قبل ساعتين من الآن. يجلس ناصف في المكان الذي يختبئ فيه، ينتظر لحظة مناسبة منذ أسابيع فقط ليراها ويستطيع التحدث معها وتهديدها بما ينوي. لقد خطط لتلك اللحظة على مدار سنوات وعمل جاهداً على عدم حدوث خطأ واحد. لذلك قام باستئجار إحدى الشقق السكنية التي تقع في البرج السكني أمام قصر الجواد.
نعم، فهو يطبق النظرية التي تقول أن أكثر الأماكن أماناً للاختباء من عدوك تكون بالقرب منه. ليسبق الجميع بخطوة ويراقب بكل راحة ويرسم خطة شيطانية ليصل ويحقق انتقامه.
منذ أسابيع وهو يراقب كل حركة ويعلم تحركات حمزة، ويلاحظ عدم خروج ريتان إلا ذلك اليوم التي ذهبت معه إلى منزل والدها وعادا، ولم يستطع خلق فرصة ليراها. لذلك فكلما مر يوم عن عدم تحقيق رغبته أصيب بالجنون أكثر، فهذا يعني تفوق حمزة عليه. فقط لتخرج بعيدًا عن تلك الحراسة التي تحاوط القصر. حتى أنه يعلم بأمر فؤاد والحراسة الخاصة به ويستطيع التعامل معهم. هدفه كله ريتان، كل ما يريده هي.
وللعجب، فهو يغادر تلك الشقة أحيانًا ولكنه لا يغادر بشخصيته، بل يرتدي ملابس نسائية عبارة عن عباءة سوداء ونقاب ليبدو كسيدة منتقبة، ويجاوره رجله المسلح ليبدو وكأنه زوجها، ويذهب ويعود دون إثارة شكوك حوله. ناهيك عن ذلك العدد الذي لا يستهان به من الذين استولى الشر عليهم وباتوا يتلذذون بالأفعال الإجرامية، يعملون فقط لحسابه للحصول على مبالغ طائلة ينفقها فقط لتحقيق انتقامه.
وبالطبع الهكر الذي يجاوره ورجل المهام الصعبة كما يقال، ولكن في الشر. فهو اقتناه خصيصًا وأتى به من الخارج لتلك المهمة فقط. لذلك فهو يخطو خطوات مدروسة بدهاء ومحسوبة جيدًا، وإلا لما كان هناك داعٍ من المخاطرة وعودته. ها هو يجلس يراقب الأوضاع حوله ويجاوره مساعده الهكر يتحدث بضجر: –هنفضل كده كتير يا ناصف، شكله مش هيخرجها. الأحسن ندور على خطة تانية لإن كده بنضيع وقت، وإنت لازم تسيب مصر قبل ما يحفروا وراك تاني.
زفر بضيق وتحدث بغضب: –أكيد هتخرج، كان لازم ترجع شغلها بس شكل ابن الجواد منعها، بس صدقني هتخرج وقريب جدًا، مش هتفضل كل ده محبوسة. قال هذا والتفت يراقب بتمعن بوابة قصر الجواد ويصب عينه عليها من النافذة التي لا تعكس رؤية من في الداخل، ولكن هو يستطيع الرؤية منها جيدًا. وها هي تتحقق أقصى أمنياته وهو يرى سيارة حمزة تعبر البوابة بتمهل وتجاوره ريتان. اتسعت عينه واند
شت ملامحه على غير المعتاد وهو لا يصدق أنها خرجت الآن بعد كل تلك الفترة. أسرع يهاتف رجاله الذين يتخفون في الأسفل مردفًا: –حمزة خرج دلوقتي ومعاه ريتان، وراهم وأنا هحصلكم حالاً، عينكم متغبش عنهم، وفتحوا عينكم على الحراسة كويس. أغلق واتجه يرتدي تلك العباءة والنقاب ليتخفى، ثم نزلا هو ومساعده واستقلا السيارة التي تصطف أسفل المبنى، ثم انطلقا تابعين لهما.
بعد وقتٍ وصلا حمزة وريتان إلى العيادة النسائية وترجلا متلهفان للحدث الجلل المنتظر. كان قد وصل أيضًا ناصف ومساعده، وبعد ترقب وتفكير ترجلا متجهين إلى الداخل ليظهرا كمريضة وزوجها بعد أن استعان برجاله للدخول بين المرضى دون ملاحظة أحد.
كان حمزة منشغلًا بسعادته وحماسه وتحفيز ريتان التي ترتعش خوفًا من سماع عكس ما تتمنى. بعد أن طلبت الطبيبة التحليل من ريتان وخرجا لتأخذ الممرضة العينة منهما، دلف الكشف التالي والذي لم يكن سوى ناصف. بمجرد أن وطأت قدمه غرفة الطبيبة هو ومساعده وقبل أن تخرج الممرضة، كان يغلق الباب ويشهر سلاحه أمامهما وهو يردف بغضب وتهديد واضح: –أي صوت أو حركة هطير نفوخك إنتِ وهي.
ارتاعبتا الطبيبة والممرضة التي أشار لها بسلاحه، فاتجهت لتجاورها والتزما الصمت يرتعشان، حتى أن الطبيبة كادت أن تضغط بيدها على أحد الأزرار الموصولة بالخارج، ولكنه رآها وقال بغضب: –شكلك مستغنية عن عمرك؟ تبعها بصوت شَد أجزاء السلاح، فارتعبت ورفعت يديها مستسلمة تردف بتلعثم ورعشة: –خلاااااص تمام، مش هعمل أي حاجة.
أشار برأسه لمساعده الهكر الذي اندفع لمكتب الطبيبة ينتشل الهاتف الخاص بها وينزع السلك الموصول لحرارة الهاتف الأرضي، ثم بدأ يعبث في اللاب توب الخاص بمكتبها ليعطل كاميرات المراقبة، ثم حول مسارها على هاتفه النقال ليصبح هو المتحكم بها، كما أخذ هاتف الممرضة أيضًا. كل هذا يحدث وناصف يملي تعليماته على مسامعهما ويردف بشر:
–الكشف اللي كان هنا دلوقتي، كل اللي عايزه إني أقابلها، ولوحدها. لو وفرتيلي ده يبقى هنمشي من هنا بسلام، تخترعي أي حجة المهم أكلمها من غير اللي معاها ما يكون موجود، ولو عملتي حركة كده ولا كده أنا دلوقتي مراقبك بكاميراتك ووقتها هتبقى مجزرة هنا، فهمتي؟ كانت تطالعه بذهول وتبكي هي والممرضة التي ترتعش بجانبها، ثم تساءلت متلعثمة وقد أدركت أن من أمامها ما هو إلا شخص مختل تمامًا: –ب ب بس إزاي، ده جوزها، هقنعه إزاي يسيبها؟
مش هعرف أعمل كده. طالعها بنظرة مرعبة ثم تحدث بفحيح: –شكلك مفكرة إننا بنلعب هنا، تحبي تتأكدي إني مش بهزر؟ انتفضت الممرضة تردف بارتعاش بعد أن اعتصرت عقلها لتحاول إيجاد حل: –لااااء يا باشا حاضر، هنعمل اللي إنت عايزه، فيه هنا أوضة أشعة مقطعية أنا هدخلك هناك وتستنى في أوضة التحكم لحد ما أجبهالك. نظر لها بإعجاب ثم قال وهو يشير للطبيبة: –شوفتي؟ طلعت بتفهم أحسن منك أهي، ودلوقتي قوليلي؟ هي حامل ولا لأ؟
أردفت الطبيبة بدموع وخوف: –تقريبًا. عاد يتلاعب بسلاحه فتابعت بتلعثم: –هتأكد من التحليل، بس بنسبة كبيرة أيوة. نظر للممرضة وتحدث بهدوء بعدما لاحظ تجاوبها معه: –يبقى النتيجة أنا بس اللي أعرفها، تمام يا بيبي؟ أومأت الممرضة عدة مرات، فالتفت يطالع مساعده الذي انتهى وأومأ لها، ثم عاد للطبيبة وقال:
–موبايلاتكم معايا، كاميرات المراقبة تحت تحكمي، حتى الأوضة دي، يعني دلوقتي هخرج وهراقبك من برا، أي حركة كده ولا كده أنا مش مسئول عن اللي هيحصل، واطمئني خالص يا دكتورة، هما كلمتين هقولهم لها وأمشي علطول، أنا مش مؤذي. أعاد سلاحه لداخل ما يرتديه وأشار لمن معه، ثم اندفع للخارج بهدوء كأنه لم يفعل شيئًا. عودة للوقت الحالي.
يقود حمزة وتجاوره ريتان بوجه شاحب، حتى أنها لم تستمع لكل ما قاله، كأنها اعتزلت عن العالم. أفكار متصارعة تهاجمها وتتشابك في عقلها تجعل منه قابلًا للانفجار، طنين أذنيها وثقل يهاجم جفنيها ونبضات عنيفة في جانبي مخها تجعلها على حافة الانهيار.
وصل حمزة إلى القصر وترجل واتجه يفتح بابها ويسندها، تتحرك معه كمن لا إرادة لها. صعدا على الفور إلى غرفتهما وهو متعجب من حالتها، وكل ما يؤدي إليه عقله أن هذا ناتج عن خيبتها في خبر الحمل. مددها على الفراش وجلس مجاورًا يعانق كفها بين راحته ويردف بقلق وحزن: –مالوش لزوم الزعل ده كله يا ريتا، صدقيني هاخدك ونروح مكان تاني، أكيد الدكتورة دي متعرفش حاجة، وبعدين أصلًا هي مكشفتش عليكي، كله كلام وبس وأنا حاسس إنك حامل.
كانت تستمع له وتعتصر عينيها الباكية، تارة من الألم الذي يهاجم عقلها والصداع وتارة أكبر من الألم الذي ينهش قلبها من معرفتها بحملها دون مشاركته به. ابتلعت لعابها وتحدثت وهي مغمضة دون النظر إليه: –معلش يا حمزة أنا عايزة أنام. زفر بقوة ثم وقف يطالعها بصمت وهي تتكور على نفسها وتغمض عينيها، ثم خلع جاكيته ووضعه جانبًا وصعد يتمدد خلفها ويحاوطها ويعانقها بقوة ليصبح ظهرها مقابلًا لصدره وهو يردد همسًا بجانب أذنها بحب:
–تمام يا حبيبتي نامي، نامي وارتاحي هنا. بكت مجددًا ولكن بكاء داخلي، صرخات مكتومة تصدر داخلها، تعلم أنه أخفى عنها هذا الخبر خوفًا عليها، تعلم أنه تحمل وعانى بمفرده كي لا يزعجها ويقلقها بهذا الخبر، ولكن ها هي تعلم بطريقة لم تكن تتمناها يومًا، تعلم في يومٍ كانت تتمناه ليتحول إلى أكثر الأيام ألمًا.
لم يحتمل عقلها استيعاب أكثر من ذلك فسحبها معه إلى النوم متمنية أن تفيق من هذا الكابوس فورًا. أما هو فكان مستيقظًا يحتويها، ود لو سحب ما تشعر به إليه، لا يرد لها حزنًا ولا ألمًا ولا أي أفكار سيئة، أصبح يتمنى سماع خبر حملها أكثر من أي شيءٍ الآن.
زفر بقوة وعاد ناصف يستحوذ على عقله، إلا الآن لم يستطيعوا العثور عليه، اختفاؤه يقلق، ولكنه تناساه اليوم بتلك المفاجأة التي كادت أن تصبح سعيدة لولا تلك الطبيبة الغريبة التي لاحظ هو تغييرها المفاجئ، لذلك لم يرد العودة إليها بل غادر مع زوجته وسيأخذها لأخرى أكثر ثقة ولكن ليطمئن عليها أولاً. في منزل بسمة.
التي منذ أن استيقظت وهي تشعر بألم أسفل معدتها، حتى أنها راسلت طبيبها عبر الواتساب وأخبرها أن ترتاح وتتمدد وتأخذ أدويتها وتمر عليه في موعدها ولكن إن استمر الألم فلتأتي. ها هو بهاء يقف في مطبخه يحضر عنها الغداء، بينما الصغير يجلس في الصالة يلعب بتلك الألعاب التي نثرها له والده، وبسمة تتمدد على الأريكة أمام صغيرها تستريح من ما تشعر به. خرج بهاء إليها يطالعها باهتمام ثم اتجه إليها يتحدث متسائلًا: –أحسن شوية دلوقتي؟
تحبي نقوم نروح؟ هزت رأسها بإرهاق تردف: –لاء مش قادرة أتحرك، هو قال أستريح وهبقى كويسة. تنهد ونظر لصغيره يبتسم له والصغير يشير إليه بإحدى الألعاب ويتمتم باسمه، ثم عاد لها قائلاً: –طيب أنا شوية وأخلص الغدا، تاكلي وتاخدي الأدوية وهتبقى أحسن. أومأت له وهي مغمضة ووضعت كفيها أسفل خديها لتعاود النوم متكورة وهي تشعر بالتعب.
مر اليوم وأتى المساء ولم يعود حمزة إلى عمله بل ظل ماكثًا في غرفته يتابع تلك النائمة منذ ذلك الوقت. يبدو أنها اتخذت من النوم مهربًا، حتى الطعام لم تتناوله برغم محاولاته معللة أنها فقط تود النوم. اتجه لغرفة صغيره وجلس بجواره يطالعه وهو يحل دروسه، تساءل بترقب: –عامل إيه في ال school يا مارو؟ تحدث الصغير بالقليل من الحزن وهو يدون باهتمام:
–كويس يا بابي، بس الـ miss بتاعتي مش بتفهمني حاجة، ومامي نايمة دلوقتي، أعمل إيه بقى؟ تنهد حمزة وتحدث باهتمام: –طيب وريني كده يمكن أقدر أساعدك، معلش لإن مامي تعبانة شوية. ناوله الصغير كتابه وبدأ حمزة يشرح له كيفية الحل والصغير يجيب بسلاسة. بعد ساعة عاد إلى غرفته يحمل صينية طعام ويتجه ليضعها على الطاولة، ثم اقترب من الفراش وبدأ يوقظها بهدوء وحنو مردفًا: –ريتا؟ حبيبتي، يلا كفاية نوم كده، سيباني لوحدي من الصبح ينفع كده.
بدأت تتملل وتفتح عينيها المتورمة لتطالعه قليلاً بصمت. طال تطلعها له، داهمتها الأفكار مجددًا، حتى أنها كانت تداهمها أثناء نومها، ولا نقل أن عقلها كان في حالة وعي. لا تتخيل الحياة بدونه، في كلتا الحالتين الموت أهون لها.
عينيها تسبح في ملامحه كاملة، لمعت بالدموع وهي تتخيل ربما هذا الحقير نفذ تهديده، ربما آذاه، ربما أصابه بمكروه. حينها ستقتله حتى لو كان هذا آخر عمل ستقوم به في حياتها. ولكن ماذا عن تلك العلقة التي تنمو في أحشائها الآن؟ كيف ستحرمه لذة معرفته بهذا الخبر؟ أولم يكف حرمانها من فرحة هذا الخبر؟ كيف ستتركه؟ وهل حقًا تستطيع الانفصال عنه؟ تنبهت لندائه وهو يتساءل بقلق: –ريتان أنتِ سمعاني؟
حااالك مش عاجبني أبداً، فيه إيه بس يا حبيبتي فهميني مالك؟ معقول تستسلمي من أول مرة كده؟ مدت يدها تتلمس وجنته بحب وابتسمت ابتسامة باهتة تردف مطمئنة: –أنا كويسة يا حبيبي. حاولت القيام ولكن عندما اعتدلت شعرت بالدوار المفاجئ، فأسرع يسندها ويحتويها قائلاً بحنو: –على مهلك، أكيد دايخة لأنك مأكلتيش حاجة من الصبح.
تحركت معه إلى الطاولة وأجلسها وجلس مجاورًا، ثم بدأ يشرع في إطعامها. لولا ما يمكث داخلها الآن لما تناولت شيئًا، ولكن عليها الحفاظ عليه، عليها الحفاظ على الجميع، عليها التفكير جيدًا والتصرف قبل أن يتأذى أحد.
بدأ يطعمها بحنو، كل أفعاله منذ أن دخلت حياته تؤكد لها أنه رجل حياتها، تؤكد لها أن سنينها التي فنتها في حبه لم تكن هباءً، تؤكد لها أن اختيارها لهذا القلب كان اختيارًا صائبًا، والآن عليها أن تختار ما يسعده، عليها أن تفعل ما يضمن راحته، لتختار ما لا يؤلم قلبه. حسنًا، لتلقي نظرة على المستقبل، ماذا إن نفذت لهذا الحقير ما يريده؟ هل حقًا تثق في هذا الحقير أن يتركه بسلام؟
وماذا عن الخيبة والخذلان التي ستتركهما له يعاني منهما؟ تعلم أن الموت أهون لديه من أن تغدر به. يا إلهي، عاد عقلها يتشتت مجددًا، واقعة بين شقي الرحى. طوال تلك الأفكار وهو يطعمها وهي تأكل من يده بشرود يلاحظه جيدًا. انتهى ومد يده يحاوط وجهها وينظر داخل عينيها. رآى فيهما التشتت والخوف، رآى حيرتها وغربتها. تحدث بنبرة لينة صادقة: –طيب أحكيلي النظرة دي سببها إيه، هو إنتِ معنديش ثقة في حبيبك ولا إيه؟ هزت رأسها
بلا تردف بتأكيد وخفوت: –عندي طبعًا، ثقتي فيك كبيرة أوي. ابتسم لها بحب ثم تابع: –يبقى أحكيلي مالك؟ خايفة ليه كده؟ تجمع الحديث على طرف لسانها، وكادت تلقي به، كادت تخبره فهي حقًا تثق به، لن تستطيع إخفاء هذا الأمر عنه، ولكن عادت تلقي نظرة على القادم، عن رد فعله، عن كيفية تصرفه، كيف تضمن تهدئته وترويه ليجدا معًا حلًا مناسبًا. تحدثت بتلعثم وهي تطالعه:
–يمكن لما شوفت النتيجة إيجابية اتعشمت، فرحت جوايا أوي، وكان عندي إحساس إن الدكتورة هتبلغنا بخبر حملي، أنا كنت بتمنى الخبر ده أوي يا حمزة. سحبها إليه يضع رأسها على كتفه ويردد بثقة: –طيب بكرة الصبح هاخدك ونروح عيادة تانية، أنا محبتش أبلغ حد من البيت إلا لما نتأكد بس أعتقد الدكتورة اللي شيرين كانت متابعة معاها كويسة جدًا، هنروح لها الصبح ونتأكد ونفرح يا ريتا، أنا واثق في كده.
أومأ بصمت وظلت ساكنة وهو يعانقها ويحتويها بحنو. عند ناصف الذي يجلس يشعر بالانتشاء والسعادة، أخيرًا سيحقق ما عاد لأجله. سيسترد ما هو له ويغادر معها ويترك هذا الجواد في خيبته مدمرًا بعد أن يعتقد أنها تركته بنفسها كما أجبره على تركها في الماضي. شبه متأكد أنها ستخاف وترضخ لتهديده كما في السابق، شبه متأكد أنها لن تخاطر بحياته وحياة أهلها. جاء إليه مساعده وجلس مجاورًا يتحدث بقلق:
–شايفك مطمن يا ناصف، أفرض حصل عكس اللي خططتله ده كله؟ وقتها هتعمل إيه؟ نظر له ببرود وتحدث بثقة: –تؤ، إنت متعرفش ريتان، دي جبانة وهتعمل اللي قولتلها عليه. تحدث الآخر بغضب: –وإفرض حصل العكس، إفرض بلغوا وجابوا الدكتورة واللي معاها تشهد ضدنا، وقتها إيه الحل؟ ضحك بشر وتابع ببرود: –متقلقش، مش هيحصل كده، وبعدين مافيش أي دليل ضدنا وتسجيلات الكاميرات كلها اتحذفت.
زفر الآخر ووقف يتجه للداخل وهو غاضب من تصرفات هذا الغبي اللي هتودي بهم خلف سبعين سور. رأتها جاثية أرضًا تحفر بأظافرها حفرةً، كانت في حالة رثة مشتتة وترتدي ملابس بيضاء ملطخة بالدماء، تبكي بقوة وما زالت مستمرة بالحفر بعنف، وكلما حاولت الوصول إليها ابتعدت أكثر وزادت مساحة الحفرة، كانت تحاول التحدث إليها ولكنها بدت صماء لا تسمع، فقط تنهش في الحفرة بأقصى سرعتها.
وقفت بعد أن انتهت من الحفر ونظرت لها بعيون باكية وهي تهز رأسها بأن لا تفعل، ولكنها هزت كتفيها بقلة حيلة ثم قفزت بتلك الحفرة التي حفرتها بأظافرها وسط صراخ جميلة المكتوم. انتفضت من نومها شاهقة بقوة فاستيقظ حمدي على أثرها يردف بقلق: –بسم الله بسم الله، خير يا جميلة شوفتي كابوس ولا إيه؟ لفت نظرها إليه بصدمة ثم أردفت باكية: –بسمة يا حمدي، حلمت حلم وحش أوي ليها. أنتابه القلق ولكن حاول طمأنتها وأردف وهو يربت على ظهرها بحنو:
–اهدي بس وصلي على النبي، خير إن شاء الله، استغفري ومتحكيش وإن شاء الله خير. التقطت أنفاسها بقوة وحاولت أن تهدأ وتطمئن نفسها ولكن كلما تذكرت تفاصيل ذلك الكابوس شعرت بالاختناق، أرادت مهاتفتها ولكن الوقت فجرًا ومؤكد هي نائمة، حسنًا لتنتظر لطلوع النهار. في صباح اليوم التالي. يقف حمزة يهندم حاله ليذهبا للطبيبة كما نوى. خرجت ريتان من الحمام تطالعه بتتمعن. طوال الليل لم تنم وظلت مستيقظة داخل أحضانه تطالعه وتفكر، حسمت أمرها.
تحركت باتجاهه حتى وقفت أمامه ورفعت نظرها تطالعه بتوتر وهي تبتلع لعابها وتفرك كفيها. لاحظها فضيق عينيه يتساءل بقلق: –مالك يا ريتا؟ عايزة تقولي حاجة؟ تحدثت بخوف وأنفاس مقيدة: –أيوة، بس قبلها أوعدني تهدى وتفكر قبل ما تعمل أي حاجة. تنبهت حواسه وبدأ القلق ينهشه ثم تساءل باهتمام وترقب: –تمام، قولي فيه إيه؟ نظرت بقوة لـ عينه وتحدثت بتوتر بالغ خشية من رد فعله: –أنا شفت ناصف امبارح.
تجمد لثانية، اثنتين، خمسة، ثم اسودت عيناه وتحولت ملامحه إلى أخرى غاضبة وتحدث بهدوء لا يحمل هدوءًا: –امبارح في أوضة الأشعة؟ أومأت بخوف وصمت فـ أدار وجهه عنها، يواليها ظهره الذي لاحظت تشنج عضلاته وبروزها.
خالف كل شكوكه وهواجسه التي أخبرته بذلك مقنعًا حاله أنه لا يمكن أن يحدث، لا يمكن أن يسمح بذلك. ظن أن وجوده معها بمفرده كافيًا لحمايتها، وهذا أكثر ما يؤلمه ويحرق صدره الآن. وصل إليها ورآها وهي معه، تلك كانت بمثابة ضربة قاضية لثقته بنفسه. ما سعى لتحقيقه لأسابيع انهار بلحظة. رآها وتحدث معها لذلك هي في تلك الحالة منذ أمس، ولم تخبره. ههه كيف ستخبره وهو الآن في نظرها ضعيف لم يستطع حمايتها.
عاد ينظر أرضًا بنظرة منكسرة وتحدث بجمود وكأنه شخصًا آخر: –وبعدين. قرأت ما دار في عقله، وحسبت حساب هذا جيدًا لذلك أسرعت تعانقه بقوة وتردف باكية لتظهر ضعفها وثقتها به: –هددني، هددني يا حمزة، قالي أطلب منك الطلاق وتطلقني غصب عنك زي ما خليته يطلقني غصب عنه، وإلا هيأذيك. ضيق عينيه ويديه تجاوره لم يبادلها العناق متسائلًا بهدوء حاد مخيف: –وبعدين؟ ظلت كما هي تكمل بدموع وهي في أشد الاحتياج له:
–اختفى بعدها، اختفى قبل إنت تحس بوجوده، هددني ومشي قبل ما إنت تخبط وتدخل. رفع ذراعيه يبعدها بهدوء عنه وينظر لعينيها متسائلًا بعجز: –ومقولتليش ليه أول ما خرجتي؟ هزت رأسها وتحدثت بصدق:
–مكنش ينفع أبدًا يا حمزة، ده كان مستخبي ورا ناس تبعه معاهم أسلحة وهدد الممرضة والدكتورة نفسها، وإنت كنت لوحدك من غير أي مساعدة ولا دعم من أي حد، مكنش ينفع أبدًا أقولك أي حاجة، أنا أصلًا كنت في حالة صعبة، إنت خبيت عني إنه رجع وأنا أول ما شفته دمي نشف، مكنش ينفع أقولك صدقني. ابتسم بألم وأومأ يبتعد قليلًا عنها ويصارع أفكاره. يريد أن يفهم عليها، لا يريد الشك أنها تراه ضعيفًا، عقله لا يعمل بشكل صحيح الآن. لذلك
عاد يطالعها ويتحدث بجمود: –وناوية على إيه؟ طالعته بتعجب. أي سؤال هذا؟ بماذا يتفوه وكيف يتحدث؟ أدركت أن ما حدث شتته لذلك أخفت ضعفها وجففت دموعها وأظهرت قوتها وهي ترفع رأسها أمامه متحدثة:
–أنا اللي أسألك السؤال ده مش إنت، أنا اللي سلمتك زمام الأمور وانت تتصرف، إنت خبيت عني إنه رجع وبقى شريكك بس أنا متأكدة وواثقة إنك خبيت عني علشان متقلقنيش، بس كان لازم تعرفني يا حمزة، كان لازم تعرفني علشان لو كنت عارفة إنه رجع وحصل اللي حصل امبارح مكنش حصل اللي حصلي ده، مكنتش عيشت اللي عيشته امبارح أول ما سمعت صوته. اقتربت منه مجددًا وتحدثت بقوة وثبات:
–مش قلة ثقة فيك زي ما إنت مفكر، بالعكس، أنا لو مش واثقة فيك وواثقة إنك تقدر تقف في وشه زي ما حصل قبل كده وقدرت تخلصني منه مكنتش حكيتلك دلوقتي، مكنتش قولتلك خالص، برغم خوفي ورعبي إنه يأذيك لأنه خاين وبيضرب في الضهر بس قولتلك، برغم إن لو آذاك هموت بس عمري ما هقبل إنه يضربك بيا، عمري ما هديله فرصة إنه ينتقم مني بيا يا حمزة، إلا إنت، أي حد إلا إنت، الدنيا كلها إلا إنت يا حمزة.
قالت الأخيرة بنبرة منكسرة ودموع جعلت هذا المتصلب يلين وتعود نظرته كما كانت، رفع كفيه يمسح على وجهه بعنف ويستغفر، يحاول تهدئة أفكاره، يحاول التروي. عاد ينظر لها بقوة وصمت، يفكر كيف كانت حالتها عندما رأته، مؤكد ارتاعبت، مؤكد أخافها، ماذا إن لمسها. عاد السواد يحوم في مقلتيه وتشتد قبضته حتى برزت عروق كفيه وتساءل: –عملك حاجة؟ مد إيده عليكي؟ ابتلعت لعابها وتحدثت بصدق: –كنت هصوت بس كمم بؤي.
اعتصر عينه وانكمشت ملامحه وهو يتحرك باتجاه الخارج ويردد بغضب أعمى وقد فقد أي ذرة عقل: –هقتله، ده لازم يموت ويريح العالم منه. أسرعت تقف قبالته وتمنعه مردفة بخوف ورجاء: –لاء يا حمزة علشان خاطري متعملش زيه، إنت أعقل من كده، ده واحد مريييض، إهدى وهنلاقي حل لو بتحبني. رأسه يردف بإصرار وقد تحول: –لاااء، ده موته حسنة، ده لازم يموت وهيبقى على إيدي، إبعدي عن سكتي دلوقتي يا ريتان.
قال الأخيرة بصراخ جعل جسدها يهتز وهو تقف خلف الباب فارده ذراعيها تمنعه وتهز رأسها بقوة فما كان منه إلا أنه أزاحها وعينه مغيبة عن رؤيتها الآن، كل ما يراه حالتها أمس ولمسها لها وكاد يفتح الباب ليندفع، فعادت تقف أمامه مردفة ببكاء ورعب: –حمزة أنا حامل، أنا حاااامل. تلك المرة تجمد يطالعها بذهول، نعم كان يشعر ولكنها تؤكد له؟ ام تخدعه ليقف. قرأت شكه فتابعت بدموع وهي تتناول كفه وتضعه على رحمها:
–أنا حامل يا حمزة، طول السنين اللي فاتت دي وأنا سليمة والعيب كان عنده هو وخدعني، إهدى علشان خاطري، أنا ومروان والبيبي محتاجينك، هنلاقي حل، صدقني هنلاقي حل، هو أصلا جبااان صدقني. ما أن وضعت يده على بطنها حتى ارتعد جسده، كأنه لمس صغيره حقًا، كأنه شعر به، كأنه امتص غضبه وتبخر.
ظل ثابتًا لثوانٍ يستوعب ويشعر بحملها ثم سحب يدها التي كانت تتمسك بكفه وسحبها إليه يعانقها بقوة، وهذا ما كانت تتمناه، بدا العناق دافئ وحنون بث فيها الطمأنينة والراحة التي تطالب بهما الآن. أما هو فيعانقها بصمت، سيرزق بطفل منها، هذا الخبر له مذاق آخر تمامًا، سيأتي من يخلد حبهما، سيأتي ممن أحبها ولم يحب سواها، سيأتي أخ طفله ويصبح لديه عائلته الصغيرة، والآن عليه إيجاد حل لضمان سلامة الجميع.
ابتعد عنها بعد فترة ينظر لها بحب ويردف معتذرًا: –أنا آسف يا ريتان، كان لازم أأمنك كويس، آسف إني مقدرتش أحميكي منه. هزت رأسها تردف بصدق: –بالعكس، إنت دايماً كنت حاميني منه، دايماً كنت بطلي بس هو خبيث، إنت مش زيه يا حمزة، وأنا بحبك بعقلك وحكمتك وعارفة إنك هتلاقي حل هادئ وعاقل زي ما اتعودت منك. زفر بقوة وهو ينظر لها بصمت ثم عاد يعانقها ويقبل رأسها قبلات عدة ويفكر في القادم وفي أنسب حل لأجلها.
استيقظت بسمة من نومها على رنين هاتفها. تناولته من جوارها تنظر له فوجدتها جميلة، ردت بأرهاق وتعب قائلة: –أيوة يا ماما أزيك. تحدثت جميلة بقلق حاولت مداراته: –بسمة؟ عاملة إيه؟ إنتِ كويسة؟ تحدثت وهي تشعر بتلوي أسفل معدتها وتقلص رحمها مردفة: –تعبانة يا ماما، مغص جامد ومش قادرة. ذعرت جميلة وأردفت بعتب: –وساكتة ليه؟ مكلمتنيش ليه وكنت جيت أخدتك للدكتور، وبهاء فين؟ نظرت جانبها وجدت بهاء ينام بعمق بعد يوم مجهد
متعب ثم عادت تردف بأنين: –بهاء تعب معايا جدًا امبارح، وكان عايز ياخدني بس أنا مرضتش، مكنتش قادرة أنزل. تحدثت جميلة باندفاع: –اقفلي وأنا هجيلك حالاً، إجهزي ومسافة السكة. أغلقت معها بينما حاولت بسمة القيام لتنظر لصغيرها الذي ينام في سريره الصغير مجاورًا لهما، ولكن ما إن قامت حتى وجدت بقعة دماء تملأ الملاءة أسفلها جعلتها تصرخ باكية: –بهااااااء.
استيقظ مفزوعًا يطالعها بصدمة فنظرت له وأشارت على تلك البقعة التي ما أن نظر إليها حتى تجمد مكانه لا يستوعب ما يحدث. أفاق على بكائها الحاد وحتى الصغير استيقظ يبكي هو الآخر فترجل مسرعًا يردف بتشتت: –اهدي، متقلقيش، اهدي. كان يحاول فعل أي شيء ولكن لا يستوعب بعد وهي تبكي وتنظر للدماء بزعر وقد تيقنت أنها مؤكد خسرت جنينها. عند حمزة.
يجلس مجاورًا بعد أن تحلى بالهدوء واستمع إليها وهي تسرد له تفاصيل ما حدث كاملًا. زفر بقوة وتناول هاتفه يهاتف فؤاد الذي أجاب مردفًا: –صباح الخير يا حمزة. تحدث حمزة بضيق دون رد الصباح عليه: –ناصف قابل ريتان امبارح يا فؤاد، روحنا عيادة نسائية والكلب شافها هناك وهددها، عمل خطة وزي كلب وعرف يوصلها، عرف يهددها ويخوفها، دلوقتي بقى وقوعه سهل، ولازم آخد ريتان وأطلع على تامر ونقدم بلاغ فيه فورًا. تحدث فؤاد بمهنية ودهاء:
–اهدي بس كده، بعد اللي عمله ده يبقى واضح إننا بنتعامل مع واحد مختل، اصبر عليا لما أحاول أفهم بالضبط إيه اللي حصل في العيادة ومرة تانية أبقى أسمع كلامي، قولتلك لازم حراسة عليك قولت لاء، أهو وصلكوا وهددكوا. تحدث بإنكسار وهو يبعد نظره عنها: –يعني كنت هاخد حراسة تحرس مراتي وهي معايا يا فؤاد؟ تحدث فؤاد بغضب معنفًا:
–يا أخي افهم، افهم إنك بتتعامل مع واحد خارج عن القانون، واحد معندوش لا مبدأ ولا ضمير ولا عقل، إنت مش بطل خارق إنت إنسان عادي وهو واحد خاين وغدار، ركز بقى يا حمزة. زفر بضيق ثم تابع يتساءل: –طيب دلوقتي هنعمل إيه؟ هنسيبه كده يعمل ما بداله؟ لازم حل في أسرع وقت يا فؤاد أنا اتخنقت. تحدث فؤاد بهدوء:
–أكيد هنلاقي حل طبعًا، وأحسن حاجة إن المدام بلغتك باللي حصل، هو مختل وفكر إنها هتخاف وتنفذ تهديده، خلينا نعرف الأول هو عمل إيه ونستعمل خطته في توقيعه، بس اصبر عليا. أومأ حمزة وأردف باقتناع: –تمام، أنا مش رايح الشركة النهاردة، بس متتأخرش عليا. تحدث فؤاد برفض:
–لاء لازم تروح، بما إنه عرف مكانكوا يبقى هو مراقبكوا كويس أوي، وممكن كمان يكون قريب جدًا من القصر وإحنا طول الوقت مفكرينه مستخبي بعيد، اتصرف طبيعي خالص لما نشوف هنعمل إيه، وياريت لو نقابل مدام ريتان. تحدث برفض قاطع: –لا يا فؤاد، من هنا ورايح ريتان هتبعد تمامًا عن الحكاية دي، ريتان مش هتخرج برا القصر مرة تانية. حاول فؤاد التروي قائلًا:
–كده هيفهم إنها بلغتك يا حمزة وممكن يكون ناوي يعمل حاجة تانية، مينفعش أسلوبك ده، لازم تحكلنا أنا وتامر بالضبط اللي حصل، هي اللي هتقدر تساعدنا، ويمكن الاعتراف اللي تامر عايزه وإنت مش عارف تجيبه هي تعرف تسجله ليه، خد بالك إن ناصف شكله مطمن من ناحيتها. عاد يردف برفض قاطع: –مستحيييل يا فؤاد، ريتان هتبعد تمامًا عن الحكاية دي، مش هتشوف الواطي ده مرة تانية. تحدث فؤاد بغضب مماثل من عناده:
–ما تهمد بقى يا أخي وتفكر صح، أصلًا مدام ريتان دخلت في الحكاية من اللحظة اللي ناصف وصلها فيها، تصرفك بالطريقة دي منتهى الغلط. نظر لريتان والخوف عليها ينهشه بينما هي ربتت على ساقه وتحدثت بهدوء وتروي: –افتح المايك يا حمزة. زفر باستسلام وفتح المايك فتابعت بتعقل: –فؤاد بيه أزي حضرتك، شوف المطلوب مني إيه وأنا تحت أمرك، ولو لازم نتكلم أنا ممكن أفتح التاب وأبقى معاكم من مكاني. هدأ فؤاد وتحدث باحترام:
–تمام يا مدام ريتان، كده كويس جدًا، يبقى دلوقتي أنا هحاول أعرف بطريقتي هو وصل للعيادة إزاي واحاول أفرغ كاميرات المراقبة لو وصلنا له مع إني أشك يبقى كويس جدًا ولو معرفناش نوقعه بالطريقة دي يبقى هنضطر ندخلك في الموضوع.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!