الفصل 31 | من 31 فصل

رواية للقلب أخطاء لا تغتفر الفصل الحادي والثلاثون 31 - بقلم اية العربي

المشاهدات
22
كلمة
5,734
وقت القراءة
29 د
التقدم في الرواية 100%
حجم الخط: 18

في الصباح الباكر، يمشي حمزة على الرصيف الطويل المجاور للقصر مرتدياً ملابسه الرياضية. تجاوره ريتان ترتدى أيضاً ملابس رياضية محتشمة ومناسبة لوضعها، حيث أصبحت في أواخر شهرها التاسع. تشـهق وتزفر بقوة وهو يحفزها لتكمل، ولكنها قاطعته ومدت يدها تتلمس كتفه لتوقفه مردفة بتنهيد حاد: –استنى يا حمزة، تعبت، مش قادرة خلاص. أسندها بذراعه من ظهرها وتحدث بحنو:

–لسة بادئين حالا يا ريتو، والدكتور قالت المشي الكتير حلو في الفترة دي والرياضة هتفيد البيبي وهتفيدك في الولادة. تحدثت من بين أنفاسها المتضاربة: –مشينا كتير أهو، تعالى نرجع ونعمل باقي الرياضة بس بلاش المشي، لإن أنا حاسة إني هولد النهاردة. ابتسم عليها وتحدث بحب وهو يحتويها: –جملة كل يوم، من أول ما بدأتي التاسع وإنتِ بتقولي كدة يا ريتو. هزت رأسها تردف مؤكدة:

–النهاردة مختلف يا حمزة، من أول ما صحيت وفيه تقل فظيع هنا وحاسة إنهم خلاص بيقولولي خرجيناااا. قالتها تشير على رحمها، فضحك عليها ثم تنهد وأردف: –طيب خلاص يا حبيبتي يالا نرجع. أومأت له وعادا للقصر ثم صعدا لغرفتهما. وبالفعل بدأ حمزة يمرنها كما قالت الطبيبة، حيث يتمسك بكفيها لتـندو ثم تعلو على ساقيها وهو يشجعها بكلمات الدعم، وهي تتصبب عرقاً من شدة الجهد المبذول.

كان يفعل هذا يومياً بحب وسعادة. عاش معها كل لحظات حملها، عاش معها التعب والسهر والتقلصات والتقلبات. وثاني ركلة لتوأمه كانت تحت يده، حيث أيقظته بعد أن شعرت بأول ركلة لهما تخبره، فوضع يده مسرعاً ليشعر بهما وكأنهما يخبرانهما بأنهما يحبانهما.

لم يعش فترة حمل صغيره الغالي مروان نظراً لعدم تقبله لوالدته، ولكنه أحبه منذ وقعت عيناه عليه. ولكن هاذان التوأمان أحبهما قبل أن يراهما. أحب كل ما يخصهما لأنه يعشق أمهما، تلك المرأة التي أزهرت حياته ولونتها بحنانها وهدوئها وصفاء نيتها وحبها لابنه واحتوائها لعائلته.

انتهت من رياضتها، فأسرع كعادته للحمام يملأ لها حوض الاستحمام بالماء الساخن لتسترخي وتنعم بشاور ممتع. دوماً يفعلها، ويضع لها الصابون السائل برائحة الخوخ كما تحبه. عاد إليها وهي تحاول جلب ملابس نظيفة ثم تحدث بحب: –يالا يا ريتا الحمام جاهز. وضعت ملابسها جانباً واتجهت تقف أمامه تطالعه بعمق وتمعن، نظرة حب وشكر وامتنان وفخر. نظرة لن ولن تنظر مثلها لشخصٍ غيره. تحبه وتعشقه بكل جوارحها. تحدثت بنبرة مؤثرة وعيون لامعة:

–أنا بحبك أوي يا حمزة، أنا من وقت ما دخلت حياتك وإنت بتعاملني على إني بنتك، في كل تصرفاتك معايا وخوفك وحنيتك وحبك وضميرك كأني بنتك فعلاً، ربنا ما يحرمني منك أبداً يا حبيبي. حاوط وجهها بكفيه ثم تحدث بحنو وتأثر: –إنتِ بنتي فعلاً في كل حاجة إلا حاجة واحدة. تساءلت بترقب مبتسمة كأنها تعلم: –إيه هي؟

مال ليلتهم شفاهها بقبلته المعهودة الغنية بالحب والدلال والمتعة، ويداه تركت وجهها وتحركت إحداهما إلى خصلاتها تغوص بهما وتثبتها ليستمتع أكثر بقبلته، بينما الأخرى اتجهت لظهرها تتلمسه وتتلمس ما هو له بجرأة وشغف. ابتعدا يزفران بقوة واختلطت أنفاسهما نظراً لقربها الشديد من بعض، ثم تحدث بتحشرج ورغبة:

–إنتِ دلوقتي الست الوحيدة اللي حركت مشاعري كلها، الست اللي عمري ما هشبع منها ودايماً هتكون هي الوحيدة اللي بتعرف تلعب على أوتار إحساسي كلها، ممكن بقى أفطر فطار خفيف كده؟ أومأت له وبادرت هي بقبلته هذه المرة، فأنسحب الاثنان يصعدان عبر بساطٍ شفاف إلى الغيوم وما فوقها حيث الصفاء والسكينة والمتعة.

بعد وقت، يتمددان في حوض الاستحمام ويقوم هو بمهمته الممتعة، ويدلك لها جسدها بحنو بتلك القطعة الليفية الناعمة وهي مسترخية تماماً. من يراها يظنها ترى حلماً سعيداً، وهذا بالفعل ما تعيشه. اقترب من أذنها يهمس متسائلاً: –حلو كده؟ أومأت له بحب وعيون مغمضة دليل على استمتاعها، فعاد يكمل ما يفعله بحب. بعد وقت، يقفان أمام مرآة الزينة يستعدان للنزول حيث سيتناولان الفطور مع العائلة ليذهب بعدها حمزة إلى عمله. تحدث وهو يمشط خصلاته:

–النهاردة عندنا اجتماع مهم يا ريتو، دعواتك. نظرت له بملامح متألمة ثم تحدثت بحب: –دايماً بدعيلك يا حبيبي، أنا ثقتي فيك كبيرة. نظر لملامحها المتألمة وتحدث باهتمام: –مالك يا ريتا؟ لسة حاسة بتعب؟ بدأت تتلوى وتتمسك ببطنها وتميل مردفة بأنين: –معرفش يا حمزة، مغص جامد فجأة، ااااااااااه.

صرخت بقوة مفاجئة أفزعته، فأسرع يسندها قبل أن تقع أرضاً من شدة الألم الذي داهمها فجأة. صُدم من حالتها وهيئتها، فهذا الألم يبدو أقوى من غيره. يسندها إلى خارج الغرفة. سمع مروان الصراخ فوقف في الردهة يطالعها مذعوراً، فوصل حمزة إليه ثم تحدث وهو يتمسك بها: –متقلقش يا مارو، اخواتك بس عايزين يخرجوا حالاً عشان يشوفوك، هروح أنا ومامي نجيبهم ونرجع. لم يستوعب الصغير الأمر تماماً، ولكنه أومأ يردف بحب لريتان: –سلامتك يا مامي.

نظرت له بحنين من بين تألمها وأردفت بوهن، متعرقـة والألام تكسر عظامها تكسيراً: –الله يسلمك. بعدها على الفور نزلا للأسفل حيث تتجمع العائلة التي أسرع أفرادها إليهما بعد أن استمعوا إلى صرخات ريتان. أسرعت كاري تسندها مع حمزة، ومراد وفريد ركضا للخارج ليحضرا السيارة، وشيرين وصفية تسرعان لإحضار باقي الأغراض كما طلب منهما حمزة، وسالم يتمنى لها السلامة.

أجلسها حمزة في السيارة وجلس مجاوراً على اليسار، بينما جلست كاري على اليمين تردف على مسامعها كلمات التحمل والصبر، وفريد يقود إلى المشفى ويجاوره مراد. نظرت لزوجها بتعب وسط أنينها المستمر وأردفت: –حمزة، كلم ماما. أومأ لها وأردف وهو يملس على ظهرها بحب: –حاضر أول ما نوصل هبلغهم.

وصلوا بعد وقت. ترجلوا جميعهم وحاوطها حمزة بيده يسندها ويخطو بها للداخل. كم حاولت جاهدة أن تتحامل على نفسها وعليه حتى لا تطلق صرخات أمام هذا الجمع من الناس. كانت خجلة، لذلك كان أنينها مكتوماً إلى أن أدخلوها غرفة الفحص وهو معها. لم ولن يتركها حتى أخرجت كل صرخاتها والطبيبة تعاينها. تأكدت الطبيبة أنها ولادة طبيعية، لذلك أسرعت هي ومساعدوها في تحضير كل ما يلزم. بعد وقت من الصرخات المستمرة، عادت لتقوم

بعملها ونظرت لحمزة مردفة: –اتفضل إنت برا يا حمزة بيه. نظر لريتان التي تصرخ وتترجاه بنظراتها أن لا يتركها. وبالأساس لن يفعل، ولكنه يتأكد من عيونها. كل صرخة تطلقها تخرج من أعماقه هو، كل ألم تتألمه يمزق ضلوعه ويشعر به هو، كل نقطة عرق تتصبب منها وجعاً تفرز من مسامه هو، وكأنه يبذل مجهوداً جباراً ويعيش ما تعيشه بكل معنى الكلمة. يشعر بجسدها كأنهما شخص واحد، بالأساس هما كذلك، يعيش كل لحظة معها.

أما هي، فتعلم أنه لن يتركها. هكذا اتفقا مسبقاً، هكذا وعدها. وبالأساس تحاول التماسك قليلاً لأجله. تحاول أن تهدئ من خوفه عليها، ولكن حقاً الألم لا يحتمل. تلك هي الأمومة، حبها غريزة، يكبر معها منذ أن تنبت في رحمها تلك النطفة. يبدأ في التضخم والنمو إلى أن تقر عيناها به، ثم يعود ويتضخم كلما كبر أمام عينيها حتى يصبح جزءاً أساسياً منها. برغم الألم، برغم المجهود، برغم التعب، برغم العناء، برغم الشقاء، يبقى حب الأم هو الأعظم في سائر العلاقات. يأتي بعد حب الله ورسوله مباشرة. فلن يحبك شخص ويفضل راحتك على راحته مثل أمك.

يكفي أن الجنة تقطن تحت قدميها. يكفي دعوة صادقة تنجيك ليلاً في طريق مظلم تصدر من أعماق قلبها. هي الأم وكفى. ها هي تطلق صرخاتها ويشدد حمزة من احتضانه ليدها ويده الأخرى تجول على ظهرها. أيبكي الرجل؟

نعم يبكي، وهذا دليل على صفاء قلبه، فالقلوب المغلفة بالقسوة لا تبكي. يبكي حباً ودعماً لمن عشقها وسعى للوصول إليها، يبكي لمن أبحر في عاصفة قاسية وأخيراً رسى على مرفأها. تسقط دموع ساخنة منه وقلبه يردد الدعوات لها. فيبدو أنها تتحمل ألماً يمزق الصخور، وهذا ما يظهر بقوة على وجهها وملامحها.

بعد مدة، تحاول الطبيبة بطريقتها العملية استخراج الطفل الثاني. تحاول ولم يبق في حمزة أي تحمل، سينهار قبلها. تحملت الكثير والكثير، كانت تتمنى الأمومة وتعلم أن ذلك اللقب ليس هيناً، ولكن لم تكن تعلم أنها ستعيش ما تعيشه الآن.

وأخيراً انزلق الطفل الثاني بفضل الله وانزلق معه الألم، وكأن أحدهم انتزعه بقوة من جسدها. لم تعد تشعر بشيء، عظامها بالكامل مفتتة. لذلك سحبت نفساً قوياً ثم نظرت على توأمها نظرة حنونة كأنها لم تتألم يوماً، ثم نظرت لحمزة الذي زاد بكاؤه برؤية صغاره، وسمحت لنفسها أن تغفو راحةً وليس نوماً.

انحنى يقبل جبينها عدة مرات بحب ودمعته تسقط على ملامحها تغسل آلامها المتبقية. عينيه مسلطة على صغاره الباكيان، صبي وفتاة سبحان من صورهما. يبدو أنهما سيشبهان والدتهما الغالية، وهذا ما يريده.

بعد ساعة، وفي جناح خاص تم حجزه لعائلة الجواد ليناسب هذا الجمع العائلي السعيد. يجلس الجميع حولهما وهي تتوسط السرير، وبالطبع يلتصق بها هذا الطفل الكبير المدعو حمزة. تحولت دموعه إلى قهقهات عالية بسعادة وهي تبتسم بوهن، وهناك ألم أسفلها، ولكن سعادته تسعدها ورؤية صغارها مع العائلة تنسيها الألم.

كانت بسمة تدلل الفتاة وتناغشها بحب ودموع خفية وهي تتمنى سراً أن ربما يرزقها الله بفتاة مثلها. تجاورها جميلة تبتسم بحنو لتلك الفتاة الجميلة التي تلتف في ملابس رائعة وتغمرها رائحة من الجنة تجعل من يستنشقها يود إلتهامها. أما صفية وسالم فيحملان الصبي ويداعبان أصابعه الناعمة بسعادة. ومروان يحاول رفع مستواه ليرى شقيقه، فدنت صفية به تريه إياه، فنظر له منبهراً بحماس ثم تحدث ببراءة: –هنسميه إيه؟

اعتدلت صفية تنظر لسالم الذي نظر لحمزة وريتان، فقال حمزة بيقين بعد قرار مسبق بينهما: –هنسميه محمد. ابتسموا جميعهم، بينما أومأ مروان يردف بحماس وهو يركض نحو الصغيرة: –خلاص يبقى أنا اللي هسميها. تحدثت ريتان بحنو متسائلة: –هتسميها إيه يا مارو؟ شرد يفكر قليلاً ثم تذكر تلك الفتاة التي تجاوره في الصف ويحب اسمها كثيراً، فقال متلهفاً: –ليليااان. نظر الجميع لبعضهم، بينما نظر حمزة لريتان وتحدث بحب:

–ليليان على وزن ريتان، حلو الاسم عجبني، برافو عليك يا مروان طالع لأبوك. ابتسم مروان والتفت ينظر لشقيقته التي أسماها هو وتعلق بها منذ تلك اللحظة.

بعد أسبوع، في القصر الذي تم تزيينه ليناسب حفل سبوع التوأم. البالونات الزرقاء والوردية تملأ المكان وترص في أشكال رائعة. على حائط القصر الداخلي تم كتابة اسم الصغيران بالبالونات الذهبية الرائعة. كذلك هناك بوابة ضخمة مصطنعة من تلك البالونات. تم ذبح العقائق وتوزيع اللحوم حسب ما ورد. كان استقبال التوأم في أبهى صوره. يقف حمزة ويجاوراه شقيقيه يستقبلون الحضور.

في الداخل تجمع الأهل والأصدقاء والأقارب، وريتان تقف بالقرب من صغيريها اللذان يتمددان بين ذراعي كل من جميلة وصفية. تنهال عليهما قطع الهدايا الذهبية من الجميع، ومروان وبيري يجاورانهما منذ أن دخلا القصر. تحاوط السعادة الجميع، تسكن قلب كل أفراد العائلة، تغمر كل ثنائي. يمكن أن تهب بعد الرياح القاسية، ويمكن أن يعقد حبل الحياة، ولكن ستهدأ العاصفة وستحل العقد دوماً بكل تفاهم واحترام. ستسبح المراكب الشراعية في نهرها الآمن ما دام الحب قائماً. سيغمر الحب الجميع دوماً.

بعد عشرون عاماً.

في إحدى السجون الكندية، تجلس مها تتناول طعامها في غرفة الطعام العامة. ملامحها تبدلت من الغرور والتباهي إلى القسوة والحقد. منذ أن تم القبض عليها من خمس سنوات بعد عملية التهريب التي لا تعلم عددها بينها وبين المافيا، تربصت لها الحكومة الكندية حيث كانوا يسعون للقبض عليها بعد بلاغات عدة، وفي كل مرة لم يحالفهم الحظ. ولكن هذه المرة كانت الخطة محكمة للإيقاع بها. وقعت في براثنهم ويبدو أنها ستعتقل مدى الحياة. بعد أن غمرها الطمع منذ الصفقة الأولى واستمرت في فعلها.

لذلك، ها هي تجلس تتناول ما أمامها بنظرة غاضبة ورافضة كل ما تعيشه هنا، حيث الذل والمهانة الحقيقية التي لم تراها يوماً. ربما مر الندم على عقلها، ولكن تبقى نفس مها أبو الدهب تداهمها وتعنفها وتخبرها أن المتسبب الأول والأخير في كل هذا هو حمزة. ثم تعود لبعض الرشد معنفة نفسها أنه كان السبيل الوحيد لخلاصها وهي التي اختارت الطريق المعاكس. اتبعت طريق والدها وناصر، وأين هما الآن؟ واحد في القبر يحاسب وآخر في السجن يعاقب.

نعم، إلى الآن لم تنته عقوبته. إلى الآن يمكث في إحدى السجون المصرية يعاني الضعف والذبول. ملامحه تبدلت تماماً، هُدم حيله وضعفت قوته وندم. وليت الندم يعيد الماضي. ولكن يبدو أن الندم في استطاعته تغيير المستقبل والأتي. لذلك، فتبقى له القليل من السنوات ثم سيخرج ليقضي بقية حياته في طلب العفو من ربه. لقد وجد في القرب من الله سبيلاً للنجاة. يشعر بالسلام الداخلي بعد أن تقرب منه وانتظم في صلاته. تحول من عاصٍ ومذنب إلى تائب، ويبدو أن الله عز وجل تقبل توبته.

في منزل بسمة. تقف تطهو الطعام في مطبخها، فدلف عليها فجأة يعانقها ابنها ياسين الذي بلغ الثالثة والعشرين من عمره. يحمل في يده لفافة ورقية تحوي بداخلها هدية قيمة، فاليوم عيد الأم وقد جاء بتلك الهدية لها. شهقت بتفاجؤ والتفتت تطالعه بحنو ثم ابتسمت مردفة بسعادة: –ياسين؟ جيت إمتى؟ تحدث ياسين بود ومحبة: –كل سنة وإنتِ طيبة يا ست الكل، دي حاجة بسيطة كده يارب تعجبك.

تناولت منه الهدية وقامت بفتحها بترقب، فظهرت علبة فتحتها وكانت تحتوي على سلسال ذهب تتوسطه نجمة براقة بحبات لؤلؤ لامعة. سقطت عبراتها تأثراً ثم عانقته تردف بحب وحنو: –يا حبيبي كده كتير، كل سنة وإنت طيب يا ياسو. دلف عليها صغيرها البالغ من العمر 14 عاماً، والذي أتى بعد سنوات عدة قضتها في العلاج والتهيؤ للحمل مرة ثانية. نظر لهما بضيق وتحدث: –وأنا يا ماما؟

ابتعدت عن ياسين ونظرت له تشير بأن يقترب، ولكنه نظر لشقيقه بحنق واقترب يعانق والدته ثم تحدث بتهكم: –أنا مجبتش هدية، طلبت من ياسين يسلفني مبلغ بس رفض، كل سنة وإنتِ طيبة. زفرت بقوة، فصغيرها دوماً على خلاف مع شقيقه، يغير من معاملتها له، يحمل حقداً يذكرها بنفسها ويجعلها نادمة على ما فعلته. دوماً يظنها تفضل شقيقه عنه. مهما حاولت شرح الأمر له إلا أن الأمور بينهما تزداد سوءاً.

بالنسبة لبهاء، فربما حقاً يفضل التعامل مع ياسين نظراً للتفاهم القائم بينهما على عكس صغيره أحمد الذي دوماً يعانده ويفعل خلاف ما يقول. يحبه كثيراً ويعدل بينهما في كل ما يستطيع، ولكن بحكم عمله وبحكم كبر ياسين وتعقله فهو ينجذب إليه لا إرادياً. كذلك بسمة التي على مدار السنوات الفائتة صبت كل اهتمامها بياسين ظناً منها أنها لن تستطيع الحمل مجدداً.

وبرغم ذلك، لم يسمح بهاء بتدليله أو تربيته بطريقة سلبية، ولكن أتى أحمد ليفاجئهم ويسعد قلبهم بقدومه. تحدثت بسمة بهدوء وتروٍ: –معلش يا أحمد، أنا مش عايزة حاجة يا حبيبي، كفاية إني أشوفكم مبسوطين. نظر لشقيقه وتحدث بتهكم يزفر: –مش قولت مش معاك فلوس؟ أومال جبت الهدية دي إزاي. تحدث ياسين برتابة وهدوء:

–أنا مقلتش مش معايا فلوس يا أحمد، أنا قولت إنك كل مرة بتاخد منى فلوس وتقول سلف وبتروح تصرفها على صحابك ومش بتردها، عشان كده مكانش ينفع أديلك المرة دي، لو عايز تجيب هدية لماما تعالى ننزل سوا نختارها. نظر له بغضب لتعرية أفعاله أمام والدته، ولكن هو من بادر بالسؤال. نفض بيده وهو يغادر مردفاً بضيق: –مش عايز منك حاجة.

عاد لغرفته، فتنهدت بسمة بقوة وحزن، ثم نظرت لياسين بتمعن. رأت فيه شقيقتها. الآن تأكدت من ظلمها لها. الماضي يعاد ويداهم حياتها. ما فعلته تجنيه الآن مع ولديها، ويبدو أن الأمر مستمر. ابتسمت بحنو لياسين وربتت على كتفه تردف: –متزعلش من أخوك يا ياسين، أحمد عصبي بس طيب وبيحبك. تمسك بيدها بين راحتيه وتحدث ببر: –عارف يا ماما، ولا يهمك حاجة، أحمد بكرة يكبر ويفهم.

شردت تفكر بخوف في حياة ابنها، ليته يفهم قبل أن يحدث معه أمراً إجبارياً يفهمه. في القصر الذي تبدل نظامه، وتم بناء مبنى ملاصق له بغرض التوسيع، فسالم منذ سنوات عدة ولم يوافق على مغادرة أبناؤه وإبعادهم عنه، لذلك قام بتوسيع القصر وأخذ مساحة من الحديقة الخلفية الواسعة ليستطيعوا العيش بأريحية. فبات لكل عائلة صغيرة منزل كبير داخل القصر مع العائلة الكبيرة.

في الجزء المخصص لمراد. يجلس يتحدث مع كاري عن حمزة ابنه الذي يدرس إدارة الأعمال. رن هاتف كاري بمكالمة مرئية، فتناولته وتحدثت بحماس مع ابنتها التي سافرت مع زوجها لقضاء رحلة عمرة، وهي تراها أمامها وخلف بيري الكعبة المشرفة، فقالت كاري بتأثر: –بيري، عاملة إيه يا حبيبتي؟ تحدثت بيري بحب تشير بيدها: –كل سنة وحضرتك طيبة يا ماما، عاملة إيه؟ تحدثت كاري بحب ومراد يجاورها: –كويسة يا حبيبتي، هترجعوا إمتى إن شاء الله يا بيري؟

تحدثت بيري بدموع الاشتياق والفرحة: –الأسبوع الجاي يا ماما، أنا لسة كنت بدعي لحضرتك إنتِ وبابا، كل سنة وحضرتك طيب يا بابا. تحدث مراد بحب وسعادة وهو يطالعها: –وإنتِ طيبة وبخير يا حبيبتي، إنتِ نزلتِ الحرم لوحدك ولا إيه؟ نظرت للبعيد ثم تحدثت: –لأ، علي كان بيجيب حاجة وجِه أهو. جاء علي يتحدث إليهما بود ومحبة: –أهلا يا عمي، أزيك يا طنط، كل سنة وإنتوا طيبين. تحدثا سوياً: –وإنت طيب يا حبيبي.

استمر الحديث لثوانٍ ثم أغلقا، فنظر مراد لكاري وتحدث مشاكساً كعادته: –شوفتي ابنك؟ نسى إن النهاردة عيد الأم. كادت تعترض، فرن هاتفها برقم حمزة، فعرضته عليه تردف بحماس وثقة: –ابني حبيبي عمره ما ينساني. فتحت تجيب بترقب: –حمزة؟ إنت فين يا حبيبي، مجتش ليه ع الغدا؟ تحدث حمزة وهو يقف في إحدى محلات الهدايا ليختار لها هدية مناسبة، ثم تحدث بمرح ورثه عن أبيه بعدما غلبته حيرته:

–أنا جاي حالاً يا ست الكل، بس بجيب لحبيبة قلبي هدية، كنت هجيب طقم كوبايات بس لقيتهم ستة بس وإحنا 14 مش هينفع. ضحكت عليه وتحدثت بحب تجاريه: –طيب هات دستتين ونص يا لمض. قهقه قائلاً: –لأ خلاص لغيت الفكرة، هجيب حاجة تانية، بس تحبي أكتر لون الورود الأحمر ولا الوردي؟ زفرت بقوة قائلة بسعادة: –وردي وأبيض. تحدث قائلاً بحماس: –عينيا يا ست الكل، يبقى أحلى بوكيه ورد أحمر.

ضحكت عليه وهز مراد رأسه بقلة حيلة من ابنه الذي يشبه كثيراً، ووقفا يشير لها مودعاً ويردف: –أنا هروح أعيد على ماما. تركها تتحدث مع حمزة ونزل للأسفل حيث تجلس صفية التي غزى الشعر الأبيض رأسها وانكمشت ملامحها. الحزن من فقدان الشريك توزع على وجهها، ولكن الحياة مستمرة. دنا يقبل يدها وجلس مجاوراً لها يتحدث معها. في الجزء المخصص لفريد وشيرين.

تجلس هي الأخرى تتحدث مع أنس الذي أتى لتوه يحمل هديتها ويعايدها بحب. دلفت عليهما ابنتها الجميلة التي تشبهها كثيراً (سلمى) والتي تبلغ العمر 17 عاماً وفي الصف الثالث الثانوي. أسرعت تعانقها وتعيدها هي الأخرى وشيرين تبادلها بسعادة. أما فريد، فكان في عمله في شركة الجواد التي تضخم اسمها وأصبحت مقصد كل مستثمر. في فيلا معاذ. يجلس يتصفح هاتفه وتجاوره سناء ترتشف قهوتها وتتحدث معه. نظر لها بحب وتساءل:

–سليم وتقى جايين النهاردة أكيد. أومأت مبتسمة تردف بحب وملامح هادئة: –أيوة على بليل إن شاء الله، تقى هتيجي هي والأولاد من النادي على هنا، وسليم هياخد مراته وتروح الأول تعيد على مامتها وبعدين يجوا.

ابتسم لها وشرد، يفكر في ابنه الذي يبدو أنه نسيه تماماً. دوماً هو من يهاتفه وأحياناً الآخر لا يجيب. انشغل في حياته حيث يعيش مع أسرته في كاليفورنيا. أما ابنته، فهي تأتي أحياناً لتراه. علاقتها بسناء علاقة قائمة على الاحترام، ولكنها هادئة نوعاً ما. وبرغم ذلك، فهي تحبها. ولكن حقاً، فهذان التوأم أصبحا بمثابة ولديه الحقيقيين. يعتبرانه أبوين لهما، يشيران في أمورهما ويستعينان به في مشاكلهما. وهذا ما جعل السكينة تحتل قلب سناء. أحبته وعاشت معه حياة زوجية كريمة. وجدت في معاشرته الراحة والحنان التي افتقدته.

وجد يدها تتلمس يده بحب وكأنها قرأت أفكاره، فتحدثت بحب: –كلمة إنت يا معاذ، كلمة وفكرة، مهما حصل بلاش تقطع علاقتك بابنك. تنهد بقوة ثم ربت على يدها وأردف بإيماءة هادئة: –حاضر يا حبيبتي، هكلمه. في تلك المدرسة الخاصة.

التي أصبحت ريتان مديرتها، تجلس خلف مكتبها وحولها المدرسات يعايدنها جميعهن. كانت تجلس وسطهن وعقلها في مكان آخر. عينيها لامعة بغيمة دموع تأبى السقوط. تتذكر والديها الغاليين، تتذكر والدتها، ولكن هذه سنة الحياة وليس باليد حيلة.

على الجهة الأخرى، يجلس حمزة يفكر فيها، يعلم أنها الآن ربما تبكي. ليته بجانبها الآن ليواسيها. يعلم أنها تتذكر والديها وتشتاق لهما، وهذا حاله مع والده الذي فقده منذ عدة سنوات. زفر بقوة وعاد يفكر في أمر ما، لقد نظم حفلة بعدما خطط هو ومروان ومحمد وليليان لذلك. ستقام ليلاً في القصر، مفاجأة من نوع آخر. دلف عليه مروان الذي أصبح من ضمن مجلس إدارة الشركة، يردف بحماس:

–بابا أنا كلمت المنظمين وهيروحوا حالاً ع القصر يجهزوا كل حاجة قبل ما ماما ترجع من المدرسة.

زفر حمزة يطالعه بتمعن. للحظة لم يشعر أنها ليست والدته الحقيقية. دوماً كانت له أماً ولم تفرق بينه وبين شقيقيه، بل كانت تميزه في بعض الأحيان. وهذا شعور متبادل بينهما، فهو لم ير أم سواها. هي وكفى، هي أمه التي ربته وكبرته وغمرته بحنانها. يعلم أن من ولدته الآن تعاقب على أفعالها، ويوم علم بذلك بكى وحزن وخجل، خوفاً من كلمة تصدر من فاه أحدهم فتجرحه.

ولكن أتت ريتان لتبدد خوفه وخجله وتؤكد له أنه لها، ابنها هي. هي من شهدت نموه ولعبه وسعادته وحزنه وبكاؤه وفرحه وتعبه. هي من سهرت تداويه ومن احتضنت خوفه ومن شاركته لحظاته. هي لها الحق الكامل في أمومته. زفر حمزة وتحدث بهدوء: –تمام يا مروان، كلم محمد لو خلص كليته يجيب ليليان وييجوا هنا. أومأ مروان وأخرج هاتفه بالفعل يطلب رقم شقيقه محمد الذي يدرس إدارة الأعمال هو الآخر، بينما تدرس ليليان في كلية الطب.

ظهراً، خرجت ريتان من المدرسة لتعود لقصرها مع السائق، ولكنها تفاجئت بحمزة ينتظرها أمام المدرسة بسيارته. انفرجت أساريرها وانشرح فؤادها برؤيته وابتسمت له واتجهت إليه حيث يقف ينتظرها وتحدثت بحب متسائلة: –إيه المفاجأة الحلوة دي، مقولتش إنك جاي ليه يا حبيبي؟ وقف أمامها يتأملها بتمعن ويدقق في ملامحها، فعلم أنها كانت تبكي، فتحدث بتروٍ: –قولت آجي آخد حبيبتي ونروح نتغدا سوا برا أنا وهي وبس.

زفرت كأنها تلقي بآلامها وهمومها خارجاً، ثم تحدثت بابتسامة مشرقة: –معنديش أي مانع يا حمزة بيه. فتح لها باب السيارة يشير بيده كعرض سينمائي، وبالفعل صعدت معه والتفت يجلس مكانه وبدأ يقود ليأخذها إلى مطعم أنيق حيث سيتناولان الغذاء ويلهيها قليلاً إلى أن يحضر أولادهما الحفلة.

أتى المساء وعادا الزوجان إلى قصرهما بعد وقت طويل قضياه سوياً بمفردهما. نزعا فيه همومهما وباحا بكل ما يجول بخاطرهما كما يحدث دوماً منذ أن اجتمعا سوياً برباط الحب المتين. دلف السيارة من القصر، فاتسعت عين ريتان من ما تراه. أضواء زاهية والعائلة كلها تجتمع في حديقة القصر. كانت متعجبة وحمزة يبتسم على ملامحها. التفتت إليه تردف بترقب: –عاملين مفاجأة؟ أنت كنت عارف؟

أومأ وأوقف السيارة وترجل، وهي الأخرى ترجلت تنظر للجميع بسعادة وانبهار من ما تراه، حيث أسرع إليها مروان يعانقها ويردف بحب وتأثر: –كل سنة وحضرتك طيبة يا ست الكل يا أجمل ماما في الدنيا. بادلته العناق بقوة وأسرعت تبكي، تبكي وتهتز داخل عناقه بسعادة وحب حقيقي لهذا الشاب الذي شب على يدها. تعانقه وتشدد من عناقها له، فاسرع إليها محمد وليليان يحاولان نزع مروان بمزاح من عناقها ويردف محمد بمرح:

–كفاية بقى يا مروان، وبطلوا عياط هتبوظوا الحفلة. ابتعدا عن بعضهما وابتسم مروان وهو يجفف دموعها بيده بحنو مردفاً: –أنا حلو أهو وبضحك، ماما هي اللي علطول تعيط كده. ابتلعت ريقها ونظرت لتوأمها اللذان أسرعا إليها يعانقانها مثله ويعايدانها، ثم ابتعدا كذلك. ونظر مروان للجميع ثم عاد لها وتساءل: –إيه رأيك في المفاجأة دي يا ماما؟ أومأت تردف بإعجاب وهي تنظر للجميع:

–حلوة أوي أوي، حقيقي فرحتوني جداً يا أولاد، وحشني أوي جمعة العيلة كلها سوا. تحمحم مروان ونظر لوالده بحرج ثم تحدث بترقب: –لسة فيه مفاجأة كمان، تسمحي لي؟

قالها وهو يمد يده لها، فناولته يدها بترقب، فخطى بها إلى مكان جانبي واسع في الحديقة يتوسطه صندوق ضخم حوله شريط أحمر معقود على شكل فيونكة. ضيقت عينيها غير متوقعة ما بداخله، أو ربما توقعت وتحاول استنكار ذلك، ولكن أكد محمد ظنها وهو يضغط على زرٍ بجهاز بيده لينفتح الصندوق وتظهر منه سيارة بيضاء لامعة ورائعة اشتروها لها كهدية.

شهقت ووضعت يداها على فمها بتفاجؤ ثم ابتسمت تنظر لهم بفخر وسعادة على ما وصلت إليه هي وحمزة معهما، ثم فتحت ذراعيها ليسرعوا ثلاثتهم إليها يعانقوها بحب. بعد ذلك، بدأت الحفلة وتجمعت العائلة على مائدة عشاء أسطورية معدة بعناية يتناولون العشاء سوياً وسط سعادة الجميع وبهجتهم. تحدث حمزة بإنتباه:

–يا عيلة الجوااااد، إن شاء الله بعد شهر رمضان والعيد هنحتفل كلنا بخطوبة مروان على البنت اللي قلبه اختارها وعقبال باقي أولاد العيلة يارب وخصوصاً الواد حمزة اللمض ده.

صفق حمزة مهللاً على حديث عمه وتهالت المباركات على مروان من الجميع، بينما شرد هو يفكر في حبيبته تلك الفتاة السمراء الجميلة التي أسرت قلبه وعينه منذ اللحظة الأولى التي رآها بها. وبرغم أنها من أسرة متوسطة الحال، إلا أن هذا لم يشكل له أي مانع في الارتباط بها وساعده في ذلك حمزة خصوصاً بعدما تأكد من حسن أخلاقها. تمت بحمد الله.

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...