الفصل 3 | من 31 فصل

رواية للقلب أخطاء لا تغتفر الفصل الثالث 3 - بقلم اية العربي

المشاهدات
22
كلمة
7,366
وقت القراءة
37 د
التقدم في الرواية 10%
حجم الخط: 18

كنّا نلتقى، وآرى حبكِ في العيون مرة بعد مرة يرتقى. كنّا نبتسم، وتدغدغ ضحكتكِ مشاعري وحيرتي تنقسم. كنّا نفترق، وأحن للعودة إليكِ وأشتاق وأحترق. كنتُ أنا السئ والجبان، وكنتِ وستظلين ملاكي. *** ولجت ريتان مع كارى خارج حدود الجامعة، قلبها يقفز قفزاً من شدة سعادتها. ملامحها تبدلت من الحزن إلى السعادة، أنفاسها تخرج على شكل أوتاراً موسيقية. نظرت لكارى وأردفت بعيون لامعة وحالمية:

–أنا حاسة أني بحلم يا كارى. شفته واتكلمت معاه وجابلي حقي من أخوه. كل ده في يوم واحد؟ انتِ متخيلة؟ يؤمر أخوه يعتذرلي؟ قولتلك حمزة ده مش غيرهم تماماً. طالعتها كارى وزفرت بحزن. لم ترد إحباطها، ولكن عليها أن تحاول سحبها لأرض الواقع قبل أن تحلق في فضاءٍ ملئ بالنيازك المدمرة. أردفت بتروي: –يا ريتان، يمكن دي طريقة تعامله مع الكل. مش انتِ بتقولي إنه مختلف عن باباه وفريد؟

حاولي متتعشميش أوى بأي حاجة منه علشان متتوجعيش. ومتنسيش إن يمكن بيتعامل كده لأنه بيقدر والدك يا ريتان. نظرت لكارى بتمعن وشردت وهي تسير بجوارها. معها حق، عليها أن تتريث وتتمهل قليلاً. فأين هو وأين هي؟ ولكن نظـرته! إعطاؤها لرقمـه الخاص؟ نبرته الحنونة معها! هل تبالغ في كل هذا؟ زفرت بقوة وأردفت بنبرة تبدلت للحزن قائلة: –يمكن كلامك صح، بس غصب عني يا كارى. أعمل إيه في قلبي بس؟

حبيته وأنا شبه متأكدة إنه مش ليا. وبرغم كده حبيته. أنا غبية صح؟ نظرت لها كارى برأفة وأردفت بود: –لأ مش غبية يا ريتان. محدش ليه على قلبه سلطان. بس حكمي عقلك شوية. وصدقيني إنتِ قيمتك غالية قوي. يعني لو هو بيحبك واللي إنتِ شوفتيه منه النهاردة ده حب، يبقى هو اللي لازم يعافر ويتحدى الصعب ويوصلك. اقتنعت ريتان بحديث صديقتها وأومأت بتفهم والقليل من الراحة تردف:

–إنتِ صح يا كارى. لازم أعرف قيمة نفسي كويس قوي علشان اللي قدامي يعرفها. ابتسمت كارى وزفرت بارتياح وأكملتا طريقهما سوياً تدردشان في أمورٍ عدة. *** عودة للجامعة. تجلس ميادة تطالعه بغضب وتردف معنفة: –يعني إيه الموضوع اتحل يا فريد؟ مش إنت قلت لازم تترفد؟ دي ضربتك بالقلم قدام الجامعة كلها. نكس رأسه قليلاً ثم أردف بتردد: –أيوه يا ميادة بس متنسيش برضو إني وقعتها قدامهم كلهم. يعني مكنش يصح برضو؟

طالعته بقوة وغضب وأردفت تلوح يميناً ويساراً: –لاااا ده انت اتبدلت واحد تاني. فيه إيه يا فريد؟ ولا هو حمزة ماسك عليك حاجة وأنا معرفش؟ رفع نظره يطالعها بضيق مردفاً بحدة ومكر: –قصدك إيه بكلامك ده يا ميادة؟ كل ما في الأمر إن حمزة قالي أتهاون شوية وأعدي الموضوع علشان الامتحانات قربت وإنه يعني هتحن علينا في الأجوبة وكده. ضحكت ساخرة تميل عليه وتردف بتهكم: –وأنت صدقت يا بيبي؟ ريتان هتحن علينا؟

دي حتى صحبتها مبتعبرهاش في الامتحانات. غمزها بطرف عينه يحاول إقناعها مردفاً: –لأ مهو حمزة له تأثيره برضو. متقلقيش صدقيني هنخرج من الحكاية دي بمصلحة حلوة. وقفت منتفضة تردف بحدة: –لأ يا حبيبي. أنا مش هتعامل مع البنت دي أبداً. والمرة دي هعديها لأني أخدت حقي منها بوقعتها قدام الجامعة كلها زي ما عملت معايا. إنما القلم اللي ضربتهولك ده أنا مليش دعوة بيه. إنت اتنازلت إنت حر. أنا ماشية. خطت تسير فوقف يتبعها مردفاً بتروي:

–ميادة استني بس يا حبيبتي هقولك. لحقها يمسك يدها فالتفتت تطالعه بحدة وتردف بتعصب: –أوعى يا فريد أنا مش طايقاك. تحدث بهدوء ليّمت غضبها: –يا حبيبتي اهدى واسمعيني. تعالي بس نركب وهاخدك أجيبلك هدية حلوة أصالحك بيها. قولتي إيه؟ زفرت بقوة ثم طالعته بعيون زائغة فتابع بترقب وهو على يقين أنها اقتنعت: –يلا بقى يا مودا. سيبك منها دي مهما طلعت ولا نزلت هتفضل بنت السواق يعني متحطيش راسك براسها. قلبت عيناها وأردفت بنبرة مدللة:

–أوكي يا فريد. هاجي معاك بس برضو لسه مخصماك. ابتسم وأردف بحب: –أنا هصالحك يا مودا يلا بينا. استقلا اثنان سيارة فريد وانطلق هو حيث محل مجوهرات عائلته ليبتاع لها هدية فاخرة كعادته إن حزنت أو ادعت الحزن. *** مساءاً في منزل كارى. تجلس تدرس في غرفتها بتمعن. طرقات على بابها أنبهتها فسمحت للطارق بالدخول. فتحت والدتها مقبض الباب وتطلعت عليها تردف بحنو: –كارى يا حبيبتي. تعالي بابا عايزك. ترقبت وتساءلت باحترام:

–خير يا ماما حصل حاجة؟ أردفت والدتها بهدوء: –تعالي بس يا حبيبتي وأنتِ هتعرفي. أغلقت كتبها ووقفت تخطو خلف والدتها حيث صالة المنزل. وجدت والدها وشقيقها يجلسان يتناقشان في أمرٍ ما. ألقت السلام وجلست بينهما بترقب فطالعها والدها بحنو مردفاً:

–دلوقتي يا بنتي محمد ابن عمتك طالب إيدك مني. بالنسبالي هو شاب كويس وتحت عيني في المدرسة ومدرس ممتاز بعيداً بقى عن إنه ابن أختي. بس أكيد رأيك هو الأساس. فشوفي يا بنتي وفكري كويس وأنا معاكي. لا تعلم لما انقبض قلبها ونظرت لهما بتوتر ثم أردفت: –أيوه يا بابا بس حضرتك عارف إني داخلة على امتحانات وكده! أردف شقيقها حسن بهدوء:

–هو فعلاً بابا مكنش هيكلمك دلوقتي يا كارى بس أنا قولته يعرض عليكي الموضوع تفكري لأن محمد لو إنتِ قبلتي هيعمل خطوبة بعد الامتحانات علطول قبل ما يسافر. لأن جاله إعارة في السعودية وهيسافر قريب. علشان كده فكري وبلغي بابا هتعملي إيه؟ أومأت تردف بهدوء:

–حاضر يا بابا. مع إن الموضوع بالنسبالي محسوم. أنا بعتبر أولاد عماتي وأعمامي زي إخواتي وبعدين حضرتك عارف إن جواز القرايب أوقات بيعمل مشاكل بين العيلة. ومحمد شاب محترم وكويس جداً بس بالنسبالي هو زيه زي حسن. أومأ والدها وأردف بترقب: –يعني مش موافقة؟ نظرت لوالدها بصمت فعلم أنها رافضة لذلك أومأ وتابع: –تمام يا كاريمان. بس برضو فكري يا بنتي. وأنا مش هرد عليه غير بعد يومين تكوني أخدتي قرارك الأخير. أومأت ووقفت تردف برتابة:

–تمام يا بابا عن أذنكوا. هدخل أكمل مذاكرة. *** بعد مرور يومان. تعجب فيهما حمزة من أمره ومن عقله الذي احتلته التفكير بها. لقد رأى في عينيها نظرة الحب له. يعلم جميع النظرات من حوله سواء كانت طمع أو إعجاب ولكنه يتجاهل جميعها إلا نظرتها التي احتلت عقله ليومين. لمعة عينيها تكشف أمرها. يقنع نفسه أنه لا يكن لها أي مشاعر فهو مؤمن بالتكافؤ الاجتماعي الذي زرعه بداخله والده.

ولكنه أحب نظرتها الصادقة له. حوله من النفاق ما يجعله يسعد لاستقبال هذه المشاعر الصادقة منها بترحاب. أحب الحالة الخاصة التي انبعثت منها تجاهه. حسناً، ليس في استطاعته أن يعطيها حباً أو يبادلها ما تريده، ولكن لن يمانع من استقبال ما تظهره عيناها. يجلس خلف مكتبه يلف الهاتف بين يده بترقب. يحاول إيجاد حجة مناسبة ليهاتفها ولكن الأمر مجهد بالنسبة له وغير منطقي. لما سيهاتفها وبأي هدف؟ لذلك استسلم وترك لها أخذ تلك الخطوة.

رن هاتف مكتبه ليخرجه من شروده فرفعه وأجاب: –أيوه يا بابا اتفضل؟ أردف سالم بجمود كعادته: –حمزة تعالى لي على المكتب فيه شوية عقود لازم نتناقش فيها أنا وانت. أغلق مع والده ووقف يتجه إلى مكتبه بترقب ليرى ماذا هناك وليشغل عقله عنها قليلاً. فقصتهما أشبه بالمستحيل. *** في منزل حمدي الفولي. تجلس ريتان في غرفتها تتمعن في كتبها حيث أن الامتحانات على الأبواب وهي كالعادة لابد أن تحصل على امتياز. دَلفت عليها بسمة تطالعها

بسخرية كعادتها مردفة: –أنا مش فاهمة آخرة كل ده إيه؟ يابنتي هي شهادة وخلاص مفكرة نفسك هتعينى وزيرة؟ تنهدت ريتان ونظرت لشقيقتها التي تصغرها بأربعة أعوام قائلة بهدوء: –بسمة أنا فعلاً عايزة أركز تماماً ومش مستعدة أبداً لأي جدال معاكي. لو سمحتِ روحي على أوضتك وسبيني أذاكر. قلّبت عيناها بضجر وربعت ذراعيها تردف بفظاظة وعناد: –أنا أقف في المكان اللي يعجبني. مش إنتِ اللي هتقوليلي أعمل إيه ومعملش إيه. تأففت

ريتان وأردفت بهدوء نسبي: –روحي يا بسمة ذاكري. كفاية استهتار لحد كده. إنتِ في ثانوية عامة يعني بجد لازم تكوني واكلة الكتب أكل دلوقتي. ضحكت بسمة ساخرة وأردفت بلا مبالاة: –ليه يعني أحرق دمي وأعصابي وفي الآخر اللي ليهم واسطة هما اللي ينجحوا ويعلوا وأنا لأ. علشان إحنا بنات الطبقة الفقيرة محدش هيعملنا قيمة. وقفت ريتان بعد أن استُفزها حديث شقيقتها واتجهت تقف أمامها مردفة بضيق:

–متقوليش كده يا بسمة. لكل مجتهدٍ نصيب. إحنا بنعمل اللي علينا وخلي عندك ثقة في ربنا. طب ما أنا أهو قدامك الحمد لله دايماً بجيب امتياز والكل عارف إني متفوقة في دراستي ومحدش يقدر ينكر مجهودي. نظرت لها بسمة وأردفت ساخرة وهي تشير على عقلها: –ريتان إنتِ مصدقة نفسك؟

فوقي بقى من الوهم ده. متفوقة جداً بس أول ما تتخرجي هتقعدي في البيت وشهادتك هتترمى في الدرج. إنما أولاد الأغنياء هما اللي هيتعينوا في أحسن الأماكن كمان. هو ده النظام اللي ماشي في الدنيا كلها. طالعتها ريتان بضيق. هي ليست بحاجة لجرعة الإحباط هذه الآن. لا، لن تستمع إليها. زفرت وأردفت وهي تدفعها للخارج: –لأ إنتِ فعلاً تخرجي وتسبيني. كلامك بجد يخنق. أخرجتها وأغلقت الباب واتجهت تكمل مذاكرتها بعد أن عكر حديث بسمة صفوها.

بينما اتجهت بسمة لوالدتها جميلة كالعادة لتشكو إليها أفعال ابنتها معها مدعية الاستعطاف الذي تستقبله جميلة بمواساة لهذه المدللة. أما ريتان فقد أغلقت كتابها وجلست لتهدئ أفكارها بعد أن أغضبها هذا الحديث الهادم لأحلامها. هو يعود حمزة ويحتل عقلها بملامحه ولطفه معها. تنهدت بعمق ثم أردفت هامسة تحدث نفسها: –هو فعلاً كلام بسمة صحيح وأنا عايشة في زمن الأحلام؟ ولا فعلاً أنا صح وممكن اللي بتمناه يتحقق؟

ممكن تكون بتحبني فعلاً يا حمزة وتتحدى الكل علشاني؟ زفرت بقوة واتجهت تلتقط هاتفها وتظهر صورته التي احتفظت بها من على صفحته الشخصية عبر حساب الفيسبوك الخاص به. تطالعها بعيون لامعة وتنهيدة معذبة وهي تتمنى أن تتحقق أقوى أماني قلبها البريء الذي لم تدنسه الأيام بعد. أغلقت الهاتف واتجهت لتتوضأ وتؤدي فرضها لتدعو ساجدة دعوتها الدائمة بأن يجعله الله من نصيبها. *** بعد مرور يومان في منزل سناء ليلاً.

حيث تجلس في غرفتها بعد أن ناما صغارها تفكر في الماضي والحاضر. كيف تجد مخرجاً من هذا الحصار الجبري الذي يضغط على روحها؟ كيف تستطيع الخلاص هي وصغيريها من هذا العقد الذي أجهدها واستنزف طاقتها وقدرتها على التحمل؟ لن تسامح والدها أبداً على هذه الزيجة، لذلك فإن اللجوء إليه مستحيل. بالأساس لن يدعمها وسيخذلها كعادته، ولكن كيف الخلاص؟ رفعت رأسها إلى الأعلى تطلب بصدرٍ منقبض ورجاء خفي داعية:

–ياااارب ياااارب قَوِّني يارب. تعبت ومبقتش قادرة أتحمل. إنتِ عالم بحالي ياااارب. تنهدت وكادت أن تتمدد لتغفو ولكن رن هاتفها فتعجبت من المتصل وتناولته تنظر لشاشته التي أضاءت برقمٍ غير مسجل. تعالت وتيرة أنفاسها لا تعلم لما وقررت أن لا تجيب ولكن لا تعلم متى سبقها إصبعها وفتحت الخط تستمع بترقب فأردف أحدهم: –الو؟ مدام منصور السوهاجي معايا؟ أردفت بصوت خافت وتوتر: –مين معايا؟ أردف الآخر بأسف:

–أنا آسف بس جوز حضرتك عمل حادثة بالعربية وهو حالياً في مستشفى ****. استقبلت الخبر بصدمة وتجمد جسدها حتى أن الهاتف ظل معلقاً على أذنها، ولكن لا إرادياً لم تستطع إيجاد الحزن داخلها. تبحث عنه كمن تبحث عن إبرة في كومة قش دون جدوى. بعد أن استوعبت الأمر نظرت للهاتف ووجدته مغلقاً، يبدو أن الطرف الآخر أدرك صدمتها وأغلق.

وقفت بخطى متخبطة تتجه لخزانتها وتسحب منها إحدى الغيارات وأبدلتها بتوتر ونزلت للأسفل تنادي على المساعدة التي استيقظت من نومها بتعجب متسائلة: –خير يا ست سناء فيه حاجة؟ أردفت سناء بتيه: –خدي بالك من الأولاد. أنا لازم أخرج حالاً. أوقفتها المساعدة متسائلة بقلق: –هتخرجي فين دلوقتي بس يا ست سناء؟ هو حصل حاجة؟ أردفت بتشتت وتيه: –منصور. منصور عمل حادثة وكلموني من المستشفى. أنا لازم أروح. كلمي حمزة ييجيلي ضروري.

أخبرتها بعنوان المستشفى وغادرت في سيارتها التي لم تقدها منذ زمن بل يقودها السائق، ولكن الأمر الآن لا يحتمل الانتظار. تقود بيدٍ مرتعشة إلى العنوان المنشود. الصمت يعم المكان ولكن الضوضاء داخلها مزعجة. تداهمها الأفكار بشدة. هاتفت المساعدة حمزة الذي استيقظ مفزوعاً يجيب بترقب: –ألو؟ أردفت السيدة: –أيوه يا حمزة بيه. سناء هانم قالتلي أكلم حضرتك تلحقها على مستشفى *** لأن منصور بيه عمل حادثة وأخدوه على هناك.

وقف حمزة مسرعاً وأغلق الهاتف وأبدل ملابسه ونزل على الفور يستقل سيارته ويلحق بشقيقته الكبرى حيث المستشفى دون إيقاظ أحد. *** وصلت سناء أمام المشفى. صفت السيارة بإهمال وترجلت تخطو للداخل. سألت عنه واستدلت على غرف العمليات فأسرعت تسير في الردهة الطويلة التي لم تنتهِ لتكف من توترها وتسارع نبضاتها. وقفت أمام الباب الفاصل عندما لاحظت خروج إحدى الممرضات فأوقفتها تردف بجسد مرتعش متسائلة:

–لو سمحتِ أنا زوجة منصور السوهاجي. هو فين دلوقتي؟ طالعتها الممرضة بتعجب وشفقة وأردفت بترقب: –اتفضلي اقعدي هنا والدكتور هيخرج يطمنك. هو جوه في العمليات. غادرت الممرضة وتركتها تطالع أثرها بصدمة. ما زال عقلها لا يستوعب فكرة إصابته وربما موته. لقد رأت منه ما جعلها تظنه خالداً مخلداً في هذه الدنيا بسبب قسوته وظلمه معها ومع أطفاله.

نظرت للمقاعد المعدنية وخطت تجلس عليها لتضم قبضة يدها اليمنى وتضعها على فمها بتوتر منتظرة خروج أحدهم. *** بعد عدة ساعات. تجلس سناء مجاورة لحمزة الذي أتى إليها يحتويها بحنو. تستكين بين ذراعيه بهدوء بعدما شعرت بالأمان قليلاً في وجوده. ولكن يبقى عقلها يفكر بخوف في ماذا يخبئ لها القدر. طالعها بعمق ثم أردف مطمئناً: –خير إن شاء الله يا سناء متقلقيش. نظرت له بهدوء ظاهري عكس بعثرتها الداخلية. أين القلق وأين الحزن؟

أين ذهبت تلك المشاعر؟ داخلها مشتت. ستجن حتماً. المفترض أنه زوجها وأب توأمها، إذاً ما هذا البرود؟ فلتحزن قليلاً يا قلبي ولتنسى قسوته الآن. خرج الطبيب من غرفة العمليات بملامح حزينة فوقف حمزة ووقفت سناء تستند عليه ثم تساءل حمزة بترقب قائلاً: –خير يا دكتور منصور عامل ايه؟ تنهد الطبيب وأردف بحزن ظاهر: –البقاء لله.

صُعق حمزة ووضع باطن كفه على فمه بينما هي حضرت دموعها وتكونت في مقلتيها. يبدو أنها أتت الآن لتساعدها. سقطت العبرات من عينيها وبدأت تتوالى وتنظر لحمزة لتسأله وتتأكد مردفة بصدمة وعدم استيعاب: –مات؟ مات يا حمزة؟ منصور ماااات؟ احتضنها شقيقها بقوة ظناً منه أنها ستقع ولكنها تتأكد من أن عذابها انتهى حقاً. أحقاً استجاب الله لها اليوم وخلصها من ظلم هذا الرجل؟ ولكن دعاء اليوم كان ككل ليلة. ما هذا إن كانت تتوهم وهو لم يمت؟

وماذا عن توأمها؟ ماذا ستقول لهما؟ أردف الطبيب حينما رأى حالتها: –إحنا عملنا اللي علينا وحاولنا نسعفه بس الحادثة كانت قوية على الدماغ. أنا آسف البقاء لله. تركهما وغادر ووقف حمزة يحتضنها بصدمة بينما هي تنتحب، تشعر بحالة عجيبة حقاً. لا تعلم أتُسعد بخلاصها أم تحزن على يُتم توأمها. *** في اليوم التالي. في العاصمة الفرنسية باريس.

يجلس ناصف مع مها في إحدى المطاعم يتناولان وجبتهما سوياً فهما صديقان مقربان حيث تعرفا على بعضهما في تلك البلد. ابتسمت مها وأردفت بترقب: –من أول بكرة هتاكل لوحدك يا ناصف. أنا هنزل مصر خلاص. تأفف ناصف وأردف بضجر: –مش عارف إنتِ متحمسة للنزول ليه؟ فيها إيه يعني حلو هناك عايزة تنزلي علشانه؟ زفرت قائلة:

–ولا أي حاجة. ده بابا وماما هما اللي مصممين إني أنزل بما إني خلصت دراستي. إنما أنا فعلاً عايزة أعيش هنا على طول وأحقق أحلامي كلها هنا. أومأ مؤيداً يردف: –ومين يكره العيشة هنا. حرية بدون تعقيد ولا قيود. بس أوكي انزلي وحاولي تقنعيهم وارجعي تاني. شردت تفكر في حديث والدها قائلة:

–بابي وعدني إنه هيكتبلي جزء كبير من الأسهم باسمي وأنا اللي أديرها بنفسي. وقال إني أقدر أحقق أحلامي زي ما أنا عايزة. كمان فيه مشروع عريس لقطة. وإنت عارفني بحب الراجل المصري. ضحك ناصف وأردف بتعجب: –ههههههه. غريبة. مش كتير بيفكروا زيك كده؟ ما أنا مصري وقدامك أهو لسه عازب لحد دلوقتي. ابتسمت بخبث وأردفت:

–إنت مصري بس أطباعك اتحولت. بقت أوربية يا ناصف. إنما الراجل المصري عامةً تحدي بالنسبالي. صعب تعرف هو عايز إيه وبيفكر إزاي. وأنا بحب التحديات جداً. يعني تقدر تقول إن الوضع بالنسبالي زي صفقة ولازم آخدها. علشان كده هستقر هناك الفترة دي وأحقق أحلامي ويمكن مع الوقت أرجع أنا وهو فرنسا. ياعالم. فكر قليلاً ثم طالعها يردف متسائلاً: –ولو مقدرتيش تكسبى الصفقة دي؟ هترجعي على هنا لوحدك تاني؟ ضحكت بغرور وأردفت بتأكيد:

–نسيت إني مها أبو الدهب يا ناصف ولا إيه؟ احتمال إني أخسر مش موجود أصلاً. أومأ بصمت وبدأ يتناول وجبته وهي كذلك ولكن رن هاتفه فتحمحم وترك طعامه وتناول هاتفه ليجيب فوجده رقم مصري فتعجب ونظر لمها قائلاً: –اتصال من مصر! فتح الخط وأردف بترقب وهي تطالعه: –ألو؟ أردف الطرف الآخر: –أستاذ ناصف أنا الأستاذ منعم محامي الأستاذ منصور أخو حضرتك. تعجب ناصف من هذا الاتصال وأردف وهو ينظر لمها التي تميل برأسها: –خير يا أستاذ منعم؟

أردف الآخر بتوتر: –البقاء لله الأستاذ منصور اتوفى. ياريت حضرتك تنزل مصر في أقرب وقت. صُدم ناصف وأنزل الهاتف ببطء وهو يطالع مها التي تعجبت وتساءلت بقلق: –خير يا ناصف فيه إيه؟ صمت لثوانٍ ثم أردف بنبرة متحشرجة حزينة: –أخويا منصور مات. شهقت وطالعته بصدمة لثوانٍ. ثم مدت يدها ووضعتها على كفه تردف بمواساة: –البقاء لله يا ناصف. هتعمل إيه؟ تنهد بعمق وشرد لثوانٍ ثم قال وهو يطالعها: –هنزل مصر معاكي. *** في منزل حمدي.

تقف جميلة بملابس رسمية سوداء تردف لزوجها: –يعني هنروح بيت سناء هانم يا حمدي ولا العزا عند سالم بيه؟ أردف حمدي بهدوء: –لأ يا جميلة العزا في بيت سناء هانم. هي مقبلتش تروح عند سالم بيه. تنهدت جميلة بحزن وتساءلت: –هي لسه زعلانة معاه يا حمدي؟ أومأ يردف بحزن: –لسه يا جميلة. مع إنه أبوها مهما كان وكان وقتها رايد مصلحتها. وبعدين هي اتجوزت وخلفت واللي عرفته إن جوزها ده كان بيحبها. أردفت جميلة بشفقة:

–يا عالم يا حمدي جواها إيه بس سناء هانم طيبة وبنت حلال ومتواضعة. أكيد زعلها ده مش من فراغ. أومأ يردف بتعجل: –يلا بس يا جميلة علشان منتأخرش على العزا. أومأت جميلة وأردفت بصوت عالٍ: –ريتاااان. يالا يا بنتي هنتأخر. خرجت ريتان من غرفتها ترتدي ملابس سوداء أيضاً وحجاب أسود واتجهت إليهما تردف بهدوء: –أنا خلصت يا ماما. يالا نمشي. أومأت لها وخطوا ثلاثتهم للخارج. *** في مطار القاهرة. ولجا ناصف ومها للخارج يسحبان حقائبهما.

التفتت تنظر إليه مردفة بترقب: –بابي باعتلي العربية. إنت هتروح على الفندق؟ تنهد يومئ مردفاً وهو يدخن سيجارته: –أيوه هروح أسيب شنطتي في الفندق وبعدين هطلع على فيلا منصور. أومأت له وودعته واتجهت تستقل السيارة التي أرسلها لها والدها وغادر السائق، بينما استقل ناصف سيارة أجرة وغادر إلى الفندق. *** بعد ساعة. في فيلا منصور. تجمع الرجال في حديقة الفيلا لواجب العزاء، بينما النساء يجلسن في الداخل تواسين سناء.

جاء حمدي وزوجته وابنته ريتان ودخلوا من بوابة الفيلا فرآهم حمزة الذي وقف وأخذته قدماه إليهم بعد أن رآها. توقف أمامهم فمد حمدي يده إليه يردف بود واحترام: –البقاء لله يا حمزة بيه. أومأ حمزة قائلاً برتابة وهو يبادله السلام: –البقاء والدوام لله يا عم حمدي. التفت إلى جميلة وأردف بود: –ازيك يا خالة جميلة؟ اتفضلوا جوه. أومأت له تردف بحنو: –الله يسلمك يا ابني تسلم والبقاء لله.

أومأ لها بهدوء، بينما هي سحبت ريتان التي تطالعه بعيون لامعة وصمت وبادلها هو بنظرة متفحصة قبل أن تختفي مع والدتها داخل المنزل. بينما اتجه حمدي معه لمعشر الرجال. دلفا الفيلا واتجهت على الفور جميلة إلى سناء الجالسة في منتصف البهو وسلمت عليها وقامت بتعزيتها. اتجهت ريتان أيضاً لتسلم، ولكن بادرت سناء بعناقها بحنو وأجلستها مجاورة لها.

تحبها كثيراً منذ أن تركت منزل والدها وقررت العصيان ورفض هذا المنصور وقد اتجهت لمنزل حمدي تظن أنها تحتمي به وظلت عنده ليومين أقامتهما في غرفة ريتان بعد أن قام سالم بتعنيفها.

ولكن يبقى تجبره سائداً حيث أنه تركها هناك، وبعد أن عادت مطمئنة ظناً منها أنه اقتنع، فاجأها بحضور المأذون والشهود وإتمام الزواج رغماً عنها. حاولت صفية التخفيف من على عاتقها بأنها تستطيع تغيير هذا الرجل. ولكن أيا صفية، هل استطعتِ أنتِ تغيير هذا سالم قاسي القلب؟ من بعدها وقد أصبحت سناء مقربة من ريتان وبرغم فارق السن بينهما إلا أن هذا لا يمنع تكوين صداقتهما. بعد دقائق مالت سناء على ريتان قليلاً وأردفت بهمس:

–ريتان ممكن لو سمحتِ تطلعي تشوفي سليم وتقى؟ أومأت ريتان ووقفت تتجه لوالدتها ثم استأذنت منها وصعدت للأعلى لتطمئن على التوأم. بعد قليل دخل ناصف الفيلا ينظر للوجوه التي التفتت إليه. دلف بينهم بملامح حزينة. اتجه يتبادل السلام مع سالم الجواد وأولاده ووقف يستقبل عزاء أخيه.

لم يكن بداخل أي فرد من الموجودين مشاعر حزن حقيقية. كان السائد هو ادعاء الحزن. وهذا يرجع لقسوة منصور وظلمه لأهل بيته أولاً وللأقل شأناً منه ثانياً. نعلم أن الطيبون يرحلون سريعاً ولكن الله بحكمته إذا أراد أن يقضي أمراً فإنه يقول له كن فيكون ولتنتهِ رحلة هذا الزوج القاسي هنا. بعد ساعات قليلة انتهى العزاء وغادر الجميع إلا العائلة وأسرة حمدي الذي أمره سالم بالانتظار حتى يوصله.

اتجه ناصف إلى داخل الفيلا ليرى توأم شقيقه. رأته سناء التي تجلس مجاورة لزوجة أبيها وابنة عمها وجميلة. اتجه يمد يده مردفاً بهدوء: –أزيك يا سناء. البقاء لله. أومأت له بملامح مجهدة تردف بترحاب: –الحمد لله يا ناصف. جيت إمتى؟ أردف بتنهيدة وهو يبحث بعينيه: –وصلت من كام ساعة وجيت على بره. سليم وتقى فين؟ أشارت له بهدوء: –فوق في أوضتهم. تعالي وأنا آخدك عندهم.

أومأ بصمت وصعد برفقتها. يعلم أنها عانت كثيراً مع شقيقه المتوفي. يعلم أنه كان يعنفها ودائماً كان ينصحه بأن لا يفعل ولكن يبقى سوء تربية أبويهما لهما هو المسيطر على أطباع شقيقه. يعلم أنهما لم يجدا حياة هادئة هنا لذلك قرر ناصف ترك عائلته وممتلكاتها والسفر خارجاً إلى فرنسا كي يعيش بعيداً عن التوتر النفسي الذي عاناه في صغرهما. في الأعلى كانت ريتان تجلس مع الصغار تقرأ لهما قصة كرتونية ويستمعان إليها بانتباه.

فتح الباب وولجت سناء وخلفها ناصف ولكنها توقفت تردف بأسف عندما لاحظت تصنم ريتان: –ريتان أنا آسفة أنا نسيت إنك هنا. وقفت ريتان بخجل من وسط الصغيرين البالغين من العمر ٤ سنوات وأردفت قائلة بتروي: –لأ أبداً مافيش حاجة. أنا كنت بقرا قصص كرتون لسليم وتقى. اتفضلوا وأنا همشي لأني اتأخرت أكيد ماما بتستناني. تعلقا فيها الصغار وأردفت تقى بطفولة: –لا متمشيش كمللنا القصة بليييز. نظرت سناء لتوأمها وكذلك ناصف الذي

يتابع بتتمعن ثم أردفت: –سيبي مس ريتان تروح دلوقتي يا تقى لأنها اتأخرت وتعالي سلمي على عمو ناصف. يالا يا سليم. خطى ناصف إليهما ودنى يقبلهما واندماجا معه التوأم، بينما تقدمت سناء من ريتان وأردفت: –شكراً يا ريتا. وأسفة أخرتك. عمو حمدي راح يوصل بابا وطنط حياة تحت. أنا هقول لحمزة يوصلكم. نبض قلبها بعنف فرحاً من ما سمعته ولكنها أردفت بهدوء ظاهري وعيون لامعة: –مفيش أي شكر. عن إذنكوا.

غادرت واستأذنت سناء من ناصف ونزلت معها، بينما هو تابعها بعينه إلى أن رحلت ثم جلس يتحدث مع توأم شقيقه. نزلتا للأسفل ووقفت جميلة تستعد للمغادرة بعد أن ودعت سناء التي خرجت معهما إلى الحديقة تنادي على حمزة الذي كان يقف مع مراد وفريد شقيقيه وأردفت: –حمزة! ممكن لو سمحت توصل طنط جميلة وريتان؟ لا يعلم ما تلك الفرحة التي أصابته، بينما ضحك فريد بخبث ساخراً من أفعال شقيقته. أتطلب من أخيها أن يوصل أسرة سائقهم؟

أما حمزة فتفكيره الآن مختلف، يشعر بالراحة تتوغله لا يعلم سببها لذلك أردف بهدوء: –تمام اتفضلوا. شكرتها جميلة واتجهتا إلى سيارة حمزة الذي التفت ينظر لفريد مردفاً: –فريد ابقى وصل ماما وشيرين على الفيلا. أما مراد فقد حُرم من القيادة بسبب سرعته الزائدة لذلك سحب والده سيارته منه. صعدا السيارة واستقل هو مكانه وقاد بهما إلى منزلهما. في الطريق تحدثت جميلة مردفة بحنو:

–متشكرين يا ابني تعبناك معانا. أنا قولت لسناء هانم مالوش لزوم كنا وقفنا أي تاكسي. تحمحم حمزة ونظر في المرآة الأمامية فالتقت عيناه بعين ريتان التي تسارعت نبضاتها كأنها تركض أميال دون توقف ولفتت نظرها سريعاً عنه، بينما هو أردف متلعثماً: –لأ أبداً يا خالة جميلة حضرتك زي والدتي. وبعدين الوقت اتأخر وصعب تلاقي مواصلة دلوقتي. ابتسمت جميلة لكلامه وأسلوبه قائلة: –تسلم يابني ربنا يعزك.

بينما ريتان كانت تبني قصورها الهاوية بعد كل كلمة يقولها معتقدة أنها تقترب رويداً رويداً من تحقيق حلمها. قاد بصمت ثم أردف بترقب بعد أن حسه عقله على طرح سؤال قائلاً: –إيه يا ريتان. جاهزة للامتحانات؟ أنا مراهن فريد عليكي. قالها بنبرة مازحة ولكن بداخله كان يود سماع صوتها الذي لم يسمعه قط. تسارعت نبضاتها مجدداً بعد أن هدأت لتوها. أردفت بحماس ونبرة ناعمة وواثقة: –اطمن أكيد زي كل مرة إن شاء الله.

سحب شهيقاً قوياً وأومأ يردف بثقة لا يعلم من أين حصل عليها: –أنا متأكد من ده. أكمل قيادته إلى أن أوصلهما أمام منزلهما وانتظر حتى أن صعدا وغادر بعدها متعجباً من تلك الحالة التي أصابته بعد أن تشبع قليلاً من رؤيتها، ولكن ما زال ينكر ويؤكد لنفسه أن حالته تلك ليس حباً إنما إعجاباً بشخصيتها الغريبة وشموخها الظاهر للجميع. *** بعد يومين في فيلا شوقي أبو الدهب.

تنزل مها من أعلى الدرج ترتدي خفاً ذو كعب عالياً وتخطى بغرور متجهة إلى والديها حيث وقف شوقي يستقبلها مردفاً بفخر: –صباح الورد يا قلب بابي. تعالي يا حبيبتي علشان تفطري. اتجهت تقبل وجنته وأبتسمت له تردف بتعالي: –بتضحك عليا يا بابي؟ فين الحفلة اللي وعدتني بيها أول ما أنزل؟ كاد أن يجيبها ولكن تحدثت سعاد بغرور:

–بابي أجلها يا مها علشان حالة الوفاة اللي حصلت عند سالم الجواد. بس أنا شايفة إن مالوش لزوم أبداً. أنا مش شايفة أصلاً حد زعلان على موت منصور. محدش كان بيطيقه أصلاً. جلست مها على مقعدها تتناول التوست ثم أردفت بجمود: –بس فلوسه كانت مغطية على أي عيوب فيه. وأكيد سناء بعده هتعيش في مستوى اجتماعي ممتاز. يعني المفروض تدعيله. أردف شوقي وهو يرتشف قهوته:

–فعلاً معاكي حق يا مها. والأكيد إن ناصف هيستلم الشركة بعده. بس محدش عارف بقى الصفقات المشبوهة اللي كانت بتم نظامها إيه بعد موته. تعجبت مها وتساءلت: –معقول؟ هو كان ليه في كده يا بابي؟ ضحك شوقي ساخراً وأردف ببرود: –ده هو اللي اخترع كده. منصور شغله مع ناس خطر وأكيد لو ليهم عنده بضاعة مش هيسكتوا. أردفت بترقب: –أيوه يا بابي بس ناصف مالوش في الشغل ده. مش هيوافق. أردف شوقي بلا مبالاة:

–مش عارف. بس هو عارف كويس الناس دي تقدر تعمل إيه. لو فعلاً فيه صفقات لسه متمتش يبقى مفيش مفر غير إنه يقبل يكمل اللي منصور بدأه. بس ياريت يبقى ذكي زي أخوه وميكشفش نفسه. أومأت تتناول طعامها بشرود بينما استرسل شوقي بترقب: –المهم دلوقتي سيبك من كل الكلام ده وركزي مع حمزة الجواد. أنا عايز حمزة ابن سالم يكون هو جوز بنتي الوحيدة علشان أبقى مطمن عليها. تعجبت من حديث والدها وأردفت: –يا سلام؟ اشمعنى يعني يا بابي؟

فيه إيه مميز يعني حمزة ده؟ أفرض إني مش هحبه ولا هطيقه؟ أردفت سعاد بتعالي ساخرة: –فلوسه هتغطي على عيوبه. مش ده كلامك يا مها؟ وبعدين حمزة شاب من النوع الهادي والملتزم. بس هو برضو ابن سالم الجواد. يعني أكيد وارث منه أطباع. وأظن مش هيلاقي لا أجمل ولا أحسن منك يرتبط بيها. نظرت لهما باستنكار وأردفت ساخرة: –ده عريس لقطة بقى. طيب خليني أشوفه وأقيمه بنفسي. نظر شوقي إليها يردف بثقة:

–هتشوفيه يا ماهي. هتشوفيه وهتحبيه جداً. أصله كاريزما وشكله جذاب ومن النوع المفضل عندك. ضحكت على حديث والدها تردف بتعالي: –سيبك من ابن سالم يا بابي وقولي أخبار الأسهم إيه؟ أنا متحمسة أبدأ المشاريع اللي بخططلها من فترة. أومأ شوقي يردف بتروي: –قريب يا حبيبة بابي. بس حالياً ركزي مع حمزة. واسمعي هقولك إيه. صب نظره عليها وتطلعت هي عليه بتركيز فتابع:

–إنتِ بنتي الوحيدة يا مها. صحيح أنا بحبك جداً وبعملك كل اللي إنتِ عايزاه أنا ومامتك بس لازم بردو أدور على مصلحتك ومستقبلك. وحاولي تتنازلي شوية عن أفكار الغرب اللي أثرت عليكي دي. حمزة راجل مصري صعيدي. فهماني؟ نظرت له سعاد بحدة وأردفت: –إيه الكلام ده يا شوقي. إنت عايزها تتخلى عن كيانها وأحلامها علشان خاطر ابن صاحبك؟ لاء طبعاً مها لازم تثبت نفسها وتتباهى بإنها مها أبو الدهب. نظر شوقي لسعاد بحنق وأردف:

–هدي اللعب يا سوسو شوية. البنت محتاجة نصيحة تمشي عليها مش كده. أنا مش بقول تتنازل عن أحلامها. أنا بقول إن فيه أولويات في حياتها. ردت مها وأردفت بتعالي: –وأنا أولوياتي هو اسمي يا بابي. اسمي ومكانتي هما اللي هيخلوا الكل يعملي ألف حساب. طالعتها سعاد بفخر، بينما نظر لها شوقي بالقليل من القلق. *** في شركة السوهاجي. يجلس ناصف خلف مكتب شقيقه وأمامه المحامي الخاص به يتحدث بترقب قائلاً: –مينفعش حضرتك تسافر وتسيب كل ده؟

حضرتك لازم تنفذ وصية منصور بيه وتتولى منصبه. سفرك حالياً يعني انهيار الشركة اللي هو ووالدك عاشوا عمرهم يبنوها. أردف ناصف بحدة: –أنا مش هعرف أمشي الشغل زي منصور ولا عايز أفضل هنا. إنت ليه مش قادر تفهم؟ شوف حد يتعين ويدير الشركة مكاني. أنا أسست حياتي بره وصعب أكمل هنا. أردف المحامي بهدوء محاولاً إقناعه:

–يا ناصف بيه أخوك الله يرحمه ليه أعداء كتير وأولاده محتاجين لك ده غير إن مش معقول هتسيب أسهم بالملايين في إيدين ناس غريبة. زفر ناصف بضيق وصمت لدقائق يفكر ثم أردف بتساؤل وقلق: –وال شغل إياه؟ إيه أخباره؟ أنا مش عايز رجلي تيجي مع الجماعة دول خالص. أومأ المحامي يردف باطمئنان كاذب: –اطمن يا ناصف بيه. من حسن الحظ إن منصور بيه مخلص معاهم قبل وفاته. تنهد بارتياح ثم أشار للمحامي قائلاً:

–اطلع إنت وأنا هفكر وأبلغك قراري الأخير. غادر المحامي وترك ناصف يفكر فيما سيفعله وكيف سيتحمل المكوث مجدداً في مصر. عليه أن يهدأ ويفكر بتأني. الأمر ليس هين والبقاء هنا ليس سهلاً أبداً ولكن ليفكر قليلاً في شركة عائلته وتوأم شقيقه. *** بعد أسبوع. في فيلا سالم يجلس على مائدة الإفطار يتناول فطوره مع أسرته ثم أردف بترقب وجمود:

–الكل يعمل حسابه إننا النهاردة هنعمل زيارة لشوقي علشان رجوع بنته مها من فرنسا. كانت المفروض الزيارة دي تتم من أسبوع فات بس أجلتها بسبب وفاة منصور. أجهزوا كلكوا على الساعة ٧ هنمشي. تحمحم حمزة ونظر لوالده يردف باحترام: –بعد إذنك يا بابا اعفيني أنا من الزيارة دي. أنا عندي شغل كتير جداً النهاردة في الشركة. ويمكن أسهر لوقت متأخر. وقف سالم على حاله يطالعه بجمود ويردف بنبرة صارمة دالة على عدم قبوله أي عذر:

–وأنا المدير العام وبقولك الشغل يتأجل. ولازم إنت بالذات تكون موجود. فاهم؟ نظر حمزة للجميع بصمت وحزن داخلي على معاملة والده القاسية والتقليل من شأنه دائماً إن حاول أخذ قرار. وقف حمزة ولأول مرة يعترض قائلاً: –يا بابا لو سمحت متضغطش عليا. أنا مش حابب الزيارة دي. ولو جيت مش هكون مرتاح. طالعه سالم بعمق وقد فهم أنه بدأ يفيض فتنهد وأردف بمكر ودهاء:

–اسمعني يا حمزة. علشان تبقى راجل أعمال ناجح لازم تعرف تساير أمورك كويس. شوقي أبو الدهب له اسمه وأنا مخلتهوش شريك ليا بالساهل. وأنا كل ما أملك ليك ولأخواتك من بعدي. فلو مش هتقدر تحافظ على اللي بنيته وتكبره بذكائك يبقى الأفضل تتنحى على جنب وأخواتك يقوموا بدورك. أسرعت والدته تردف بقلق وهي تطالع ابنها بترجي من فهمها مغزى حديث زوجها:

–اسمع كلام باباك يا حمزة هو عايز مصلحتك. وبعدين يا حبيبي دي زيارة بسيطة وتعارف مش أكتر. لو ليا خاطر عندك؟ زفر يشعر بالاختناق وأردف: –أفهم بس لزمته إيه وجودي يا ماما؟ اعتذرولهم نيابة عني. حضوري مالوش أي داعي. أردف سالم بمكر: –فكر في مصلحة العيلة يا حمزة. إنت ذكي وفاهم كويس إن وجودك مهم معانا. إنت مش أناني. فكر في مصلحة الكل. نظر لوالده بقوة وفهم عليه جيداً. استسلم كعادته لحديثه وغلبته نظرة والدته فتنهد يردف بقبول:

–تمام. تمام يا بابا اللي تشوفه. اتجه سالم ووضع كفه على كتفه يطالعه بعيون حادة مردفاً بمغزى أمام أولاده جميعهم: –المستوى الاجتماعي اللي إنت عايش فيه هو اللي بيخلي الكل يعملك ألف حساب. الضعيف والفقير محدش بيتعامل معاهم. الناس بتحب تكسب رضا القوى دايماً لأن وراه مصالحهم. أوعى تخلي عواطفك تغلبك. وقتها صدقني هتقع وكل اللي بنيته هينهار فوق راسك. فكر كويس في كلامي يا حمزة وهتلاقي إن معايا حق.

ربت عدة مرات على كتفه وابتعد بعدها يتجه للخارج ووقف مراد يتبعه بصمت وحزن على حالة شقيقه المشتت، بينما وقفت والدته تتجه إليه مردفة بحنو: –متزعلش باباك يا حمزة. أنت عارف إنه بيحبك جداً وعايز مصلحتك يا حبيبي. ولا أنت بتفكر في حاجة تانية؟ شرد قليلاً يفكر في هذه الحياة الصارمة التي لا يستطيع أن يختار فيها ما يريده كوناً لأنه الابن الأكبر المطيع. عادت صفية تسأله بقلق وحنو: –حمزة؟ طمني يا حبيبي؟ دنى يقبل كفها

بحنو ثم اعتدل وأردف بهدوء: –متقلقيش يا ماما أنا كويس. عن اذنك. التفت يغادر وأستعد فريد للذهاب إلى الجامعة حيث بدأت الامتحانات. خرج حمزة وجد حمدي بدأ ينطلق بسيارة والده خارج حدود القصر فأتت ابنته على مخيلته واندت صورتها مع حديث والده عن العواطف والطبقات الاجتماعية فتنهد واستقل سيارته وغادر إلى وجهته بعقلٍ شارد.

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...