوة ولا مبالاة:
"بما إنك عارفهم كده يبقى هتعرف تلاقي حل معاهم، وبعدين إنت زعلان ليه بضاعتهم هترجعلهم وفوقيها فلوس منك، كل ما في الأمر إنك هتبلغهم إن البوليس شم خبر من مصدر مجهول، مش أحسن ما تتمسك في الجمارك وتتعدم هي وأنت واللي سهل لك الأمور؟ أشار بيده يوقفه مردفًا بتوتر فلم يعد قادرًا على ما يسمعه: "تمام، هعمل اللي قولت عليه، خلاص موافق بس أنا لازم أضمن كلامك وإنك مش هتبلغ، لازم أضمن حياتي." وقف حمزة يلوى فمه مردفًا
وهو يغلق زر بدلته: "ما فيش ضامن غير كلمتي، إنت مضطر تثق فيا المرة دي، لأني لو عايز أأذيك كنت هاخد الفيديو وأطلع على النيابة على طول أو أفضحك بيه، إنت بس تعمل اللي قولتلك عليه وتبعد من هنا وما تحاولش ترجع مصر مرة تانية وهما مش هيقتلوك لإنك حذرتهم، وابقى دور على المايك في مكتبك لإن خلاص ما بقاش ليه لزوم."
خطى خطوة واحدة ثم توقف والتفت يطالعه بعمق وغضب مكبوت وهو يتذكر رعبها ورعشتها وملامحها التي بهتت ونظرتها الحائرة عندما رآه خوفًا من ناصف. أردف من بين أسنانه بتأهب: "كنت هنسى أقولك على أهم شرط." ترقب ناصف السمع جيدًا يضيق عينه بقلق فتابع حمزة بعمق وتنهيدة طويلة وقد تعمد ترك هذا الأمر للآخر لأنه يعلم بيقين أن بعده ستحدث فوضى عارمة: "تطلق ريتان."
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!