الفصل 30 | من 31 فصل

رواية للقلب أخطاء لا تغتفر الفصل الثلاثون 30 - بقلم اية العربي

المشاهدات
23
كلمة
4,591
وقت القراءة
23 د
التقدم في الرواية 97%
حجم الخط: 18

حرصت على تصحيح الأخطاء اللغوية والإملائية فقط، مع الحفاظ على اللهجة العامية وأسلوب الشخصيات. تم فصل الحوار والسرد، وتنظيم النص ليكون سهل القراءة، وحذف أي محتوى خارج النص. ***

يتحدث بذلك كي يعطي هذا المختل ما يريد سماعه. برغم جنون ناصف، إلا أن ذكاءه جعله يشك في الأمر. نظر لتلك المرتعشة، التي تعلم أن حمزة يخدعها. وبرغم ذلك، فإن كلمة الطلاق كان لها أثر سيء على روحها، لذلك بكت وتكونت غيمة الدموع في مقلتيها. ولكن حينما نظرت لناصف، رأت شكه، لذلك أسرعت تردف عبر الهاتف بخوف وارتعاشة لا إرادية، في محاولة منها لجعله يصدق:

–إنت بتكدب يا حمزة. بتقولي كدة علشان أرجع. بقالك كذا يوم بتقولي هطلقك ومش بتطلقني. عادت أصوات أنفاسه الحادة تخترق الهاتف وأذنيهما. هذا الصوت جعل ناصف يشعر بالانتشاء والسعادة. فهو مجبر وغاضب، كما فعل معه في الماضي. نعم، بدأ يصدق حيلتهما.

وعلى الجهة الأخرى، كان يقود لا يعلم أي سبيل يسلك. تائه هو الآن، وكيف لا يتوه ويتخبط، وهي بوصلته ومرشدته، والآن بين قبضة مختل. ولكن إن كان يتعلق الأمر بحياتها وحمايتها، فليفعل. توقف وقوفًا مفاجئًا أحدث صفيرًا حادًا ناتجًا عن احتكاك العجلات بالأسفلت. عصر عينيه وتحدث كأنه يلفظ أنفاسه الأخيرة: –إنتِ طالق.

عند اختراق رصاصة للجسد بشكل مفاجئ، فإن العقل يتوقف للحظات، وتتوقف مراكز الإدراك لجزء من الثانية، قبل أن يعود للعقل إدراكه ويبدأ الجسد في التهاوي والنزف. وهذا حالها. ها هي جسدها يرتخي. خوفها ورعبها من هذا ناصف لم يعد موجودًا. فقط تتردد كلمة الطلاق على مسامعها، حتى أنها تناست تمامًا سبب قوله لها. محي من عقلها أي خطة. فقد قلبها يؤلمها، وعينيها تزرف الدموع بلا توقف. ورأى هذا حالتها، فأغلق الهاتف يضحك بجنون. لا يصدق ما سمعه. أطلقها حقًا. أجبر على تطليقها كما فعل معه. ما تلك المتعة!

ود لو كان أمامه يتطلع على عينه الآن. نظر لها وهي في تلك الحالة. وللحظة، عاد الغضب يتملكه. عندما طلقها، كانت السعادة مرتسمة على وجهها. يتذكر جيدًا ملامحها. يتذكر تنهيدتها المريحة بعد أن أخبرها المأذون بالخلاص. ولكن الآن، لا يرى سوى حطام امرأة. وهذا ما أكد له أنها حقيقة وليست خدعة. ولكن لماذا؟ ماذا فعل هذا الحقير ليجعلها في تلك الحالة عند فراقه؟

ما الذي جعلها تشعر به في مدة لم تتجاوز الشهرين فقط، بينما هو تزوجها لأكثر من عام ولم يؤثر فيها بشيء. يعلم أنه في آخر فترة عاملها بقسوة، ولكنه أحبها. استخلصها من حياة نظيفة لأنه كان يريد أن تسحبه إلى حياتها. كان يستنكر حياته السوداء. خدعها بكذبة عدم الإنجاب خوفًا من تركها له. كان يحب نفسه جدًا، لذلك اتخذها ليحرر نفسه بها دون أي حساب لمشاعرها ورغبتها. وتركها أيضًا من أجل نفسه. فعن أي حب يتحدث؟

على الجهة الأخرى، ومنذ لحظة إغلاق الهاتف، فقد قام حمزة بالاتصال على فؤاد، والذي أخبره أنهم هو وتامر وبعض رجال الشرطة بالقرب من موقع ناصف، يسمعون حديثه مع ريتان ويسجلون كل حرفٍ يقوله. ويبدو أنه سيعترف الآن، لذلك أسرع يتجه إليهم على الفور، وجسده بالكامل يحترق قلقًا عليها وغضبًا من ناصف. أما ناصف، فتحدث بغضب بسبب حالتها تلك، قائلاً: –عملك إيه علشان تبقى في الحالة دي لما يطلقك؟ عملك إيه أنا معملتوش؟ فيه إيه مميز عني؟

انطقي؟ نطقها بصراخ، فلم تتأثر قط. هنا بدأت تستعيد وعيها. بدأت تتضح الرؤية بعد أن شوشتها كلمة "أنتِ طالق". تنفست لعدة مرات، ثم نظرت له وتحدثت بجرأة وصدق، لتأخذ اعترافه بأي طريقة: –حبيته. هو الإنسان الوحيد اللي حبيته في حياتي كلها لأنه نظيف وواضح وعمره ما خدعني. تملكه غضب جحيمي وهو يكور قبضته بقوة حتى لا يصفعها، ثم تحدث بفحيح من بين أسنانه: –نظيف وواضح؟ وأنا ناصف الشرير؟ وهو إنتِ كنتِ تعرفي إيه عن شغلي؟

إنتِ كدابة. من قبل ما تعرفي بشغلي مع المافيا وإنتِ بتحبيه. من قبل جوازي منك وإنتِ بتحبيه. نظيف بقى مش نظيف، إنتِ كنتِ خاينة لجوازنا. هزت رأسها بقوة وصرخت: –أخرص. ولا كنت ولا عمري هكون خاينة. إنت الخاين الوحيد. خاين لبلدك وخاين ليا لإنك خدعتني. فهمتني إنك ملاك وأنت شغال شغل غير قانوني. فهمتني إن عندي مشكلة في الحمل وإنت اللي مش بتخلف. خدعتني وإنت بتبص في عيني وأقنعتني إنك بتحبني وهتتحمل علشاني. أردف بصراخ مماثل وجنون:

–أيوة حبيتك. حبيتك يا ريتان. كنت بتمنى تسحبيني من المستنقع اللي وقعت فيه ده. أنا شغل أهلي كله غلط وخارج القانون. هربت منهم على فرنسا وكنت عايز أبدأ حياة جديدة. اتجوزت هناك بس عرفت إني مبخلفش. سابتني واتجوزت غيري. قابلت مها واتعرفت عليها هناك. كنت مفكر إن ممكن نتفق ونرتبط، بس لقيتها واحدة طماعة وأنانية. نزلت مصر علشان موت منصور وشوفتك. مرة في مرة عجبت بيكي وعرفت كل حاجة عنك. كنت عايز أبدأ معاكي وأبعد عن كل ده. بس هما

وصلولي. المافيا كلموني نكمل شغل منصور اللي مكملش. ملقتش قدامي حل غير إني أقبل. مهو أكيد دم عيلة السوهاجي القذر بيمشي في عروقي. اشتغلت معاهم. واتجوزتك. وأيوة خدعتك إنك مبتخلفيش. ولو رجعت بالزمن لورا هعمل كدة مليون مرة. ومش ندمان. الحاجة الوحيدة اللي ندمان عليها هي إني طلقتك. بس كان غصب عني. الكلب اللي إنتِ اتجوزتيه ده أجبرني أطلقك. زي ما أنا أجبرته يطلقك دلوقتي.

قال الأخيرة وهو يشعر بالفخر ويبتسم. هزت رأسها تطالعه بذهول. للحظة شعرت بالشفقة عليه، فقط لأنه حاول. ولكن هو أكمل واختار حياة مظلمة. لذلك أردفت بأسف وحزن ودموع: –حتى لو طلقني يا ناصف. مش هقدر أكون معاك. مش هقدر أربط نفسي بواحد حياته وروحه في إيد ناس معندهاش ضمير. مش هقدر أأمن على روحي مع واحد كان السبب في موت أرواح كتير. إنت أذيت ناس كثير أوي يا ناصف. وأولهم أنا. ضحك ضحكة صفراء، ثم عاد الشيطان يتملكه وهو يردف بغضب:

–مش بمزاجك يا حلوة. إنتِ مجبرة تعملي اللي أنا عايزه. حياة حبيب القلب في خطر. شغله ومستقبله كله في خطر. إبنه في خطر. والجديد بقى إن سمعته على المحك. فيه شحنة أجهزة جاية باسم شركتهم. شحنة سليمة مية في المية. بس اللي محدش يعرفه أنها مليانة كوكايين. وإن العبد لله هو اللي عمل كدة. وهو اتصال واحد بس وحبيب القلب هيلبس الكلبشات. لإن كل الأوراق بتوقيعه هو. فلو عايزاه يعيش ويربي ابنه ويتحسر على اللي عملتيه فيه تنفذي كلامي. وإلا إنتِ عارفة اللي ممكن يحصل.

يكفي هذا القدر من الاعترافات يا ناصف. فهذا القدر كفيل بجعلك تقضي الباقي من عمرك خلف الأسوار. وهذا ما جعل ريتان تتنفس بقوة برغم دموعها وخوفها. تتنفس براحة. فحتى خطته ضد مستقبل حبيبها انكشفت وتبرأ حمزة منها قبل حتى أن يقع فيها. زفرت براحة لفتت انتباهه، ثم أومأت قائلة: –طيب. ياريت تسبني أمشي يا ناصف. فهمت وهنفذ اللي إنت عايزه. سبني أرجع بقى. نظر لها بتمعن وشرود لثوانٍ، ثم تحدث بهدوء يتنافى مع الحدث:

–مينفعش يا ريتا. بعد كل اللي قولته ده أفضل مكان ليكي هو جنبي. مينفعش ترجعي دلوقتي. حاولت التحلي بالهدوء نظراً لوجود فؤاد وتامر في محيطها، ولكن لم تستطع. يبدو القادم سيء. بدت مزعورة وهي تردف برجاء محاولة إقناعه: –ناصف لو سمحت. مش هينفع أفضل معاك. أوراقي وكل حاجتي هناك في القصر. لو عليا أنا مش هتكلم. أوعدك مش هقول أي حاجة لأي حد. رأسه يردف بابتسامة صفراء:

–تؤ تؤ تؤ. بعد ما شوفت حالتك لما طلقك مقدرش أأمنلك تاني وأسيبك تروحي عنده. لازم تفضلي تحت عنيا. ولو على الأوراق سهل أجيبها. متشغليش بالك إنتِ. انتهى ونظر من نافذة السيارة ينادي للسائق الذي ترجل ليأتي ويقود. فابتلعت لعابها وهي تضع راحة يدها على رحمها وتدعو الله أن يمر القادم على خير دون أي إيذاء لأحد.

بالفعل استقل السائق مكانه والحارس الخاص به يجاوره، ثم أدار محرك السيارة ليتحرك. وما هي إلا استدارة بسيطة حتى وجد سيارة شرطة تأتي مسرعة وتقف أمامه تمنعه من التقدم. ويترجل منها كلاً من فؤاد وتامر ورجلان مسلحان. تحدث تامر وهو يشهر سلاحه بنبرة تهديدية صارمة: –كله برا العربية ومافيش داعي للمقاومة. سلم نفسك يا ناصف. ترجل الحارس والسائق يشهران عن سلاحهما أيضاً ويستعدان للهجوم، بينما ناصف أصابه الجنون ونظر

لريتان بغضب يردف بحدة: –عملتي إيه؟ انطقي عملتي إيه؟ اتفقتي معاهم عليا؟ كانت تهز رأسها كلا لتتجنب نوبة جنونه، ولكنه كان في حالة هياج بسبب نداء تامر المستمر وهو ينبه الحارس والسائق تنبيهًا مشددًا ويناديه ليسلم نفسه. نزع حقيبتها يبحث عن مسجل ليرى هل حقًا وقع في فخها أم أتوا مراقبين فقط ليحاول إنقاذ نفسه. تناثرت محتويات حقيبتها أرضًا وهو يبحث كالمجنون، وتامر يردد: –سلم نفسك يا ناصف. سيب ريتان وسلم نفسك.

لم يعره اهتمامًا، بل ترك الحارس والسائق يتصرفان، بينما هو كل ما يهمه هل سجلت اعترافه أم لا. وعندما لم يجد شيئًا في حقيبتها، ألقاها أرضًا ونظر لها نظرة شيطانية يردف بغل: –مخبياها فين؟

نظرته كفيلة لتبث الرعب فيها. نعم، مرتعبة ولم يطمئنها وجود تامر أو فؤاد أو كل أجهزة الشرطة ورجالها. بل حتى لو اجتمعت جيوش العالم كله في الخارج، لن تطمئن إلا بوجوده هو. تنادي عليه جهرًا، لعل قلبه يسمعها. تنادي عليه والرعب يتآكلها وهي تشعر بيد ناصف تقترب منها قاصدًا نزع حجابها والعبث بملابسها. وقبل أن تصل يداه إليها، وجد الباب الآخر من الجهة الأخرى للسيارة يفتح وأحدهم يسحبه بقوة للخارج.

نعم، هو أتى وسمع نداؤها. أتى يحمل غضب العالم ويريد صبه على هذا الذي سقط أرضًا بين الأتربة مرتطمًا. وثبته حمزة بجسده يرتكز على ساقه ويسدد له اللكمات في وجهه وجسده ورأسه بقوة وغضب، حتى أن الآخر لم يستوعب ولم يدافع، بل لم يسمح له حمزة بالدفاع عن نفسه. فقط كان في حالة هياج وهو يلكمه بقوة متخيلاً رعبها وخوفها. أما هي، فتجلس في السيارة وتتدلى ساقيها للخارج وهي تراه يلكمه بعنف. زال كل خوفها. حتى طلقات الرصاص التي صدرت من تامر ورجاله أثناء القبض على الحارس والسائق لم تسمعها. على ما يبدو أن أذنيها قد صمت وبقيت فقط عينيها معلقة عليه.

أسرع تامر وفؤاد إليه ينزعانه بقوة من فوق جسد ناصف الذي غطت الدماء ملامحه، ونجحا في ذلك وأخذوه إلى سيارة الشرطة بعد أن وضعا القيود الحديدية في يده. بينما الآخر زفر ولف نظره ينظر لتلك المتجمدة، إلا عينيها التي تنصب عليه. نظرا لبعضهما بقوة، ثم فتح ذراعيه لها يناديها، فأسرعت وكأن جسدها وحواسها عادت إليها الحياة. ارتمت في حضنه، وأغلق ذراعيه عليها يحتويها بقوة ويردد بصوته الذي تعشقه على مسامعها:

–خلاص يا ريتان. خلاص يا حبيبتي خلصنا منه. إهدي يا حبيبتي أنا معاكي وجنبك. توزعت يديها على ظهره تستدعي الأمان منه وتعتصر عضلاته وهي تبكي، لا تصدق أن حقًا انتهى هذا الكابوس. أخيرًا ستنعم بالهدوء معه. الآن فقط تستطيع تنفس فرحة خبر حملها. بعد عدة أيام. في العيادة الطبية النسائية الخاصة.

تتمدد ريتان على سرير الفحص، تتمسك بكف حمزة وينظران سويًا لجهاز السونار الذي يكشف عن جنينهما. تنظر لهذه البقعة الصغيرة بتأمل ودموع. لا تصدق أنها تحمله بداخلها الآن. سعادتها تغمرها كليًا، ولكن لا تساوي سعادة هذا الأب الذي يعيش تلك اللحظات للمرة الأولى. لأول مرة يرى صغيره وهو يسكن ويحتل رحم من عشقها وتمناها. لأول مرة يشعر بحبه ينمو. يبتسم ويتأمل الشاشةتمعن. ود لو يحدثه ويبوح له بكل ما عاناه لكي يصل إلى أمه الغالية. ود لو يخبره عن مدى حبه وقوة تحمله لسنوات كانت عجافًا بدونها. الآن فقط يستطيع التنفس بكل راحة.

تحدثت الطبيبة وهي تحرك جهاز الفحص المختلط بالسائل اللزج على رحم ريتان قائلة وعيونها منكبة على الشاشة: –نقول ما شاء الله. معانا توأم. نظر الزوجان لبعضهما بصدمة تحولت إلى دموع في عين ريتان، ثم لبكاء. فأسرع حمزة يدنو منها ويردف بحب وحنو وسعادة: –مبروك يا حبيبتي. الف مبروك يا ريتو. متعطيش بقى.

رفعت يدها التي كانت تعانق يده وقبلتها بحب تحت نظره المتفاجئ من فعلتها. كانت تبكي من عوض الله لها. بعد أن ظنت لسنوات أنها لن تنجب ولن تصبح أمًا، يكافئها ربها أولاً بطفلٍ ليس منها ستحبه دومًا كما يحبها وستعتبره ابنها الأكبر، ثم يكافئها بنعمةٍ من رحمها تثبت بها حبها لهذا الرجل. تسعد معه بأسرةٍ صغيرة هانئة وسط أسرته الكبيرة، تبث فيهما الحب والحنو كما تحمل هي ووالدهما. لا تصدق أنها الآن بين يدي حبيب عمرها وتحمل قطعتين منه. حقًا كرم الله واسعًا.

انتهت الطبيبة من فحصها وناولتها المناديل الورقية لتجفف مكان السائل، ثم ساعدتها حمزة في الترجل وعدلت ملابسها وتمسكت به تتحرك معه ليجلسا على المكتب يتابعان حديث الطبيبة وتعليماتها عليهما. عند بسمة التي عادت لبيتها بعد أن قرر الأطباء استئصال الأورام الليفية لها مع الاحتفاظ بالرحم، ولكن سيكون الحمل في هذه الآونة مستحيلًا. ولكن ربما مستقبلًا.

وبرغم الحزن الذي غلف بهاء داخليًا، إلا أنه يحاول إظهار العكس كي يهون عليها. فهي منذ ذلك اليوم وتبدل حالها 180 درجة. في الأول كانت تبكي وتنتحب، والآن باتت تبكي بصمت. وداخلها يردد أنها تجني ثمار أفعالها. نعم، يتآكلها الندم. خسرت جنينها وكادت أن تفقد رحمها في نفس توقيت حمل شقيقتها التي دومًا نعتتها بالحاقدة عليها. دومًا كانت تظنها تغار منها ومن حياتها، وقد خاب ظنها وعاد عليها هي. وفي الآخر قررت الرضا بقضاء الله وقدره.

أما عن ناصف، فقد تم حجزه على ذمة التحقيق. وبعد سماع اعترافه وتأكيد خبر وصول الشحنة التي تحمل مواد مخدرة، وأقوال ريتان وحمزة عن محاولة خطفها، بالإضافة إلى محاولة تشويه سمعة حمزة الجواد وشركته. كل تلك القضايا كفيلة بجعله يقضي الباقي من عمره خلف القضبان، ولن يفلح محاميه في إخراجه أبدًا.

وبالنسبة لخبر مثل هذا سيكون بمثابة ضربة قاضية لمها التي ارتاعت من فكرة العمل مع المافيا خوفًا من السجن، برغم محاولات سعاد في جعلها ترضخ وإلا أفلس مجددًا. ولكنها ما زالت تحاول اتخاذ قرار نهائي، خصوصًا بعد تأكدها بأن حمزة لن يمد لها يد العون مجددًا بعد أن عضت يديه. يجلس معاذ مع سناء وتوأمها في إحدى المطاعم الفارهة، يتحدث معهما بصدق ومحبة قائلاً:

–أنا مبسوط أوي إنكم قبلتوا دعوتي على العشا. وأتمنى تكمل فرحتي بموافقتكم على طلبي. أكيد سناء هانم بلغتكم إني طالب إيدها على سنة الله ورسوله. وقبل أي ارتباط بينا، أنا يهمني راحتكم أولًا. وأنا عايش لوحدي. ابني في أمريكا عايش هناك ومتجوز. وبنتي متجوزة هنا بس مش بتزورني كتير. وبرغم كدة أنا عرضت عليهم الأمر وهما معندهمش أي مانع. هما متأكدين إني مش هقرر حاجة زي دي إلا إذا عن قناعة تامة مني. وأنا حقيقي حبيت والدتكم جدًا

واحترمتها جدًا لما اختارت سعادتكم عن سعادتها. وعلشان كدة أنا حابب أشيل معاها الحمل وأشاركها في الحاضر والمستقبل، وأنا كلي قناعة ورضا بده. وأي طلب ليكم وليها أنا موافق عليه. وزي ما بلغتها قبل كدة أنا ممكن أشتري الفيلا وتكون مهرها لو مش حابين تنتقلوا عندي على فيلتي. المهم إنكم تكونوا مرتاحين.

نظر الاثنان لبعضهما. هما بالأساس قررا ما يريدانه. اختارا سعادة وراحة والدتهما، خصوصًا بعد أن أكد لهما حمزة حسن أخلاق هذا المعاذ. أما سناء فتجلس بحرج تنتظر قرارهما. بالنسبة لها، لم يعد للرفض سبيل. هو أقنعها بشخصيته وبدعمه وما ينوي تقديمه لهما. سيرته الحسنة تسبقه وتجعل من قلبها محركًا لمشاعرها التي ظنتها دفنت منذ زمن. ولكن يبدو أنها ستعيش معه مشاعر جديدة عليها. هذه المرة داخلها مستكين وهادئ وسعيد. هذه المرة مختلفة تمامًا.

تحدث سليم بنبرة واثقة جدية برغم صغره: –أنا وتقى معندناش أي مانع يا أونكل معاذ. زي ما ماما أهم حاجة عندها راحتنا، إحنا كمان أهم حاجة عندنا راحتها وسعادتها. بس المهم حضرتك متزعلهاش. ظهرت الفرحة على ملامحه وتوزعت بهجة الخبر السعيد، وهو يبتسم ويردف: –مستحيل أزعلها أو أزعلكم. من هنا ورايح إنتوا عيلتي.

زفرت سناء بارتياح ونظرت لتوأمها مبتسمة، ولأول مرة تلتمع عينيها ببريق السعادة، لذلك خجلت أن تنظر لمعاذ الذي صب عينه عليها يتأملها بفرحة غزت قلبه. بينما هو أردف متسائلًا بلهفة: –أظن كدة مبقاش عندك سبب للرفض يا سناء هانم؟ زفرت وأومأت تردف بهدوء وتروٍ برغم سعادتها: –تمام يا معاذ بيه. اتكلم مع بابا وحمزة وربنا يقدم اللي فيه الخير. أومأ ونظر للتوأم يردف بحنو: –يلا بقى ناكل؟ نفسي اتفتحت فجأة.

شرعوا جميعًا في تناول الطعام، بينما ظهر الجزء المرح في شخصية معاذ الذي أحبه سليم وتقى كثيرًا. أما عن سناء، فستبدأ باستكشاف الكثير عنه شيئًا فشيئًا. مساءًا عاد حمزة وريتان إلى القصر. الجميع يجلس في غرفة المعيشة، الجميع ينتظرهما بعد أن أخبرهم حمزة بذلك.

دلفا يلقيان السلام على الجميع، ثم اتجهت ريتان تقف بسعادة أمام سالم الذي طالعها بترقب وتساؤل. مدت يدها في حقيبتها وأخرجت صورة مصغرة تحتوي على رحمها وجنينيها، ثم ناولتها له وعيونها امتلأت بالدموع مردفة بنبرة مؤثرة وسعادة وراحة وحماس: –عمو سالم، أنا حامل في توأم. نظر لها مندهشًا، ثم لف نظره لحمزة الذي يجاورها ليتأكد، فأومأ له. لذلك مد يده يأخذ منها الصورة ويطالعها مبتسمًا، ثم وقف يعانق اثنيهما ويردد:

–ألف مبروك. ربنا يتمم بخير. ولحظات وبدأت مباركات الجميع تنهال عليهما. صفية تعانق ريتان بقوة، وكاري تتعلق بذراعها باكية بسعادة، وشيرين تتمنى لها السلامة. بينما مراد حمل حمزة من قوة سعادته ويردد بعلو المباركات له، وفريد يبارك ويهني. أما مروان فيقف يطالعهما هو وبيري بعدم فهم، ولكنه سعيد، فيبدو أن الجميع كذلك. نادته ريتان ودنت منه، ثم تحدثت بحنو مردفة: –قول لي يا مارو، مش إنت نفسك في أخ تلعب معاه زي بيري؟

أومأ لها يردف بتأكيد: –طبعًا يا مامي. عايز أخ زي ما بيري عندها أخ. وعايز أخت كمان. وكمان طنط شيرين تجيب أخت لأنس. ابتسمت له وأومأت تردف: –تمام، إن شاء الله هنعد مع بعض 7 شهور وهنجبلك اللي إنت عايزه. تفاجأ الصغير ينظر لوالده، فدنى حمزة هو الآخر يردف بتأكيد: –ادعي بقى يا مارو ربنا يبعتلك أخ وأخت زي ما إنت عايز. ابتسم مروان وأومأ يردف بحماس وهو يغادر للخارج: –تمام هروح أهو أصلي وأدعي.

ابتسموا عليه وعلى براءته، ووقف حمزة ينظر لريتان بحب، ثم نظر للجميع وقال: –بعد إذنكم، هنطلع نرتاح شوية، وأعملوا حسابكم كلكم معزومين على العشا بكرة في مطعم _، علشان نحتفل بالخبر الحلو ده. تحدث مراد بمرح كعادته: –لا معلش يا حمزة مش هتاكل حقنا. هما توأم يبقى عزومتين مش عزومة واحدة. تحدثت صفية بمرح على غير عادة لتقصف جبهته مردفة: –ما إنت معاك بيري وحمزة عمرك ما عزمتنا على قهوة حتى. نظر لوالدته بصدمة وتحمحم يردف:

–بقى كدة بردو يا ست الكل. نسيتي الشوكولاتة اللي وزعناها في سبوع بيري. ضحكوا عليه وتحدث سالم لينهي الجدل: –خلاص يا حمزة العزومة دي عليا أنا علشان محدش يزعل. أومأ حمزة وتحدث باحترام: –تمام يا بابا اللي تشوفه. عن إذنكم. سحب ريتان وصعد لجناحه. دلفا غرفتهما وأوقفها تقابله، فنظر لها بحب. يتأمل ملامحها كأنه يراها للمرة الأولى. حاوط وجهها بكفيه، ثم تحدث بحب:

–أنا فرحان أوي يا ريتان. فرحان وحاسس إني شايف الدنيا بعيون جديدة. حاسس إني بتنفس بقلب جديد. إنتِ سبب كل فرحتي وراحتي دي. رفعت يديها تحاوط كفيه وتبادله نظرة الحب مردفة بصدق:

–لو حد حط السنين اللي عشتها في بعدك والعذاب اللي شوفته فيها في كفة وحط الشهرين اللي عشتهم معاك في كفة، صدقني الكفة التانية هي اللي هتوزن. شهرين معاك وجنبك يا حمزة محوا تسع سنين عذاب. أنا بحبك أوي يا حمزة. بحبك وبحب كل حاجة خاصة بيك. كل تفصيلة فيك بعشقها. وفرحانة أوي إن ربنا رزقني بحتة منك. بجد.

ما كان منه بعد تلك الكلمات إلا أن يدنو مقبلًا شفتيها يعزوهما بغزو ممتع ومحبب إلى قلبها. اتجهت يديها إلى خصلاته تغوص فيهما، كم تعشق ملمسهم الناعم، مسحورةً بقبلته الجامحة إلى أن ابتعدا يزفران بقوة، ثم ابتسم مغمض العينين يتحدث بضجر وهمس: –يعني فعلًا ممنوع ممنوع ولا ممنوع نص نص؟ ابتسمت عليه وتحدثت بنعومة إذابته: –الدكتور قالت ممنوع يا موزي. مضطرين نستنى شوية. زفر بضيق يومي ويردف: –ربنا يصبرني الشوية دوول.

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...