بعد شهر حاول حمزة ومراد جاهدين أن يحجبا الأخبار والأقوال السيئة التي انتشرت، كما اعتمدا على الدعم المعنوي من المقربين لهم، سواء على محيط الأعمال أو المحيط الشخصي. وللحق يقال، فإن لعائلة الجواد رصيد جيد عند الكثيرين، خصوصاً شقيق سالم المتوفي، والد شيرين، الذي يشبه حمزة كثيراً. دلف حمزة من باب القصر وخلفه مها، التي كانت تمكث في منزل والدها منذ وفاته، والذي ذهب ليحضرها.
دلفا فوجدا الجميع يطالعها بنظرة فاقدة لأي رأفة أو شفقة. الجميع يرمقها ويلقي بالذنب عليها. كان سالم يجلس على الأريكة في بهو القصر ومعه عكازه الذي أصبح يلازمه مؤخراً بسبب جلطة أصابت قدمه بعد تلك الأخبار وبعد الخسارة الجزئية لأسهمهم. وقف مستنداً عليه، وساعدته في ذلك زوجته صفية. نظر لها بكره وغضب، وأردف بحدة وحسرة وقسوة: –إنت جايبها هنا ليه؟
دي ما بقالهاش مكان بينا. تغور من هنا وتحل عنا بعد اللي أبوها عمله فينا. كان يوم أسود يوم ما شاركته. كنت مفكر إنه فعلاً عايز ينقذني من الخسارة، بس هو كان له حسابات تانية. طلقها حالاً وتغور من هنا، أنا مش طايق أبص في وشها. وقفت لأول مرة تشعر بالانكسار والذل وهي تطالع سالم بكره وغل، ولكن لم تعد تهاجم. سقط غرورها وتكبرها أمامه. نظر حمزة لوالده بحزن، بيأس، بخجل من قراراته الأنانية دائماً.
لف نظره لمها وأردف بنبرة باردة تخفي وراءها ألماً لم يجد له مسكن: –اطلعي على فوق. نظرت له بصمت، ثم لفت نظرها للجميع تطالعهم بكره، واتجهت بعدها تصعد للأعلى وسط غضب سالم. خطى حمزة إليه حتى توقف أمامه، ينظر داخل عينيه بقوة، ثم مال يردف بهمس وألم: –هذا ما جناه عليا أبي، وهذا ما جنيته على نفسي. ابتعد ينظر للجميع بعيون حادة، ويردف بصوت عالٍ وصرامة: –ما فيش طلاق. مها هتفضل هنا لحد ما تقدر ترجع ولو جزء من خسارتهم.
صرخ سالم بغضب مضاعف، يردف برفض قاطع: –مش هيحصل. دول خسرونا كتير أوي. طلقها زي ما إنت كنت عايز. قعادها هنا بعد اللي أبوها عمله هيجيب لنا الخراب. إنت كنت صح. ولأول مرة يتحول حمزة ويصبح كالأسد المجروح، وهو يهتز بهستيرية ويردف بصراخ رج أرجاء المكان والقلوب، وفاجأ الجميع: –كنت صح إزاي؟ مش دي اختيارك؟ مش دي المناسبة للعيلة وليا ولأولادي؟ أطلقها بعد ما وقعت؟ أختار راحتي وأنسى مبادئي وابني؟ أعمل زيك؟
خلفتني لييييه يا سالم بيه؟ علشان أقولك على كل حاجة حاضر ونعم؟ كفااااية بقى. كفاية ضرب فيا بقى لأني أصلاً ميت. افرح يا سالم بيه بإنجازاتك. افرح بابنك اللي كله أخطاء. ارتاح لأني اتخليت عن راحتي من زمان. ذنبي ولازم أكفر عنه. التقط نفساً قوياً، يردف بقهر وقوة وصلابة أمام أعين الجميع، حتى كاري كانت تلتصق بزوجها المتألم وتطالعه بحزن وشفقة:
–مها هتفضل عايشة هنا. لإمتى معرفش، بس من دلوقتي لحد ما المدة دي تخلص محدش يقول حاجة. ولا أي حاجة. زي ما الكل سكت من الأول هتسكتوا دلوقتي. نظر لوالده الذي يطالعه بصدمة، فلأول مرة يرى حمزة في تلك الحالة التي أخافته حقاً، بينما هو تركهم واندفع يصعد الدرج ليكمل ما ينوي فعله وهو في قمة غضبه وقهره. دلف جناحه ومنه إلى غرفته مندفعاً. وجدها تجلس على الفراش شاردة. وقف أمامها وأردف بنبرة لا تحمل نقاشاً وهو يعد على أصابعه:
–ليكي عندي الأمان والحماية والدعم والاسم اللي هتحاولي تحققي بيه طموحك، لأن للأسف اسم شوقي بيه اتلوث خلاص بعد اللي عمله. غير كده ما فيش أي حقوق ما بينا نهائي. الوقت اللي هتقولي لي طلقني فيه هطلقك فوراً. وقوفي جنبك أولاً علشان خاطر حاجة في نفسي أنا، وثانياً علشان ابني اللي عايز له مستقبل مشرف. مش هسمح بحد يعايره بكلمة واحدة بسبب جد طماع. العار اللي هو سبهولنا مش هيطول ابني.
كانت تستمع له وتبكي بقهر، ولم تستطع الدفاع عن والدها المتوفي. تشعر بالخزي والغضب في آن واحد. فحقاً ترك لهم عار سيطولها ويلجم طموحها، ونجاتها الوحيدة من هذا الطوفان هو زواجها من حمزة. أما هو فزفر بقوة ومسح على وجهه، يردف بغضب:
–جه الوقت اللي تحققي طموحك فيه زي ما كنتِ عايزة. ولو حاولتي في يوم تعملي الحركات بتاعتك اللي كانت سعاد هانم بتقولك عليها وأنتِ بتنفذي زي اللعبة، هطلقك فوراً. هتشليني من حساباتك تماماً. عاجبك على كده؟ تنهد بقوة يحاول نطقها بصعوبة وقوة، يكمل: –يبقى تمام. صمتت تفكر. خسرت كل شيء في لمح البصر، وسقط غرورها وتكبرها، وباتت في موضع ضعف، وعليها أن تقوى وتنهض مجدداً، ولن يحدث ذلك إلا وهي زوجته. لذلك أومأت تردف بهدوء:
–تمام. موافقة. أغمض عينيه بقوة. جزء صغير معاكس في داخله يتمنى لو كانت رفضت، ولكن تبقى هي مها أبو الدهب، ويبقى هو حمزة الجواد. زفر والتفت يغادر، تاركاً الغرفة والجناح والقصر بأكمله. رآه الجميع يغادر، فتنهدوا بحزن وأكملوا ما يفعلون، إلا كاري التي نظرت لزوجها وأردفت مترجية: –روح وراه يا مراد. متسبهوش وهو في الحالة دي. تنهد بقوة وطالعها بأسف، يردف: –الأحسن يبقى لوحده يا كاري. لما يرجع هتكلم معاه.
شردت تفكر بحزن فيما سمعته. يبدو أن حمزة كان وإلى الآن يحب رفيقتها حقاً، ولكن هناك أموراً تقيد راحته وحريته. يبدو أنه يعاني منذ سنوات. تفكر هل تخبر ريتان بما سمعته؟ ويبدو أن مراد قرأ أفكارها، لذلك مال عليها يردف بترجي وهمس: –كاري. لو سمحتي بلاش تحكي لأي حد أي حاجة بتحصل هنا. الأفضل إن الأمور تفضل جوه البيت ده حالياً ومتطلعش برا. ما فيش حد هيستفيد حاجة لو اتقال. فهماني؟
دققت النظر في عينه وأومأت بتفهم، فمال يقبل وجنتها، ثم ابتعد يردف بترقب وتروي: –خلي حمزة هو اللي يحكي كل وجعه وكل معاناته في وقتها. لما يخلص من كل الضغوطات دي، ساعتها الكلام هيبقى مهم ومسموع. أومأت بتفهم واقتناع، وقد أيقنت حب حمزة لصديقتها. فحقاً حتى وإن أخبرت ريتان بما عرفته، فلن ترتاح بعدها وستعود لبناء قصور وهمية الآن، خصوصاً أنها لن تقبل أن تدلف حياته على أنها زوجة ثانية. بعد مرور خمس سنوات
تغيرت أحوال الجميع دون استثناء. واجهت عائلة الجواد صعوبات كثيرة كي تستطيع العودة لعهدها بعد الخسارة الجزئية التي أصابتها، والمتسبب الأول والأخير في ذلك هو سالم نفسه، بعدما تحالف مع شيطان الطمع شوقي، الذي يشبهه كثيراً إلا في حب ابنته وتفضيلها على المال.
تكاتف سالم مع ولديه حمزة ومراد، وبدأوا في وضع خطة جديدة لبناء أسهمهم. ولكن بسبب وضع سالم الصحي، كان الحمل الأكبر على حمزة، الذي لم يقبل بالسفر وعقد الصفقات الخارجية، لتوليه دور الأب على أكمل وجه. فبات مراد هو من يسافر ويقود التعاقدات الخارجية، بعد خطة دبلوماسية مع شقيقه ووالده، لكي ينهضوا مجدداً، وبالفعل حققوا ما أرادوا بعد عدة سنوات.
وهب فيهم حمزة حياته لطفله مروان، الذي أتى إليه ليعطي لحياته أملاً ويلونها، ويضيف للمكان بأكمله البهجة والسعادة، هو وبيرين ابن عمه مراد، مدللة أبيها الجميلة التي تشبه والدتها كاريمان، والتي تبلغ من العمر 4 سنوات، وها هي كاري تحمل في طفلها الثاني.
تربيا سوياً، ونعم مروان، الذي أصبح على وشك دخول الصف الأول، بدلال جدته وحنو عمته وحب كاري وشيرين، إلا أنه دائماً يفتقد احتواء الأم التي تركت مسؤوليته كاملة عليهن، وحاولت النهوض مجدداً. وها هي تسافر وتسعى وتعافر بقوة شرسة لإعادة أسهم شركتها لعهدها، مستخدمة اسم الجواد عامةً واسم زوجها خاصةً في تحقيق كل ما أرادت.
واجهتها مشاكل وسقطت مرات عدة، وفي كل مرة يمد لها يد العون، خصوصاً بعدما لاحظ التغيير الإيجابي في شخصيتها. ولكن هذا التغيير لم يطل تمسكها به، ولم يطل حقدها الدفين لريتان. فقد تنازلت قليلاً عن غرورها، وباتت أكثر طاعة وأكثر ذكاء عن ذي قبل. لأنها تعلم جيداً مدى رغبته في الطلاق، لذلك باتت لا تستفزه بأي شكل، خصوصاً بعد سفر والدتها منذ عامين إلى كندا لشقيقتها، وتركتها وحيدة بينهم.
تعلم أيضاً أنه يتابع أخبار ريتان جميعها، ويراقبها، وينتظر الفرصة ليحصل عليها. لذلك فهي أيضاً قامت بتوظيف شخص مهمته فقط نقل أخبار ريتان، حتى عاملة النظافة في المدرسة التي تعمل بها ريتان باتت تعمل لصالحها وتنقل لها كل ما تراه وتسمعه.
كانت المافيا ترسل لها تهديدات بسبب الخسارة التي طالتها بعد إعدام بضاعتها، لذلك استعان حمزة بشركة الحراسات الخاصة بصديقه في حمايتها، وترك حماية طفله له. ولكن انتهى تهديدهم بعد أن تم القبض على أكبر تنظيم تابع لهم داخل مصر منذ عدة أشهر، وأصبحت السلطات تطاردهم.
أما سناء، فقط أتتها دعوة للانضمام إلى عضوية بعض الجمعيات الخيرية، وبالفعل وافقت، وها هي تساعد في دعم وتأسيس تلك الجمعيات الخيرية التي تعمل على الحد من ظاهرة أطفال الشوارع والمشردين. قبل عامين، وبسبب الظروف الصحية السيئة التي طالت سالم، قرر التقاعد وترك أمر الشركة وإدارتها لأولاده، خصوصاً بعدما أثبتا جدارتهما في القضاء على خسارتهم.
وبسبب ذلك، فقط ترك حمدي أيضاً العمل لديه كسائق، وأعطاه حمزة مكافأة لنهاية خدمته وولائه لهم. كان يود دفعها كمقدم لشراء سيارة يعمل عليها، ولكن نصحته زوجته جميلة أن يقوم بفتح محل تجاري لبيع منتجات الألبان، وطلبت من أهلها في القرية أن يمولوه بالمنتجات الفلاحي والعمالة المناسبة.
تجنبت العائلة مها تماماً، وهي تجنبتهم أيضاً، وباتت فقط تراهم صدفة وتجلس منفردة تخطط وتراقب كل شيء في صمت، ولا تحتك بهم أبداً. فهي ترسم جيداً ما تريده، وتعلم أن التهور واستفزاز حمزة لن يفيدها أبداً. أحياناً، وبعد أن خسرت وجهتها الاجتماعية وخسرت كل ما كانت تتباهى به، تتمنى أن يستمر زواجهما. تتمنى أن تظل معه وتحصل على كل تلك المميزات التي هي على يقين أنها لن تحصل عليها مع غيره. تتمنى أن ينسى أمر طلاقه منها ويعطي لهما فرصة، ولكن كلما حاولت الاقتراب خطوة أبعدها خطوات، لذلك تركت الأمر مؤقتاً.
أما حمزة، الذي كان يراقب ريتان، ولنقل يؤمنها من خطر ناصف، تلقى في أحد الأيام خبر تقديم أحدهم لخطبتها، وبرغم رفضها القاطع بسبب مشكلتها مع الانجاب، إلا أنه قرر أن يتحدث معها ويحاول شرح الأمور، فلن يقف تلك المرة يتابع في صمت. يعلم أنها يحق لها بدء حياة جديدة هادئة، ويعلم أنها تستحق الأفضل دائماً عن تلك الحياة المعقدة التي يعيشها، ولكن لا إرادياً أحياناً يصاب بأنانية العشق. لذلك حاول أن يتحدث معها لربما أقنعها بما ينوي، ولكن كالعادة رفضت الحديث معه تماماً، وحتى أنها باتت تتجنب لقاء سناء. فقط نوت أن تطوي تلك الصفحة من حياتها للأبد.
لذلك فقد قرر حمزة الآتي: إن لم تتقبله في حياتها، حسناً لتتقبل صغيره. ليضعه أمامها وليكن سبباً في قربهما. ليربطها به. يعلم حبها للأطفال وتعلقها الشديد بهم، كما أخبرته السيدة منال في الخفاء. فهما الاثنان بحاجة بعض. هي بحاجة طفل تبث فيه أمومتها دون قيود، ولن يكون سوى طفله. وطفله بحاجة أم تحتويه دون شروط. إن لم ينجح هو في إعادتها إليه، فليعدها طفله. وبالفعل أرسل صغيره إليها منذ عامين حتى يلتحق بالمستوى التعليمي الأول. بل
أصر هو على إيصاله في كل مرة. نعم، بات يراها يومياً في العام الدراسي، وفي كل مرة يزيد عشقه وشغفه بها، وكأنه يدخره في جرة أوشكت على الانفجار. خصوصاً بعدما تعلق بها الصغير وبات يتحدث معه عنها وعن حنانها معه، وهذا ما جعل قلبه يتضخم عشقاً ويتآكل ألماً وحسرة على حالهما. يعلم أنها معها كل الحق في عدم تقبله أو سماعه. وأدرك جيداً قيمتها وأنها تستحق أن تكون الوحيدة والأخيرة في حياته. تستحق أن تكون ملكته المتوجة. تستحق أن يحل
أموره كاملة ويذهب إليها دون أي مشاكل أو قيود.
يعشقها، وعشق الرجال النبلاء عذاب. يصبح أمام كفتي ميزان حياته يحاول وزن العشق مع الضمير، ولكن في كل مرة يغلبه ضميره متحسراً على كفة عشقه التي تتهاوى معلنةً تنازلها. يعلم لماذا ترفض من يتقدمون لخطبتها، ويتألم ويفرح في آن واحد على حالها. كانت مها تعلم جيداً أن ريتان هي معلمة صغيرها، ولكن مقيدة ولا تستطيع فعل شيء. باتت تخشى غضب حمزة وقلب الموازين، لذلك تتابع بصمت وانتظار الوقت المناسب.
أما ريتان، فقد وهبت حياتها للأطفال الذين يترددون على المدرسة. جاء منذ عامين مدرس لغة فرنسية إلى المدرسة يدعى كريم، والذي رآه حمزة أكثر من مرة يتحدث مع ريتان، والأخرى تعامله بجدية، ولكنه يبغضه. نعم، تتعامل ريتان مع الجميع بكل جدية وثبات، حتى هو، ولكن يبقى هذا كريم وقربه منها يؤرقه.
أما بسمة، شقيقة ريتان، فتزوجت من زميلها الذي كان يكبرها ويسبقها بعدة سنوات. أحبها، وفور أن انتهت من جامعتها تزوجته وأنجبت طفلها الأول الذي يبلغ عامين، والذي أصبحت تتباهى به أمام شقيقتها. ولكن ريتان لا تعيرها أي اهتمام، بل كانت تحب الصغير كثيراً وتعتبره ابناً لها دون الاكتراث لشقيقتها الساذجة في نظرها.
وبرغم كل ما عانته، إلا أنها لم تتخل يوماً عن ابتسامتها. فهؤلاء الصغار أعطوها الحياة. حقاً، تناست أحزانها معهم، وأصبحت أكثر ثقة ونضج وحيوية. وعن فريد، الذي عاد مصر منذ عامين بعد إلحاح صفية عليه وبعد مكثه في فرنسا لسنوات، فقد قرر بعد تلقيه خبر زواج ميادة أن يظل هناك ويثبت جدارته، ونجح في ذلك. ولكن يبقى الحنين لأهله ولرؤيتهم، لذلك عاد. قبل عامين
(الجميع يتأهب لاستقباله بسعادة ولهفة، خصوصاً صفية، وبالطبع شيرين التي أصبحت شابة ذات أنوثة طاغية تخفيها خلف ملابسها المحتشمة وحجابها الرقيق وملامحها الجميلة والقوية في آن واحد. توقفت سيارة مراد الذي ذهب ليحضره من المطار، وترجل مراد أمام الجميع، وترجل على الطرف الآخر فريد الذي تغيرت ملامحه قليلاً وأصبح أكثر جاذبية وهيبة عن ذي قبل.
خطى حمزة يحمل صغيره ويرحب به ترحيباً حاراً، وفريد يبادله باشتياق ويضم الصغير بحب وحنان، بينما أسرعت صفية تضمه بقوة وتبكي، وهو كذلك يبكي ويضمها بشدة. بعد ترحيب الجميع له، وحتى شيرين التي أخفت ببراعة مشاعرها واشتياقها وحبها، ورحبت به بطريقة باردة، فلم تظهر له أي مشاعر بعد ما عانته بسببه. تعلم أن حبها من طرف واحد، ولكن أولم يشعر به؟
هرب طوال سنوات عدة بسبب زواج تلك الفتاة التي كان يسميها حبيبة، وهي لم تحبه مثقال ذرة من حبها له. لذلك فهو غبي لا يستحق حبها أبداً. نظر لوالده الذي يقف أعلى الدرج يستند على عصاه ويطالعه بعمق، فأسرع إليه يضمه بقوة، وسالم يبادله بترحاب وحب.
دلفوا جميعاً فارحين لمجيئه، بينما صفية لم تتركه أبداً. كل هذا وبالطبع مها لم تكن متواجدة معهم، فهي ترفض رفضاً تاماً أن تجتمع معهم في أي مناسبة، وتفضل الذهاب إلى والدتها دائماً التي لم تسافر بعد، أو النادي التي تذهب إليه أكثر من بيتها. بعد عدة أيام في الفيلا، وتحديداً في مكتب سالم، الذي يجلس أمام ابنه يتحدث معه مردفاً: –الكلام اللي هقوله ده يا فريد ممنوع يطلع من الأوضة دي، حتى لأي حد من أخواتك، مفهوم؟
ضيق عينيه يتساءل بترقب: –خير يا بابا؟ تنهد سالم وأردف بتروي: –عايزك تطلب إيد شيرين بنت عمك. صدم فريد وطالعه بعيون متعجبة، ثم أردف مستفهماً: –أطلب إيد شيرين إزاي يا بابا؟ شيرين دي أختي. أردف سالم بجدية: –مش أختك يا فريد. شيرين مش أختك، شيرين بنت عمك وتجوز لك. هز رأسه بعدم استيعاب، يردف: –يا بابا أنا بعتبرها أختي. عمري ما شفتها غير كده. ومش مسؤول عن اللي هي حاساه. أردف سالم برتابة:
–اسمعني يا فريد. بنت عمك ليها ورث من أبوها وأمها يخليها مطمع لأي واحد غريب. فكرك يعني إن طول السنين دي متقدملهاش حد؟ تنبه فريد بتمعن، واسترسل سالم: –لا بالعكس. اتقدملها كتير جداً. بس رفضتهم كلهم بحجة إنها بتدرس. لكن دلوقتي هي خلصت ومبقاش عندي حجة أرفض أي حد يتقدملها غريب. توتر داخله لا يعلم لماذا، وأردف بتساؤل: –طيب وهي موافقة؟ أردف سالم بترقب:
–هي متعرفش أصلاً. هي مكانش هاممها غير دراستها، بس أعتقد دلوقتي هتفكر. حقها تحب وتتحب وترتبط. تعالت وتيرة أنفاسه بتوتر، وأردف بضيق لا يعلم سببه عندما تخيلها مع آخر: –استنى بس يا بابا. مش أي حد كده توافق عليه. أومأ والده، يردف بعدما لاحظ حالته: –علشان كده بقولك انت أولى بيها من الغريب. شيرين وصية أخويا ومش هفرط فيها. شرد قليلاً يفكر، ولا يعلم لماذا انتفض جزء في داخله بعد كلام والده، لذلك طالعه وأردف بعد دقائق:
–تمام يا بابا. ضيق سالم عينيه، يردف متسائلاً بتعجب من سرعته: –تمام إيه؟ موافق؟ تنهد بعمق ولف عينيه عن والده متعجباً من حالته هذه ومن انفعاله غير المألوف، ثم أردف: –حضرتك معاك حق. مينفعش ميراث عيلة الجواد يطلع برا العيلة. أنا موافق أتجوز شيرين. طالعه سالم بتفاجؤ، ولكنه تنهد بارتياح، وأردف بنبرة خالية من المشاعر كعادته، مقتنع أن المشاعر تولد بعد الزواج لا قبله:
–تمام. كويس جداً. وصدقني بنت عمك محظوظ اللي هتكون من نصيبه. بس علشان محدش من أخواتك يشك في الأمر، انت هتطلبها قدام الكل. أومأ بتفهم وأردف: –تمام يا بابا. أنا هتكلم مع حمزة وأبلغه إني عايز الكل في أمر مهم وأطلبها. أومأ سالم مبتسماً براحة وانتصار بعدما حقق مراده. في اليوم التالي في فيلا سالم
يجلس الجميع حول مائدة الطعام يتناولون فطورهم، وأوشكوا على الانتهاء، فنظر لهم فريد، ونظر لحمزة الذي أخبره أمس برغبته وطمأنه حمزة بإيماءة بسيطة. تحمحم وأردف وهو يطالع شيرين بترقب وينتظر رد فعلها: –بابا أنا كنت عايز حضرتك في موضوع. نظر له سالم وأردف يدعي عدم معرفته: –خير يا فريد؟ توتر فريد من نظراتهم التي انتبهت، وأردف بترقب: –أنا كنت عايز أطلب إيد شيرين بنت عمي.
صدمة أوقفت الطعام في حلقها، فشــ.هقت وسعلت، فأسرعت صفية تناولها الماء وتربت على ظهرها بحنو، بينما هو طالعها بعمق، إلا أن استردت نفسها ونظرت له بتعجب وعدم تصديق، فلف نظره عنه يطالع والده ويردف بتروي: –أنا عارف إني كان لازم أتكلم مع شيرين في الأول، بس أنا حبيت إن الكل يعرف مع بعض. وحضرتك تشوف مطلوب مني إيه. هل يتجاهلها؟ هل يظنها هامشية حتى لا يكلف خاطره ويسألها عن رأيها؟ نظرت له بقوة وثقة، وأردفت بابتسامة استفزازية:
–ومين قال لحضرتك بقى إني موافقة؟ صدم فريد وكذلك سالم، حتى صفية التي تعلم حقيقة مشاعرها، بينما هي تابعت بشموخ: –يعني كل اللي موجودين عارفين إنك كنت بتحب زميلتك جداً، وبسبب جوازها من شخص تاني انت بعدت سنين في فرنسا ومقدرتش ترجع مصر غير بعد إلحاح من ماما صفية اللي كانت بتتعذب وانت مهمكش كل ده وبعدت. إزاي عايزني أوافق ارتبط بيك وأنا متأكدة إن مشاعرك ملك حد تاني؟ طالعها بذهول. لم يتوقع أبداً رفضها وحديثها. لقد ظنها تحبه.
وقف فريد يطالعها بتعجب ويردف: –يعني إيه؟ يعني إنتِ مش موافقة؟ أردفت بثقة وتأكيد: –طبعاً مش موافقة. إزاي أصلاً أنت تشوفني كده؟ بجد زعلتني جداً يا فريد. نظرت للجميع وأردفت باحترام: –عن إذنكم. صحة وهنا. تركت مكانها وخطت للخارج، ثم إلى غرفتها تحبس نفسها بها لتسمح لدموعها أن تعلن تحررها. ليست هي من يسوقها قلبها. عليه أن يعلم جيداً أنها لن تسمح له بالعبور فوق كرامتها، حتى وإن كانت تعشقه.
أما هو، فنظر لوالده بصدمة، وكذلك سالم وصفية، وترك طعامه هو الآخر وغادر، النيران تتآكله. لما يتألم الآن؟ فكل كلمة قالتها محقة بها. فلما عصف به قلبه عندما رفضته؟ لقد كانت تحبه جداً. نعم، رآه هذا في عينيها مراراً وتكراراً. هل تتخلى عنه بتلك السهولة؟ لحظة أيها الفريد من نوعك؟ من تخلت عنك؟ من تخدع أنت يا رجل؟ هل هي من تخلت عنك؟ زفر بضيق واستقل سيارته وغادر على الفور ليذهب إلى مكان يفكر فيه جيداً. بعد شهرين
انقلب فيه فريد على جمر من نار، ووقع صريعاً في التفكير فيها، وباتت تشغل عقله دائماً بعدما رفضته. يلوم نفسه الآن أنه أهمل حبها في الماضي. يلعن نفسه على حماقته في التعلق بفتاة ساذجة وترك الغالية الثمينة. يأكل أصابعه ندماً على غروره وتعاليه على حبها. في فيلا سالم مجدداً يتجمعون حول مائدة الإفطار. زفر سالم بضيق ونظر للجميع يردف بترقب: –فيه موضوع مهم لازم أكلمكم فيه بخصوص شيرين. تنبهت شيرين تطالعه بتعجب، فتنهد وتابع بهدوء:
–فيه مهندس معماري ابن صديق عزيز عليا طلب إيدها مني، والحقيقة هو كان طالب إيدها من فترة وأنا كنت مؤجل الكلام ده تماماً لحد ما تخلص دراستها. بس هو كرر طلبه من كام يوم. وأنا شخصياً معنديش مانع عليه. بس طبعاً شيرين هي اللي هتقرر. كادت أن تجيبه بالرفض، فمؤكد لن تفعل عكس ما تقول. لن ترتبط بشخص ومشاعرها مع آخر. ولكن انتفض فريد يردف بحدة غير معهودة أمام والده:
–مش هيحصل طبعاً يا بابا. شيرين مش هتتجوز حد غيري. وحضرتك أصلاً إزاي توافق على طلبه بعد ما أنا طلبتها؟ نظر له حمزة بيأس وهز رأسه، فشقيقه يعيد ماضيه وتشتته، وعليه أن يسرع بإظهار مشاعره وإلا سيندم طوال حياته. أردف سالم بجدية: –مينفعش طبعاً أرفضه يا فريد. الشاب كويس جداً وعنده شركته الخاصة وشاف شيرين وأعجب بيها. وكمان والده صديقي يبقى ليه أرفضه؟ نظر لشيرين بغضب وأردف بضيق وقلبه يلكمه بعنف: –شافك فين وأعجب بيكي؟
هو إنتِ بتطلعي من البيت أصلاً؟ كانت تستمتع بحرقته. نعم، تعجبت من رد فعله، ولكنها مستمتعة بحالته تلك. ابتسمت باستفزاز وأردفت: –لأ دا كان زمان يا فريد. أنت بس اللي بعدت عننا لفترة. أنا بخرج وبروح وباجي وأكيد شافني في أي مكان. أغتاظ من مرحها في الحديث وأردف متجاهلاً الحضور: –وانتِ طبعاً فرحانة إنك بتلفتي نظر الشباب وبيطلبوكي. بس متنسيش يا هانم إنك بنت الجواد وتصرفاتك محسوبة عليكي.
نظر لعمها ليتحدث ويرد، ولكنه ترك لها زمام الأمور، يعلم أنها تتوق للرد، لذلك طالعته بجمود وأردفت بثقة: –مش أنا أبداً يا ابن عمي اللي يتقال لها الكلام ده، لأني عارفة جداً أتحكم في تصرفاتي. لا ديني ولا أخلاقي ولا مستوايا يسمح لي إني أقلل من قيمة نفسي بالطريقة دي. الطريقة دي طريقتك إنت يا فريد يا جواد.
نظرت له بابتسامة استفزازية، وطالعها هو بعمق. بدأت تنزاح غمامة عينيه وقلبه، ويراها الآن بصورة جديدة. يعجب بشخصيتها، وإعجابه يزيد يوماً عن يوم منذ أن أتى. نظر للجميع من حوله، جميعهم يبتسمون بخبث عليه وعلى صمته الغير معهود. حتى أن كاريمان ومراد كادت أن تنفلت ضحكاتهما وهما يلكمان يد بعض من أسفل الطاولة بشماتة لما يصيب فريد. أومأ يطالعها بتوعد، ثم أردف بهدوء وابتسامة استفزازية تعلمها منها:
–تمام. حلو أوي الكلام ده. بما إن الكل سكت يبقى أنتوا شايفين إن معاها حق. علشان كده من هنا ورايح هثبت لكم إني مسؤول عن تصرفاتي. ودلوقتي حالاً أنا هروح للباش مهندس ده وأبلغه إن طلبه مرفوض لأن شيرين الجواد مخطوبة لابن عمها فريد. فتحت فمها لتتحدث، ولكنه قاطعها بنبرة لا تحمل نقاشاً، مردفاً بثقة: –إنسي يا شيرين. إنسي إنك تتجوزي حد غيري.
تركهم وغادر لينفذ ما قاله، بينما جلست هي تتنهد بقوة. سعادة جديدة تستحوذ عليها، حتى أنها تخجل في إظهارها. ولكن هناك أعين تراقبها بسعادة وتغمز لها. بالطبع كاري التي تعلم بأمرها، والآن أصبحت ترى حب فريد المخفى يظهر ويكبر. بعد عدة أيام في حديقة فيلا سالم تجلس شيرين مع كاري تدردشان في أمور بينهما.
خرجت من باب الفيلا مها ترتدي ملابس عملية ونظارة شمسية وتحمل حقيبة يدها، وتخطو دون أن تعيرهما اهتمام، خصوصاً كاري التي تعلم جيداً أنها الصديقة المقربة لريتان، وتظن أنها تخبرها كل صغيرة وكبيرة هنا، لذلك فهي تتصنع الهدوء. تنهدت كاري وأردفت بترقب: –أنا نفسي أعرف مروان ده ذنبه إيه عشان يبقى له أم زي دي؟ أردفت شيرين بتريث: –للأسف اختيار عمي سالم وحمزة وقع عليه. واللي بيدفع الثمن مروان للأسف. حزنت كاري من أجل
هذا الصغير وأردفت بشرود: –مع إننا كلنا بنحبه، بس أكيد يا حبيبي حاسس بقسوتها. زفرت شيرين تردف بهدوء: –هو أكيد حاسس. بس حمزة بصراحة بيحاول يعوضه. يعني حالياً مروان مندمج باللي حواليه، بس أكيد فيما بعد هيحس. صمتت كاري قليلاً ثم قالت بترقب: –وانتِ يا شيرين هتعملي إيه مع فريد؟ هزت شيرين كتفيها تردف بشرود: –ولا حاجة يا كاري. مش هعمل حاجة. خليه يحدد هو عايز إيه. أردفت كاري بتروي:
–اسمعيني يا شيري. فريد بيحبك. بس كان بيكدب على نفسه. فريد من النوع اللي بيحب المغامرة والتحدي حتى في العلاقات. علشان كده مش عايز يعترف إنه بسهولة كده وقع في حب بنت عمه اللي هي معاه في بيت واحد وقريبة جداً منه. بس لما حس إنك ممكن تروحي منه متحملش. وأنا من رأيي إنك تديله فرصة. بس أوعي تتخلي عن طريقتك دي معاه. زفرت شيرين بقوة وأردفت بشرود:
–لسه شوية يا كاري. لسه شوية على فريد. هو ميعرفش أنا كنت بتعذب إزاي كل ما أشوفه مع اللي كان شايف إنه بيحبها. ميعرفش أنا عشت إيه وهو كان بيتوجع على جوازها من غيره. مش من كلمة قالها هفرح وامد له إيدي. لازم يعترف قدام الكل إنه بيحبني ولازم أنا أصدق كلامه وحبه. استمعت إليها كاري واقتنعت بحديثها، فهي تعلم حقاً كم عانت في حبها هذا. بعد عدة أيام في فيلا سالم تجلس شيرين في غرفتها تتصفح هاتفها، فتنبهت لطرقات على بابها
وأردفت ظانة أنها كاري: –ادخل. فُتح الباب وطل فريد برأسه يردف بترقب: –ممكن نتكلم شوية. توترت وأسرعت تلتقط حجابها وتلفه على رأسها حول شعرها البني الناعم الطويل الذي رآه. أردفت بهدوء: –معلش يا فريد استناني تحت في الجنينة. ميصحش نتكلم هنا في أوضتي. عض على أسنانه بغيظ، منذ متى وبينهما تلك الأمور؟ في السابق كان يتحدث معها في أي وقت يريظ. أردف ضاغطاً على أحرفه: –تمام يا بنت عمي.
بعد دقائق كانت تخرج من باب الفيلا الداخلي باتجاه مكان جلوسه، ثم سحبت مقعد وجلست عليه تطالعه بثقة متسائلة: –خير يا فريد سمعاك؟ تنهد بعمق يطالعها، ثم أردف مستفهماً: –ممكن أعرف إنتِ ليه رافضة ارتباطنا؟ تنهدت بقوة وبدأت نبضاتها تلكم يسارها بعنف، بينما تتحدث بثقة وثبات ظاهري: –أنا قولت لك يا فريد. كرامتي متسمحليش إني أرتبط بواحد وأنا عارفة إن قلبه لسه متعلق بواحدة تانية. مخطئة. ومن قال أن قلبه متعلق بأخرى؟
لقد هرب لسنوات بسبب غضبه من نفسه على سنين أضاعها في حب زائف. قرر أن يعاقب نفسه على سنين طاح فيها في القريب والبعيد وعصى والده من أجل فتاة لم تكن له ولو ذرة حب. تنهد بقوة يطلب من قلبه أن يهدأ ليخرج الحديث من جوفه. طالعها بعمق وأردف:
–بس أنا قلبي مش متعلق بواحدة تانية يا شيرين. أنا اعتبرت ميادة صفحة سودا في حياتي واتقفلت. وغيابي طول السنين اللي فاتت دي مكنش بسبب زعلي على جوازها ولكن كان بسبب زعلي من نفسي لأني أخطأت في اختيار شريكة مناسبة. زادت نبضاتها بدل من أن تهدأ، وطالعته بصمت وهو يتابع بتروي: –اسمعيني يا شيري. أنا كل اللي متأكد منه دلوقتي إني عايز ارتبط بيكي ومستحيل أسيبك تروحي لغيري. وعايزك تديني فرصة وتوافقي.
طالعته بعمق. تريد أن تسمعها ليطمئن قلبها ويهدأ ويسعد. أردفت متسائلة: –ليه يا فريد؟ ليه عايز ترتبط بيا دلوقتي؟ شايف فيا إيه جديد ومميز؟ أردف بثقة وحب ظهر في عينيه: –كلك مميزة. أنا كنت أعمى وقتها، بس دلوقتي شايف بوضوح مين يستاهل مشاعري. مش عايز أقول حاجة تقليدية أو متصدقيهاش مني، بس عايزك تعرفي إنك محتلة كل تفكيري. ومش من وقت ما جيت لأ. من وأنا هناك، بس كنت بفسر كل ده غلط. كنت غبي.
تعالت وتيرة أنفاسها وهي تستمع لتصريحه، بينما يتابع هو بتأكيد: –صدقيني مروحتش من بالي أبداً. دايماً كنت بفكر فيكي وبضحك وبفكر في نقارنا سوا. كنت كل شوية أفتكر موقف ليكي معايا وألاقي نفسي عايز أشوفك. ولما وصلت ولقيتك مقبلاني ببرود أضايقت جداً وفضلت أسأل نفسي ليه. بس لما عرفت إن فيه حد اتقدملك متحملتش. قررت أطلب إيدك فوراً. ولما رفضتيني وقولتي الكلام اللي قولتيه كنت حاسس إني قليل أوي. قلبي وجعني. معقول انتِ شايفاني كده؟
زفر بقوة، ها هو على وشك أن ينطقها، بينما هي تستمع إليه بقلبٍ متراقص، وقد أصبحت يداها مرتعشة، وهو يسترسل: –لما بابا قال على ابن صديقه ده وحسيت إنك هتوافقي متحملتش. حاجة جوايا هي اللي حركتني وخلتني أقف وأرفض. كنت مرعوب وخايف إنك توافقي. وبعد كل ده قعدت مع نفسي أفكر أنا ليه بعمل كده وبيحصل معايا كده. نظر لعيونها بقوة وأردف بأنفاس بطيئة متأهبة:
–وصلت لحقيقة واحدة بس يا شيرين وهي إني بحبك. ومن زمان أوي. مش حب أخوي زي ما كنت مفكر لاااا. حب تاني خالص. بحب أشوف غيرتك عليا وأحب دايماً أجيبك عشان أستمتع بعيونك وهي بتلمع وأنتِ بتاخدي حقك مني. بحب أتابع سكوتك وأنتِ قاعدة على السفرة معانا. بحب أشوف في عيونك انعكاس صورتي. كانت تستمع له وعينيها تلتمع، وها هو يظهر انعكاسه فيهما مجدداً، وهو يتابع بتأثر: –أنا بحبك يا شيرين وعايز أكمل حياتي معاكي انتِ وبس.
سقطت دمعتها وتبعتها الأخرى وهي تبتسم، وهو يطالعها بلهفة مردفاً: –لأ اوعي تعيطي. هزعل من نفسي أوي لو كنت سبب زعلك. أغمضت عينيها وهزت رأسها. لو يعلم أنه تسبب لها في حزن وقهر لأيام وليالي وسنوات لقتل نفسه في الحال. أردف مترجياً: –وافقي يا شيرين. وافقي واديني فرصة أصلح خطأي وأصحح مسار مشاعري اللي كانت تايهة. أومأت وما زالت عينيها مغمضة تردف بصوت متحشرج: –موافقة. ذُهل يطالعها ليتأكد مردفاً: –قلتي إيه؟ فتحت عينيها الملتمعة
تطالعه بعمق وتردف: –موافقة يا فريد. موافقة أديلك فرصة. مد يده بسعادة ليلمس يدها من شدة فرحته، ولكنها سحبتها تردف بتحذير، وقد عادت لقوتها: –عندك. أنا قولت موافقة أديلك فرصة ولازم تستغلها صح. ممنوع اللمس تماماً إلا لما تثبت لي صحة كلامك. أحكم قبضته بقوة ليتحكم في مشاعره ويومئ بسعادة: –تمام. كلها كام يوم أصلاً وتبقى مراتي. ابتسمت عليه. أيظن الأمر سهل هكذا؟
إذاً لم يعرفها جيداً. ستشترط أن تكون خطبتهما لعام كامل. لِيُذِق فقط القليل من العذاب الذي ذاقته لسنوات. وبالفعل تم الزواج بعد عام، بعدما أثبت جدارته وعشقه وحبه لها، وتحمل دلالها وغضبها، وها هي الآن تحمل في طفلها الأول. عودة للحاضر بعد رحلة طويلة ها هو اليوم بداية العام الدراسي الجديد. يتحمس مروان الذي يبدل له والده ملابسه للذهاب إلى مدرسته ورؤية معلمته التي اشتاق إليها هو ووالده.
أخذه حمزة بسيارته إلى المدرسة. توقف يترجل ويلتقط كف صغيره ويدلف من بوابتها. خطى معه إلى الردهة، ولكن تجمدت ساقه وهو يراها تقف مع زميلاتها تتحدث وتبتسم. تلقائياً ابتسم هو الآخر ووقف يتأملها باشتياق وتيّم. لم يفق إلا عندما هزه مروان يردف بحماس: –يالا يا بابي عايز أسلم على مس ريتان. تنهد بقوة يستعيد ثباته، ثم تقدم منها، فترك الصغير يده وأسرع يركض نحوها مردداً بسعادة: –مس ريتاااان.
نبضة قوية أتت كلكمة في صدرها وهي تستمع لصوته، فلفت نظرها تطالعه وقد أصبح يعانقها، فانحنت تبادله وتردف بسعادة واشتياق: –مارو حبيبي، وحشتني جداً. ما زال يتعلق بها ويردف بصدق، ووالده يتابع بقلبٍ عاشقٍ مرفرف: –وأنتِ كمان يا مس. ابتعدت عنه تنظر لعينيه مبتسمة، قبل أن تقف تتمسك بيده الصغيرة وتتنهد بقوة تستعد للنظر لعين هذا الذي يقف يطالعها بتمعن. نظرت له، وبكل براعة اعتادت عليها، أردفت بجدية وثبات: –أهلاً يا حمزة بيه.
ابتسم بهدوء، فقد بات يعلمها جيداً ويعلم قناعها الجليدي ويتقبله بكل سرور، لذلك أردف بتريث: –الله يسلمك يا ريتان. عاملة إيه؟ أومأت بصمت، ثم التفتت تنظر لمروان وتبتسم مردفة بثقة: –يالا ندخل ال Class. أومأ الصغير، فسحبته معها دون حديث، والتفت هو يشير لوالده بيده، وبادله والده وتنهد بقوة، ثم التفت يغادر. يكفيه تلك الثواني من رؤيتها التي تشبع روحه. مساءاً في جناح حمزة
بعدما ساعد صغيره في حل واجباته، وبالطبع لم تخلو الجلسة من سيرة المعلمة ريتان التي تزهر المجلس. نام الصغير، وانتظره حمزة إلى أن ذهب في ثباته، وتنهد يتجه لغرفة نومه التي أصبحت الآن ملكاً لمها، بينما هو يمكث مع صغيره دائماً. طرق الباب، فسمحت له بالدخول بعدما كانت تخرج من حمامها. فتح الباب ودلف يتحمحم ويطالعها بترقب مردفاً بهدوء: –ممكن نتكلم شوية. تنهدت بقوة وطالعته بترقب، تعلم جيداً ما سيقوله وتستعد لحديثه،
لذلك أردفت تومئ بهدوء: –تمام اتفضل. اتجه يخطي للمقعد الجانبي ويجلس عليه، واتجهت هي أيضاً تجلس على المقعد المجاور له وتترقب حديثه. تنهد يطالعها ويردف بتريث:
–دلوقتي يا مها أقدر أقول إنك وصلتي لبر الأمان. أسهمك تخطت الأزمة المالية وجزء كبير من ديون شوقي بيه تم سدادها، والجماعة أياهم مبقوش يقدروا يقربوا منك بعد التشديد الأمني اللي حصل. يعني دلوقتي أمورك كلها اتحلت، وأكون وفيت بوعدي وريحت ضميري من ناحيتك وتقدرى بعدها تعتمدي على نفسك. يبقى حان وقت الطلاق. خلينا ننفصل بهدوء وبدون أي مشاكل. ثم دقق النظر فيها جيداً يتابع محذراً: –بدون أي مشاكل يا مها. أظن فهماني؟
طالعته بعمق وتمعن وشردت. كيف ستتركه بعد الآن؟ تشغلها حياتها بعد الانفصال، خصوصاً أنها عادت تتباهى بعلاقتها به وسط معارفها الذين عادوا إليها بعد أن عادت لعهدها. تخبرهم أنه يعشقها ولم يستطع تركها ودعمها وساندها في أزمتها. تتحدث هنا وهناك وفي كل مكان عن حياتهما الوهمية السعيدة وعن تقبله لها. إن انفصلت ماذا ستخبرهم بعدها؟ وكيف ستكون وجهتها؟ فاقت من شرودها على ندائه، فأردفت متسائلة بترقب: –طب ومروان؟ طالعها بعيون
قاتمة يردف بنبرة تحذيرية: –هتتنازلي لي عن حضانته يا مها. إنت وأنا عارفين كويس أوي إن مروان آخر اهتماماتك. هتتنازلي عن حضانته بدون أي شوشرة. نظرت له بتعجب كاذب وأردفت بنبرة مستعطفة: –عايزني أتنازل عنه إزاي يا حمزة؟ أيوة أنا بسيبه وبسافر وببعد، بس هو مهما كان ابني. وليا حقوق فيه. وقف يطالعها بحدة ويردف بنفاذ صبر:
–قصدك حقوق عليكي إنتِ معملتيهاش. يبقى حقوقك عليه كلها سقطت. متحاوليش تاخدي مروان سبب يا مها. مش هسمحلك. هتتنازلي عن طيب خاطر وتعتبري الثمن هي السنين اللي فاتت. وبالنسبة لحقوقك هتوصلك كلها. مروان خط أحمر يا مها. تنهدت بقوة. الأمور ليست في صالحها. تفكر بخبث لو كانت تلك المعلمة وافقت على أحدهم من زمن لكانت نفذت خطتها في الانتقام منها، ولكنها ترفض أي ارتباط، وهذا ما يجعلها مستسلمة أمام حمزة الجواد. زفرت
تردف بهدوء وترقب وخبث:
–تمام يا حمزة. لعلمك أنا مش بحاول آخد مروان سبب. أنا فعلاً بحب مروان جداً. مش معنى إني سايبة مسؤوليته عليك إني مش بحبه. علشان كده هيبقى صعب عليا إني اتنازل عن حضانته. بس تمام. اديني مهلة كمان كام شهر بس فيه صفقة مهمة مع شركة أجنبية بحاول أتعاقد معاهم، لو حصل هتبقى نقلة تانية خالص ليا، ووقتها هقدر أفتح شركتي الخاصة هنا أو أسافر لمامي وأفتح شركتي هناك. يعني اديني بس وقت قليل هضبط أموري وأتنازلك عن الحضانة وبعدها ننفصل. وصدقني مش هعمل لك أي مشاكل في حياتك.
زفر بقوة ثم مسح على وجهه بعنف يومئ بغضب داخلي مردفاً: –تمام. حلي أمورك في أسرع وقت. وهتتنازلي بعدها عن حضانة مروان وأظن كده يبقى كتر خيري. وقف يغادر الغرفة، وتركها تتابع أثره بشرود ومكر. لن تتركه أبداً، وإن تركته لن تدعه يتزوج بتلك المعلمة مهما كلفها الأمر. يبدو أنها أحبته.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!