مساءً تجلس عائلة سالم الجواد في فيلا شوقي أبو الدهب ينتظرون نزول أميرته المدللة. كان شوقي يقهقه عالياً مع سالم. وسعاد تجلس بتعالى تتحدث مع صفية. وتجاورها شيرين تجلس بصمت تتابع وتستمع، وتنظر بعيون حالمة لهذا الجالس يتقلب بضجر. أردف شوقي محدثاً حمزة بعدما التفت إليه ووجده شارداً: –إيه يا حمزة ساكت ليه؟ تحمحم حمزة وانتبه عليه، يطالعه بهدوء وتحدث قائلاً: –أبداً يا شوقي بيه، أنا بسمعكوا.
جاءت مدبرة المنزل تدفع عربة الضيافة واتجهت توقفها جانباً، وبدأت تصب المشروبات الساخنة وتقدمها. بينما نزلت مها من أعلى الدرج وخطت تتقدم من غرفة الصالون، وتمشى بتعالى وغرور. ترتدى فستاناً منسدلاً لبعد ركبتيها وترتدى حذاءً شفافاً عالياً. كما زينت وجهها بمستحضرات التجميل ورفعت خصلاتها للأعلى، فباتت كعارضة أزياء فرنسية. دلفت تبتسم للجميع مردفة بتعالى: –مساء الخير.
أبتسم لها شوقي ووقف يتجه ويستقبلها، ثم التقط يدها يقبلها، ثم عرضها عليهم، يردف بفخر وهو يقدمها: –بنتي مها… اللي دوختني علشان تنزل مصر. ثم نظر لمها وأردف بمكر: –مها حبيبتي… أظن مش محتاجة تتعرفي على عمك سالم وأولاده. ضحكت لوالدها وأردفت بثقة: –طبعاً يا بابي. اتجهت حيث يقف سالم ليستقبلها وقبلته من وجنته، ثم ابتعدت قليلاً تردف: –أخبارك ايه يا أونكل سالم؟ ابتسم لها ببرود يردف: –كويس يا حبيبتي… إنتِ عاملة ايه؟
أومأت تبتسم مردفة: –تمام جداً. خطت بعدها ترحب بصفية وشيرين ببرود، ثم اتجهت إلى حمزة الذي وقف ليستقبلها. ونظرت له بتمعن، ثم مدت يدها وأردفت بخبث وهي تتعمق ملامحه: –أزيك يا حمزة… تعرف إن ملامحك غير الصور خالص… بصراحة الصور ظالماك. ابتسم بهدوء وبادلها السلام سريعاً يردف برتابة: –متشكر يا مها… وحمدالله على السلامة. ابتسمت وأردفت بتمعن: –الله يسلمك.
خطت ترحب بمراد وفريد، ثم اتجهت تجلس بجوار والدتها سعاد. ومن بعدها لم تزيح أنظارها عن حمزة الذي يلاحظ نظراتها جيداً ويحاول تجنبها بضيق. كان لقاء في ظاهره عائلي، ولكنه في الحقيقة ما هو إلا خطة خبيثة لاستكشاف حمزة الجواد من قبل إبنة أبو الدهب. حيث أدركت أنه ليس ذلك الشاب السهل الذي يمكن أن توقعه بسهولة… كما أدركت جيداً مدى احترامه وهدوءه من حيث طريقة جلوسه وصمته معظم الوقت، على عكس مرح مراد وتأفف وضجر فريد.
بعد فترة ليست قليلة غادرت عائلة سالم عائدين إلى قصرهم، وبقى شوقي يجلس يطالع ابنته مردفاً بترقب: –ها يا مها؟ … إيه رأيك في حمزة؟ أردفت بضيق: –بااارد جداً… إيه ده يا بابي؟ … معقول فيه إنسان كده؟ … ده متكلمش كلمتين على بعض من وقت ما قعد… بجد بارد. ضحك شوقي وأردف بتمعن واستمتاع: –ده كويس جداً… مينفعش ترتبطى بإنْسان عصبي لأنك عصبية يا موكا… لازم حد هادي زي حمزة يستقبل عصبيتك ويعرف يتعامل معاها. ضحكت ساخرة
وأردفت متسائلة بتعجب: –أنا نفسي أفهم ليه مصمم إنت على ارتباطي من حمزة ده يا بابي؟ … بصراحة متوقعتش أنه كده بس أسلوبه مستفز فعلاً. أردف شوقي بغموض: –صدقيني يا مها انتِ هتعرفي تتعاملي معاه وتكسبيه… حمزة مش بيخرج من تحت طوع سالم حالياً بس فيما بعد هيبدأ يكون حياته بنفسه… وأنا عايزك تكوني معاه طول الوقت ده… شاب زي حمزة مش بنقابل زيه دائماً… لازم أتمسك بيه كويس لبنتي الوحيدة. نظرت لسعاد التي تتابع بصمت وأردفت متسائلة:
–وإنتِ يا مامي؟ … ساكتة ليه؟ هزت سعاد كتفيها وأردفت: –هقول إيه؟ … باباكي شايف أنه ميتفوتش مع إني مش حابة الموضوع خصوصاً بعد ما اتكلمت مع مامته… أنا شيفاه غير سالم خالص… تقريباً هو وارث سزاجه مامته… مش عارفة دي تبقى مرات سالم الجواد إزاي… بصراحة محبتهوش لا هو ولا مامته. طالعها شوقي بعمق وأردف ساخراً وهو يقف ويغادر: –مش لازم تحبيه يا سوسو المهم بنتك تحبه. ضحك بإستفزاز وغادر وتركهما تنظران لبعضهما البعض بترقب. ***
عادت عائلة سالم الجواد إلى قصرهم. أدلفوا جميعاً يجلسون في بهو القصر الواسع، إلا حمزة الذي اتجه على الفور إلى الدرج ليصعد. فأوقفه سالم يردف بجمود: –استنى يا حمزة. توقف قبل أن يرفع قدمه والتفت يطالع والده باحترام مردفاً: –نعم يا بابا؟ أردف سالم وهو يطالعه بضيق: –معجبنيش أبداً طريقتك عند شوقي خصوصاً مع مها… البنت كل ما تحاول تكلمك تتجنبها… دي اسمها قلة ذوق. تنهد بعمق ثم طالع والده بعيون حزينة وأردف:
–أنا قولت لحضرتك قبل ما نروح أني لو جيت مش هبقى مرتاح وحضرتك أصريت عليا… وجيت احتراماً لكلامك بس مش هعرف أتعامل عكس مانا حاسس… أنا كنت برد على قد كلامها ومش شايف إني تجاهلتها. أردف سالم بجمود وقسوة: –يبقى أنت نظرك ضعف… خد بالك كويس يا حمزة من تصرفاتك مع شوقي وبنته الفترة الجاية… مش عايز أكرر كلامي. تركتهم واتجه لغرفة مكتبه، بينما طالع حمزة الجميع بصمت وصعد للأعلى حيث جناحه.
دلف وخطى لغرفته ودلفها، ثم خلع جاكيته ووضعه جانباً واتجه إلى الفراش يجلس عليه ويفكر… لعنة الابن الكبير لعائلة قوية ذو نفوذ أصابته وقيدت قوته فأصبح يلبي بصمت. *** بعد أن أوصل حمدي أسرة سالم، عاد إلى منزله مرهقاً. دلف يلقي السلام على جميلة التي تنتظره واتجه يجلس على الأريكة مردفاً: –النهاردة كان يوم متعب اوي. اتجهت تجلس بجواره وأردفت بحنو متسائلة: –انت تعبان يا حمدي؟ تنهد وهز رأسه يردف بهدوء:
–لاء يا جميلة كويس بس انتِ عارفة طول اليوم برا البيت. تنهدت تومئ وتربت على كتفه، ثم تساءلت بترقب وفضول: –عملوا إيه في بيت شوقي أبو الدهب يا حمدي؟ … شافوا العروسة الفرنسية؟ في تلك الأثناء كانت ريتان تمر إلى المرحاض بعدما انتهت من مراجعتها، وسمعت حديث والدتها الذي صنّم جسدها وجعل قلبها يرتطم بقسوة في الصدمة المتحجرة التي تلقتها عندما استمعت إليهما بأنفاس مسلوبة، وحمدي يقول:
–أكيد شافوها… واضح إنه جواز مصالح يا جميلة… انتِ عارفة سالم بيه كويس… هيدور على اللي زيه أو أعلى كمان… وبنت شوقي أبو الدهب هي أنسب عروسة لحمزة ابنه. سقطت عبراتها متتالية ومتسارعة على وجنتيها وهي تستمع إلى حديث والدها الذي يستهدف أذنها كطلقات نارية قاتلة، ووقفت بجسد اهتز وارتعش غير قادر على إكمال خطواته. أردفت جميلة بتعجب: –يا سلام؟ … الراجل ده آلة يعني ولا إيه؟ وافرض ابنه مش عايزها؟ … هيجوزهاله غصب عنه؟
أومأ حمدي يردف بتأكيد: –مافيش حد من ولاد سالم يقدر يعصي أوامره… انتِ ناسيه سناء بنته؟ … وحمزة بالذات عمره ما هيقدر يقف في وش أبوه. أنكمشت ملامح وجهها وأردفت بحزن: –لاء مش ناسيه يا حمدي… وهو علشان كده مش عاجبني جبروته ده… أجبرها تتجوز واحد هي مش بتحبه… ومهموش غير فلوسه وفي الآخر كسب إيه؟ … سناء عمرها ما هتسامحه… وهو هيندم. أردف حمدي محذراً:
–متقوليش الكلام ده قدام أي حد يا جميلة… هو ميهموش لا كره ولا محبة… أنا بفضفض معاكي لما مش بتحمل أفعاله بس لو عرف أني بتكلم عليه كده هيقطع عيشي… ملناش دعوة بيهم دول ناس إحنا مش قدّهم. أومأت بصمت ثم ربتت على كتفه تردف بحنو: –هقول لمين يعني يا حمدي؟ … أنا بتكلم معاك انت… يالا أنا هقوم أعملك العشا. أومأ وأردف متسائلاً: –ريتان وبسمة ناموا؟ أردفت وهي تخطي باتجاه المطبخ: –أيوه أكيد ناموا أو يمكن ريتان لسه بتذاكر.
أومأ يتنهد وشرد يفكر في مستقبل بناته، بينما اتجهت ريتان إلى غرفتها بخطى بطيئة ونفسٍ ثقيلة ضغطت على صدرها فبات التنفس ضعيف… كانت تهرب من حقيقة أنه حلم صعب المنال… تعلم أنها ستعاني دوماً نتيجة هذا الحب البائس ولكن الألم لا يتحمل… عذاب الحب الصامت هذا يأكل من طاقتها ويضعف قلبها.
كانت تتأمل وتدعي وتحلم أحلاماً مزهرة وها هو والدها يعيدها إلى واقعها… عليها أن تفهم حقيقة الأمر… عليها أن تدرك أن قلبها أخطأ حينما اختاره… بنيت قصوراً رملية وها هي تهدمها أمواج الطبقات والمستويات الاجتماعية. اتجهت تتمدد على الفراش وتفكر فيه وتذرف دموع الحسرة على حبٍ كُتب عليه الكتمان مدى الحياة فبات مؤلم للروح والقلب. *** بعد مرور أسبوع. في الجامعة حيث بدأت الامتحانات.
انتهت ريتان وسلمت ورقتها بملامح حزينة منذ ذلك اليوم. وقد وضعت هدفها الأول أمامها وهو نجاحها بتفوق كعادتها لترفع رأسها وسط هذا المجتمع ذي الأفكار العقيمة ولتنجح وتثبت للجميع أن ريتان إبنة الطبقة الفقيرة قادرة على ما لم يقدروا عليه هم… لتؤكد لسالم وأشكاله أنه مخطئ وأن الطبقة الكادحة تُنبش في الصخور لتفرز للمجتمع نماذج مشرفة… فجميع العظماء الذين تعرفهم كانوا من الطبقة الفقيرة تلك وحققوا أحلامهم. وقفت لتغادر ولحقتها
كارى تردف معنفة بمرح: –بقى كده يا صحبتي تخرجي من غيري؟ … وأشاورلك تغشيني تعملي إنك مش شايفاني؟ ابتسمت ريتان رغماً عنها وأردفت بحزم: –آسفة يا كارى… انتِ عارفة غلاوتك عندي بس مقدرش أغير مبدئي… غش ممنوع. أردفت كارى بتفهم: –عارفة طبعاً… المهم انتِ عاملة إيه دلوقتي؟ تنهدت ريتان بعمق لا تريد أن تفكر في هذا الأمر… ليظل الألم في الأعماق لربما هدأ وطاب… لتحاول تمضي قدماً ولتعتبر حالها إحدى اللاتي أحببن ولم يحصلن على حبهن.
زفرت ونظرت لكارى وأردفت بمراوغة: –كويسة جداً يا كارى… تعالى يلا هعزمك على عصير قصب عند عمو فتحي بتاع عصارة المتوكل اللي في وش الجامعة. تحمست كاريمان وسعدت بنشاطها وأردفت: –أيوه بقى هو ده الكلام… يلا بينا. انطلقتا الفتاتان إلى خارج حدود الجامعة، لحظة توقف سيارة حمزة الذي أتى لتوه. أردفت كاري بصدمة عندما رأته يترجل: –ريتان ألحقي مين جه.
التفتت ريتان تنظر للجهة المجاورة فوجدته يترجل من سيارته أمامها… عينه منكبة عليها من خلف نظارته… عاد قلبها اللعين ينبض بعنف… أتنزعه الآن وتلقيه بعيداً أم تدهسه بقدمها ليدمي ولينتهي هذا الألم… لماذا جاء وظهر الآن وما تلك الحالة التي يبدو عليها؟ خلع نظارته وتقدم منها، عقله يحسه على التوقف والابتعاد ولكن قدماه تسوقه إليها محبراً. التقت العيون ببعضها لثانيتين… فقد ثانيتين قبل أن تلتفت سريعاً وتردف موجهة
حديثها لصديقتها بحدة: –كارى أمشي يلا. خطت مسرعة ولحقتها كارى، ولكنه أوقفها يردف بنبرته التي عاهدتها وهو يتقدم منها متعجباً من حدتها: –ريتان! توقف تغمض عيناها… ليتها تستطيع الصراخ في وجهه بأن يكف عن تلك الأفعال والأصوات والحركات التي تعيد بناء تلك القصور الهاوية… لما يتعمد أن يجعلها تحلق للأعلى بأجنحة خاوية!! التفتت إليه وأرغمت ذاتها على ارتداء قناع جاد مردفة: –أهلاً يا حمزة بيه… عن إذنك. يالا يا كارى.
قالتها لتحس كاريمان على السير، ولكنه عاد يوقفها مردفاً بترقب وتعجب وقد شعر بالحزن يتوغل إليه شيئاً فشيئاً: –ثواني بس فيه إيه؟ … هو فريد ضايقك تاني؟ عادت إليه تطالعه بتمعن وبرغم قلبها النابض بقوة إلا أنها أردفت بثقة وتأكيد: –لاء أبداً مضايقنيش… حضرتك أنا عرفت حدودي كويس وبقيت ألتزم بيها مع الكل… وشكراً لاهتمامك بس مافيش داعي لتدخلك بعد كده… عن إذنك.
توقف قلبه للحظات من نظرتها الحزينة. عقله يرغمه على الابتعاد وقلبه يرغمه على معرفة سبب حزنها، لذلك مد يده لا إرادياً يوقفها مردفاً باستفهام: –ثواني لو سمحتِ يا ريتان فهميني مالك في إيه؟ أوقفته محذرة تنظر إليه بعيون متسعة وتشير بسبابتها مردفة: –لو سمحت ميصحش كده… شوف أنت جاي ليه وسبني أمشي. ابتلع غصة مريرة تكونت بحلقه ولعن ضعفه الذي يبدو كوحشٍ قويٍ يقيد حركته، ثم ابتعد يعتذر مردفاً بنبرة حزن غلفت صوته:
–أنا آسف… أنا بس خوفت يكون فريد ضايقك تاني… أنا كنت قريب من هنا وقولت أجي أشوف فريد عمل إيه في امتحانه؟ كاذب… نعم كاذب وإن استمر هكذا بالنظر إلى عيناها ستنكشف كذبته… لم يكن قريباً من هنا ولا يعلم لما أتى إلى هنا من الأساس، ولكن كل ما يعلمه أنه ود رؤيتها فساقته قدماه إليها… عاجزٌ هو عن تصديق مشاعره وناكرٌ لما يراوده وكاتم لأي صوت يصدره قلبه وقاتل لأي شعور، ولكن برغم ذلك أتى ليراها… لف نظره عنها ونظر لكاريمان كي يداري
حالته المشتتة تلك وأردف: –طيب قوليلي لو سمحتِ يا آنسة هو فريد ضايقها تاني؟ أردفت كارى بهدوء وتأنى: –لاء يا أستاذ حمزة زي ما ريتان قالتلك محصلش حاجة وعن إذنك لأن ميصحش وقفتنا دي. سحبت ريتان التي بعثرتها نظرته وغادرتا، وظل هو يطالعها بعمق إلى أن اختفتا من أمامه، فتنهد بقوة واستقل سيارته وغادر ونسي فريد ونسي كل شيء، فقط ليذهب للبعيد… ليته يستطيع الصراخ الآن. بينما هي تتسائل بتعجب وقلبٍ نابضٍ بعنف: –بيعمل كده ليه!
… فهميني يا كارى بيعمل كده لييييه… ليه كل ما بحاول أعرف حدودي كويس بيتمعد يركبلي جناحات وفي الآخر بلاقي نفسي واقعة على جدور رقبتي… عايز مني إيه هو أنا هتجنن يا كارى… هو مفكرني مش بحس؟ تنهدت كاريمان بعمق فهي الأخرى متعجبة من أمره ومن نظرته الغريبة… حاولت تهدئتها تردف بحيرة وحزن لحالتها:
–اهدى يا ريتان علشان خاطري… يمكن ده أسلوبه العادي يا ريتان… حاولي تكذبي أي إحساس وصلك منه… حاولي تتجنبيه يا ريتان علشان متتعبيش… أنا كمان مش فاهمة بيعمل كده ليه؟ … بس مش معقول يكون عارف إنك بتحبيه… يمكن حاسس إنك معجبة بيه أو مستلطفاه وبس… المهم علشان خاطري انسى الموضوع ده خالص وركزي في اللي انتِ ناوية عليه بعد كده. زفرت ريتان بقوة وأومأت عدة مرات تؤكد على كلام صديقتها وأكملتا الاثنتان طريقهما بحيرة من أمره.
وانطلق حمزة بعدها بسيارته إلى مكان يجد فيه أوكسجين لصدره المقبوض هذا… قاد وكان خلفه هذا الرجل الخفي الذي أرسله شوقي ليراقبه دون أن يلاحظه. *** في اليوم التالي في الشركة. دلف شوقي فجأة إلى مكتب سالم مندفعاً، ثم ألقى بظرفٍ ما على مكتبه وأردف بحدة: –أتفرج وقولي رأيك؟ تعجب سالم من هجومه ونظر للظرف، ثم تناوله وفتحه وأخرج ما به من صورٍ تم التقاطها لحمزة وريتان عند الجامعة أمس. أنكمشت ملامح سالم وهو يتفحص الصور،
بينما أردف شوقي بغضب: –عاجبك عمايل ابنك الكبير اللي قولت عليه عاقل؟ … بيجري لي ورا بنت السواق وعايزني اديله بنتي أنا؟ طالعه سالم بضيق ثم أردف متسائلاً بتعجب برغم استياؤه وغضبه الشديد من ابنه: –أنت بتراقب ابني؟ أردف شوقي ساخراً: –لو مكنتش عملت كده كنت جوزت بنتي لواحد ماشي ورا بنت السواق بتاعهم… بس تمام أنا عرفت هعمل إيه؟ ابتلع سالم لعابه خوفاً من نبرة شوقي الغامضة الذي يعلم جيداً فحواها وأردف بتأكيد وثقة:
–اطمن يا شوقي… الموضوع عندي ومحلول… أكيد فيه سوء تفاهم واللي في الصور ده مش حقيقي… أنا عارف ابني كويس… حمزة مستحيل يفكر بالطريقة دي… أنا هتكلم معاه وهبلغك عملت إيه. أردف شوقي بجمود قبل أن يغادر: –وريني هتعمل إيه يا سالم… وإلا تنسى خالص أي شراكة بينا… اتكلم مع ابنك وشوف هيبرر اللي في الصور ده إزاي؟ خرج بعد أن جمع الصور وأخذها مجدداً وتركه غاضباً من أفعال ابنه الصبيانية التي ستهدم مستقبلهم رأساً على عقب.
رفع سماعة هاتفه وطلب مكتب حمزة يردف بجمود بعدما أجاب حمزة: –تعالى عندي فوراً. *** أغلق وانتظره، فأتى حمزة بعد دقائق إلى مكتب والده يتسائل بتعجب وهو يجلس أمامه: –خير يا بابا حضرتك طلبتني؟ أردف سالم بحدة: –أنت إيه اللي وداك الجامعة امبارح؟ تعجب حمزة من سؤال والده وأردف بهدوء متسائلاً: –خير يا بابا إيه اللي حصل؟ ضرب سالم على مكتبه بكفيه يردف بغضب: –جاوب على سؤالي؟ … كنت في الجامعة بتعمل إيه؟ … ومتقولش علشان فريد وتكذب.
توتر حمزة وصمت يفكر قليلاً، ولكن قطع سالم أفكاره يردف بغضب: –كنت رايح تشوف بنت حمدي السواق مش كده؟ صُدم حمزة من حديث والده وأردف بتعجب: –هو حضرتك بتراقبني؟ وقف سالم يتجه إليه، ثم جلس أمامه وأردف بهدوء حاد مخيف: –حالاً تفهمني إيه اللي بينك وبين بنت حمدي السواق. نظر في عين والده وعجز لسانه عن الإنكار أو التأكيد، فأردف سالم بصدمة وقسوة: –أوعى تكون بتحبها؟ … ده أنا اطربقها عليك وعليهم. طالعه حمزة بذهول وأردف بتوتر:
–يا بابا مش زي ما حضرتك فاهم. تنهد سالم بقوة، ثم تحلى بالهدوء يتسائل بنفاذ صبر: –فهمني؟ لف نظره عنه وأردف بترقب وهو يفكر فيها: –أبداً يا بابا كل ما في الأمر أني شايفها بنت طيبة وهادية وخلوقة. –وبنت السواق بتاعنا؟ قالها سالم يقاطعه، فطالعه حمزة بصمت، فأكمل سالم محذراً: –أوعى تفكر يا حمزة… أوعى عقلك يفكر حتى في اللي قولته دلوقتي… ده من رابع المستحيلات… فااااهم؟ نظر لوالده وتحدث متسائلاً: –ليه يا بابا؟ جحظت
عيناه وأردف يردد بتعجب: –لييييه؟ … ليه إيه؟ … إنت اتجننت؟ … مافيش أي توافق بينكم… أنت متخيل لما ترتبط ببنت السواق بتاعنا هيبقى شكلنا إييييه؟ … لاء مستحيل أنا مش قادر أتخيل أصلاً. نكس حمزة رأسه… يعلم جيداً تفكير والده وقناعاته التي يقتنع بها أيضاً، فكما يقول والده طوال عمره: ابن الأكابر لبنت الأكابر والفقراء لبعضهم… ولكن لا يعلم لما ينبض هذا الجزء الأيسر كلما أتت سيرتها ويخبره أن هناك استثناء.
تنهد سالم وهو يلاحظ تشتت ابنه، فتابع بخبث وفحيح: –فكر كويس يا حمزة… فكر مليون مرة قبل ما عواطفك تغلبك… أنت مش بتختار زوجة وبس لاااا… أنت بتختار شريكة لحياتك المهنية والفكرية والاجتماعية… أنت بتختار أم لأولادك… لازم تختار واحدة بعقلك يا حمزة وتبعد تماماً عن المشاعر… لو عايز تنجح دايماً أبعد عن العواطف… وبعدين الناس اللي من الطبقة دي طريقة تفكيرهم بتبقى معروفة. رفع أنظاره يطالع والده بصمت وتتمعن،
فتابع سالم بقسوة وتكبر: –البنات دي بيدوروا على الشاب الغني اللي هيقدر يرفعهم من المستوى اللي هما فيه ويبدأوا يمثلوا عليه الحب والكلام المعسول بقى على أساس يوقعوه. نظر لوالده بقوة ولم يدخل هذا الحديث على قلبه أو عقله، فأردف بصدق وتروي:
–لو سمحت يا بابا… متحاولش تشوه صورتها على أساس تكرهني فيها… ريتان أنا عارف أخلاقها كويس وده اللي لفت نظرى ليها… وحضرتك متأكد من كلامي… عم حمدي معانا من سنين وقبل منه كان والده معانا عمرنا ما حسينا منهم بطمع ولا لف ودوران. ذهل سالم من حديثه وصمت لثواني، ثم أومأ يردف بعدما تأكد أن هذا الحديث المسموم لن يجدي نفعاً:
–تمام… هحاول أصدق كلامك بس ده مش مبرر أبداً إنك ترتبط ببنت السواق بتاعنا… مستحيل ده يحصل.. لازم تفرمل أي حاجة جواك وتنسى تماماً الموضوع ده… وكويس إني عرفت ولحقت الموضوع من أوله قبل ما كنت تحبها… وإلا كانت هتبقى مصيبة. أغمض عينه ونكس رأسه بشعور مجهد… ليته كان فقيراً لا يمتلك سوى قوت يومه… ثراؤه وثروته ستصبح لعنته… سينساق خلف أهواء المجتمع ويتخلى عن راحته؟ … بداخله شعورٍ سيء لما هو آتٍ وبرغم ذلك فإنه ينفذ ما يؤمر بصمت.
أكمل سالم بخبث ليطرق على الحديد ساخناً: –فكر في أخواتك لو ده حصل… أول حاجة شوقي هيسحب إيده من شركتنا خالص ووقتها الشركة هتنهار… وأنت عارف كويس الأزمة المالية اللي بنعاني منها وبحاول أتخطاها… فكر في أخواتك ومستقبلهم يا حمزة… أنت مش ملك نفسك وبس بما إنك ابني الكبير يبقى لازم تعمل زيي وتفكر في مصلحة العيلة كلها… انسى تماماً اللي بتفكر فيه لأني مش هسمحلك أنه يحصل.
وضع وجهه بين كفيه بصمت وحزن… ربت والده على ساقه يردف مؤكداً ليكمل على ما تبقى منه: –مها هي أنسب زوجة ليك يا حمزة… اسمع كلامي… مها هي مستقبلك ومستقبل أخواتك. أغمض عينه يتخيلها زوجة كما قال والده، ولكن لااا… كلما أراد تخيل زوجة واستقرار أتت هي على مخيلته.. انتبه على جملة والده: –الجمعة الجاية هنروح نطلب ايد مها من شوقي… جهز نفسك. أنزل كفيه ونظر له بصدمة وأردف بتعب داخلي لا أحد يعلم نتائجه: –يا بابا لو سمحت.
أردف سالم محذراً بنبرة لا تحمل النقاش: –انتهى الكلام يا حمزة… وإلا هتتسبب في قطع عيش حمدي من عندي ومن عند أي حد تاني وأنت عارف كويس أبوك يقدر يعمل إيه لو عصيت كلمتي… مش هسمحلك تدمر شركتي وتعب سنين بسبب عواطفك اللي ملهاش أي معنى ولا قيمة… جوازك من مها فيه مصلحة الكل ومصلحتك انت أولهم.
نظر لوالده بعمق ثم وقف وغادر دون إضافة حرف، بينما نظر سالم لاثره وتنهد بعمق ثم رفع هاتفه وهاتف شوقي ليأتي إليه وليخبره بما يريده ليثبت له أن الأمر لم يكن كما هو موضح بالصور. *** في تلك الأثناء وصلت مها بسيارتها أسفل الشركة… ترجلت وناولت المفاتيح لحارس الأمن ليصف سيارتها وصعدت لمكتب والدها. كان قد ذهب شوقي لمكتب سالم ليرى ماذا فعل مع حمزة.
دلفت مكتب والدها واتجهت تجلس على مقعده تنتظره وتتخيل نفسها مديرة لهذه الشركة وبدأت ترى هيئتها عندما تصبح سيدة أعمال. رفعت رأسها للأعلى وابتسمت على أفكارها مردفة بهمس: –هيحصل قريب. اخفضت نظرها لسطح المكتب فرأت هذا الظرف فمدت يدها تتناولته وفتحته كما هو مسموح لها باستكشاف أي شيء خاص بوالدها دون إذن. بدأت تخرج ما به وتتطلع عليهم بتعجب وعيون ثاقبة.
في تلك الأثناء وصل شوقي ودلف متفاجئاً بوجودها وانتابه التوتر بعدما رأى ما في يدها. أردف مرحباً بترقب: –أهلا بحبيبة بابي… جيتي إمتى؟ رفعت إحدى الصور في وجهه وتسائلت بغرور: –إيه ده؟ … مش ده حمزة؟ تنهد واتجه يلتقط منها الصور ويدثرها مجدداً داخل المظروف ويخبأؤه في إحدى الأدراج مردفاً بهدوء: –أيوة حمزة. ضحكت ساخرة وأردفت بتعجب: –هو ده اللي انت عايزني ارتبط بيه؟ زفر بضيق وأردف مؤكداً:
–أيوة… وقريب جداً جايين يتقدموا ويطلبوا ايدك مني. أردفت ببرود وهي تضع ساق فوق الأخرى: –نو…. مستحيل. تنهد وطالعها يردف بهدوء وتروي ليقنعها بما أقنعه به سالم أو بما يريد تصديقه: –مها… بلاش تتسرعي… حمزة هيتقدم وانتِ هتوافقي. تعجبت من أمر والدها وأردفت بحدة وهي تنزل ساقها وتدبها أرضاً بغيظ: –بابي إنت إزاي كده بجد… أوافق إزاي… واضح من الصور دي إنه يعرف واحدة تانية ورايح يقابلها. أردف شوقي بجمود يردد ما قاله له سالم:
–لاء مش كده… أنا كنت فاهم زيك كده وكلمت سالم ننهي كل حاجة بس هو اتكلم مع حمزة وعرف منه الحقيقة… كل ما في الأمر إن دي بنت السواق بتاع سالم… وهي بتحاول توقع ابن البيه اللقطة… واظن انتِ فاهمة كويس النوعية دي بتفكر إزاي. ضحكت وأردفت بتعالى: –وأنا مالي تفكر متفكرش… بعد اللي شوفته ده إزاي أقبل بواحد سمح لنفسه يفكر في بنت السواق بتاعهم…. هههههه دي مهزلة. جلس شوقي أمامها وأردف بهدوء وخبث:
–بس اللي أعرفه عن بنتي إنها بتحب التحدي… ومش معقول بعد ما الناس كلها والمجتمع الراقي عرف إن بنت شوقي أبو الدهب في بينها وبين حمزة ابن سالم الجواد مشروع جواز تسيبيهم يتكلموا عننا بكلام طالع نازل ملوش أي لازمة. ضيقت عيناها تطالع والدها بعمق وشرود وهو يتابع بخبث ويلعب على وترها الحساس:
–مش معقول هتصدقي كام صورة مالهمش أي أهمية عن كلامي… حمزة ابن سالم ولا يمكن هيحب بنت زي دي… كل ما في الأمر إنها شاغلاه… دي بنت لعوبة وانتِ لازم تعرفيها قيمتها وتوقفيها عند حدها… ومش بنت شوقي أبو الدهب اللي تسيب حاجة ملكها لحد تاني ياخدها. اللمعت في عيناها فكرة التحدي وشردت لثواني ثم أردفت بتعالى: –أوكي يا بابي… مع إن مستحيل أدخل تحدي مع بنت زي دي… بس أنا اللي هكسب وابن سالم الجواد هيبقى ليا لوحدي. *** بعد أسبوعين.
في فيلا شوقي تجمعت العائلتين حيث حفلة الخطبة اليوم. كانت مها تقف بغرور وسط الحضور ويجاورها حمزة بملامح باردة خالية من أي مشاعر. تتابعه والدته بحزن… تتذكر حينما اتجه إليها ليلاً منذ أسبوع وكان في حالةٍ مشتتة يسألها عن ما يفعله وهل يوجد سبيل، ولكنها أخبرته أن لا مفر من اعتراضه وأنّ عليه طاعة والده فهي تعلم سالم جيداً. أما فريد فكان يقف مع ميادة ابنة قريب شوقي، والتي تكن هي أيضاً الفتاة التي يحبها.
تقف بغنج تتدلل عليه وتتابعهما شيرين من بعيد بملامح حزينة، وفريد يميل على أذنها يهمس لها ببعض الكلمات فتقهقه وتميل بطريقة مثيرة للاشمئزاز. شعرت شيرين بالاختناق فنظرت لزوجة عمها وأردفت بترجي: –طنط صفية لو سمحتي ينفع أروح أنا؟ … مصدعة جداً ومش قادرة أكمل الحفلة. أردفت صفية بقلق واهتمام: –مالك يا حبيبتي؟ … تحبي أجبلك قرص مسكن؟ هزت شيرين رأسها وأردفت بحزن وهي على وشك الصراخ كلما رأت منظر هذين: –لاء أنا بس عايزة أروح.
تنهدت صفية ونظرت حولها ثم أشارت لفريد أن يأتي، فتأفأف وترك ميادة وأتى إليها يردف متسائلاً: –أيوه يا ماما؟ أردفت صفية بهدوء آمرة: –بنت عمك مصدعة وعايزة تروح… شوف لو حمدي برا يوصلها على الفيلا. نظر لشيرين وأردف متسائلاً بضجر: –لازم تروحي دلوقتي يعني؟ طالعته بغضب وأردفت بحدة: –أيوه لازم لأني مصدعة ومش محتاجة مساعدتك أنا هشوف عمو حمدي بنفسي. ثم نظرت لصفية وأردفت بهدوء معاكس: –عن إذنك يا طنط.
خطت متجهة للخارج تبحث عن حمدي، بينما أردفت صفية معنفة ابنها: –ميصحش تسيب بنت عمك تطلع تدور على حمدي لوحدها وهي تعبانة… خليك جنتل واطلع وصلها. تنهد بعمق ثم أومأ بصمت وتبعها ليوصلها… وجدها تبحث عن حمدي فأردف بترقب: –أستنى يا شيرين وأنا هطلع أشوفه برا. التفتت تطالعه بحدة وأردفت بشموخ: –مافيش داعي… ادخل انت كمل اللي كنت بتعمله. طالعها بخبث ثم مال قليلاً عليها بعد أن لاحظ نظراتها له في الداخل، فهو يستششف مشاعرها قليلاً،
لذلك أردف: –دانتِ واخدة بالك مني بقى… ليكون هو ده سبب الصداع. طالعته بعمق وقد قررت الثأر لكرامتها مردفة بسخرية: –فعلاً معاك حق… دانا هقع من طولي… مش قادرة أشوف سعادتك مع أنثى النعام دي… إنت مجنون يا ابني؟ … واخدة بالي منك إيه أنا فيقالك أصلاً… أنا مصدعة وعايزة أروح أنام حل عني. اغتاظ منها كثيراً وزفر باختناق وأردف وهو يدفعها ببطء: –طب يالا أوصلك. تنهدت وأردفت معترضة بقوة:
–متذوقش… أنا هروح مع عمو حمدي شوفهولي بس وادخل انت كمل سهرتك. أردفت بحدة وإصرار: –قولتلك يالا يا شيرين هأوصلك. أردفت بعناد مماثل وحدة: –قولتلك لااااء… خلاص خليك وأنا هشوفه بنفسي. تركته وغادرت تبحث عن حمدي، فوقف يطالعها بتعجب من عنادها، ثم تبعها حيث وجدت حمدي واستقلت السيارة، فاتجه هو جهة السائق وأردف: –وصلها يا عم حمدي ع الفيلا وتأكد أنها دخلت وبعدين ارجع بسرعة.
أومأ حمدي وانطلق، بينما هي لم تنظر إليه تماماً حتى عبرت حدود الفيلا، فتنهدت وبدأت تتجمع غيمة الدموع في مقلتيها وهي تتذكر وقفته مع تلك الفتاة وحديثه الهامس إليها وتلعن قلبها الذي نبض لشخصٍ مثله. *** بعدما غادر الجميع وبقى فقط حمزة حيث صمم شوقي على بقائه قليلاً. ها هو يجلس معها شارداً بملامح باردة وهي تطالعه بضجر. أردفت متسائلة: –حمزة هو انت قاعد غصب عنك؟ انتبه لها فطالعها بتعجب وأردف متسائلاً: –ليه بتقولي كده؟
مطت شفتيها وأردفت بضجر: –مش عارفة شوف نفسك… متكلمتش من وقت ما بقينا لوحدنا… تقدر تعتبرني صديقة كويسة… قول بتفكر في إيه مثلاً؟ طالعها بصمت ثم اعتدل يتنهد وقال بهدوء: –أبداً يا مها أنا كويس… بحاول بس ألاقي كلام. ضحكت ساخرة وأردفت بتعجب من حالته: –تلاقي كلام؟ … أنا حاسة أن الأدوار متبدلة يا حمزة… المفروض أن أنا اللي أكون بدور على كلام… إنما أنا اللي بجر معاك حوار. ابتسم بالاجبار وأردف في محاولة منه للاندماج معها:
–طيب يا ستي هتكلم… خلينا مثلاً نتعرف على بعض أكتر… بتحبي إيه مش بتحبي إيه… إيه أحلامك وبتفكرى في إيه مستقبلاً. ابتسمت وشردت قليلاً ثم أردفت بغرور: –بحب كل شيء مميز… بفضل أي شيء مش موجود منه اتنين… بحلم أني أكون سيدة أعمال كبيرة وبفكر إزاي أوصل لحلمي ده. تعجب من أمرها وثقتها الزائدة وأردف متسائلاً عندما أتى على باله حياتهما المستقبلية: –طيب وبالنسبة لشريك حياتك… اللي هو المفروض أنا… مش من ضمن أحلامك؟
نظرت له بتعمق قليلاً ثم أردفت بدهاء ومكر ورثه عن والديها: –مهو إنت الشئ المميز… أنا بشوف إن إنت مش موجود منك اتنين. صُدم وأردف بتعجب وقد لانت ملامحه من حديثها: –أنا! … معقول الكلام ده عني أنا؟ … لحقتي تكتشفي ده فيا؟ … طب إمتى وازاي؟ اقتربت منه قليلاً وأردفت بنعومة: –من أول ما بصيت لك… أنا ليا نظرتي بردو.
تحمحم وابتعد عنها قليلاً بحرج، ثم نظر لها وشرد في ملامحها، ثم فجأة مرت ريتان على عقله فتنهد وابعد نظره عنها وتشتت عقله في أي مرسى سيرتاح. *** في نفس الوقت. تبكي ريتان في الهاتف وتتحدث مع صديقتها كارى مردفة بحرقة وألم: –مش قادرة يا كارى… بجد صعب قوي… مش عارفة ليه وامتى علقت نفسي بحب زي ده؟ … ليه اخترت الشخص ده بالذات وحبيته وكنت مستعدة أديه كل حياتي؟
… بحاول أبين أني قوية ومطلوب منه أكتم حبه في قلبي بس خلاص تعبت حقيقي. أردفت كارى بحزن لأجلها: –هونى على نفسك يا ريتان… من البداية الحب ده محكوم عليه بالإعدام… صدقيني هو اللي خسرك مش انتِ.. هو خسر حياة جميلة معاكي… خسر حبك وحنيتك وطيبة قلبك وعقلك… سبيهم منهم لبعض يتحرقوا… انتِ تستاهلي حد يقدرك… وواضح إن حمزة ده إنسان جبان. أومأت مؤكدة تردف بحزن وهي تجفف دموعها:
–كنت عارفة إنه مش ليا… كنت عارفة إن واحدة تانية من نفس مستواه هتاخده حتى لو محبتهوش زيي… وبرغم كده كملت… أنا شاطرة اووي وممتازة حتى في وجع قلبي… ناجحة في كل شيء بتفوق حتى في عذابي يا كارى. تنهدت كاريمان بصمت فلم تعد تعلم بماذا تواسيها، بينما بعد دقيقة تابعت ريتان معتذرة: –أنا آسفة يا كارى… تعباكي معايا بجد… انتِ الوحيدة اللي عارفة بحبي علشان كده انتِ اللي متعذبة معايا… اقفلي انتِ يلا علشان مامتك واخوكي وباباكي… سلام.
أغلقت معها وزفرت بقوة تحاول كفكفة دموعها وتعد نفسها بأن تحاول نسيانه… أو دفن حبه فلم يكن لها سبيل معه من البداية. *** غادر حمزة بعد وقت قليل حيث كان يشعر بأنه يتقلب على جمرٍ من نار. استأذن وترك تلك المها تطالعه بضيق وغضب واستقل سيارته وغادر على الفور. لم يرد الذهاب للمنزل… يعلم أنه سيواجه والده ولم يعد لديه طاقة اليوم، لذلك غير وجهته إلى منزل شقيقته التي ستصبح بئر أسراره مستقبلاً.
دلف فيلا شقيقته بعد أن هاتفها وأمرت الحارس أن يدخله. صف سيارته وترجل فوجدها تقف أعلى الدرج تنظر له بتفحص وكأنها تعلم ما به. تحرك وصعد الدرجات القليلة حتى توقف أمامها يطالعها بصمت. ركزت على عينه ثم أردفت بحزن: –عملتله اللي هو عايزه بردو يا حمزة؟ … مش قولتلك ترفض؟ تنهد بقوة ثم أغمض عينه فعلمت أنه لا يود الحديث الآن، لذلك مدت يدها تتناول يده وتسحبه للداخل بحنو وتغلق باب الفيلا خلفها.
خطت معه إلى الصالون وجلست وجلس مجاوراً لها، ثم وضع رأسه بين راحتيه يستند بتعب وتشتت. تطالعه بحزن وضيق ثم رفعت يدها تربت على ظهره وتنادي بحنو مردفة: –حمزة؟ … مش هتقول حاجة؟ … إيه اللي حصل طيب؟ هز رأسه بصمت فتنهدت وقبضت على يدها بغضب من أفعال والدها، ثم حاولت التحلي بالهدوء قائلة لتهون عليه حالته: –طيب يمكن مها دي تطلع مختلفة؟
… حاول تفكر بإيجابية شوية… يمكن المرة دي قرار سالم بيه يفيد حد… مش لازم تحط اللي حصلي قدام عيونك يا حمزة. أنزل كفيه ولف وجهه يطالعها ثم تنهد بقوة وأردف بتساؤل: –تفتكري؟ … تفتكري ممكن احساسي ده يكون مالوش أي وجود وأنا فعلاً متأثر باللي حصل معاكي؟ تعجبت من سؤاله وأردفت بشك وترقب: –حمزة هو انت بتفكر في حد معين؟ طالعها بصدمة عيون زائغة قبل أن يلف وجهه عنها ويردف بمراوغة ليخدع نفسه قبلها: –أكيد لاء… لاء يا سناء. تنهدت
بارتياح ثم أردفت بهدوء: –طيب روق كده وقوم اتوضا وصلي ركعتين وأنا هعملك حاجة تشربها وخليك معايا النهاردة متروحش. أومأ باقتناع فهو أيضاً لا يريد الذهاب للبيت، لذلك توقف وخطى للحمام وتوضأ واتجه يؤدي فرضه الذي أزاح ذلك الثقل من على صدره قليلاً، ثم توقف يخطى للخارج حيث أتت هي تناوله كوب المشروب الساخن وتجلس معه تدردش في أمورٍ عدة عن توأمها وناصف والشركة واندامج هو معها في الحديث.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!