الفصل 23 | من 31 فصل

رواية للقلب أخطاء لا تغتفر الفصل الثالث والعشرون 23 - بقلم اية العربي

المشاهدات
22
كلمة
7,325
وقت القراءة
37 د
التقدم في الرواية 74%
حجم الخط: 18

عمر طويل من الأسى والحرمان، عمر وماضٍ ملئ بالألم والخذلان. لِتُعاقب الظلام نهار جديد وتسطع شمس العشق مرةً أخرى، وتُعلن وتُتوج ذلك اليوم وتلك الليلة لتكون ليلة عمر. دلفت ريتان القصر تفكر في تلك الحية ونظراتها. هي على يقين أنها تخفي انتقاماً غليظاً. ولكن ما صدمها هو تغاضيها عن صغيرها كأنها لم تراه.

أتت وبخت سمها على مسامع ريتان وكادت أن تندرج معها، إلا أنها تذكرت حديث حمزة لها عندما أخبرها أنها فقط قررت إنجاب هذا الصغير الذي لا يعنيها الآن بعدما علمت بعدم قدرتها على الإنجاب. إذاً هي المستهدفة وليس هذا الصغير. هي المقصود إلامها لتنكسر. ولذلك لن تسمح لها بعد الآن، ليس بعد كل تلك المعاناة. لتأخذ قسطاً من الراحة والتمهل في حق نفسها ولتعطي لحمزة عجلة القيادة ولترى ماذا هو بفاعل.

فبرغم الألم الذي يعتليها كون هذا الصغير ابن هذه المها وهذه الحقيقة المرّة، إلا أنها عندما تنظر لعينه لا ترى سوى الاحتياج والتعطش للحنان. لا ترى سوى طفل صغير يطالب بالحب. طفل صغير يحبها بصدق. يحبها لدرجة جعلته يفرح بذهاب والدته ومجيئها هي. لذلك فهي لن تبخل عليه بكل ما يريده. أخفضت عينيها تطالع هذا الذي يسير معها بصمت في الردهة المؤدية لجناحها. توقفت تدنو منه وتتمعن به جيداً. نفس النظرة التي كان عليها منذ سنوات. خذلان.

طفل صغير يتسول مشاعر الحب من أم نزع قلبها ووضع مكانه حجر صوان. سحبته تعانقه بقوة حانية وتردف بصوت منقبض مخنوق: –حبيبي أنت كويس؟ لف الصغير ذراعيه حول رقبتها وأردف ببراءة: –الحمد لله يا مس ريتان. هو ليه مامي مسلمتش عليا؟ تنهدت بقوة تحاول سحب غصة حلقها ثم تحدثت بحنو: –يمكن ماخدتش بالها يا مارو. أكيد لو كانت شافتك يا مروان كانت حضنتك. إبتعد الصغير يطالعها بتعجب مردداً:

–بس مامى عمرها ما حضنتني، تيتة وبابي وأنتِ بس. أنا بحبك أوى يا مس ريتان، ياريت تبقي أنتِ مامي؟ عادت تلتقطه وتقف تعانقه بقوة ومشاعر الأمومة لهذا الطفل تغمرها. بينما كان حمزة يصعد الدرج ورأى وسمع ما يحدث فتقدم منهما واحتواهما سوياً بحب وسعادة فتت قلقه. رؤية طفله بين يدي من أحبها ولم يحب سواها ما هي إلا صورة مجسدة لمعنى السعادة. أما هي التي تفاجئت بعناقه لهما فارتعش جسدها إثر لمسته. بينما فرح الصغير ونظر لوالده

ببراءة طفولية يردف بحماس: –بابي مس ريتان هتبقى مامي، إيه رأيك؟ نظر لإبنه بحب وأومأ يردف بسعادة: –موافق طبعاً. إيه رأيك يا مس ريتان؟ –فلتت نفسها من بين ذراعيه وأنزلت الصغير تردف بحرج وحنو: –مروان ابني فعلاً. بس دلوقتي أنا وهو هنروح نلعب شوية في أوضة الألعاب ويعرفني على أصحابه اللي قال عليهم. قالتها وهي تغمز مروان لتداري خجلها وتوترها من هذا العناق الحميمي. يبدو أن نوايا هذا الرجل ليست ببريئة أبداً.

فعناقه لهما كان يستهدف أماكن ومراكز حسية تجعل مشاعر الرجفة والخجل حاضرة بقوة. تحمس الصغير وتمسك كفها بيده الطفولية يسحبها خلفه إلى غرفة الألعاب. بينما وقف حمزة يتأملهما بسعادة وبعضٍ من القلق ما إن ابتعدا عنه. في آخر النهار. ذهب حمدي إلى منزل ابنته بسمة ليراها ويتحدث معها. يقف عند الباب ينوي طرقه ويستعد لمقابلتها. بالفعل ضغط على جرس الباب وما هي إلا دقائق حتى فتح له بهاء الباب يقابله بترحاب وود. ابتسم حمدي برتابة له.

بينما تحدث بهاء وهو يسحبه معه للداخل ويغلق الباب: –أهلاً يا عمي نورت، اتفضل. دلف حمدي معه إلى الصالة ثم جلس على إحدى الأرائك بهدوء. وقف بهاء أمامه يردف بتودد: –ما جبتش ماما جميلة معاك ليه؟ أنا كنت مفكر هتيجوا تقضوا اليوم معانا؟ تنهد حمدي وتحدث بتروي: –معلش يا بهاء، أنا بس جيت عشان خاطرك. خلينا نتكلم الأول وبعد كده نشوف هيحصل إيه. أومأ بهاء بتفهم ثم أردف وهو يتحرك:

–حاضر يا عمي، عن إذنك ثواني هنادي على بسمة من جوه لأنها كانت بتنيم ياسين. دلف غرفته وجدها تجلس على الفراش والصغير ينام مجاوراً. تحدث إليها في تروي مردفاً: –ما خرجتيش ليه يا بسمة؟ أكيد سمعتي باباكي وهو جاي؟ تنهدت بقوة ثم نظرت لزوجها بتوتر تردف: –هقوله إيه يا بهاء؟ أنا لحد دلوقتي مش ناسيه القلم اللي ضربهولي. زفر بهاء بضيق ثم تحدث بحدة قليلة: –مش إحنا اتكلمنا في الموضوع ده يا بسمة؟

قومي سلمي على والدك واتكلمي معاه وأنا هقعد هنا لحد ما تخلصوا كلام وتتراضوا. وأنتِ كمان لازم ترضيه. زفرت ووقفت تومئ له ثم تحركت للخارج وهو معها ليدعمها. ثم وقفت أمام والدها تمد يدها وتردف بترقب: –إزيك يا بابا. وقف حمدي يبادلها السلام ثم عاد يجلس وجلست هي أمامه. ثم تحدث بهاء بتروي: –خدوا راحتكم يا عمي، وأنا هحاول اصحى ياسين عشان تشوفه. دلف بهاء وتركهما ليتحدثان بأريحية. تحمحم حمدي وأردف وهو يطالعها بترقب:

–أنا جيت عشان خاطر بهاء يا بسمة، مع إني كنت منتظر منك تيجي وتراضيني وتراضي أختك بكلمة بعد ما اللي قولتي. تهجمت ملامحها عندما ذكر شقيقتها وأردفت باعتراض: –بس يا بابا أنت اللي ضربتني بالقلم وطردتني. زفر حمدي وتابع بتروي وحنو بعدما لاحظ دموعها:

–حقك عليا يا حبيبتي. أنا يمكن وقتها اتصرفت بتسرع بس تصرفي كان رد فعل على كلامك يا بسمة. أنتِ كسرتي أختك يا بسمة، وجعتيها واتهمتيها بحاجة محدش يتحملها. خليتيها توافق على كريم ده ولولا ستر ربنا كان زماني أنا وهي مش عارفين نرفع راسنا وسط الناس. كلامك كان قاسي أوي أوي يا بنتي. عن أي قسوة يتحدث؟ أولم يلاحظ محاولاتها في التقرب والتودد لزوجها؟ حسناً بماذا يفسر إذاً تحضيرها للكعكة التي يحبها بهاء ولا تتقن هي تحضيرها؟

ما تفسير معاملتها الراقية والمتجملة أمام بهاء لتظهرها هي السيئة؟ ما تفسير اقترابها من صغيرها ومحاولة جعله يحبها أكثر منها؟ كل هذا تفعله هي ولكن بخبث بحيث تظهر هي في الجانب الطيب وتترك لها جانب الأشرار. أردفت بسمة مستنكرة: –أنا آسفة ليك يا بابا، بس أنا مش آسفة لريتان. ريتان هي اللي بدأت تستكتر عليا الفرحة والراحة، ودي حاجة من زمان أنا شايفاها بس لا أنت ولا ماما هتشوفوها. صُدم من حديثها. من أين لها قسوة القلب هذه؟

أولم يربيهما سوياً على الحنو والطيبة؟ كيف لها أن تشك بحب شقيقتها وإخلاصها لها؟ أردف متسائلاً بضيق: –يعني إيه يا بسمة؟ يعني بردو أنت مصممة تصدقي شيطانك؟ مصممة توجعي قلب أختك تاني؟ هزت رأسها تردف باستنكار: –لا يا بابا، صدقني مش أنا اللي بعمل كده وهييجي يوم وتتأكد من كلامي كويس. وبعدين أهي اتجوزت حب حياتها أهو يعني متخافش عليها. أنا مش في حساباتها أصلاً عشان أوجع قلبها، كفاية عليها الست كاري. وقف حمدي على حاله يومئ

بحزن ثم تحدث قبل أن يغادر: –يظهر إني غلطت لما جيت. خرج بهاء مندفعاً بعد أن استمع إلى حديثها وأردف معترضاً بترجي: –لا يا عمي متزعلش، اقعد بس وهنتكلم. لف نظره لها وتابع بغضب: –قولي حاجة يا بسمة. هزت كتفيها ثم تحدثت بضيق: –هقول إيه يا بهاء، بابا واضح من زمان أوي هو واخد صف مين. نظر عليها نظرة أخيرة ورحل. رحل مكسور الخاطر من ابنته. يخشى عليها من نفسها. فهي باتت تسير في طريق خاطئ تماماً وعليها العودة قبل فوات الأوان.

مساءاً. يستند حمزة على ظهر الفراش ويشبك ذراعيه خلف رأسه بشرود. روح فؤاده بالداخل تأخذ حماماً دافئاً. يفكر في أمور خبيثة تراوده مؤخراً. هي زوجته وحلاله وبينه وبينها بابٌ فقط ويمكن اجتيازه بسهولة. لما لا يذهب الآن بأي حجة لينعم معها بالمشاعر التي تتآكله؟ تطلبه وعد بعدم الاقتراب وتفعل أموراً تجعله على حافة الجنون بعشقها؟ أتختبر مدى تحمله؟ حسناً ليرفع راية الاستسلام. كيف له أن يتحمل كل تلك المشاعر ويروضها؟ هل هو بصخر؟

لترأف بحاله وليرأف الجميع به، وإلا فسيموت من فرط المشاعر ويصبح أول رجل يموت بسبب عدم تذوقه الحب. ابتسم على حاله. يجلس هنا يتلوى ويفكر فقط مع إيقاف التنفيذ والجميع في الخارج يظنه يتنعم! لم تخلوه عليه نظرات أشقاؤه صباحاً. بالطبع يعتقدون أنه تذوق السعادة أخيراً. تذوق ثمرته الشهية لذلك يطالعانه بخبث ولولا عدم خوضه في تلك الأمور مع أي شخص لكانا الآن يسخران منه. ولكنه ليس من هذا النوع الثرثار.

على العكس هو متأني رزين من هذه الناحية. فقط أمام الجميع ما عدا هي، يصبح أمامها مراهق متهور يكاد يلقي بوعوده عرض الحائط. زفر بقوة وفك يديه يستند ويحدث نفسه معاتباً: –مينفعش يا حمزة، أنت وعدتها ولازم تبقى قد كلمتك. أومال هتثق فيك إزاي بعد كده؟ ولجت من حمامها ترتدي مأزر قصير وقد استمعت إلى آخر كلماته فظنته يتحدث عبر الهاتف ولكن عندما نظرت إليه وجدته شارداً مع نفسه.

نظرت له بتعجب وابتسمت تتساءل وهي تخطو بتمهل وتجفف شعرها بمنشفة صغيرة جاهلة عن ما يدور بعقله: –حمزة؟ أنت بتتكلم مع نفسك؟ طالعها بتوتر. لما تزيد الأمر سوءاً؟ ما تلك الهيئة التي هي عليها أمام عينه المتعطشة؟ لا مؤكد هذه تنوي إصابته بسكتة قلبية؟ لم يكن يعلم أنها قاسية هكذا. لو كان يعلم لما كان وعد. تحمحم وأردف بهدوء عكس ثورته الداخلية: –أحم لا أبداً أنا كنت بفكر بصوت عالٍ. أنتِ هتنامي؟

أومأت له وهي ما زالت تجفف خصلات شعرها وقد اعتادت عليه قليلاً وعلى وجوده الذي يسعد روحها ويطيب جروحٍ خلفها الزمن. اليوم رأته يطالع تلك المها بكره. لم يكن في عينه نظرة حب لها. تقدمت قليلاً تردف بهدوء: –الأول هغير هدومي وأصلي القيام وبعدين هاجي أنام علطول. ابتلع لعابه وأومأ احتراماً لصلاتها يتحكم في نفسه. بينما هي تحركت من أمام عينيه واتجهت إلى غرفة الملابس الصغيرة.

عادت بالفعل بعد دقائق ترتدي إسدالها ووقفت في ركن الغرفة البعيد الهادئ تؤدي صلاتها بخشوع وعينه تراقبها بتفحص وعشق إلى أن انتهت ووقفت تطبق سجادتها وتضعها جانباً ثم قامت بنزع إسدالها لتظهر منامتها الحليبية والحريرية الرائعة التي تناسق وتنسدل من على جسدها بنعومة. خطت باتجاهه ووقفت أمام مرآة الزينة ثم تناولت مجفف الشعر وبدأت تجفف خصلاتها المندية ثم مشطتها وتركتها حرة متمردة على ظهرها تنسدل كخصلات حصان عربي أصيل.

تناولت مخمريتها برائحة زهرة الحب وغمرت منها القليل ثم وضعته بين راحتيها تدلكها بنعومة وتمهل ثم رفعت كفيها تدلك رقبتها أيضاً تحت عينه التي تتابع كل هذا بأنفاس تكاد تنعدم ويتوقف قلبه من أفعالها. لااا مؤكد تلك الفرسة تختبر قوة تحمله. الآن بات متأكداً. التفتت تطالعه بترقب وظهر شبح ابتسامة على فاهها أخفته ببراعة وهي تقف وتتجه له ثم جلست على الجهة الأخرى من الفراش ثم تمددت تتنفس بقوة.

لم تنظر إليه بل شعرت بجسده ينجذب إليها فتعالت أنفاسها ونظرت له وعندما رأت عينيه المظلمة ونظرته أردفت مسرعة كي تلهيه عن ما ينوي فعله بعدما عصفت بها المشاعر وعقدت معدتها: –عايزة أسألك سؤال مهم. توقف مكانه وطالعها بتمعن ثم زفر بقوة يغمض عينيه ويهدئ أنفاسه وعاد يستند على وسادته مردفاً بقلب متضخم بالعشق يحاول جاهداً التحكم في مشاعره: –قولي يا ريتان!

تحمحمت وشرد للسقف قليلاً تفكر ثم خطر على بالها سؤال تود حقاً معرفة إجابته وبشدة منذ أن أخبرها لذلك. أستندت هي الأخرى تطالعه بترقب متسائلة: –عرفت إزاي تخلي ناصف يطلقني؟ ده كان مستحيل يوافق؟ ابتلع سؤالها طوفانه وأخمد بركان مشاعره ليفق ويبدأ جسده يفرز هرمون الغضب والغيرة بدلاً من إفراز هرمون السعادة وهو يطالعها متحدثاً: –بلاش تقولي اسمه قدامي. لو بتحبيني فعلاً متقوليش اسمه خالص. رأت الحزن والغضب مرتسماً

في عينيه فأومأت تردف بحنو: –حاضر يا حمزة، بس بجد عايزة أعرف عملت إيه؟ أغمض عينيه. هو بالأساس يسارع إحساس الغيرة الذي ينهشه من مجرد أن هذا الحقير كان زوجها. نار مشتعلة في صدره ويبدو أنها لن تنطفئ أبداً. زفر بقوة وبدأ يخبرها بشرود قائلاً:

–من الأول يا ريتان مكنتش مرتاح له. عينيه كانت كلها غموض. نفس نظرة أخوه بالظبط. أخوه اللي ياما تعب أختي. كنت حاسس إنه نسخة منه. ولما اتجوزتيه فجأة وقتها كنت هتجنن. بس قولت شئ واحد بس اللي هيطمني وهو إنك تكوني كويسة. إنك تلاقي الحب مع حد يقدرك ويعرف قيمتك كويس. وبقيت أسأل سناء عنك دايماً وعرفت إنه بيعاملك كويس جداً وإنك مرتاحة معاه. وده كان سبب إني أبعد عنك وأسيبك تعيشي مرتاحة معاه حتى لو قلبي هينزف. وروحي كنت لسه متعلق منها وصدري كان دايماً مقبوض.

لف نظره يطالعها بعمق وضيق ويسترسل بصدق: –بس بمجرد ما عرفت إنك في خطر معاه ومبقتيش تتواصلي مع حد متحملتش. فكرت إزاي أعرف وصممت أشوفك. بس لما قابلتك عند سناء وشوفت خوفك منه وقتها كنت هتجنن. زفر يتابع متذكراً بغضب ويعتصر قبضته: –قررت أراقبه وأسأل عنه بس هو كان ذكي وعارف يخلع وينظف وراه وده اللي أكدلي إنه بيعمل حاجة غلط.

وصيت على جهاز تصنت معين وعرفت أجيبه وطلبت أقابله وفعلاً روحت مكتبه وعرفت أثبته في مكان هو ميشفهوش ومشيت من عنده وأنا منتظر أي حاجة أمسك رقبته منها. كانت تستمع له بإنتباه وذهول. هل فعل كل هذا بينما هي تعتقد أنه كان يتنعم في السعادة وهى فقط التي تتذوق العذاب؟ أنفاسها مقيدة وهو يتابع:

–وفعلاً بعد يومين سمعت مكالمة مهمة جداً ليه مع ناس برا وكأن ربنا بيسهل لي كل شيء. روحت لوحدي المكان اللي قال لرجاله عليه وصورته وهو بيتفق معاهم على شحنة مشبوهة. متتخيليش في اليوم ده ربنا سترها معايا إزاي ومتكشفتش، خصوصاً إني كنت قريب منهم جداً. زفر بقوة يتابع وهو شارداً:

–وبعدها روحت مكتبه وهددته. مافيش أي مخلوق عرف باللي حصل وأيوة كنت قلقان بس كان لازم أنقذك. وهو صدق وفعلاً نفذ اللي طلبته مقابل إنه يطلع برا مصر وميرجعش تاني أبداً. وده كل اللي حصل. انتهى وطالعها فوجدها تنظر بدموع. بصمت أبلغ من أي حديث. صمت يخبره عن مدى امتنانها لخلاصها من هذا المختل. صمت يفرز عشقها له وثقتها به التي بدأت تتجدد.

قربت جسدها منه تضع رأسها على صدره وتلف ذراعها حول خصره كأنها تود في تلك اللحظة إحساس الأمان والراحة ووجدته بالفعل عنده حينما لف ذراعيه حولها يعصرها بقوة وعيون مغمضة يردف بحزن وندم: –كل ما افتكر إني كنت السبب في جوازك من الكلب ده أكره نفسي أوى يا ريتان. بكره نفسي بجد. شددت من عناقها له لتخبره دون حديث أنها أيضاً أخطأت حينما وافقت عليه. أرادت انتقاماً لكرامتها وكبريائها ولكن بطريقة خاطئة تماماً.

كان عليها اختيار طرق كثيرة إلا أن تلقي بنفسها داخل براثن هذا الذئب. ولكن كفى إلقاء اللوم على أنفسهما، ما حدث في الماضي قد حدث وانتهى. ليمضيا قدماً للمستقبل بسعادة. أردف بصوت متحشرج وكأنه على وشك البكاء وداخله يتآكل ندم:

–الكلام اللي سمعتيه ده كان سبب عذابي يا ريتان. صدقيني مكنش كلامي ولا كنت قادر أصدقه. كنت بحاول أقتنع بيه غصب عني عشان فكرت إن دي مصلحة الكل. بس قلبي وعقلي كانوا متأكدين إنك أحسن واحدة في الدنيا. كنت عارف إنك لؤلؤة مكنونة جوه صدفة قاسية بسبب نظرة مجتمع مبيرحمش. سامحيني يا ريتان. سامحيني بجد. كانت تسمعه وعبراتها تسقط تبلل ملابسه القطنية. سامحته. سامحته منذ زمن بعدما تأكدت من حقيقة الوضع.

سامحته عندما رأت في عينه الندم الصادق. أحس بدموعها الساخنة تسقط على قلبه فتحرقه لذلك عدلها يطالعها بحزن ومد يده يزيح دموعها بإبهامه مردفاً بترجى: –بلاش عشان خاطري. دموعك دي بتوجعني. سحبها إليه ليدخلها بين ضلوعه ويعانقها ويبث فيها الأمان والطمأنينة. ولكنها أردفت بتحشرج وبوح:

–كنت بخاف منه أوى يا حمزة. كان بيتعامل معايا في الأول كويس بس غموضه كان مخوفني. مكانش بيحكي لي أي حاجة عنه وأنا مكنتش بسأل. بس بمجرد ما وصله صور لينا وحس إني بحبك وهو اتحول تماماً وبقى مرعب بجد. طلبت الطلاق بس هددني ولأني متأكدة إن أهلي مش هيقدروا يقفوا في وشه سكت. بس كنت مرعوووبة. عادت تحرقه بكلماتها. سحق أسنانه بغضب وشدد من عناقه لها ثم أردف بحنو:

–متخافيش. مستحيل كنت هسمح له يأذيكي. خلاص هما مبقالهمش وجود في حياتنا. مستحيل اسمح له يقرب منك تاني. أوعى تخافي بعد كده من أي حاجة. من هنا ورايح لازم تطمنيني وبس. استكانت بين ضلوعه وهدأت أنفاسها فعاد يتمدد بها على الفراش ليهدهدها كطفل صغير لتنام بعدها ويظل هو مستيقظ يفكر. تحولت حالته من النشوة إلى الغضب. نعم يخشى ظهوره. لا يخشى منه ولكن يخشى عليها.

لذلك سيسعى أن يعلم مكانه ويقيد حركته بل ويسبقه بخطوات ليأمنها وحتى إن تطلب الأمر حياته. بعد مرور يومين. في الحمام يستحم حمزة ليذهب إلى الشركة ليرى الجديد. فمنذ يومان وهو لم يتزحزح من أمام ريتان. يغمرها بالحب الذي عاشه معها فقط. يدللها ويطعمها ليزيح حزنها ويبدل خوفها أماناً. ولكنها أصبحت تتجنب ملامسته. لما يا ترى يحرمه من تصبيرة صغيرة قبل تناول وجبته المتكاملة الشهية؟

ولكنه يستغل وجود العائلة ويعانقها دون خجل ويظهر حبه لا بسخاء أمام الجميع. لذلك عليها أن تلين درجة تلو الأخرى. هي تريده وتريد التنعم بحبه وستحاول تجاوز ذلك التوتر الذي يتوغلها. خرج من الحمام يرتدي ملابس قطنية أبرزت عضلات جسده أمام عينيها حيث تقف وقد اختارت له بدلة باللون الأزرق الغامق المشبح. نظرت له وابتسمت بتوتر من هيئته التي باتت تعشقها وتعشق كل تفاصيله. نظر لما في يدها بتعجب وأردف متسائلاً وهو يتقدم منها:

–بتعملي إيه يا ريتا! نظرت لما بين يديها ثم تطلعت عليه بحب وأردفت بتوتر من قربه ورائحة جسده حتى خصلاته مهلكة لقلبها النابض بعنف: –حسيت إن دي هتبقى شكلها حلو عليك. كان في حالة تأمل وذهول. أتختار له ملابسه؟ لم يفعلها أحد قط من قبل. مد يده يحتوي وجنتها اليمنى فمالت على كفه قليلاً بحنو واستمتاع. بينما هو أردف بترقب وقلبه يقفز للخارج ويعود: –بما إن إيدك لمستها فأكيد هتكون حلوة جداً. ناولتها له تردف بنعومة وتأثر مبتسمة:

–طيب يلا إلبسها وأنا هروح أشوف مروان وأرجع لك. تحركت خطوة ولكنه منعها أن تكمل حيث سد عنها الطريق يطالعها برغبة مردفاً وهي يتأمل كل تفاصيل وجهها ويبوح بكل ما يحتويه من مشاعر: –أنا مبقتش متحمل يا ريتان. أنا كنت مفكر الوضع سهل بس مستحيل أتحكم في نفسي وأنتِ قدامي وبتتعاملي بالأسلوب ده معايا. حني عليا لأن أنا كده بقيت زي الورقة اللي بتتحرق بعد ما نارها انطفت.

أقترب منها حتى أصبح يلامسها ووجهه يلامس وجهها ويداه تلتف حول خصرها يردف بتحشرج وهمس وهو يمرر شفتيه على ملامحها: –شرارتك عمالة تحرق قلبي بالبطئ لا النار مسكت فيه مرة واحدة ولا سابته يرتاح. بجد مش قادر أبقى قريب منك أوى كده وممنوعة عني. توغلها الضعف والحنين إليه وأغمضت عينيها. هي الأخرى على حافة الهاوية. إن كان يمنعها خوفها فهو طمأنها وأثبت لها حبه. وإن كان يمنعها خجلها فهي بدأت تعتاد عليه فماذا بعد؟

حقاً لم تعد تعلم أو ربما تخشى فرط المشاعر. ربما تخشى الاستيقاظ من حلمٍ أكثر من رائع. تحدثت بهمس متأثرة بحركة شفتيه على وجهها: –بس إحنا اتكلمنا يا حمزة وانت وعدتني! أومأ ببطء وهو في عالمه يردف بإنشاء: –وعدتك وعند وعدي. بس موعدتكش معبرش عن مشاعري. أنتِ بنت حوا الوحيدة اللي حركت كل خلية فيا. قوليلي أعمل إيه مش قادر. نعم تدرك ذلك جيداً. ترى في عينيه رغبة ملحة مرتسمة يقيدها بقوة أصبحت تخاف من تحريرها.

هي الأخرى لم تعش تلك المشاعر مع غيره أبداً. جديد هذا الشعور الممتع على قلبها. هو أيضاً ابن آدم الوحيد الذي توغل كل شريان بجسدها. حسناً لتعطيه ما يريد. لتندرج معه في تلك المشاعر التي باتت تود تجربتها. لتعطيه راحته وليحدث ما يحدث بعدها. فتحت عينيها تطالعه. تذكرت أمر عمله لذلك زفرت بقوة وأردفت وهي تحاول الإفلات بصعوبة: –هتتأخر على شغلك. خلينا نكمل كلامنا بليل. بالفعل تحررت من قيده ففتح عينيه يطالعها بتمعن متسائلاً

بتأكيد: –بليل؟ بليل يا ريتان؟ أومأت بخجل وتركت له ملابسه وأسرعت للخارج لتنهي هذا العذاب. فتنهد بقوة يصبر حاله للمساء فقط. أرتدى البدلة التي اختارتها له بحب ثم وقف يهندم حاله وينظر لإنعكاس وجهه في المرآة بتعجب. ما هذا؟ هل عدت للوراء ١٠ سنوات أم هيأ لي؟ في الحديقة تجلس كلاً من ريتان وكاري وشيرين يتبادلن أطراف الحديث. أردفت كاري بتهمل وهي تطالع ريتان: –ريتان أنا محتاجة مساعدتك في موضوع؟ ترقبت ريتان وأردفت متسفهمة:

–خير يا كاري قولي؟ زفرت وتحدثت مفسرة: –حمزة زعلان أوي من مراد. لأنه خبى عنه خبر فرحك. والحقيقة إن أنا السبب. هو سمعني وأنا بتكلم معاكي ولما سألني فيه إيه مقدرتش أخبي عنه. بس أخدت منه وعد ميقولش لحد خالص لأنك طلبتي مني كده. ومن يومها وحمزة زعلان منه ومراد زعلان أوي إنه خذله. فإيه رأيك لو تكلمي حمزة؟ نظرت له بتعجب ثم أردفت: –يعني هما زعلانين من يوم جوازنا؟ أومأت كاري فتابعت ريتان بلوم:

–بس الغلط مش على مراد يا كاري الغلط منك أنتِ لإني حكيتلك وطلبت منك متتكلميش. وبما إن مراد سمعك يبقى مكنش لازم تاخدي وعد منه لأن حمزة أخوه. اتسعت حدقتي كاري وهي تطالعها باستنكار مردفة: –يا شيييخة؟ أنا اللي غلطانة دلوقتي؟ يعني لو كنت قولته وقاله لحمزة وكنتِ زعلتي مني زي يوم العربية كان يبقى كويس؟ تساءلت شيرين بترقب وهي تستمتع بحديثهما: –ثواني بس هو إيه موقف العربية ده؟ نظرت لها كاري وتحدثت بخبث:

–أصل حمزة كان خاطف ريتان قبل كده باتفاق معايا أنا ومراد. شهقت شيرين بتفاجؤ بينما أردفت ريتان بمرح: –أيوه وكنتِ عاملة نفسك بريئة أوي. أردفت كاري بصدق: –كان نفسي أعمل أي حاجة تسعدك. قولت يمكن تتفاهموا. نظرت لها ريتان بشرود. دائماً ما كانت لها أخت لم تنجبها والدتها. سعت لسعادتها دوماً ولراحتها. مدت لها يد العون والدعم والمساندة في أزماتها. أثبتت أنها خير صديقة ورفيقة درب. أردفت ريتان بحنو وتروي:

–حاضر يا كاري أوعدك هتكلم مع حمزة وأحاول أحل سوء التفاهم اللي حصل ده. أنا مش هحب إن هو ومراد يزعلوا بسببي. نظرت لها شيرين بإعجاب فيبدو أن ابن عمها محق في حب تلك الريتان التي رويداً رويداً تتعرف عليها عن قرب. في الشركة يجلس حمزة ومراد وفريد وسناء والمحامي في صالة الاجتماعات ينتظرون مجيء مها لتتنازل عن أسهمها بعد أن هاتفت حمزة ليأتي اليوم. تأخرت عن موعد قدومها فتناول حمزة هاتفه وحاول الاتصال بها ولكن وجده غير متاح.

زفر بضيق فيبدو أن هذه أحد ألاعيبها. ثم ما لبث أن تحرك حتى طرق الباب وفتح يدلف منه المحامي الخاص بمها فقط. زفر حمزة بارتياح فيبدو أنها أرسلت محاميها بدلاً عنها. حسناً هذا جيد هو لم يتمنى رؤيتها اليوم. تقدم المحامي ورحب بهم ويبدو على ملامحه التوتر. جلس بينهم وتحدث حمزة بعملية: –واضح إن مها هانم وكلتك بالمهمة دي يا أستاذ محسن. تقدر تشوف شغلك، وسناء هانم جاهزة.

تحمحم المحامي بقلق ونظر لحمزة بتردد ثم مد يده في حقيبته يخرج ورقة ما قائلاً وهو يمدها لحمزة: –أنا آسف يا حمزة بيه، بس أنا جاي أبلغ حضراتكوا إن مش هينفع الأسهم تتحول لسناء هانم. لأن مها هانم باعت الأسهم امبارح لحد تاني. ودلوقتي مطلوب من حضرتك تتواصل معاه وهو يشوف هل يمكن يتنازل أو لأ. ها هي تضرب إحدى أعمدته. مثلما توقع تماماً. استهدفت شركة عائلته بعد كل ما قدموه لها من دعم.

ها هي تظهر خستها وندالتها التي ورثهما من أبيها. كانت عروقه بارزة من شدة غضبه وهو يمد يده ينزع الورقة من يد المحامي ويتعمق فيها ويقرأ بترقب ثم أردف من بين أسنانه بضيق: –وائل مسعد القماش! تساءلت سناء وشقيقيها في نفس اللحظة: –مين ده يا حمزة؟ رفع نظره لهم بترقب ثم تحدث بشرود يتحكم في غضبه: –هنعرف. وقفت بسمة في الحمام أمام الحوض تنظر لهذا الجهاز بسعادة. هو حامل للمرة الثانية؟

مؤخراً كانت تشعر بالأعراض خصوصاً بعد نسيانها للأقراص عدة مرات ولكن كانت تنتظر إلى أن يمر بعض الوقت تتأكد. وها هو الشريط يظهر بوضوح الشرطتين الحمراء دليلاً على حملها. تنفست بقوة ثم غسلت وجهها وخرجت من المرحاض تتجه إلى غرفة المعيشة حيث يجلس بهاء يتابع التلفاز مع صغيره. وقفت أمامه فطالعها بطرف عينه ثم عاد ينظر للتلفاز. بينما هي زفرت وتحدثت بترقب: –بهاء؟ لف نظره لها ولم يتحدث. يأس من أفعالها. حزين منها وعليها. تابعت

بتوتر وملامحها سعيدة: –أنا حامل يا بهاء. تصنم جسده وعينه التي انكبّت عليها. فاتجهت تجلس بجاوره وتنظر له بعيون لامعة ويداها اتجهت لتتمسك بيديه مردفة بسعادة: –خلاص بقى يا بهاء كفاية زعل من بعض. خلينا ننسى وأنا كفاية عليا أنت وياسين والبيبي اللي جاي في السكة. من هنا ورايح أنتوا عيلتي وبس. زفر باستسلام وتساءل بترقب: –طيب حامل إزاي؟ مش أنتِ بتاخدي الحبوب يا بسمة؟ ابتسمت تردف بحب وسعادة:

–أيوه بس كنت نسيت منها حبيتين. وبصراحة بقالي كذا يوم حاسة بس محبتش أعرفك إلا لما أتأكد. هو أنت زعلان؟ هز رأسه يردف بصدق: –لاء أكيد لاء. بس ياسين لسه صغير. أردفت مطمئنة وهي تلقي برأسها على صدره بحب: –متقلقش. كله هيبقى تمام. أفرح بقى يا بيبو. تنهد ثم مال يقبل مقدمة رأسها وشرد يفكر في القادم. عاد حمزة مساءاً إلى جناحه. طوال اليوم يشعر بالاختناق.

فها هي مها تنتقم منه ومن أسرته وتبيع أسهمها لشخص غريب ليشاركهم في قرارات الشركة التي بنيت بعرق والده وأجداده. سينتظره إلى أن يأتي ثم سيحاول إقناعه ببيع الأسهم حتى وإن طلب أكثر من ما معه ولكن سيحاول. انشرح فؤاده وهو يراها تجلس مع صغيره مروان في غرفته وتحفظه آيات قرآنية مع شرح معناها والصغير يستمع إليها بانتباه. نسي همومه وألقاها بالخارج قبل أن يتقدم ويخطو إليهما بابتسامة حقيقية متسائلاً بحب: –بتحفظوا سورة إيه؟

نظر له مروان وأسرع يعانقه ثم أردف بحماس: –مامي بتحفظني سورة العلق. وقالت لي إن أول حاجة ربنا سبحانه وتعالى خلقها هو القلم عشان كده العلم مهم أوى في حياتنا. نظر لها وتضخم العشق في عينه وهو يوثب متجهاً إليها هو وصغيره ثم دنا يقبل مقدمة رأسها وأردف بحب: –مامي ريتان أعظم أم وكلامها كله صح. ابتسمت له ثم تساءلت: –أكيد راجع جعان؟ تحب أنزل أجهز لك حاجة معينة؟ تأثر بسؤالها. فلم يهتم لطعامه أحدٌ يوماً. لذلك ابتسم بسعادة وقال:

–لاء أنا تمام جداً. كملوا انتوا حفظ. أومأت له بحب ونظرت لمروان تردف بحنو: –طيب يلا نكمل يا مارو؟ أسرع الصغير يجلس مكانه وبدأت تكمل تحت أنظار حمزة الذي تحمحم واردف: –طيب أنا هدخل آخد شاور وأبدل هدومي وأجي. أومأت له فإتجه لغرفته وظلت هي تكمل شرح السورة الكريمة لمروان. بعد وقتٍ عاد إليهما يرتدي بنطال رياضي وتي شيرت نصف كم. رفعت نظرها تطالع هيئته الرجولية بحب فغمزها بعينه فخجلت وأخفضت رأسها.

بينما اتجه هو يرمي بجسده بجوارها حيث كانت تجلس بأريحية على فراش مروان تستند بظهرها على الحائط بعرض الفراش وخلفها وسادة ناعمة ويجاورها مروان تقرأ له قصة شيقة لينام بعدها. شهقت وأردفت مستفسرة: –حمزة بتعمل إيه بس؟ قوم عشان مروان بينام. مال يحك أنفه في تجويف عنقها ويستنشق رائحتها الخلابة بتيه وسحرٍ مردفاً بهمس وخبث والصغير على وشك النعاس: –وبعد ما مروان ينام؟ أولم تقل ليلاً؟ حسناً نحن ليلاً الآن. ماذا عساها أن تفعل؟

هل ستتهرب ككل مرة؟ تأثرت من همسه ولمسته وارتعش جسدها حتى يدها التي كانت تتمسك بالقصة ارتخت فسقط الكتيب على ساقيها الممتدة وتنهدت تردف بتوتر: –حمزة مينفعش كده، مروان بينام. تطلع عليهما مروان بتعجب وبرغم عينيه الناعسة إلا أنه لأول مرة يرى والده هكذا يفعل أموراً جديدة كتلك التي يفعلها عمه مراد مع أم حبيبه بيري. أردف مروان متسائلاً ببراءة: –بابي هو أنت بتحب مامي ريتان أوي؟

ابتعد حمزة ينظر لصغيره متفاجئاً ثم نظر لريتان التي ابتلعت لعابها بتوتر وحزن وأردف مؤكداً: –أيوه يا مارو، زي ما أنت بتحبها وأكتر. غار الصغير وعانق ريتان وهو على وشك النعاس يردف بتملك: –لاء أنا أكتر. بادلته ريتان بحب وحنو وأردفت: –وأنا كمان يا مارو بحبك أوووى. مال حمزة عليها يردف بترقب وخبث: –طب وأنا؟ ابتسمت عليه ثم لفت نظرها تتطلع عليه. تعشقه وتعشق تفاصيله التي تحفظها عن ظهر قلب.

أول نبضة كانت له وأول نظرة عشق كانت من نصيبه وأول تنهيدة كانت باسمه وأول جرح كان منه وأول أمل كان معه لذلك تعشقه. أردفت بعيون لامعة ونبرة متأثرة صادقة مغلفة بالعشق: –بحبك أوى، أكتر من أي حاجة يا حمزة. تضخم قلبه فأصبح صدره ضيقاً لا يسعه وهو يطالعها بعشق ولم يجد كلمات تحكي بل الصمت والنظرات كانت أسمى من كل الأحرف. ابتلع لعابه ونظر لصغيره الذي ذهب في سباته بعد أن اطمأن.

فوقف يترجل من الفراش ثم التقطه يعدل وضعية نومه ويرفع الغطاء عليه بحنو. ثم نظر لها بعيون لامعة وبريق خاص ومد يده لها فناولته يدها بتوتر وقلب يضخ بعنف وصخب. سحبها بتمهل وتحركت معه إلى خارج غرفة الصغير ثم اتجها إلى جناحهما. دلفا وأغلق حمزة بابه ثم التفت يطالعها ويتنهد بقوة. ظل ينظر لها لثوانٍ بصمت تام لكلمها. عقد لسانه أمام نظراته. الآن لم تعد قادرة على إيقافه. هي الآن تتمناه بكل جوارحها.

تتمنى وتريد التنعم بدفئه وحنانه. أما هو فكانت عيناه تسير على ملامحها. من بداية جبينها وصولاً بعينيها الزائغة وأنفها الصغير ووجنتيها الملتهبتين من الخجل ثم شفتيها وليته لم يفعل فهنا وقد بات صبره مستحيل. حاوط وجهها وانحنى يتذوق فاكهته الشهية ويقبلها بنهم. استقبلتها بتوتر ثم تحولت إلى مشاعر مختلطة جعلتها تحلق وترفع ذراعيها تطوق عنقه لتبدأ بتداعب خصلاته مما زادته رغبة وتعمق أكثر في قبلته الساحرة.

نعم ساحرة ألقط تعويذة مشاعر عشق عليهما. بدأت يداه تجول على ظهرها كاملاً يعصرها بحنو مقرباً جسدها منه وهي تذوب بين يديه كقطعة جليد تنصهر. ابتعد شبه سنتيمتر واحداً وأردف بتحشرج وهمس ورغبة متمكنة منه: –ريتان قوليها. قولي إنك موافقة؟ قولي وارحميني؟ أطلقت سراح مشاعره بتنهيدة قوية وإيماءة صغيرة منها جعلته يجن بها ومعها ويعاود تقبيلها بتفنن ونهم ويديه تتحرك بجراءة على ممتلكاته. أوصلها للغيوم ونسيت كوكب الأرض وما عليه.

سحبها معه إلى فراشهما ليشهد على تمام اكتمال روحين يبحثان عن بعضهما منذ زمن بعيد. يُريحها عليه بحنو وينظر لها بعيون يملؤها الشغف وهي تخفض نظرها بخجل وتقضم شفتيها بقلب متضخم كاد يتوقف ليستقر معها ويعاود تقبيل شفتيها وخديها ويطبع قضماته على عنقها كتفاحة شهية يلتهمها بإستمتاع وجوع.

مستسلمة ومسلمة له زمام الأمور التي يقودها هو بكل شوق ولهفة وسعادة ليجرد روحه من ثقل وأعباء ومؤمرات ويجرد روحها من أي ذرة عذاب أو ألم وينسيها ماضٍ سيئ ويتمم كماله معها أخيراً ليجزم أنه لم ولن يعيش هذا الشعور إلا بين يديها ومعها فقط. شعور أشبه بأنه يمتلك جناحات ويحلق للمرة الأولى. أين كانت تلك المشاعر وكيف تركها كل تلك السنوات؟ كيف سمح لحاله أن يحيى بدونها؟ ليعلن أخيراً أنها تملكته كلياً.

أنه وجد معها شيئاً كان لا يعلم بوجوده إلا الآن وهو وصولك للفضاء وأنت مكانك. ولتعلن هي أنه امتلكها حد النخاع ووصل بها إلى مكان لم يصل إليه غيرهما. كانت تعلم أن الأمر مع العشق مختلف. ولكن هذا الاختلاف كان أكثر من ما حلمت به. كان كثيراً عليها. دفئه وحنانه وحبه ظاهراً ببزخ في كل حركاته. بعد فترة. كان يطالعها بذهول وفاه مفرغ. كثيرة تلك المشاعر على قلبه. تكاد توقفه. ما هذا النعيم الذي تمتلكيه يا روح الفؤاد؟

ما هذا الشعور الذي يجتاح كل خلية في جسدي يا زوجي المصون؟ تمدد هو على الفراش وسحبها إليه يضمها بقوة وعشق ويقبل جبينها عدة مرات وهي مستكينة تماماً تغلق عينيها بخجل وسعادة وأمان. انكمشت عليه كقطة صغيرة تدثر نفسها أكثر داخله لتتنعم بدفئه وهو يشدد من عناقه كأنه يود لو يدخلها بين ضلوعه مدى الحياة. مال يقبل جبينها بتعمق وأردف بصوت متحشرج من إثر المشاعر: –ألف مبروك يا أحلى ريتان في الدنيا كلها.

مالت شفتيها بابتسامة هادئة وخجل وعينيها مغمضة ولم تتحدث. ليس هناك كلمة يمكن أن تعبر عن مشاعرها الآن لذلك التزمت الصمت وهو كذلك. ثم ناما بعدها بسكون تام وهل يعد للكلام أي قيمة.

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...