في إحدى المستشفيات الخاصة يقف بهاء مع جميلة التي تحمل الصغير بعد أن أتوا مسرعين إلى هنا ومعهما بسمة. أدخلوها غرفة العمليات على الفور وها هما يقفان في الردهة، القلق يتآكلهما. فمذ حوالى ساعة ولم يخرج أحد يطمئنهما عليها. رن هاتف جميلة برقم ريتان التي هاتفتها لتطمئن عليها. ناولت جميلة ياسين لوالده وأخرجت هاتفها من حقيبتها لترى المتصل. وجدتها ريتان فتحشرج صوتها وأجابت باكية تردف: –ريتاااان، شوفتي اللي حصل لبسمة؟
وقع قلبها من نبرة والدتها وتساءلت بذعر: –خير يا ماما، مالها بسمة؟ أردفت جميلة منتحبة بحزن: –نزلت الجنين يا بنتي، معرفش إيه اللي حصل، وهي دلوقتي في أوضة العمليات بقالها ييجي ساعة ومحدش طمننا، أنا قلقانة أوي. إنتفضت ريتان من مجلسها تردف على عجلة: –لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، مستشفى إيه يا ماما؟ هجيلك حالاً. أملتها اسم المشفي وأغلقت معها. هاتفت حمزة الذي ذهب إلى شركته منذ قليل لتخبره.
أجاب على الفور يردف بترقب: –أيوه يا حبيبتي؟ إنتِ كويسة؟ أومأت تردف بصوت حزين: –حمزة أنا لازم أخرج حالاً، بسمة نزلت البيبي وفي المستشفى. وقف من خلف مكتبه يجمع أغراضه ويردف وهو يخطو للخارج: –تمام إلبسي وأنا جاي حالاً. أغلقت واتجهت تبدل ثيابها. دلف عليها مروان بعد أن طرق الباب وأذنت له فرآها وهي تحضر ثيابها. تحدث بحب متسائلاً: –مامي إنتِ خارجة؟ تركت الملابس وأتجهت إليه تعانقه وتقبله كعادتها ثم تحدثت بحنو:
–أيوه يا مارو، فيه مشوار مهم لازم أروحه، قول يا حبيبي محتاج حاجة؟ تساءل الصغير بترقب بعد أن اختلف على إحدى الألعاب هو وبيري ابنة عمه: –ينفع أجي معاكي، أنا وبيري اتخانقنا وأنا مش هكلمها تاني. أبتلعت لعابها ثم دنت منه تردف بتمهل برغم ما تشعر به قلقاً على شقيقتها: –بس يا مارو بيري بتحبك وعادي لما تختلفوا على حاجة، ليه متتكلموش براحة وتسألها هي زعلت ليه؟ تحدث ببراءة:
–أنا كنت بخسر نفسي في اللعبة علشان هي تكسب على طول بس هي بقت بتعرف تلعب كويس فبقيت أنا كمان بلعب كويس هي زعلت وقالت إني مبقتش أحبها. ابتسمت بهدوء ثم تحدثت بتروي:
–طيب إنت دلوقتي هتروح لها وتقول لها الحقيقة وإنك كنت عايزها تتعلم اللعبة الأول إنما دلوقتي هي اتعلمتها خلاص فالأفضل إنك تتنافسوا وتفهمها إنها لو بتحبك زي ما إنت بتحبها هتفرح لما إنت تكسب، وأنا أوعدك إني هاخدك ونطلع مشوار سوا وكمان مع بابي بس حقيقي مينفعش أخدك معايا المرة دي. أومأ لها متفهماً وراق له حلها فقبلها وأسرع يخطو للخارج كي يفعل كما قالت واعتدلت هي تتنهد ثم بدأت في تبديل ثوبها. بعد وقتٍ في المشفى
خرج الطبيب فأتجه إليه بهاء على الفور يتساءل بقلق: –خير يا دكتور طمني، بسمة عاملة إيه؟ تحدث الطبيب بمعالم وجه حزينة يردف: –هو طبعاً للأسف خسرنا الجنين، وعملنا تنظيف، بس المشكلة إننا اكتشفنا أورام ليفية مخاطية في الرحم أدت لتضخمه، وده سبب النزيف والإجهاض، وقبل ما نقرر طريقة العلاج لازم ننتظر لما المريضة تفوق ونعمل رنين مغناطيسي علشان نعرف حجم الأورام، وطبعاً نتمنى تكون حاجة بسيطة وألا هنضطر نستأصل الرحم.
سقط قلبه مرتطماً وهو ينظر لجميلة التي صرخت باكية بحسرة وظل متجمداً لثوانٍ قبل أن يحاول استعادة ثباته ويتساءل بحزن وعجز: –طيب وبسمة، عاملة إيه؟ زفر الطبيب وتحدث: –طبعاً مش هيبقى سهل عليها خبر زي ده، بس لازم تحاولوا تشرحولها إن دي مشيئة ربنا وإن شاء الله نحاول نحل الموضوع بشكل تاني من غير ما نحتاج لاستئصال الرحم. أومأ عدة مرات يردد بحزن وخيبة: –قدر الله وما شاء فعل، قدر الله وما شاء فعل. ربت الطبيب على كتفه وقال:
–ونعم بالله، دقايق وهننقلها على الأوضة. تركه وعاد للداخل واتجه هو يجلس بصغيره فلم تعد قدماه تحمله، وجميلة تقف تجاوره باكية. الآن يواجه شيئاً كبيراً عليه. في الأمس كانا ينتظرا طفلهما الثاني والآن هما مهددان باحتمالية استئصال الرحم. يا إلهي ما هذا الاختبار الصعب؟ وكيف ستتقبله بسمة؟ وهل أمامها حل آخر؟ جاء حمدي الذي علم من زوجته يتجه إليهما وعندما رأى حالتهما أسرع يتساءل بقلق: –فيه إيه؟ بنتي مالها؟ إتجهت إليه
جميلة تردف منتحبة بقهر: –بسمة هتشيل الرحم يا حمدي، بنتي مش هتخلف تاني. إرتمت في حضنه تجهش في بكاء مرير بينما هو وقف مصدوماً لا يستوعب بعد ثم لمعت عينه بالدموع وهو يردد: –لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، رحمتك يا رب. بعد دقائق قليلة وصلت ريتان أيضاً ويجاورها حمزة واتجها إليهما بعدما جلسوا جميعهم ينتظرون خروج بسمة. نظرت ريتان لجميلة الباكية وتساءلت بقلق: –خير يا ماما حد طمنكوا؟
رفعت جميلة نظرها لريتان ثم عاد البكاء والحزن ينهش داخلها وتحدثت بقهر: –أختك يا ريتان، أختك يمكن يشيلولها الرحم، أختك معادش هتخلف تاني. نظرت لحمزة بصدمة ووقف الآخر لا يعلم ماذا يقول بينما هي سقطت عبراتها ووقفت فقط تبكي وتفكر دون نطق حرف فقد ألجمتها الصدمة. عند سناء التي قررت اصطحاب توأمها إلى منزل والدها بعد أن ضجرت من الجلوس وحدها. ترجلت من سيارتها بعد أن وصلت وترجل التوأم يردفان بضيق:
–يعني كان لازم يا مامي نيجي معاكي؟ كنا روحنا النادي وجيتي وحضرتك لـ. تحدثت بضيق وعتاب: –ميصحش كده، دول أهلكوا وليهم حق عليكوا، قولت الكلام ده مليون مرة قبل كده، وآخر مرة هقوله، تمام؟ زفر التوأم وأومئا واتجهوا جميعهم للداخل حيث استقبلتهم صفية بترحاب وود وكذلك كاري وشيرين. رن هاتف سناء فتوقفت عند الباب عندما وجدته رقم معاذ وتنهدت بقوة ثم استأذنت قائلة: –بعد إذنكوا هرد على الموبايل وأرجعلكوا.
خطت عائدة للخارج حيث الحديقة في مكان مناسب وأجابت قائلة بجدية: –أهلاً يا معاذ بيه؟ خير في حاجة؟
تحدث معاذ الذي كان يظن أنه لن يكرر طلبه ولكنه لم يستطع، حاول التفكير بعقلها وتفهم خوفها وصغر توأمها، أراد أن يطمئنها، أراد أن يثبت لها أنه ليس كغيره، أراد أن يحقق لها المعادلة الصعبة التي تتمناها وهي راحة توأمها وسعادتها، سيفعلها من أجلها، يستحقان فرصة، هو وحيد ويعاني الوحدة وظهرت هي أمامه لتحرك مشاعره التي ظنها باردة، أيقن أنه أحبها، أيقن ذلك بعدما غلبه التفكير بها، منذ أن أخبره حمزة برفضها وهو يفكر، حتى أنه خشي
نظرة المجتمع من حوله لنعته بالمراهق ولكنه لم يعيش الحب أبداً، زوجته المتوفاه كان بينهما مودة ورحمة واحترام ولكن الأمر مع سناء مختلف، هي شغلت حيز كبير من أفكاره واحتلتها حتى بات مثل العاجز في بعدها، أصبح يتمناها جواره وحلاله لتشاركه وحدته واسمه وحياته ولتكن ونيسته، ليس مراهقاً بل رجلاً ناضج يفكر بالعقل والقلب معاً.
تحمحم يردف بعد أن سمع صوتها: –مدام سناء ازيك، أنا عارف إن مفيش أي سبب يخليني أكلم حضرتك تاني بس أنا حابب أقابلك وأتكلم معاكي في أي مكان تختاريه، ولو سمحتِ مترفضيش، اسمعي اللي عندي وبعدها قرري، يمكن أنا اتكلمت مع حمزة الأول احتراما للأصول بس أنا محتاج أتكلم معاكي انتِ المرة دي، واختاري أي مكان انتِ عايزاه، بس لو سمحتِ مترفضيش.
وقفت حائرة، منذ أن أبلغت حمزة بقرارها وهي حزينة، تشعر أنها رفضت فرصة ربما لن تعوض، ولكن تعود وتنهر نفسها فهي اختارت توأمها ومستقبلهما، كيف لها أن تفضل سعادتها عنهما وأي سعادة تلك التي تتوقعها وهما تعيسان، إن كان والدهما الحقيقي كان لا يهتم لأمرهما ويعنفهما فهل سيفعل الغريب ويحبهما؟
وهذا أكثر ما تخشاه، تخشى أن يجرحهما أحد ولو بكلمة، تخشى أن يلوموها عندما يكبرا بأنها فضلت نفسها عنهما، تخشى بعد كل ما عانته أن تظهر في ثوب الأم السيئة وهي أبعد ما يكون عن ذلك. تحدثت بهدوء ونبرة مستجيبة: –مش مسألة رفض يا معاذ بيه، بس اللي حضرتك منتظره مني صعب يحصل، حضرتك عارف إني أم لولدين في مرحلة صعبة محتاجين فيها كل اهتمامي وتركيزي، وأنا فكرت كويس ولقيت إن مينفعش أفكر في أي شيء تاني حالياً غير مستقبلهم. تحدث بصدق:
–طيب ما تخليها نفكر، خليني أشاركك التفكير في مستقبلهم، خلينا نتشارك في كل حاجة خاصة بينا، خلينا ندي لبعض فرصة جديدة، مش يمكن ننجح؟ ابتلعت لعابها وبدا حديثه مؤثر ثم عادت لجديتها بعد أن توغلها الخوف وأردفت: –مفيش الكلام ده يا معاذ بيه، إحنا مش عايشين في المدينة الفاضلة للأسف، أولادي مسؤولين مني أنا وبس، وحضرتك عندك أولادك، مينفعش تشيل حمل مش ليك أبداً، أنا مش هسمح بكده. عاد يتحدث بتروي بعد تفكير طويل:
–هكلمك بمنظور ديني يا مدام سناء، الرسول صلى الله عليه وسلم قال (أنا وكافل اليتيم كهاتين في الجنة) وأشار بأصبعيه السبابة والوسطى، يبقى ليه إنتِ عايزة تحرميني المكانة دي؟ صدقيني أنا حابب جداً وعلى استعداد أقوم بالدور ده، أنا واثق أننا نستحق فرصة، خليني أتكلم معاكي الأول وبعدين أتكلم مع الأولاد، ولو هما رفضوا أنا مش هتكلم تاني، بس فكري كويس. زفرت بقوة تلوك الأمر في عقلها ثم تحدثت مستسلمة:
–تمام يا معاذ به، خليني أضبط أموري وأبلغ حضرتك. تحدث بنبرة فرحة لموافقتها: –تمام يا مدام سناء، هنتظرك بس ياريت متتأخريش عليا. تنهدت تردف بهدوء: –إن شاء الله. أغلقت معه ووقفت لدقائق تفكر ثم قررت الدخول لقضاء اليوم مع عائلتها والتفكير بتروي لاحقاً. في المشفى نقلت بسمة إلى غرفة عادية وكانت تحت تأثير المنوم بينما الجزء السفلي منها مخدر تخدير نصفي. الجميع حولها يجلسون بحزن جلي.
ريتان تجاور حمزة مطأطأة الرأس باكية، وجميلة تحمل الصغير الذي نام وتنتحب على حال ابنتها، وبهاء يستند على حافة النافذة لا حول له ولا قوة يطالعها بعجز وتشتت. بدأت تفيق شيئاً فشيئاً ويداها تتجه تلقائياً لبطنها. تتحسسها ببطء وما لبث أن فاقت تصرخ وتبكي، بعد أن تيقنت أنها خسرت جنينها. أسرع إليها بهاء يحتويها ويواسيها مردفاً: –إهدي يا بسمة، قدر الله وما شاء فعل، إهدي يا حبيبتي.
كذلك جميلة التي مدت الصغير على أحد المقاعد وأسرعت إليها هي وحمدي يحاولان تهدأتها. كانت تنتحب بقوة وتردد: –ابني رااااح، راااح يا بهاء، اااااه. تقف جانباً تستند على زوجها وتبكي بقوة على حال شقيقتها، تعلم مدى بشاعة الأمر، الأمر لا يحتمل حقاً، مجرد التخيل مدمر فماذا عن حال شقيقتها، ولكن لا اعتراض على مشيئة الله، ليتها تستطيع قول شيء يواسيها. ظلت بسمة تصرخ وبهاء وجميلة يحاولان تهدأتها وحمدي يردد:
–ارضي يا بنتي، قضاء ربنا كده، خير يا بسمة المهم سلامتك يا حبيبتي. ظلت تبكي ويجاورها بهاء يردد كلمات الرضا إلى أن عادت أو هربت للنوم مجدداً. في المساء وريتان تجاور جميلة، يوم مجهد مر على الجميع، بسمة تنام وكأنها ترفض الواقع وتستنكر حدوث ما حدث. حمدي وحمزة يواسيان بهاء في الخارج وهو يردد (قدر الله وما شاء فعل، الحمد لله على كل حال) استيقظت مجدداً تردف بشفاه جافة وعيون مغلقة: –مايه، عطشانة.
أسرعت ريتان بعدما لاحظت غفوة جميلة، وقفت تتجه للكومود وتتناول زجاجة المياه المعدنية وتقربها منها مردفة بتوتر لخوفها من رد فعل بسمة: –إشربي يا بسمة. فتحت عينيها تطالعها بخفوت ووهن ثم عاد البكاء يداهمها وأردفت متسائلة: –شمتانة فيا مش كده؟ لو أن أحدهم أصاب قلبها برصاصة أهون عليها من تلك الجملة وهذه النظرة. ابتلعت مرارة حلقها ووقفت تتحكم في التواءة أحشائها مردفة بصدق ودموع: –أشمت في أختي؟ مستحيل. عاد تردف
وشهقاتها بدأت تزداد مردفة: –ليييه، المفروض تشمتي فيا، ابني رااااح أهو، ويمكن ما أعرفش أخلف تاني زي ما كانوا بيحكوا في أوضة العمليات، يعني هبقى زيك. نزلت عبراتها متتالية. كيف تخبرها أنها الآن تحمل في رحمها علقة صغيرة؟ كيف تخبرها أنها لم تكن يوماً تعاني من مشكلة في الإنجاب كما كانت تعتقد بل أوهِمت بذلك؟ الآن بات إخبارها بهذا الخبر شبه مستحيل. هي لن تفعل مثلها، لن تؤلمها، ولكن لم تتوقع أن يأتي صوت من خلفها يردف بجمود:
–بس ريتان حامل يا بسمة. التفتت تنظر بصدمة لحمزة الذي دلف مع بهاء وحمدي بعد أن استمع إلى صوت بسمة. سمع حديثها ولم يحتمل، إن كانت حقاً تتصرف بتسرع وطيش لتعلم بحمل شقيقتها ربما تأنت قليلاً، وإن كانت تحمل نفساً خبيثة فتعتبر ما يمر بها درساً، وإن كانت تفسر الأمور بطريقة خاطئة فلتحاول الفهم. لم يحتمل أن تهان حبيبته مجدداً وتحدث بذلك حتى ولو كان الوقت غير مناسب. وقفا حمدي وجميلة يتطلعان على بعضهما.
توغلت إليهما السعادة وكادت تغطي على حزنهما بعد هذا الخبر لولا ريتان التي أردفت مسرعة وهي تندفع للخارج: –عن إذنكوا. خرجت وتبعها حمزة، يحاول اللحاق بها، ينادي عليها فوقفت في ردهة المشفى تلتفت إليه وتردف معاتبة بحزن: –ليه يا حمزة، قولت ليه دلوقتي، هي في حالة صعبة، مكنش ينفع نقوووول. وقف أمامها يطالعها بحب، في كل مرة تثبت له أنها محقة في احتلال قلبه، أن لها الحق الكامل والتحكم الكامل في مشاعره وكيانه. تحدث بحب وتمهل:
–لو بتحبك بجد مش هتزعل، اللي حصل مع بسمة ده قضاء وقدر وأي حد معرض ليه بس مستحيل إنتِ تشتمي فيها. زفرت بقوة فمد يده يحتويها ويضع رأسها على صدره مردفاً بحنو: –يمكن اتسرعت بس غصب عني، متحملتش توجعك بالكلام، أنا عارف إنها في صدمة دلوقتي وصدقيني أنا زعلان عليها جداً بس مش هتحمل حد يزعلك. استكانت قليلاً معه، تعلم أنه محق.
يكفي أنه ترك عمله ومكث معها يدعمها ويجاورها ويشاركها حزنها على شقيقتها، يكفي أنها كلما احتاجته وجدته، يكفيه ما يعانيه ويؤرقه بسبب ذلك الخبيث، يكفيه ما على عاتقه. ابتعدت تطالعه بحب وتردف بهدوء: –تعالى نروح يا حمزة وهبقى أرجع لها وقت تاني. أومأ لها يردف مؤكداً: –نرجع لها، مش هسيبك تيجي هنا لوحدك يا ريتان. ابتسمت له وأومأت وغادرا بعد ذلك بينما عند بسمة التي صدمها الخبر. حسناً ليست حاقدة على شقيقتها، ولكن ما هذا التوقيت؟
يا إلهي هل حقاً كانت ظالمة لها؟ في اليوم الذي فقدت جنينها به وهناك احتمالية عدم انجابها مجدداً تعلم أن شقيقتها حامل؟ شقيقتها التي دوماً كانت تظنها تحقد عليها وعلى حياتها وتغار منها؟ ترى هل حقاً هي المخطئة مثلما أخبرها زوجها ووالدها وحتى والدتها؟ هل تجني الآن نتيجة ما زرعته؟ ولكنها لم تتعمد ذلك، لاااا لقد فسرت فقط ما رأته ولم تبالغ، أو ربما بالغت، هل بالغت حقا؟ نظرت للجميع من حولها، الكل ينظر لها بقلة حيلة.
بهاء يجلس يستند برأسه على ذراعيه لا يعلم ماذا يفعل. وحمدي يجاور جميلة يخشى إظهار الفرحة بعد هذا الخبر فتحزن ابنته، ولكن أتى خبر حمل ريتان ليخفف عنهما حزنهما على بسمة التي أغمضت عينيها واندجت مع أفكارها المتضاربة بعيداً عن العين الحزينة التي تلومها بصمت. في المساء يجلس فؤاد في مكتبه يفكر بعد كل ما علمه، يخشى إخبار حمزة فيصعب الوضع ويتصرف الآخر بتسرع، لذلك فها هو يهاتف تامر الذي أجاب بترقب: –أهلاً يا فؤاد، عرفت حاجة؟
تحدث فؤاد بتروي: –أيوه يا تامر، عرفت طبعاً وقولي نعمل إيه، لإن الوضع كده بقى خطر. تنبه تامر وقال متسائلاً: –خير يا فؤاد، قول اللي عندك؟ زفر فؤاد وتحدث بما أتى به:
–أنا فرغت الكاميرات اللي حوالي القصر ولاحظت بعد خروج حمزة ومراته إن فيه عربية اتحركت وراهم فيها رجلين وبعدها عربية تانية فيها واحدة منتقبة وواحد معاها، ونفس المنتقبة دي نزلت قدام العيادة اللي حمزة ومراته دخلوها، وده عرفته من كاميرا مراقبة برة العيادة، لإن تسجيلات المراقبة اللي في العيادة بتاعة امبارح كلها اتمسحت ولما حاولت أعرف اللي حصل من الدكتورة رفضت تماماً تتكلم بحجة إني مش جهة حكومية، بس بحكم خبرتي هي مخبية حاجة طبعاً وكانت خايفة وهي بتتكلم، بس بعدها اتأكدت إن المنتقبة دي تبقى ناصف وواخد شقة قصاد القصر على طول وبيراقب كل تحركات حمزة وعيلته منها، وطبعاً عقد الإيجار باسم حد من اللي معاه مش باسمه.
كذا بقى لازم نتحرك بسرعة وهدوء لإن وجوده برا خطر على أي حد، واضح إنه بيخطط لحاجة كبيرة، وزي ما بلغتك الصبح، تهديده لمرات حمزة يأكدلنا إنه واحد مجنون وممكن فعلاً يؤذيها. تحدث تامر بعد تفكير بترقب: –لو عايز أتواصل مع مرات حمزة بس من غير ما حمزة يعرف أعمل إيه؟ زفر فؤاد وقال: –هيبقى صعب يا تامر، حمزة مش هيسمح بحاجة زي كده. تحدث تامر بإنفعال:
–لازم يا فؤاد، البني آدم ده محدش يتوقع هو ممكن يعمل إيه، وحمزة ممكن يتهور، لازم نوقعه بسرعة قبل ما يلاحظ إننا عرفنا حاجة، واللي هتقدر تساعدنا في ده هي مرات حمزة نفسها لإن هي الهدف. تساءل فؤاد بتوتر: –قصدك هنعملها طعم نصطاده بيه؟ تحدث تامر بثقة وتريث: –مش بالضبط كده، أكيد مش هنخاطر بيها، لازم نأمنها كويس، بس الأفضل إن حمزة ما يعرفش. زفر فؤاد وتحدث بترقب:
–تمام يا تامر، أنا هحاول اتواصل معاها، بس لو مقبلتش يبقى نبلغ حمزة، واطمن حمزة عاقل واظن لو الموضوع متعلق بمراته مش هيتهور. أردف تامر بقبول: –تمام، موافق. في اليوم التالي ذهبت ريتان مع حمزة لترى شقيقتها، فبرغم ما حدث إلا أنها لا تستطيع تركها، خصوصاً بعد أن أخبرتها جميلة أنها ظلت طوال الليل تبكي بعد أن أخبروها بحقيقة وضعها الصحي وعليها التمهيد للقادم.
دلف الغرفة وانتظرها حمزة في الخارج والقت السلام على والدتها وشقيقتها التي تستند على الفراش. ردت جميلة السلام ووقفت تعانقها ثم ابتعدت ريتان تنظر لشقيقتها متسائلة بترقب: –عاملة إيه يا بسمة النهاردة؟ نظرت لها بتمعن، نظرت لملامحها كأنها تراها للمرة الأولى. هل حقاً تلك العيون كانت صادقة تنظر إليها بحب وصدق؟ هل حقاً كانت تلك الواقفة تتمنى لها الخير وتتصرف مع صغيرها وزوجها بصدق دون أي أفكار خبيثة؟
هل حقاً كان عقلها هي هو المستوطن لتلك الأفكار وقامت بتربيتها داخلها فقط حتى كبرت وسيطرت عليها. زفرت بقوة وأومأت تردف بهمس ودموع وحزن دون النظر إليها: –الحمد لله.
إنتابتها الراحة قليلاً بعد أن شعرت بهدوء الحديث بينهما ثم قررت المغامرة بالحديث لذلك سحبت مقعداً وثبتته بالقرب من فراشها وجلست عليه تطالع شقيقتها ثم مدت يدها تتمسك بكف شقيقتها التي تفاجأت ولفت نظرها إليها متعجبة بينما جميلة قررت ترك مساحة لهما لذلك وقفت بصمت تتجه للخارج. تحدثت ريتان بصدق ودموع أتت مجبرة بعد هذا الموقف:
–أنا عمري ما أشمت فيكي يا بسمة، أنتِ أختي الوحيدة، الوحيدة اللي هفضل سعادتها عن سعادتي، الوحيدة اللي مهما شوفتها مبسوطة ومرتاحة عني عمري ما أزعل أو أغير يا بسمة، علشان كده كنت بتصرف بعفوية مع أي حاجة تخصك، فرحتي وحبي لياسين ده لأنه ابنك، لأنه ابن اختي وأقرب طفل ليا، وتصرفي مع بهاء كان لإنه إنسان بيحبك وبيقدرك، لو مكنش بيحبك أو بيتعامل معاكي بقسوة لا قدر الله مكنتش هحترمه أبداً، لأني اتعذبت في حياتي كتير ومش هقبل تتعذبي زيي، برغم إني أكبر منك بأربع سنين بس لكن كنت بحس إنك بنتي مش أختي، ودايماً أقول لنفسي معلش لسة صغيرة وبتحسب الأمور غلط وبكرة تفهمك صح.
زفرت بقوة ومسحت دمعتها الفاترة بكف يدها ثم تابعت أمام عين بسمة الباكية التي تستمع بصمت وإنصات:
–كنت ناوية أجيلك وأتكلم معاكي في كل ده، وكنت ناوية أقول كلام كتير أوي، كنت ناوية أتكلم عن طفولتنا سوا وأفكرك بحاجات إنتِ نسيتيها، بس جه الخبر ده وغير كل حساباتي، وجعني أوي أوي يا بسمة، وجعني لأني كنت متخيلة إننا هنتفاهم وأعرفك بحملي وعارفة ومتأكدة إنك هتفرحي لي، زعلت أوي عشانك لأن وجعك بيلمسني يا بسمة، بس متفائلة خير، متفائلة خير إن أختي هتتغلب على الحالة دي وهترضى بقضاء الله وإن شاء الله ربنا مش هيخذلها أبداً، وبعدين ياسين من امبارح وهو زعلان ومحتاجك، وبهاء هيموت عشانك وعايزك تطمنيه بكلمة، هو كمان زيك خسر ابنه، انتوا الاتنين محتاجين تواسوا بعض، روّقي وسبيها على الله وكل حاجة هتبقى تمام.
انتهت واكتفت بهذا القدر الكافي من الحديث، فوضع شقيقتها لا يحتمل أكثر من ذلك، خصوصاً بعدما زاد نحيبها. نعم تبكي، تبكي بعد أن استمعت لحديث شقيقتها الذي يؤكد لها أنها كانت مخطئة ومتوهمة لشيء خبيث دمرها، لشيء تملك منها وتحكم بأفكارها حتى جنت نتائجه الآن. ليتها تعود بالزمن، ليتها تستطيع العودة.
وزادت كلمات شقيقتها الحمل عليها فبات الندم يتآكلها، خسارة جنينها واحتمالية عدم إنجابها للمرة الثانية وكلمات شقيقتها ينهشان داخلها ويعنّفانها على ما فعلته لسنوات. وقفت ريتان تربت على كفها بعدما طال صمتها وأردفت وهي تستعد للرحيل: –أنا هخرج وأبعتلك بهاء.
خطت للخارج وتركتها وبالفعل دلف بهاء بعد ثوانٍ يتجه إليها وهي تبكي وتشهق، يحاول إيجاد كلمات مناسبة ولكن حاله هو الآخر يؤثر فيه، هو أيضاً يريد من يطمئنه ومع ذلك فظل يردد دائماً (قدر الله وما شاء فعل، الحمد لله على كل حال) وقف حمزة بعدما رأى ريتان يطالعها بتمعن ويسألها بنظراته عن حالها فابتسمت وأومأت له مطمئنة بينما نظرت لجميلة وتساءلت بترقب: –مفيش جديد يا ماما؟ قالوا إيه؟ تنهدت جميلة وتحدثت بحزن:
–أورام ليفية يا بنتي، هيشوفوا يمكن يستأصلوها من غير ما يشيلوا الرحم خالص، بس هيبقى صعب تحمل تاني الفترة دي. سحبت شهيقاً قوياً وأومأت بحزن بينما نظر لها حمدي وتحدث بحنو: –ريتان، مبروك يا بنتي، ربنا يديكي على قد نيتك وطيبة قلبك، ومتزعليش نفسك، اختك هتبقى كويسة إن شاء الله، ده قضاء الله يا بنتي. أومأت بهدوء لوالدها ثم نظرت لحمزة وأردفت بصوت متحشرج وعيون لامعة: –هروح التواليت وجاية.
أومأ لها وتحركت هي إلى الحمام النسائي لهذا الطابق ودلفت لتغسل وجهها. ثوانٍ وتبعتها امرأة منتقبة للداخل تبدو في حالة متوترة. أغلقت باب الحمام في ثانية فانتبهت ريتان ونظرت لها بشك أصبح يقين بعد أن رفع نقابه وظهر وجهه وهو يطالعها ويتساءل متلهفاً: –إيه يا ريتا عملتي إيه؟ شايفك راحة جاية معاه ومش مصدقة تهديدي، تحبي تشوفي بنفسك؟
قالها وهو يلوح بيده التي تحمل جهاز اتصال برجاله، وقفت هي لثوانٍ متجمدة وأنفاسها بقيت معلقة ثم زفرت بقوة وحاولت التحلي بالقليل من الجرأة خصوصاً بعد حديث فؤاد معها أمس لذلك ابتلعت لعابها وأردفت تهز رأسها: –إنت دخلت هنا إزاي، إنت مجنوون. ابتسم بفخر كأنها تمدحه وأومأ يتحدث بشر: –بالظبط، وليس على المجنون حرج، ها فكرتي كويس ولا ناوية تعملي حاجة تانية؟ أردفت بمراوغة وهي تحاول عدم إظهار أي شك بينما جسدها يرتعش بصدق:
–أفهم يا ناصف، فكرك يعني لو روحت قولت لحمزة يطلقني هيطلقني على طول؟ أصبر عليا أنا بحاول ألاقي حل. كانت تتحدث بدموع وخوف حقيقي جعله يصدقها ويومئ لها قائلاً: –إنجزي، لاقي أي حل ولازم يطلقك، بينيله إنك كرهتيه، زي ما كنتِ بتعملي معايا، المهم تنجزي، وأعرفي إني قريب منك أوي، واستنى مني لقاء قريب تفرحيني بخبر طلاقك.
قالها بابتسامة صفراء شيطانية جعلها تشعر بالغثيان ثم عاد ينزل نقابه على وجهه ويفتح الباب ليخرج ولكنه تجمد حينما وجد حمزة يقف أمامه يطالعه بعمق وعيون حادة متسائلاً: –إنتِ مين؟ أخفض ناصف عينه وضغط على الجهاز الذي بيده ليستعد لجلب من معه فيبدو أن أمره سينكشف الآن ولن يسمح بذلك ولكن أسرعت ريتان تتمسك بذراع حمزة وتحاول إخراج الكلمات بصعوبة مردفة: –فيه إيه يا حمزة، ميصحش كده، سيب المدام تعدي.
ظل عينه مثبتة عليه ثم زفر وابتعد فمر ناصف من جانبه يتنفس بقوة ويغادر قبل أن يلحقه رجاله وقد تأكد أن ريتان تخشاه وستنفذ تهديده لها. بعد عدة أيام عادت سناء من هذا اللقاء الذي يبدو أنه أثمر داخلها بتساؤلات عدة. فقد قابلت معاذ لتوه في النادي الرياضي بناءاً على رغبتها أثناء تمرينات توأمها، وها هي تعود معهما شاردة تفكر في كلامه. أخبرها عن وحدته وعن أولاده وعن زوجته المتوفية وعن حياته الباردة وعن مشاعره منذ أن رآها.
أخبرها بكل ما في خاطره بصدق ودون قيود. أخبرها عن ما يتمناه وما هو ينوي فعله معها ومع توأمها إن وافقا. حتى أنه على استعداد لشراء فيلتهما وإهدائها لها كمهر لكي يظلا بها دون حدوث تغيير يؤرقهما، وهذا راق لها كثيراً، وجعلها تلين قليلاً خصوصاً بعد أن استشعرت صدق حديثه. تساءل سليم بترقب وهو يجلس يستريح: –مامي هو أونكل معاذ ده كان عايزك في إيه؟
كان يشعر هذا الصبي بشيء غريب، هو وشقيقته يشعران منذ أن قابلها هذا المعاذ أول مرة وبسبب تردده على النادي دوماً، ولكن بسبب جدية والدته التزم الصمت الذي قرر قطعه الآن وبعد تلك المقابلة. زفرت سناء بقوة وقد علمت أنه حان وقت المواجهة لذلك أردفت بتروي: –ممكن تسمعوني، عايزة أتكلم معاكم في حاجة مهمة. تنبه التوأم جيداً وأومأ كلاهما لها فتابعت بتوتر ودون مراوغة: –معاذ بيه طالب يتجوزني.
صُدما الإثنين لثوانٍ ينظران لبعضهما ثم عادا ينظران لها فتابعت بتروي: –طبعاً هو مش أول مرة يطلب الطلب ده، بس أنا رفضت قبل كده، رفضت لأني صعب جداً أحطكوا في موقف يضايقكوا أو يشتت فكركوا عن مستقبلكم، ولا عمري هسمح إن حد ملوش سلطة يتحكم فيكم، بس هو طلب يتكلم معايا تاني، وعايزني أفكر تاني. عادا الاثنين ينظران إلى بعضهما ثم تساءلا: –وحضرتك ناوية على إيه؟ زفرت بقوة وتحدثت بصدق:
–القرار ده الوحيد اللي مينفعش يتقال فيه ناوية، لازم كلنا نفكر فيه، أنا وانتوا نفكر كويس، وخلوني أقولكم على اللي قاله واللي ناوي يقدمه وكمان لازم أحكيلكم عن سيرته وحياته وانتوا تفكروا معايا، أنا كان ممكن أرفض تماماً مرة كمان وبلاها خالص الموضوع ده، وعايزاكوا تتأكدوا إنكوا أولى أولوياتي، بس فيه جزء جوايا متردد ومش عايز يرفض علطول، جزء خاص بيا مش هتفهموه دلوقتي، هتفهموه كويس أوي لما تكبروا وتلتفتوا لنفسكم وحياتكم بعيد عني، هو ده اللي خلاني أديله فرصة وأفكر، وعايزاكوا تفكروا معايا.
نظر الاثنين لبعضهما مجدداً. برغم صغر سنهما الذي تجاوز الـ 15 إلا أنهما يفهمانها قليلاً، يحاولا استيعاب ما تقوله. يلاحظان دوماً حزنها وصمتها وشرودها. كانا في صغرهما شاهدان على تعنيف والدهما لها وهناك مقاطع مشوشة تداهمها بالرغم من عدم إخبارها لهما بأي شيء مما عانته مع زوجها. ومثلما هي تتمنى سعادتهما فإنهما يسعيان على جعلها تبتسم وتنظر لهما بعين فرحة، لذلك أومأ سليم وتحدث نيابة عن شقيقته التي أومأت له:
–تمام يا مامي، خلينا نقعد معاه ونكلمه، وإحنا معاكي وهندعمك في أي قرار صح تاخديه. نظرت لهما بعين ملتمعة. لم تضيع تربيتها هباءاً، يثبتان لها أن ما عانته كان يستحق، هما يستحقان الأفضل دوماً، هما يستحقان الأولوية لذلك فتحت ذراعيها ليسرعا يعانقاها وهي تحتويهما بحب وسعادة حقيقية تنتابها في عناقهما فقط. قررت ريتان العودة للعمل في المدرسة أو ربما هذا القرار نابع عن خطة ما.
لذلك فها هو حمزة يوصلها إلى مدرستها لليوم التالي لها وتجاوره مرددة بـ (حاضر) بعد كل بند من بنود الوصايا التي يلقيها عليها. ترجلت أمام المدرسة ونظرت له مطولاً بحب ثم سحبت مروان وبيري معها للداخل. غادر حمزة بعدما جاء الحارس الشخصي لريتان وبعد تنبيهات مشددة منه اضطر للمغادرة مجبراً. مضى وقت وهي تحاول الاندماج في العمل وعدم التفكير في أمور تقلقها. دلف إليها العاملة تحمل هاتفاً عادياً وتمده لها مردفة بتوتر:
–مس ريتان، فيه حد عايزك. انسحب قلبها وتملكها التوتر وارتفع الأدرينالين في سائر جسدها جعلها تسمع حتى صوت نبضها وانقباض معدتها ثم مدت يدها تلتقط الهاتف وتضعه على أذنها مردفة بصوت مهزوز وقد علمت هوية المتصل: –ألو؟ تحدث بفحيح: –ربع ساعة وهتلاقي عربية سودا قدام باب المدرسة مستنياكي، تركبيها من سكات، بس قبلها تخرجي للحارس اللي جوزك معين عليكي ده وتسربيه بأي حجة، فاهمة.
حسناً برغم شعورها بالذعر من القادم إلا أن هذه فرصتها الذهبية، لا مفر، لتدعو الله أن يمر الأمر بسلام ولينتهي هذا الكابوس، لينتهي وتستيقظ بجوار حبيبها فقط. ابتلعت لعابها وحاولت المراوغة مردفة: –بس كده ممكن يحصل مشكلة. ضحك وتحدث بجنون: –المشكلة الحقيقية هتحصل لو معملتيش اللي قولته، بقوا 13 دقيقة، انجزي. أغلق فناولت الهاتف للعاملة ونظرت لها نظرة حانقة ولكن ليس وقتها الآن، لتحاول حل تلك المعضلة أولاً.
غادرت العاملة وتركتها فأسرعت تغلق الباب وسط تعجب الصغار ولكن لا مفر، اتجهت للمكتب تتناول الهاتف من حقيبتها ثم حاولت الاتصال على فؤاد لتخبره بالأمر. بعد دقائق خرجت أمام باب المدرسة ونظرت للحارس الذي يقف ثم نادته فجاء إليها، تنهدت بقوة وتحدثت بتوتر: –حسن معلش ممكن تجبلي كتاب المعارف من المكتبة اللي على أول الشارع؟ نظر لها بعمق ثم أومأ بهدوء وتحرك يغادر مبتعداً. نظرت لأثره وزفرت بقوة ثم وقفت تنتظر ما هو آتٍ.
ثوانٍ وجاءت سيارة سوداء ووقفت أمام المدرسة وفُتح بابها دون ظهور أحد، توكلت على ربها وصعدت بها وفي لمح البصر كانت ترحل بها. نظرت لمن حولها فلم تجد ناصف بل شخص ملامحه تبدو مرعبة. التصقت في الباب تحتمي بها ثم أردفت متسائلة: –ناصف فين؟ لم يجيبها بل رفع هاتفه وتحدث مع أحدهم ثم أغلق ونظر للأمام دون الالتفات إليها. بعد حوالي ربع ساعة تمكن القلق منها فهي أصبحت تسير في طريق خالٍ من السيارات.
توقفت السيارة وترجل منها الرجل الصامت والسائق ثم صعد إليها ناصف وركب يغلق الباب خلفه ثم تطلع عليها مبتسماً يردف بتباهي: –إيه رأيك في فيلم الأكشن اللي عيشتك فيه ده، علشان تعرفي إني بحبك وعلشانك عملت حاجات كتير أوي. نظرت له بتعمق، ليس وقت الصدمات الآن، لتنهي ما جاءت لأجله ولكن بذكاء ودون إثارة أي شكوك لذلك تساءلت بتوتر مرتعشة: –مكنلوش لزوم كل اللي بتعمله ده، كده الأمور هتتعقد أكتر. أومأ يردف بخبث وتوعد:
–متقلقيش، أنا فكرت ولقيت إني كنت غلطان، سيبتك تقعدي معاه وتطلبي منه الطلاق وإنتِ جنبه، وده غلط، ممكن يأثر عليكي ويخليكي تحكيله كل حاجة، الصح إني أبعدك عنه، وتفهميه إنك بعدتي بإرادتك وتطلبي الطلاق، ومتظهريش تاني غير لما يطلقك. وقع قلبها مرتطماً أرضاً من حديثه. ماذا يقصد هذا المختل؟ هل سيختطفها؟ حسناً إهدي ريتان ولا داعي للقلق، تعلمين أن معكِ جهاز تتبع وتصنت وهناك من يراقبك، فقط كل ما عليكِ هو استدراجه ليعترف بجرائمه.
ولكن حمزة، هو لا يعلم بمجيئها معه، يعلم بكل شيء، نعم أخبرته ويعلم ما نوى تامر عليه معها وحتى أنه كان يعلم أن ناصف هو تلك المرأة في المشفى وأحكم غضبه بالقوة حفاظاً على سلامتها ولكي يستطيعا الوقوع به وبجرائمه كاملة. ولكن تلك المرة لم تخبره بناءً على تعليمات فؤاد وتامر. هزت رأسها بقوة وظهرت دموعها ثم أردفت بخوف في محاولة لجعله يعترف بأي شيء:
–مينفعش تعمل كده، هيشك إنك السبب، خصوصاً إنهم بيدوروا عليك، هو أصلاً شك لما طلبت منه الطلاق وحس إنك هددتني، بس أنا قولتلُه محصلش، إنما دلوقتي لو بعدتني عنه هيتأكد إنك ورا الحكاية دي ومش هيطلق، هو عارف إنك راجع وعايز تنتقم. نظر لها بتعمق ثم تساءل بترقب: –معقول خايفة عليا. هزت رأسها تردف باندفاع:
–أنا خايفة عليه هو، هخاف عليك إنت ليه وإنت عمرك ما خوفت عليا، في الأول خدعتني وحسستني إنك راجل شهم واتجوزتني وإنت أصلاً كل فلوسك حرام، فلوس جاية من شغل المخدرات والأرف اللي بتدخله البلد، عايزني أخاف عليك إزاي وإنت مش خايف على بلدك ولا على شباب صغير ملهمش ذنب. أسودت عيناه وتحول لحقيقته المرعبة وهو يردف بفحيح: –شكلك نسيتي ناصف بتاع زمان، تحبي أفكرك بيه؟
ارتاعت من نظرته، تراجعت للخلف وكادت تتحدث لولا رنين هاتفها برقم حمزة. تناولته أمامه ونظرت له بقلب مرتعش وخانتها دموعها. ابتسم ابتسامة شيطانية وتحدث بعدما علم هوية المتصل: –تفهميه إنك مش راجعة غير لما يطلقك، وإلا حالا هكلم أنا رجالي يخلصوا عليه، القرار ليكي. نزع الهاتف من يدها وفتح الخط ومكبر الصوت فأردف حمزة متلهفاً: –ريتان؟ خلصتي؟ أفوت آخدكوا إنتِ والأولاد؟ فهمت أن لا علم لديه.
أعتصرت عينيها بألم وابتلعت مرارة حلقها وهي تحاول نطق الكلمات الثقيلة مردفة ببكاء لتحاول إكمال ما نوت ولينتهي الأمر: –أنا، أنا مشيت يا حمزة، روح خود الأولاد بس أنا مش راجعة، زي ما قولتلك أنا عايزة أطلق منك، مبقتش متحملة العيشة معاك، مش راجعة غير لما تقبل تطلقني.
لا رد، فقط أنفاس كأنفاس أسدٍ مرتصد، أيقن أنه يجاورها، أيقن أنه يهددها ومعها، تأكد أنها تحاول التلاعب بلعبة خطيرة تكاد توقف قلبه قبل قلبها، والسبيل الوحيد للخلاص هو صمته وتقبله لما يحدث وإلا حدث ما لا يحمد عقباه.
حبيبته وزوجته الآن بين يدي هذا المختل وأي حرف غاضب سينطقه سيؤدي بحياتها، وهو لن يخاطر برغم ما يشعر به الآن، برغم القبضة القوية التي تعتصر قلبه خوفاً وقلقاً عليها، حتى أنه لا يعلم متى تحرك وترك شركته ويقود سيارته الآن مردفاً بصوت مرتعب خالٍ من الحياة فقط ليضمن سلامتها: –تمام يا ريتان، زي ما تحبي، خلاص أنا موافق أطلقك، مش أنا اللي أقبل أعيش مع واحدة غصب عنها، بس ياريت ترجعي لإن أكيد عم حمدي ووالدتك هيسألوا عليكي.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!