في اليوم التالي مساءً، يعود من شركته بعد يوم عمل شاق. يراها تتمشى على إحدى الأرصفة، يبدو أنها كانت تشتري كتبًا تربوية. التفتت لتوقف سيارة أجرة، فلمحته. ولكن في لمح البصر، لفتت عينيها وأكملت كأنها لم تره. أشارت لإحدى سيارات الأجرة، استقلها وانطلق السائق. لا يعلم لما غير وجهته وظل خلفها. هاتفه الرجل الذي كلفه بحمايتها يردف بعدما لاحظ وجوده: "حمزة بيه؟ أكمل ورا ريتان هانم ولا حضرتك هتكمل؟
أردف حمزة وهو يقود خلفها، لا يعلم لما، ولكن يأخذه الحنين إليها كأنه قطعة معدنية ينجذب نحو مغناطيس شديد القوى: "زي ما أنت يا محمد، ولا كأنك شايفني." أغلق معه وظل خلفها. الليل أسدل ستائره والطرقات مزدحمة. أما هي، فكانت تعلم أنه يسير خلفها. رأته عندما استقلت سيارة الأجرة، وإلى الآن توقن أنه خلفها. قلبها ينبض بعنف. تنهدت بضيق من أفعاله. ماذا يظنها؟ ما تلك الأفعال الصبيانية؟ لما لا يتركها تعيش بسلام ويعيش هو كما يحلو له؟
أولم يخش عليها من القيل والقال؟ ماذا إن ظل خلفها ورآه جيرانها؟ بعد دقائق، زفرت بحنق ونظرت حولها. تنهدت وأردفت للسائق بتروٍ: "على جنب لو سمحت يا أسطى." توقف السائق وترجلت من السيارة بعد أن دفعت أجرته. لم تنظر خلفها، بل مرت لتعبر الطريق بحذر. عبرت الطريق والحاجز ووصلت إلى الحديقة المزدهرة التي تصطف على ضفة النيل.
جلست على إحدى مقاعدها الخشبية ونظرت للأمام. المراكب الشراعية المنيرة تسبح في مياه النيل الهادئة كهدوئها الظاهري الذي يخفي وراءه طوفانًا سيأتي يومًا وسيفيض ولم يعيقه سدًا. طوفان تجمع على مر سنوات معاناة بسبب حبه الصامت. فقط خيط رفيع يحكم قوة تحملها وستفيض في يوم من الأيام.
كان يتابعها بتعمق. حيث أوقف سيارته جانبًا وترجل يتبعها بسعادة، يظنها فرصة أتت له على طبق من ذهب ليتحدث إليها. تقدم منها وهو يراها تواليه ظهرها. فتسارعت نبضاتها، تشعر به خلفها. أغمضت عينيها تلعن قلبها الذي ما زال ينبض له ولن يكف ما حيت. تنهد بقوة ولف يجلس مجاورًا لها على مسافة مناسبة، ويتطلع إلى الأمام، مردفًا بترقب وقلبه يعصف بقوة وسعادة لرؤيتها ولقربها منه: "إزيك يا ريتان."
ابتلعت لعابها بصعوبة ونظرت بطرف عينيها، ثم عادت تنظر للنيل مردفة بثبات ظاهري: "أهلاً يا حمزة بيه، صدفة غريبة؟ زفر وأردف وهو يمد ذراعيه على ساقيه ويتكئ منحنياً قليلاً وينظر للنيل: "مش صدفة، أنا بحاول من فترة ألاقي فرصة تانية أتكلم فيها معاكي." نظرت له بعيون ثابتة، حاولت جاهدة إخفاء لمعتها وأردفت بهدوء:
"أظن إن الشيء الوحيد اللي ممكن أنا وحضرتك نتشارك فيه بأي كلام هو مروان، وطبعًا عادي جدًا لو نورتنا في المدرسة واتكلمنا." أصبحت صارمة جدًا. لم يعد يرى حنان نظرتها، باتت متصلبة الكلمات والنظرات. هل هو المتسبب في تلك الحالة؟ هل هو من أوصلها وأوصل حاله إلى هذا الطريق؟ زفر وأردف بتروٍ وحزن وحسرة على عشق ذي ضمير أبكم:
"لأ يا ريتان، فيه بينا كلام مشترك غير مروان. فيه أنا وإنتِ، فيه مستقبلنا، فيه غلطات ارتكبتها في الماضي وهصلحها كلها قريب جدًا. فيه حال أنا عايش بيه لازم تعرفيه، وبعدها اعملي اللي انتِ عايزاه." وقفت بهدوء عكس ثورتها الداخلية، ونظرت له بتعمق، ثم أردفت بثقة وهدوء:
"غلطات الماضي عمرها ما هتتصلح، انتهى خلاص، صدقني بالنسبالي انتهى خلاص. أنا اتصالح مع نفسي جدًا وعرفت أنا مين، وحاليًا شايفاك أب كويس جدًا وياريت متخلينيش أغير نظرتي دي. اهتم بزوجتك وابنك ووفر وقتك ليهم، مروان طفل جميل ميستحقش منك كده أبدًا. وخليني أنا في طريقي بعيد عن أفكارك وبلاش لو سمحت تخلي حد يتكلم عني بطريقة مش كويسة."
التفتت تغادر برأس مرفوعة وقلب ممزق متهالك. حاولت جاهدة أن تلتقط أنفاسها لتوقف غيمة دموع تكونت في مقلتيها، ولكن لم تستطع. وها هي تفر دمعتها على وجنتها فتحرقها كسلسال من نار. أكملت سيرها قدمًا لحتى تهدئ من نيرانها. أما هو، فظل مكانه يتطلع على النهر بصمت تام. صراع داخله من حديثها وأفعالها القوية ومن كيفية حل تلك المعضلة في أسرع وقت دون التخلي عنها أو عن طفله. كيف يفهمها أن حياته الزوجية ليست كما تظنها؟
كيف يخبرها بمعاناته؟ يعطيها الحق وكل الحق في رفضها الارتباط به بعد كل تلك المشاكل المصاحبة له. لقد أخطأ أخطاءً في الماضي جعلته يدفع ثمنًا باهظًا أكثر مما كان يتوقع. وليس هو فقط من يسدد الدين، بل هي وصغيره دون أي ذنب. بعد وقت، دلف إلى صغيره الذي يجلس يدون مهامه المدرسية. تعجب حمزة وجلس بجواره يردف بحنو، راميًا بكل ما حدث معه قبل أن يدلف: "حبيبي بابي، بتحل الهوم وورك لوحدك ليه؟ نظر لوالده وأردف بحماس:
"مس ريتان قالت لي أحاول أحله لوحدي، بس قالت للأولاد الثانيين لازم ماما تبقى جنبهم. هو أنا كنت في التواليت ورجعت سمعتها بتقول كده؟ ولما شافتني حضنتني وقالت لي إنها بتقولهم كده لأنهم مش شاطرين زيي وممكن يغلطوا، إنما أنا شاطر وهعرف أعمله لوحدي."
طالع بعمق. بات نبضه يدق بقوة في صدره حبًا لتلك الريتان. حقًا هي اسم على مسمى. خارجها صدفة صلبة وباطنها لؤلؤ مكنون. تراعي مشاعر صغيره لأبعد درجة، في نفس الوقت الذي لا تهتم والدته لأمره ولو للحظة. ولكن هذا الخير الوحيد في الأمر. وهذا ما يريده. هو يريد أن يقترب طفله من ريتان ليصبح بعد ذلك ارتباطهما قويًا جدًا لا ينكسر. أردف متسائلاً بترقب: "طيب هي قالت لك كده ليه؟ هو أنت اتكلمت معاها في حاجة؟
ترك الصغير قلمه ونظر لوالده نظرة طفولية حزينة وأومأ يردف بتردد: "أيوه يا بابي، أنا قولت لمس ريتان إن مش بشوف مامى ولا بتقعد معايا، وأن أنت بس اللي طول الوقت معايا." مد يده يسحب صغيره إلى صدره ويعانقه بقوة، ثم ابتعد يردف بترقب: "طيب يلا يا بطل وريني كنت بتحل لوحدك إزاي." تحمس الصغير وجلس يكمل ما يفعله ووالده يتابعه بسعادة.
كانت العائلة تجلس في الأسفل، كل منهم يجلس مجاورًا لزوجته، حتى سالم يتسامرون في أمور العمل كعادتهم. ومراد يدلل كارى دون اكتراث لأحد، بينما فريد يغمز لشيرين بشكل سري حتى لا يراه أحد. وقف فريد يتحمحم ويردف بترقب: "طيب يا جماعة عن إذنكم أنا هطلع أنام عشان هصحى بدري، تصبحوا على خير." أردف مراد باستفزاز: "وأنت من أهل الخير يا فريد، بس متبقاش تغني وإنت نايم، صوتك وحش." توتر فريد ونظر لشيرين التي تبتسم بخبث،
ثم عاد لشقيقه يردف بغيظ: "ابقى سلك ودانك كويس، تلاقيه حمزة بيغني لمروان قبل ما ينام." ضحك مراد وتابع بعدما نجح في استفزازه وهو ينظر لكارى: "لأ صوتك، حتى اسألي كارى. وبعدين حمزة هيغني لابنه؟ حيرت قلبي معاك؟
غضب فريد ونظر لشيرين التي تكتم ضحكاتها. فشرفة غرفة نوم فريد ملتصقة بشرفة نوم مراد، ولذلك فإن الأصوات تتداخل ليلاً في بعضها. نظر للجميع بحرج وسالم يتابع الأخبار ظاهريًا ببرود، ولكنه يستمع إليهم جيدًا، بينما صفية تضحك بتسلية على حال فريد الذي لا يظهر مشاعره في العلن عكس مراد تمامًا. التفت فريد ينظر لشيرين بغيظ مردفًا قبل أن يلتفت ويغادر: "شيرين يلا نطلع." تحرك، ولكن مراد أردف ليكمل عليه:
"سيب شيرين قاعدة معانا شوية واطلع نام إنت عشان هتصحى بدري." التفت يطالعه قبل أن يختفي ويردف بغيرة وحنق: "ملكش دعوة بشيرين، خليك في مراتك يا أخويا." غادر يصعد لجناحه، بينما وقفت شيرين تردف بعتب لمراد: "كده يا مراد؟ أهو هيطلع عليا أنا." ضحك مراد يردف وهو يلف ذراعه حول خصر زوجته ويعانقها بحب: "عليا أنا برضه يا بنت عمي، هو بيعمل قدامنا إحنا شبح بس هو فوق." "مراااد."
تفوه بها سالم بحدة، فتحمحم مراد يعتدل. لقد نسي تمامًا وجود والده بينهم. نظر له يردف بأسف: "آسف يا بابا ما خدتش بالي معلش." نظر لزوجته وتابع وهو يستعد للقيام: "يلا يا كارى نطلع إحنا كمان." أومأت له ووقفا يتجهان للأعلى بعدما ودعا صفية وسالم، وصعدت معهما شيرين. دلفا مراد وزوجته جناحيهما، ودلفت شيرين إلى جناحها حيث ينتظرها فريد في غرفتهما. مرت عبر الرواق ومنه لغرفتها ودلفت تطالعه وهو يجلس على الفراش شارداً. فابتسمت
واقتربت منه تردف بترقب: "مالك يا فيرو سرحان في إيه؟ نظر لها بحب وأردف: "الواد مراد ده غتت، أحرجني قدام بابا." ضحكت بخبث وجلست مجاورة له تردف بتروٍ: "خد الأمور ببساطة يا فريد، عادي مراد بيهزر معاك." نظر لها بخبث وأردف: "بعد كده مفيش غنا، لو عايزة رومانسية سيبيني وأنا هتصرف." مالت عليه تتساءل بحب ونعومة: "هتعمل إيه يعني؟
مد يده يسحبها إليه حتى التصقت به، ويده الأخرى تزيح غطاء رأسها وتعبث بخصلاتها، وعينيه تجول على ملامحها بشغف وعشق، ثم انحنى يلثم ثنايا رقبتها، مما سرى القشعريرة في أوردتها، وأغمضت عينيها بإستمتاع. تاه هو في قبلاته الشغوفة وهو يوزعها على رقبتها وترقوتها ويصعد لفكها حتى اقترب لشفتیها وكاد يلتهمها، فنبهه صغيره بلكمة قوية داخل رحم شيرين. فخرج فريد من دوامة مشاعره يلعن تحت أنفاسه ويبتعد. فضحكت شيرين بإستمتاع
تردف وهي تتحسس أحشاءها: "حبيب قلبي بيغير؟ رد فريد بغيظ يردف: "بيغير إيه؟ ده غتت شبه عمه مراد. أنا مش عارف هلقيها منه ولا من أخويا اللي ودانه ولا ودن الفيل." وقفت شيرين تردف بدلال وهي تطالع حنقه: "طب على فكرة بقى هو زعل منك، عشان هو كان بيسلم عليك وبيفكرك بوجوده." تنهد يزفر ويهز رأسه بقلة حيلة، ثم مد يده يسحبها إليه. فاقتربت منه تقف أمامه وهو جالسًا على الفراش، ثم تحسس موضع صغيره بيده ومال يقبله بحب ويردف بحنو أبوي:
"وأنا كمان بحبه جدًا، بس هو أخدك مني، كأنه بيضايق لما بقرب منك. ربنا يستر لما ييجي." مدت ذراعيها تضعهما على كتفيه وتردف بحب وتروٍ: "مفيش حد يقدر ياخدني منك، حبي ليه حاجة وحبي ليك حاجة تانية خالص. يلا بقى غنيلنا زي امبارح." جحظت عيناه يبتعد عنها للخلف ويردف برفض تام: "لأأأ، خلاص الحيطان ليها ودان. روحي إنتِ يا حبيبتي غيري هدومك وتعالي نامي جنبي هنا وأنا هعملكم حاجة أحلى من الأغاني." تحمست وابتسمت تردف بحب وتومئ:
"تمام، ثواني وراجعالك."
في منزل حمدي. تجلس ريتان ليلاً في غرفتها تدون بعض التدريبات في دفترها. مر على عقلها مروان. تنهدت بعمق وتعجب. تعلقت وأحبت الطفل الخطأ. وكأن الله أبدل حب والده في قلبها بحبه هو. تعلم أنه ملك أخرى ويستحيل أن يكون لها حق فيه يومًا. ولكن إن لم كانت ستحبه، كانت ستكره. وهي ليست تلك الشخصية. هي بعيدة تمامًا عن شعور الكره، حتى لو اجتمع العالم أجمع على أذيتها. هي تحمل قلبًا نقيًا يمكن أن يتوقف عن حبه، ولكن مستحيل أن تكرهه.
تنهدت بعمق تتذكر نظرته حينما دلف من باب القاعة وسمعها تتحدث عن الأم. حينها ندمت على حديثها. تعلم أنه يفتقد حنانها. هو نفسه من أخبرها بذلك. مرات عدة يخبرها أنه حتى لا يراها إلا صدفة. لذلك أسرعت تعانقه وتخبره أنها تراه مميزًا ويستطيع حل مهامه بمفرده لتعطيه الثقة بالنفس. نظرت للورقة التي أمامها وللقلم في يدها ولما دونته أثناء شرودها دون إدراك. شهقت ووضعت كفها على فمها. رددت بلسان هامس ما دونته مردفة: "حمزة!
خانتها عبرة من عينيها. متى ستنساه وتكمل؟ متى ستنظر له كنظرتها لجميع الرجال التي تراهم؟ نظرة باردة لا تحمل أي مشاعر. متى سيرتاح هذا القلب المنهك؟ ولما إلى الآن تحبه بعد كل ما فعله؟ يفترض أن تنساه وتكمل.
نزعت الورقة من دفترها وكورتها بين راحة يدها تضغط عليها بقوة، وكأنها بذلك تعاقبه هو. كادت أن تلقيها في سلة المهملات، ولكن توقفت يدها في المنتصف. لم تستطع فعلها. شيئًا ما بعيد بداخلها يخبرها أن اسمه، إن لم يكن محفورًا في قلبها، فليكن في درجها وليس في سلة المهملات. تعلم أن قيمته ليست هنا.
أنزلت يديها وفتحت درج مكتبها ووضعت به الورقة المكرمشة نتيجة قبضتها، ثم عادت تأخذها وتفردها على سطح المكتب. ثم نظرت مجددًا للاسم وأردفت بتعجب وقلب ينبض بقوة: "وكمان مزخرفاه؟ هزت رأسها بيأس من حالتها وعادت تضعه في الدرج أسفل بعض الأوراق وأغلقت. ووقفت تتجه للتتوضأ وتصلي قيامها قبل أن تنام. في اليوم التالي في المدرسة. بعد أن انتهت ريتان من حصصها اتجهت تجمع أغراضها لتغادر، ولكن قاطعها كريم الذي أتى إليها يردف بتردد:
"مس ريتان ممكن أتكلم معاكي شوية قبل ما تمشي؟ طالعته بتعجب وضيق وأردفت متسائلة: "خير يا مسيو كريم؟ تنهد وأردف بتروٍ: "أنا بس طالب منك تسمعيني للآخر ولو سمحتِ مترديش فورًا." ضيقت عينيها متسائلة وقد بدأت تستشعر حديثه: "طيب اتفضل سمعاك؟ أردف فجأة دون مقدمات: "أنا عايز أجدد طلب ارتباطي بيكي." نعم، فهو قبل عدة أشهر كان يود طلب يدها كغيره، ولكنها بالطبع رفضت كالعادة، وها هو يعيد طلب يدها. تنهد يسترسل بعدما لاحظ تعجبها:
"قبل أي حاجة، أنا أعرفك من أكتر من سنتين ومن وقتها للنهاردة إنتِ فعلًا مثال للمرأة اللي أي راجل يتمناها زوجة. بتتعاملي معايا بحدود رسمية ودايمًا مش بتقبلي حتى إني أنادي عليكي باسمك بدون ألقاب. ده غير تعاملك مع الجميع بمنتهى الاحترام والرقي. الأمور دي وكتير غيرها خلتني أعيد طلبي تاني." زفر يتابع:
"فكري الأول يا ريتان قبل ما تقرري. وكمان ماما حابة تتعرف عليكي جدًا من كلامي عنك. فلو معندكيش مانع يعني ممكن تقابليها في مكان عام واعتبري ده مجرد تعارف." استمعت له إلى أن انتهى، ثم حاولت التحلي بالهدوء وأردفت: "يا مسيو كريم إنت إنسان محترم وأنا كمان بحترمك جدًا، بس صدقني موضوع الارتباط ده أنا لغيته من حياتي." تعجب من حديثها وأردف بتروٍ:
"قولتلك متجاوبيش دلوقتي، خدي وقتك وفكري. أنا كمان بعد جوازي الأول كنت رافض أتجوز مرة تانية لأن اختياري كان غلط، بس بصراحة من وقت ما شفتك واتعرفت عليكي وأنا حابب أدي لنفسي فرصة جديدة معاكي. وصدقيني هعملك اللي يريحك." تنهدت بقوة وشردت للبعيد، وضَعُفَت نبضاتها تفكر. هناك أمران يعيقانها: أمر قلبها وأمر عقمها، وكلاهما أصعب من الآخر. زفرت وأردفت بهدوء: "تمام يا مسيو كريم، أوعدك هفكر. عن إذنك."
جمعت أغراضها وغادرت، ووقف هو يتنهد ويتتبع أثرها بشرود. في شقة بسمة. تجلس تطعم صغيرها الزبادي وتلاعبه مبتسمة، ويجلس بهاء يتابعها بحب. ثم اقترب منها وعانقها يردف بحنو: "على فكرة بقى ياسين بيفرح جدًا لما بتضحكي معاه وبتلاعبيه." مالت عليه تردف بدلال: "ياسو ده حبيبي، وانت كمان يا بهاء. أنا مش عايزة غيركوا من الدنيا كلها." قبل رقبتها بنعومة وأردف بحب وهو يعتصرها بحنو:
"وأنا كمان، إنتِ وياسين دنيتي كلها. أوعى تزعلي مني تاني." تنهدت بقوة ثم مدت يدها تضع وعاء الزبادي على الطاولة والتفتت لزوجها تطالعه بحب مردفة بحنين: "مقدرش أزعل منك يا بهاء، إنت الوحيد اللي فاهمني. لا ماما ولا بابا ولا حد حاسس بيا." زفر بتعجب ثم حاول التروي يردف: "ليه بتقولي كده! بالعكس أنا شايف إنهم بيحبوكي جدًا جدًا وبيحبوا ياسين قوي. دي طنط جميلة عايزاه عندها كل يوم." تذكرت أمر شقيقتها فأردفت
بحدة وغيرة داخلها منذ زمن: "مش لأنه وحشها، كل ده عشان تقربه من ريتان، لأنها اتحرمت من الخلفة. محدش قادر يفهم إن ده ابني أنا! ابتعد عنها بهدوء يخفض رأسه بيأس. كيف يزيح تلك الغمامة من على عقلها اليابس؟ طالعته بعمق ثم حاولت التحلي بالهدوء مردفة وهي تعود الإقتراب منه حتى لا تعكر صفوه بسبب شقيقتها: "سيبك من كل ده، إيه رأيك أقوم أنيم ياسين وأجيلك نسهر سوا شوية؟ رفع رأسه يطالعها بهدوء ثم ابتسم وأردف بهدوء:
"تمام، نيميه وأنا هدخل أعمل أكلة خفيفة كده لحد ما تيجي." قبلته على وجنتها ووقفت تلتقط الصغير وتخرجه من مقعده ثم خطت به للداخل. وقف بهاء يتنهد بقلة حيلة من أمرها ثم خطى باتجاه المطبخ كي يحضر وجبة بسيطة لهما سويًا.
بعد يومين في المدرسة. توقف حمزة أمامها وترجل من سيارته وكاد يتحرك ليلتقط صغيره في نفس اللحظة وصلت سيارة أجرة تنقل ريتان. ولكن قبل أن يتحرك حمزة، مرت دراجة بخارية مسرعة ارتطمت في ذراعه الأيسر بقوة أدت إلى وقوعه أرضًا يتألم بعدما التوى ذراعه بشدة أمام أعين تلك التي صرخت بقلب متلهف دون إرادة تردف بزعر: "حمزززززة." أسرعت تركض إليه ودنت منه متلهفة تتفحصه بملامح مذعورة مردفة: "حمزة انت كويس؟ رد عليا حصلك حاجة؟
برغم آلام ذراعه، إلا أنه شعر أن نيران قلبه التي اشتعلت لسنوات تهدأ لتوها. استند بذراعه الأيمن على سيارته وساعدته حتى وقف يئن ألمًا ويتمسك بذراعه. وكان مروان يجلس في السيارة يتابع بخوف وصمت، إلى أن نظر له حمزة من النافذة يردف ليطمئنه برغم ألمه الحاد: "متخافش يا مارو أنا تمام." كانت تقف أمامه ريتان تتفحص ذراعه بعيون لمعت بالدموع من أثر الصدمة. لف نظره يطالعها بعمق، بحنين وحب، باشتياق، وكأنها ردت إليه.
ثم أردف يئن بسعادة: "متخافيش أنا كويس." رفعت نظرها إليه قاطبة جبينها. أومأت عدة مرات ثم أردفت وهي تتطلع على ذراعه الملتوية: "دراعك أكيد بيوجعك، لازم تروح المستشفى ليكون فيه كسر لا سمح الله." انكمشت ملامحه متألماً ثم أردف بهدوء وحب: "تمام، خدي مروان لو سمحتِ وخليه معاكي وأنا هروح دلوقتي." نظرت للخلف ثم عادت إليه تردف بلهفة وقبضة تعتصر قلبها ولم تهدأ منذ أن اصطدم ووقع:
"واللي خبطك جرى الجبان، بس متقلقش الكاميرا أكيد صورته. تحب أنادي حد من جوه يسوق مكانك؟ طالعها بتعجب. أتتتحدث معه؟ أصرخت باسمه عندما وقع؟ تلهفت خوفًا عليه؟ إذاً ما زالت تحبه؟ ما حاجته بالكاميرا الآن؟ فإن حصل على صورة الفاعل سيعطيه جائزة ولن يعاقبه. يكفيه أنه جعله يعيش هذا الشعور معها بعدما فقد الأمل. رأت نظرته التي طالت فابتعدت بأنظارها وحاولت الثبات بعدما اطمأنت عليه وأردفت بهدوء:
"أنا هاخد مروان وأدخل وإنت ممكن تتصل على مراد أو فريد يجولك." تحركت من أمامه تخطو للجهة الأخرى وفتحت باب سيارته ثم مدت كفها لمروان وأخذته ودلفت إلى المدرسة لتعود لثباتها، ولكن بعد ماذا؟ بعد أن كشفتها لهفتها عليه. رأته وهو يدور ويقع أرضًا بقوة. انتزع أحدهم قلبها وألقاه أرضًا كحاله، فلم تشعر بشيء إلا وهي تركض عليه لتطمئن. ما زالت تعشقه وبقوة. آآآه يا قلبي الملعون.
وقف يتطلع على أثرها حتى غابت عنه. تنهد بسعادة وارتياح. اعصر عينه بعدما عاد الألم يقتحم عروق وأربطة ذراعه. فتح باب سيارته واستقلها بحذر ثم أغلقه بيده اليمنى وبدأ يقود بها بهدوء ليصل إلى أقرب مشفى. دَلَفَت هي ووقفت أمام القاعة تنظر لمروان الذي تساءل بحزن طفولي: "هو بابي كويس يا مس ريتان؟ اتكأت لمستواه وابتسمت له بحنو تردف بثقة:
"أيوه يا حبيبي كويس متقلقش، بابا بطل وهيروح يطمن على التعويرة الصغنونة اللي في دراعه ويرجع ياخدك." ابتسم لها وأومأ ثم دلفا سويًا إلى الصف، ولكن عقلها وقلبها بقى معه في سيارته. حيث ظلت طوال اليوم تفكر فيه وكيف أصبح الآن. ستضطر للخروج إليه عندما يأتي ليأخذ مروان ظهرًا حتى تطمئن. ولكن ماذا عنه؟ سيظن أنها تهتم لأمره. عليها أن تؤكد له أن لهفتها تلك لم تكن حبًا بل كانت رد فعل طبيعية لما حدث أمامها. نعم هي كذلك.
انتهى الدوام ولم يأت حمزة لجلب مروان، بل أرسل له مراد الذي رحب بها ولم يخبرها شيئًا عنه، وهي تحكمت في لهفتها بقوة حتى لا تسأله ويفضح أمرها. مر يومان ولم يأت حمزة ليوصل صغيره كعادته، بل يوصله مراد مع صغيرته بيري التي بدأت المستوى الأول، ويعود دون أن يراها، ولكنها تراه من نافذة القاعة. انتابها القلق وتآكلها فتساءلت مروان عنه، فهز كتفيه ولم يجب مما زاد قلقها وتعجبها.
تجلس مساءً في منزلها وقد أصبحت الساعة الحادية عشرة وفات وقت نومها على غير المعتاد، ولكنها تفكر بقلق، وبالطبع لن تسأل كارى عنه. هزت رأسها بقوة. لن تعود تلك الضعيفة مجددًا. لتظهر صلابتها مجددًا ولتقوى. مؤكد أنه بخير. إن كان هناك أمر سيئ لعلمت. قررت الذهاب لفراشها والتمدد عليه والنوم. ولكن عاد بهيأته وطلته يداهم أفكارها. قبضة في صدرها لن تهدأ أبداً، حتى أنها أصبحت رفيقتها على مدار تلك السنوات.
زفرت بقوة واستسلام وبدأت تغلق عينيها وتترك نفسها للنوم يسحبها. في اليوم التالي. تقف في ردهة المدرسة حيث أتاها كريم يطالعها بهدوء ويلقي السلام التي ردته عليه، وأردفت بهدوء: "مسيو كريم أنا متأسفة، أنا عارفة إنك بتنتظر قراري بس أنا لسة عند رأيي، مش هينفع ارتبط بيك، صدقني مسألة الارتباط أنا رافضاها تمامًا." زفر كريم بيأس وظهر الحزن على ملامحه، ثم طالعها مترجياً وأردف: "طيب ممكن تتعرفي على والدتي وبس؟
هي نفسها تشوفك جدًا. اتعرفي عليها وبعدها مش هضغط عليكي أبداً. إيه رأيك أكلم والدك وأجيبها وأجيلك بليل؟ تعجبت من أمره وأردفت معترضة بأدب: "للأسف مش هينفع، أنا ممكن أتكلم مع والدة حضرتك في الموبايل ونتعرف، بس ملوش لزوم مسألة البيت." أردف مترجياً بسماجة: "مش هينفع موبايل، هي نفسها تشوفك جدًا، يعني من كلامي عنك وكده." زفرت بضيق ولفت وجهها للجانب الآخر تفكر، ثم عادت إليه تردف بضيق: "طيب هكلم بابا وأبلغك. عن إذنك."
تركته واتجهت تكمل حصصها بتعجب وتهكم من تصميمه الغير مبرر. قررت مهاتفة كاريمان وإعلامها بالأمر وأخذ المشورة منها. انتظرت إلي أن انتهت حصتها وجلست في استراحة الردهة. تناولت هاتفها وهاتفت كارى التي تجلس كعادتها مع شيرين في الحديقة صباحًا تدردشان. نظرت كارى للهاتف في يدها فوجدت اسمها فقالت مستأذنة: "معلش يا شيري دي ريتان هرد عليها وأرجعلك." تحركت من مكانها واتجهت تقف في زاوية وتجيب بحب: "وحشتيني على فكرة."
أردفت ريتان مبتسمة: "وانتي كمان يا كاري بجد، طمنيني عنك؟ أردفت كارى بحنو: "كويسة جدًا يا ريتا، مراد وصل مروان وبيري مش كده؟ تنهدت بقوة تردف وهي تحاول بصعوبة منع نفسها من السؤال عليه: "أيوه وصله، أنا كنت عايزة أتكلم معاكي في موضوع مهم بس أهم حاجة ميكونش حد جنبك! مش عايزة حد يعرف أي حاجة." لفت كارى نظرها لتتأكد ثم أردفت بهدوء: "قولي يا ريتا سمعاكي يا قلبي."
تنهدت ريتان وسردت عليها ما حدث مع كريم وطلبه يدها وإصراره على مقابلتها لوالدته. تعجبت كارى وأردفت متسائلة: "تمام هو طلبه لإيدك عادي جدًا، بس تصميمه إنك تقابلي والدته ده غريب شوية، بس يمكن عايز والدته تقنعك مثلاً أو تتعرف عليكي؟ أردفت ريتان بضيق: "تقنعني بإيه يا كارى ما انتِ عارفة إن موضوع الارتباط ده أنا لغيته تمامًا من حياتي، هو ليه لازم أتجوز تاني؟ ليه ميسبونيش أعيش زي ما أنا حابة؟
ليه مصممين يوجعوني تاني يا كارى أنا كده مرتاااااحة." تنهدت كارى بحزن وأردفت بتروٍ وحنو: "طيب روّقي يا حبيبتي، عمو حمدي وطنط جميلة زي أي أم وأب نفسهم يطمنوا عليكي ويسلموكِ لراجل يقدرك ويحبك. إنتِ تستاهلي تتحبي يا ريتان، إنتِ للأسف تجربتك الأولانية مخوفاكي بس صوابعك مش زي بعضها يا ريتا، مش يمكن كريم يكون كويس ويعوضك فعلاً؟ اعصرت عينيها بقوة. تحدثت مع كارى لتهدأ ولكن الكل يحدثها بنفس الطريقة. تنهدت بعمق وأردفت باختناق:
"مش هقدر يا كارى، صعب إني أبدأ حياة جديدة." ترقبت كارى وأردفت بقلق: "حمزة بردو؟
التفتت منتفضة بذعر حينما وجدت يد تسحب هاتفها من فوق أذنها فتفاجأت بحمزة الذي كان في الأعلى ونزل ليذهب لعمله بعد يومين استراحة بسبب كسر ذراعه وتجبيره، وعندما وجدها تقف في زاوية استشعر أنها تتحدث مع ريتان فاقترب منها ببطء دون أن تراه ووقف يستمع إليها وقد تجمد مكانه عندما سمع كلام كارى عن كريم، ولكن لم يستطع أن يقف هكذا عندما سألتها كارى عنه فسحب الهاتف وها هو يضعه على أذنه ويشير لكارى أن تصمت محذرًا حينما
استمع لريتان تردف بتهكم: "مش بس هو يا كارى، أنا عارفة إنه ميستاهلش ولا ينفع أكون لحد دلوقتي بحبه أصلًا بس ده واحد من الأسباب، ارتباطي بناصف كان غلطة ومش هكررها تاني مع غيره." أنزل الهاتف من على أذنه وقلبه يعصف بقوة داخل صدره. ناولها لكارى التي التقطته ووضعته على أذنها تردف بتوتر وهي تطالعه: "ريتان أنا آسفة بس أنا لازم أقفل." أغلقت معها فورًا وأردفت معنفة بضيق:
"حمزة بجد اللي عملته ده ميصحش أبدًا، أقول لريتان إيه دلوقتي؟ دي لو عرفت إنك سمعتنا ممكن يحصلها حاجة." كان في حالة صمت تام. ما زالت تحبه كما يعشقها هو، ولكنها متألمة منه بشدة. ليته يستطيع معاقبة نفسه أكثر من تلك الحياة البائسة التي يعيشها بدونها. نظر لكارى وأردف بنبرة حزينة ضائعة: "أنا عايز أشوفها يا كارى واتكلم معاها وانتِ اللي هتساعديني." هزت رأسها تردف بقوة:
"لأ طبعًا مقدرش أعمل كده، مبقاش ينفع يا حمزة، إنت اخترت أولوياتك، بلاش تعذبها تاني." أردفت بهدوء وثبات ظاهري: "اسمعيني يا كارى، أنا فوق كتافي حمل تقيل قوي وبحاول أوزن الأمور من كل اتجاه وأحلها من غير ما أي حد يتأذى. مش مهم عندي نفسي بس مهم عندي ابني وريتان واللي حواليا. علشان كده لو بتحبي ريتان بجد هتخليني أشوفها وأتكلم معاها، وصدقيني لو هي رفضت مش هضغط عليها وهحترم رغبتها. لو سمحتِ."
طالعته بضيق وتنهدت بقوة بينما هو أومأ لها فزفرت باستسلام تستمع إليه بتوتر ولا تعلم هل تفعل الصواب أم سيكون قرارًا خاطئًا. بعد انتهاء الدوام في المدرسة. غادر جميع الطلاب إلا مروان وبيري اللذان ينتظران مراد، وتقف ريتان تنتظره معهما، فمؤكد لن تتركهما بمفردهما وتغادر.
أتت سيارة مراد وكانت كارى معه. رأتهما ريتان فقد كانت تجلس في حديقة المدرسة الخارجية. أسرع مروان وبيري يركضان إلى مراد الذي استقبلهما بحنو، بينما ترجلت كارى واتجهت لريتان تعانقها باشتياق وتبادلها ريتان. ابتعدت عنها وأردفت كارى بترقب: "اتأخرنا عليكو صح؟ أردفت ريتان بود وهدوء: "لأ أبدًا، مروان بس كان قلقان شوية وأنا طمنته إن مراد أكيد جاي." تنهدت كارى ونظرت لزوجها بتوتر فأكمل عنها:
"طيب يلا يا ريتان تعالي نوصلك، إنتِ اتأخرتي بسببنا." هزت ريتان رأسها تردف: "لأ مفيش داعي أبدًا، اتفضلوا إنتوا وأنا هاخد تاكسي من هنا." أردفت كارى بترجي: "يالا يا ريتان بقى تعالي معانا، معقول أنا موحشتكيش كل ده؟ زفرت باستسلام وأومأت تردف: "تمام تمام يا أستاذة كارى يللي نسيتيني أصلًا، يلا جاية معاكوا." اتجهوا جميعًا للسيارة واستقلت كارى المقعد الأمامي بجوار زوجها، بينما ريتان جلست في الخلف مع مروان وبيري.
قاد مراد والتفتت كارى تطالع ريتان بإشتياق وبدأت تتحدث معها بإندماج برغم توتر كارى الملحوظ. توقف مراد عند محل لبيع الآيس كريم ثم التفت يطالع مروان وبيري مردفًا: "أجبلكوا آيس كريم يا أولاد؟ أومأ مروان بسعادة وكذلك بيري، فترجل مراد وفتح الباب الخلفي لينزلا الصغيران وبالفعل تمسكا بيديه وتحركوا باتجاه المحل، بينما نظرت كارى لريتان بأسف وأردفت قبل أن تترجل لتنضم إليهم: "ريتان سامحيني بجد آسفة."
غادرت السيارة وريتان تطالعها بتعجب ولم تفهم لما تعتذر إلا عندما وجدت حمزة يستقل مكان القيادة ويغلق الباب خلفه ويزفر بقوة. جحظت عيناها وتجمد جسدها لثوانٍ قبل أن تحاول فتح باب السيارة لتترجل، ولكنه أسرع وأغلقها أوتوماتيكيًا والتفت يطالعها بعشق وعذاب مردفًا: "مش هتنزلي غير لما نتكلم يا ريتان." ما زالت في صدمتها بينما هو لف وبدأ يقود مسرعًا إلى وجهته.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!