تحميل رواية «للقلب أخطاء لا تغتفر» PDF
بقلم اية العربي
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
نسجت محبتي وعشقي لك بعناية كبساط متين غزلته بسكينتي. فجاء طوفان غدرك ونقض عقدة النهاية فأحله وجعله خيوطاً هاوية. في تلك المدرسة الخاصة، وفي أحد صفوفها وتحديداً الصف الأول، تقف هي بملامحها الجميلة التي تشبحت بالحزن والسكون. فلم تعد تسمع قهقهاتها البريئة، وباتت فقط تبتسم لأجل هؤلاء الصغار. تقف أمام سبورتها السوداء كقلوب عاشرتها. تخط بعض الكلمات بالطباشير الأبيض الذي ينحت من صلابته ويتآكل ليظهر كلمات كُتبت بقلب ممزق على هذا اللوح الفحمي. فبرغم التقدم التكنولوجي القائم في المدرسة، إلا أنها لا تحبذ ا...
رواية للقلب أخطاء لا تغتفر الفصل الحادي والعشرون 21 - بقلم اية العربي
وصل حمزة إلى القصر. صف سيارته وترجل وهو يتحدث عبر الهاتف مع أحدهم مردفاً:
– يعني إيه؟،، انشقت الأرض وبلعتها؟،، إنت متأكد إنها رجعت مصر؟
أردف أحدهم:
– أيوة يا حمزة بيه،، دا اللي ظهر لنا في قائمة المطار،، بس جربت تسأل والدتها؟،، يمكن تعرف عنها حاجة؟
زفر يردف مؤكداً بتفكير:
– أكيد لو تعرف عمرها ما هتقول،، على العموم زي ما انت كمل ولو عرفت أي شيء فوراً تبلغني.
أغلق معه وهاتف حسن الذي أرسله مجدداً ليحرس ريتان إلى أن تأتي بيته. يردف بترقب بعدما أجاب:
– عينك متغفلش من على ريتان يا حسن،، سامعني كويس؟
أردف حسن مطمئناً:
– إطمن يا حمزة بيه،، أنا قدام البيت دلوقتي ومش همشي إلا الصبح زي ما حضرتك طلبت.
زفر وأغلق معه ووقف يفكر بقلق. أين اختفت تلك الخبيثة وبما تنوي؟ تفاجأ بمراد يأتي من خلفه مردفاً بتوتر:
– حمزة؟،، انت كويس؟
لف نظره يطالعه بنظرة عتاب وغضب، ثم لف وجهه وأردف بجمود:
– كويس.
أردف مراد بندم:
– حمزة متزعلش مني،، أنا خبيت لأني وعدت كاري ولأني خوفت عليك،، وبعدين هي كانت موافقة وكل حاجة هتتم بإرادتها.
عاد يطالع شقيقه بألم مردفاً:
– خوفت عليا؟،، خوفت عليا من إيه يا مراد؟،، هو انت يا أخي مش عايش معايا وشايف العذاب اللي أنا بتعذبه؟،، مش شايف وجعي يا مراد؟،، طب يا أخي كنت على الأقل حطيت نفسك مكاني،، ما انت مجرب وعارف.
أردف مراد معتذراً:
– أنا آسف يا حمزة،، صدقني أنا وعدت كاريمان متكلمش،، كنت عايز أقولك وفعلاً كنت هكلمك بس.
قاطعه بحدة عندما تذكر:
– بس إييييه؟،، كنت مستني لما تتجوز وتقول؟،، ولعلمك ده مكانش هيتجوزها ده كان فخ من مها علشان تسئ لسمعتها وتنتقم منها،، يعني لو كان ده حصل يا مراد كنت هتتسبب في أسوأ حاجة ممكن توجع ضميرك طول عمرك.
زفر وتحرك من أمامه وترك مراد يشعر بالخزي والحزن وتأكد أنه أخطأ. إلى الآن لا يصدق أن شقيقه الذي سعى لسعادته يخذله، يخفي عنه أمر حياته كله. نعم الآن هي زوجته وملكته ولكن ماذا كان سيحدث.
صعد لطفله ودلف فوجده نائماً. انحنى يقبله بعمق ثم اتجه لجناحه ودلف الحمام يغتسل ويبدل ثيابه ثم عاد يصلي وانتهى وعاد لفراشه الذي يجاور فراش صغيره وتمدد عليه وأخذه عقله إليها. عناقها ورائحتها وقبلتها. حب حياته التي أصبحت ملكه ومليكته.
لأول مرة يتنفس سعادة، حتى أنه لم يشعر بالنوم الذي تسحب إلى عقله ليأخذه في أحلامٍ جميلة معها.
***
بعد يومان.
طلق حمزة مها غيابي عند مأذون شرعي ووثق المحامي الخاص به شهادة الطلاق في محكمة الأسرة.
فلم ينتظرها دقيقة أخرى. رتب جيداً خطواته وما سيفعله من أجل صغيره. فهو شبه مطمئن من هذا الجانب. ولكن بالنسبة للشركة فما زال القلق يراوده. عليها أن تتنازل لشقيقته بإرادتها ودون أي تلاعب، فقط لتظهر ولينتهي الأمر بسلام.
أفضى تماماً محتويات الغرفة كاملة. لم يترك أثراً واحداً خاصاً بمها. حتى الجدران نزع الدهانات وأوراق الحائط من عليها. يستعد لتبديله إلى جناح جديد كلياً. يستعد لبداية جديدة معها فقط.
تقبل سالم جوازه من ريتان حتى وإن لم يكن مقتنعاً به ولكنه يعلم ما عاناه ابنه وما يمكن أن يفعله بعدما نما عوده واشتدت لذلك رضخ.
برغم سعادة حمزة ولهفته لبدء حياته إلا أن اختفاء ناصف هذا لا يبشر بالخير أبداً. ما زال لا يعلم مكانه. كل ما كان يقلقه خوفه على ريتان الذي ما زال قائماً ولكن فقط لتأتي إليه وتظل بجواره وسيرتاح قلبه.
***
ترجلت من سيارتها أمام شركة الجواد. أتت لتراه. فهي تتابع أخباره بتمعن، تريد العودة لعهدها معه بعد أن نفرها هذا الزوج الذي فضلته عليه. تعلم أنها أخطأت في الماضي ولكن ها هي تحاول تصليح الأخطاء. فقد طلبت منه الطلاق واتفقت معه أن يخلصها خصوصاً بعدما أجهضت مرتين طوال فترة زواجها بسبب إهمالها لحملها حتى قبل أن تبدأ شهرها الثالث.
ما كانت تهتم به هي الحفلات والسهرات وبعض المتعة والرقص في أماكن اعتادت أن تذهب إليها معه، فهو كان يتباهى بها وسط معارفه. ولكن الآن لم يعد يهتم بها. لذلك عادت الحياة بينهما باردة ونافرة لا تطاق. وها هي ستحاول عودة فريد إليها. تعلم مدى تأثيرها عليه وتعلم أنها لن تجد غيره يصدقها ويحبها. باتت تشتاق لأيامهما سوياً. علمت بخبر زواجه ولكن مؤكد أنه زواج عملي ليس عن حب أبداً. فهي متأكدة أنه لن ولم يحب سواها.
زفرت بقوة تهئ رئتيها لهذا اللقاء. دلفت من مدخل الشركة ترتدي نظارتها قاصدة مكتبه. استعملت المصعد الكهربائي لتصل إلى الطابق المنشود.
وصلت واتجهت تخطى في الرواق باحثة عن أحد تسأله عن مكتبه. وجدت إحدى الموظفات فأوقفتها تتساءل بغرور:
– مكتب فريد بيه فين؟
نظرت لها الموظفة بضيق ثم أشارت لها إلى آخر الرواق فاتجهت ميادة تخطو بغنج حتى وصلت إلى مكتبه.
دلفت تطالع تلك القابعة خلف مكتبها ثم جالت بأنظارها المكان وهي تتحدث بدون اهتمام:
– عايزة أقابل فريد بيه.
رفعت السكرتيرة عينيها من على حاسوبها تطالعها بتعجب ثم تساءلت بعملية:
– فيه معاد حضرتك؟
اتجهت ميادة تجلس أمامها وتضع ساقاً فوق الأخرى مردفة باستهتار:
– لا،، بلغيه بس إن ميادة السيوفي عايزة تقابله،، وهو أكيد هيوافق.
مطت السكرتيرة شفتيها بتعجب ثم تناولت الهاتف وأردفت وهي تطالع تلك القابعة بترقب:
– فريد بيه؟،، مدام ميادة السيوفي طالبة تقابل حضرتك.
كان يجلس خلف مكتبه ويراها من خلال كاميرا المراقبة. في الوهلة الأولى تعجب من مجيئها. بأي جرأة وبأي وجه أتت. ولكن شئ ما بداخله أراد أن ينتقم. أراد أن يتأثر لسنوات أضاعها في حب تلك الخبيثة. لذلك ابتسم بمكر وأردف:
– خليها تدخل.
وضع الهاتف ونظر للشاشة والسكرتيرة تخبرها بذلك حتى انفرجت أساريرها ووقفت تتجه إلى مكتبه بسعادة. بينها وبين تحقيق مخطتها هذا الباب فقط.
طرقته ولفت مقبضه ودلفت. كان يجلس يدعي الانشغال في ما أمامه ولم يكلف نفسه عناء النظر إليها وهو يردف بجمود:
– أهلا يا مدام ميادة،، خير؟
ابتلعت طريقته الفظة في استقبالها. ماذا ظنت، هل سيقف يعانقها أم ماذا؟
زفرت وخطت تجلس خلف مكتبه ثم خلعت نظارتها تطالعه بعيون ماكرة وتردف بصوت انثوي:
– خايف تبصلي ولا إيه؟،، معقول يا فريد موحشتكش؟
شعر بضيق. شيئاً ما يخنقه. كيف تأتي وهي متزوجة وتردف بتلك التراهات.
لم يحتمل لذلك رفع وجهه يطالعها بعيون حادة وملامح غاضبة يردف بجمود:
– جاية ليه؟،، جاية تقولي لراجل غريب عنك موحشتكش؟،، للدرجة دي انتِ رخيصة.
صدمت من عينيه قبل كلمته. طالعته لثوانٍ بصمت ثم كسرته تردف وهي تهز رأسها:
– إيه اللي انت بتقوله ده يا فريد؟،، انت مش غريب عني،، انت دايمًا كنت في بالي،، عمري ما نسيتك،، اللي بينا مكنش بسيط علشان أنساه،، بس انت متعرفش حاجة،، متعرفش إيه اللي حصل معايا.
كان يطالعها ببرود ظاهري بينما داخله يتوهج. ليس غضباً منها فهذه حقيقتها. ولكن غضباً من نفسه كيف أحب مثل تلك المرأة يومياً، كيف انخدع بها وكان يود وسم اسمها باسمه؟ تلك المرأة التي تجلس أمامه لا تؤتمن على شئ.
زفر يطالعها بنفاذ صبر يطالعها بنظرات حادة مردفاً:
– اسمعي يامدام،، جيتي عنوان غلط،، اللي كنتِ تعرفيه زمان واحد تاني خالص غير اللي قدامك دلوقتي،، واحد أنا دفنته وأنا راضي تماماً عن اللي أنا عليه دلوقتي،، أي كلمة هتقوليها ملهاش أي قيمة عندي،، ولازم تعرفي حاجة واحدة وبعدها ياريت تتفضلي من هنا ومتفكريش ترجعي تاني علشان مقلش منك قدام الشركة كلها.
دقق في عينيها بقوة يردف بثقة وثبات:
– أنا راجل متجوز،، من إنسانة ظافرها برقبتك،، وبصراحة هبقى رخيص أوي لو سبت الملكة وبصيت للجواري،، من هنا ورايح تنسي خالص إنك عرفتي حد اسمه فريد الجواد في فترة من حياتك،، زي ما أنا نسيت.
طالعته بذهول. ما تبقى من غرورها نثر أرضاً. كيف يحدثها هكذا، ماذا يظن نفسه؟
وقفت منتفضة تطالعه بغضب لداري ذلها وأردفت بحدة قبل أن تغادر:
– هتندم يا فريد على الكلام اللي قولته ده،، هتندم وهتيجي تعتذر مني كمان،، وساعتها هتتمنى لو كنت سمعتني،، اوعدك ده هيحصل قريب.
أندفعت للخارج وتركته ينظر لأثرها بإشمئزاز وكأنها شيئاً ملوثاً يشعره بالاختناق.
***
عند سناء التي كانت تجلس في النادي مع توأمها اللذان يمارسان رياضة التنس وهي تجلس خلف السياج المعدني تتابعهما بحنو وترتشف القليل من عصير الفراولة.
انتفضت فجأة على صوت أحدهم يردف برتابة:
– صباح الخير يا سناء هانم؟
التفتت تطالعه بتعجب فقد فاجأها. فتحمحم معتذراً يردف بأسف:
– أنا بعتذر منك مكنتش أقصد أزعجك،، أنا بس شوفتك صدفة فحبيت أسلم عليكي.
تنهدت تومئ مردفة بتكلف:
– أهلاً يا معاذ بيه،، أزي حضرتك.
ابتسم لها وهو يتعمق عينيها الحزينة التي دائماً يراها ذابلة مهما حاولت أن تخفي ذلك. رفع نظره يطالع التوأم المنشغلان بلعبتهما ثم عاد إليها يردف بترقب:
– ممكن أقعد مع حضرتك أشرب قهوتي ونتكلم شوية عن المؤسسة الخيرية الجديدة؟
تنهدت بضيق. نظرت حانباً ثم عادت إليه تردف معتذرة:
– أنا بعتذر منك بس اليوم النهاردة خاص بأولادي،، تقدر حضرتك تتفضل في المؤسسة بكرة إن شاء الله ونتكلم.
زفر يومئ بيأس ثم أردف قبل أن يغادر:
– تمام يا سناء هانم،، زي ما تحبي.
غادر وتركها تشرد في أمره. هي ذكية بالقدر الكافي لتعلم غرضه. بعد تكرار إصراره على الحديث بينهما تستشعر ماذا يريد. ولكنها ليست على استعداد لتلك التجربة مرة أخرى. لقد وهبت حياتها لتوأمها فقط. ما رأته في الماضي كفيل من أن يرعبها من أي علاقة جديدة.
***
مساءاً في جناح سالم.
يتمدد على فراشه يتابع ويتصفح هاتفه بتركيز. يقرأ آخر أخبار سوق الأعمال والبورصة. داخله راضٍ وسعيد عن ما وصل إليه أولاده. أسهم شركته في صعود مستمر. وهذا يبشر بالخير. ولكن برغم ذلك ينتابه القلق من شر تلك الأفعى. يعلم أنها لن تقف تشاهد ما حدث أمام أعين الجميع بصمت. لابد لها من لدغة سامة لذلك فعليهم ان يكونوا على أهبة الاستعداد. لو كان في الماضي لكان اعترض على كل هذا. ولكن لحظة يا سالم بيه، أولم يحدث كل ذلك بسببك أنت؟ أولم تسعد وتستقبل تلك الحية ووالدها استقبال خافل مبهر وسعيد؟ لما اشتكي الآن؟ لما تلوم على ولدك الذي عانا كثيراً وانت تعلم ذلك جيداً؟ عليك ان تفكر مرة واحدة كأب حقيقي. عليك أن تختار تلك المرة أن تكاتفه يمكن أن تنجو من هذا الطوفان الذي يقترب حدوثه.
دلفت عليه زوجته صفية تطالعه بترقب. لقد نوت محادثته في أمر حمزة. تفكر كثيراً وأخيراً قررت الخوض في ذلك الحديث.
اتجهت تجلس جواره على طرف الفراش وتطالعه بترقب مردفة:
– بتعمل إيه يا سالم؟
تحدث وعينه منشغلة بهاتفه:
– أبداً،، بشوف آخر الأخبار.
تنهدت تستجمع قوتها ثم أردفت وهي تلتقط يده بين راحتيها:
– عايزة أتكلم معاك شوية، أقفل الموبايل واسمعني.
فعل مثلما قالت والتفت يقابلها فطالعته بنظرة حانية تردف بهدوء وتروي:
– عارف أني من يوم ما اتجوزتك عمري ما اشتكيت منك لأي حد،، دايماً شايفاك انت كبيري وسندي وكل حاجة ليا،، برغم قسوتك اللي الكل شايفها بس أنا شايفة جواك علشان كده سكت عن حاجات كتير كان لازم اتكلم فيها.
تنبه لها جيداً وتركها تخرج ما في جعبتها وهي بدأت عبراتها تخونها أمامه وصوتها يتحشرج متابعة بعيون حانية:
– دايماً كنت مولياك أموري كلها يا سالم،، كنت واثقة فيك،، دخلت بيتك وعاملتك بما يرضي الله،، حبيت سناء كأنها بنتي،، ولما حملت في حمزة بقيت خايفة لما أولد غصب عني أفضله على سناء،، كنت بسمع إن مستحيل مرات الأب تبقى أم،، مستحيل تحب أولاد جوزها زي أولادها،، بس أنا لاء، حبيتها أوي، مفرقتش بينها وبين ولادي التلاتة،، بقيت أتعامل معاهم كلهم زي بعض،، كنت عارفة إنك عايزهم أقوية،، عايزهم وحوش وسط الناس علشان محدش يكسرهم،، علشان كده كنت من ناحيتي أنا بزرع فيهم اللين والحنية،، لما يبقى الراجل قوي وحنين ده يبقى أغلى كنز في الدنيا،، كنت عايزة أطلعهم أقويا زي أبوهم بس حنينين يا سالم، لو في يوم واحد مراته زعلت منه يراضيها ويحتويها، كنت عايزة أعلمهم إن الست عايزة ظهر وسند وعايزة ظل، ومهما قالوا إن الواحدة تقدر تعيش من غير راجل كذابين، هتقوى وتكبر وتوصل للي هي عايزاه بس لما تدخل أوضتها وتلاقي نفسها لوحدها هتتمنى راجل تترمي في حضنه وتشتكيله قساوة الزمن، هتتمنى ونس للعمر يسمعها ويطبطب عليها، مهما بلغت قوة الست هي محتاجة قوة راجل تدعمها.
كان يطالعها بصدمة. لأول مرة يراها تتحدث هكذا. ما بها تلك المرأة؟ لاحظت تعجبه فأومأت تتابع بصدق وتأثر:
– كنت عايزة أزرع جواهم اللي اتحرمت منه معاك يا سالم،، علشان بنات الناس اللي هييجوا ميتوجعوش زيي،، كنت بعلمهم اللي كان نفسي يبقى فيك يا سالم،، أنا حبيتك،، حاولت أخليك تحبني زي ما حبيتك وتبقى حنين عليا بس معرفتش، وبرغم كل قسوتك عليا حبيتك لأنك مسمحتش لحد يهينّي ولا يزعلني في يوم، إنت بس اللي مسموحلك تزعلني يا سالم، سبتك تعمل فيا اللي انت عايزه، وقولت معلش، المهم عندي إنك تضلل علينا.
مسحت عبراتها بظهر يدها وتابعت بتحشرج:
– أنا كنت غلطانة يا سالم،، كان لازم أوقفك لما قررت تشارك شوقي ده،، كنت حاسة إن مش هييجي من وراه خير بس أنا سكت، وكان لازم أوقفك تاني لما قررت تجوز بنته لحمزة،، كان لازم اتكلم وقتها،، بس أنا سكت، مكنش عندي القوة وقتها أني أواجهك، وبعد السنين دي كلها، وبعد الخساير اللي وقعنا فيها بسبب سكوتي واختياراتك، لازم أتكلم، حتى لو كلامي مش هيأثر معاك بس لازم أقولك اللي جوايا.
تنهدت بقوة تغمض عينيها ثم طالعته مجدداً تردف بترجي:
– راضي ابنك الكبير يا سالم،، فرحه وادعمه وباركله على جوازه من اللي بيحبها، طول عمره بيفضلنا على سعادته، فرح قلبه ومتزعلهوش وكفاية عليه اللي شافه طول حياته بسببنا، البنت طيبة وأصيلة ومحترمة وهتصونه وتسعده لأنها بتحبه، بتحبه زي ما أنا بحبك، أنا شوفت في عيونها وهي بتبص عليه نفس نظرتي ليك، فرح قلب ابنك يا سالم لمرة واحدة.
تابعت ملامحه التي لا توحي بشيء. تنهدت باستسلام وربتت على كفه ثم توقفت قاصدة الخارج وتركته.
طالع أثرها بصدمة. هل هذه هي صفية التي عاهدها؟ كيف تخبئ كل هذا الألم وما تلك الكلمات وعن أي حب تتحدث؟ هل قالت تحبه؟ هل هناك أحد يحبه هذا الحب الذي يدعونه؟ لماذا لم تخبره بهذا منذ زمن؟
زفر بقوة يعيد حديثها مراراً وتكراراً على عقله، ليفكر وليقرر ماذا هو فاعل.
***
بعد عدة أيام أخرى.
يقف حمدي في محل عمله يتحدث مع العمال عن تنظيف وتطهير الأواني الخاصة بمنتجات الألبان.
دلف عليه بهاء يلقي السلام فقابله حمدي بود وترحاب واتجه يبادله السلام.
أردف حمدي وهو يشير إلى مكتب صغير حوله عدة مقاعد:
– تعالى اقعد،، عامل إيه؟،، وياسين عامل إيه؟
أومأ بهاء بهدوء ثم تحمحم وهو يطالع حمدي مردفاً:
– كلنا بخير يا عمي،، أنا كنت جاي أتكلم معاك بخصوص بسمة.
تنهد حمدي بقوة. لا ينكر حنينه إليها ولكن أين حنوها عليه. أهانت شقيقتها واتهمتها بما لم تستطع عليه صبراً وانتظرها أن تعتذر ولكن طال انتظاره. أين ابنته وكيف وصل بها الحال إلى هنا وبماذا أخطأ هو معها. دائماً كان يعاملهما بحنو وتفهم. نعم كان جزء بداخله يميل كفته إلى ابنته الكبرى التي هي أكثر تعقلاً وتفهماً عن الصغرى. ولكنت كانت زوجته جميلة تعود هذا الميل بدلالها لبسمة. فكلٍ منهما كان لديه ابنة مميزة ولكن بالطبع مقدار الحب ثابت لكليهما. إذاً بماذا أخطأ، حتى بكل شيء يأتيه به كان يشتري منه اثنين متماثلين في كل شيء. فقط لمعة العين والحنين لا إرادياً يظهر أكثر عندما ينظر لكبيرته.
تحدث حمدي بعد شرود بتأني:
– خير يا بني،، سامعك؟
زفر بهاء وتحدث بتروي:
– بسمة طبعاً غلطانة جداً،، وأنا مش جاي أبررلها طبعاً اللي عملته،، بس أنا وعايزك تحاول تسمعها وتتكلم معاها،، تفهمها غلطها،، يمكن كلامك يكون له تأثير تاني عليها،، يمكن لما تحس إنهم مهتم بيها أو مهتم تبررلها تفهم هي بتفكر إزاي، بسمة أكيد بتحب ريتان بس فيه بينهم حاجز ومش هيتشال إلا بالكلام والتفاهم.
طالعه حمدي بتمعن. يحمد الله دائماً أن صغيرته تزوجت من هذا الشاب المتفهم الذي يحتوي نوبات غضبها وعصبيتها وحزنها. يعلم أن ابنته حادة الطباع وأن بهاء متفهم عاقل وهذا من رحمة الله بها.
زفر حمدي وتحدث بهدوء:
– أنا يمكن اتسرعت لما مديت إيدي عليها،، بس هي كسرت أختها،، كسرت خاطرها بكلامها،، خوفها على ياسين من أختها ده وجع تاني،، وهي أكتر واحدة عارفة قد إيه أختها تعبت واتعذبت، كان نفسي تبقى حنينة عليها، كان نفسي الاتنين يبقوا أصحاب مش مجرد اخوات، بس يمكن أنا فشلت في نقطة معينة مش عارف إيه هي.
استمع له بهاء بترقب ثم تحدث بهدوء:
– ملحوقة يا عم حمدي،، تعالى حضرتك نورنا،، واتكلم معاها وقولها كل اللي في نفسك.
ابتسم حمدي بألم يومئ عدة مرات مردفاً بترقب:
– هي مش عايزة تيجي تراضيني!،، مش راضية صح؟،، علشان كده انت جاي تطلب مني أروحلها،، بس أنا مش هكسفك يا بني،، علشان انت غالي عندي، وعلشان أنا فعلاً عايز أعرف هي جواها إيه؟
ابتسم بهاء بود وأردف بامتنان:
– تسلم يا عمي،، وإن شاء الله الأمور تتحل بينكم في أسرع وقت، تحب نروح دلوقتي؟
هز حمدي رأسه يردف بتروي:
– لاء بلاش دلوقتي،، النهاردة حمزة جاي ياخد ريتان ولازم أروح بدري، خليها وقت تاني.
أومأ بهاء بتفهم ووقف يودعه ثم غادر وجلس حمدي يفكر في القادم.
***
يقف حمزة أمام مرآته يستعد للذهاب لجلب توأم روحه بعدما هاتفها لتستعد وأخبرها بطلاقه لمها. لاحظ صمتها الدال على صدمتها. لم ترغب في قول شيء وقتها. ولكن شعورها حينما علمت بطلاقه كان غريب. شعور ممزوج بالسعادة والحرية والراحة. وكأن أحدهم يرفرف لك بمروحة ورقية في جو حار، يجعل نسمات الهواء تأتيك راكضة، لتداعب خصلاتك وتحررها، وتدغدغ بشرتك المتعرقة فتنعشها. شعورها أنه أصبح لها فقط يجعلها تسكن النجوم، بل تتخذ منها منزلاً بعيداً عن البشر، فقط هي وهو وليذهب الماضي للجحيم. لتحاول الحفر ودفنه والردم عليه إلى الأبد. لتخطو للأمام معه ومع هذا الصغير التي تتمنى حقاً أن تعطيه الحب الذي لم يراه من تلك الأم. أحياناً يراودها إحساس أنه ملك أخرى. أنه عامل مشترك بين من أحبته وبين تلك المرأة وهذا الوسواس يؤرقها. ولكن تحاول السيطرة عليه بأن تلك المرأة لم تكن يوماً أماً له. لم تعطيه الحنان الذي كان ينتظره. تركته رضيعاً صغيراً من أجل رغباتها وحلقت بعيداً عنه دون أن تعلمه الطيران. تأتيها ياء التملك بأن هذا الطفل من حقها كما أخبرها هو. جلبه لها ليصبح لها وتصبح له دون حواجز. وكأنه يخبرها أن لا أم له سواها. تخشى المستقبل وتخشى عواقبه ولكن كل ما تعلمه جيداً أنها أحبته بصدق. أحبت هذا الصغير وستحبه دوماً. حتى وإن كانت ستظل بعيدة عن والده لم تكن لتكرهه يومياً.
ها هو يرتدي حلته السوداء وخلفها قميص أبيض. ينظر لإنعكاس صورته. أخيراً عرفت السعادة طريق قلبه. أخيراً لمعت عينيه ببريق الأمل وابتسم وجهه فرحاً.
ارتدى ساعة يده ووضع عطره والتفت يجلب طفله ويغادر.
نزل الدرج بعد دقائق وهو ومروان حيث كانت العائلة جميعها تنتظره. صفية وسناء وكارى وشيري وسناء ومراد وفريد وسالم. جميعهم يتطلعون عليه وعلى سعادته الواضحة كوضوح الشمس.
تقدم ووقف أمام والده يزفر ثم تحدث بهدوء واحترام:
– أنا رايح أجيب ريتان يا بابا،، وزي ما قولت لحضرتك قبل كده لو مش هتتقبل وجودها هنا أنا هاخدها هي ومروان وامشي وده مش تهديد لا سمح الله بس أنا مستحيل اسمح مرة تانية بحد يأذيها أو يزعلها بكلمة.
زفر ينتظر منه كلمة وعندما لم يجد خطى ليغادر ولكن أوقفه سالم يردف بهدوء بعد تفكير طويل وبعد حديثه مع زوجته:
– إستنى يا حمزة.
التفت حمزة يطالعه بترقب فتابع سالم بملامح هادئة:
– هاجي معاك نجيبها.
نظر حمزة لوالدته بتعجب فأومأت له مبتسمة ثم نظرت لسالم بامتنان واطلقت كاري زغروطة أبهجت الأجواء.
بعد ساعة توقف حمزة أسفل منزل ريتان وترجل هو ومروان وسالم.
صعدوا وطرق حمزة الباب ففتح حمدي يستقبلهم بترحاب وود. رحب به حمزة وتبادلوا السلام ودلف سالم برأس شامخ يرحب ببرود.
دلفوا جميعاً وجلسوا ومروان ينتظر رؤية ريتان كما أخبره والده.
خرجت ريتان إليهم ترتدي فستان أوف وايت ناعم ومحتشم وحجاب بنفس اللون أبرز جمال وجهها وحسن خلقها.
تقدمت منهم فأسرع مروان إليها يعانق قدمها مردفاً بسعادة:
– مس ريتان وحشتيني.
تعجب سالم من صغيره بينما هي انحنت تلتقطه وحملته تعانقه بحنو وتقبل وجنته مردفة بصدق:
– وانت كمان يا مروان وحشتني جداً.
خطت باتجاه سالم ومدت يدها تردف بهدوء:
– أزي حضرتك يا سالم بيه.
مد يده اليها يبتسم بهدوء بعدما لاحظ تعلق مروان بها ولاحظ طريقتها وهدوئها يردف:
– أهلاً يا بنتي.
ابتعدت عنه ثم خطت تقف أمام حمزة بعدما أنزلت مروان ومدت يدها لتسلم عليه. فوقف يتناول يدها بيده اليمنى وباليسرى قرب رأسها ودنى يقبلها أمام الجميع ثم ابتعد يطالعها بحنو ويردف بترقب وحب ولهفة:
– عاملة اية؟
خجلت من فعلته وزادت نبضاتها تومئ مردفة بهدوء وسعادة:
– الحمد لله.
اتجهت لتجلس بجانب والدها ووالدتها التي أحضرت الضيافة. ثم أردف حمزة برتابة:
– بعد إذنك يا عم حمدي أنا أجيت مع والدي ناخد ريتان على بيتي تنوره وتنور حياتي.
أومأ حمدي وتطلع على ابنته ثم تطلع على حمزة وأردف بمغزى:
– على راسي يا بني وخطوة عزيزة انت وسالم بيه،، وطبعاً ريتان بقت مراتك ويحقلك تاخدها، بس افتكر كويس يا حمزة اللحظة دي، افتكر كويس إن بنتي طلعت من بيت أبوها معززة مكرمة ولازم يابني تبقى عارف قيمتها كويس، ريتان دي حتة من روحي،، وحظها كان قليل، وشافت كتير اوي وصبرت، واتمنى إنك تعوضها عن اللي فات وأظن انت عارف كويس هي مرت بإيه، بنتي هتدخل عيلتكم هتحترم الصغير قبل الكبير ومش هتسئ لحد بكلمة وهتشرفكم قدام أي حد،، فياريت تحافظ عليها وتخلي بالك منها، واعتبر دي وصيتي ليك.
أردف حمزة متأثراً بحديث حمدي الذي تيقن من معرفته بالماضي:
– هقولك على احساسي أنا يا عم حمدي،، وانت عارف كويس أنا طول السنين دي كنت إزاي ومن هنا ورايح هتشوفني إزاي، صدقني في اللحظة اللي ريتان بقت مراتى فيها ده بالنسبالي يوم ميلادي وأنا هعمل كل اللي ربنا يقدرني عليه علشان أسعدها وأعوضها.
أومأ حمدي يردف بهدوء ولم يزد حديثه:
– على بركة الله.
وقف حمزة يردف بلهفة:
– طب يالا يا ريتان؟
تنكمش داخلها ودغدغت المشاعر سائر جسدها وانتابها التوتر الشديد حتى أن جسدها بدأ يرتعش وهي تقف تنظر لوالدتها ووالدها بعيون لامعة. أسرعت جميلة تعانقها بقوة ودموع وريتان تبادلها بتوتر بالغ وعقلها يردد بعد قليل ستصبح في بيته؟ يا الهي مجرد التفكير في الأمر يلوى معدتها.
ابتعدت تطالعها مبتسمة بحنو ثم اتجهت تعانق والدها بحب وتقبل يده. التفتت تنظر لحمزة الذي يطالعها بعشق ولهفة.
تحركوا جميعهم إلى الخارج وسحب حمزة حقيبة ريتان الكبيرة التي تحتوي على مستلزماتها كاملة.
ترجلوا للأسفل وريتان تتمسك بيد مروان واستقلت السيارة مع مروان خلفاً بينما ركب حمزة وسالم في الأمام وقاد حمزة إلى وجهته بعدما ودع حمدي الذي نزل يوصل غاليته ويودعها بدموع السعادة.
طول الطريق تنظر لمروان الذي يتابع النافذة بترقب. كل ما يحدث معها الآن عقلها لا يستوعبه.
بعد قليل دلفت السيارة من بوابة القصر وبدأت تبطء حركتها على عكس قلب ريتان المتسارع بصخب وقلب حمزة الذي يكاد يقف من فرط سعادته.
توقفت السيارة أمام باب القصر وترجل سالم وحمزة الذي التفت يفتح بابها ويمد يده لينزلها.
نزلت معه ونزل مروان الذي أسرع إليها.
احتوتها واحتوى حمزة ذراعها وخطوا إلى الداخل حيث الجميع في استقبالهم.
تهالت عليها المباركات والترحيب الحار واسرعتا سناء وكاري إليها يعانقها بسعادة حتى أنهما خففتا من سرعة نبضاتها وتوترها واندفعت معهما وكذلك صفية التي قابلتها بود وحنو كذلك مراد وحتى فريد وشيرين استقبلوها بترحاب واندفعت بفرحة باستقبالهم.
كان يقف في إحدى الجوانب رجلاً يحمل كاميرا يبدو مصوراً.
اتجه حمزة إليها ثم مال يردف هامساً بحب وترقب:
– ريتان معلش لازم ناخد شوية صور مع العيلة ومع بعض علشان ينزلوا على الإنترنت وفي الجريدة.
أردفت بهمس بتوتر:
– لازم؟
أومأ يبتسم لها بحنو مؤكداً فتنهد بقوة ثم أومأت بتوتر فأردف حمزة مطمئناً:
– متخافيش ولا تتوتري أبداً،، أنا معاكي.
أومأت له بهدوء فنظر حمزة بقلب يضخ عشق إلى المصور وأردف:
– يالا يا مصطفى ضبط الدنيا وخد الصور اللي طلبتها منك.
أومأ مصطفى وأسرع يصفهم حيث جلست صفية وسالم على المقعد الوثير وخلفهما مباشرةً وقف حمزة يحاوط بذراعه خصر ريتان ويضمها إلى جسده بحب. حاولت الإفلات من شدة حرجها ولكنه انحنى عليها يردف بمشاعر متضاربة وخبث جديد عليه:
– علشان الصورة تطلع حلوة.
تنهدت بتوتر ووقفت.
اصطف على جانب حمزة سناء ومراد وفريد واصطف على جانب ريتان كاري وشيرين والأطفال جلسوا حول سالم وصفية وتم التقاط صورة عائلية أكثر من رائعة.
أبتعدوا جميعهم بعد الانتهاء وأردف حمزة بسعادة:
– كده لسة صوري أنا وريتان يا مصطفى.
توترت ريتان وأردفت بحرج:
– مالوش لزوم.
مد يده إليها فناولته يدها فسحبها معه إلى الخارج حيث الحديقة ليتم التقاط عدة صور لهم.
كان قلبها يركض قبلها للخارج. تزاحم مشاعر يجعلها متوترة مرتعشة.
وقفا وسط الورود المزدهرة وأردف مصطفى لحمزة بترقب:
– حمزة بيه عايزين لقطات رومانسية.
نظرت لحمزة وأردفت بحرج وترجي:
– لاء يا حمزة لو سمحت أنا مش هتصور كدة.
أردف بحب وغيرة وهو يقرب وجهه منها:
– مش هنتصور أي صورة تضايقك متقلقيش.
وقفت هي ووقفت أمامها يلتقط رأسها بين راحة يديه ثم مال يقبل جبينها بحب وحنو وتم التقاط صورة لهما هكذا.
أنزل ذراعه إلى يدها يتمسك بكفيها بقبضة حانية محبة وينظر داخل عينيها عينٍ يظهر منها الحب ويفيض يبتسم ولا يصدق أنها أمامه وبين يديه وهي تطالعه بحيرة وتوتر ممزوج بنظرة عاشقة وروح بدأت ترتاح وتهدأ.
التقطت عدة صور لهما.
كانت صورة هادئة ولكنها مفعمة بالحب الواضح المرفرف حولهما.
غادر المصور بعدما ألزمه حمزة ما عليه فعله ودلفا الاثنين سوياً إلى القصر مرة أخرى.
اجتمعت العائلة حول طاولة طعام مجهزة بعناية لتناسب هذا الاحتفال.
جلس الجميع أماكنهم وجلس حمزة بعد أن أجلس ريتان بجانبه. أفعاله كلها تحت أنظار عائلته تدل على أنه عاشق متيم حد النخاع. لأول مرة يرون حمزة تفيض منه تلك المشاعر.
لقد اعتادوه هادئ ومتمهل ولكن اليوم لهفته على ريتان تعلن عشقه بوضوح.
انتهى العشاء والكل صعد إلى جناحه وكذلك حمزة وريتان ومروان.
دلفوا الجناح المكون من ردهة صغيرة تحتوي على ثلاث غرف واحدة لحمزة تحتوي على حمامها الخاص وواحدة لمروان تحتوي أيضاً على حمامها الخاص وأخرى للألعاب مجهزة لمروان أيضاً.
وقف حمزة أمام غرفة صغيرة وأدخله يردف بحب وحنو:
– حبيبي استنانى وهرجعلك.
نظر مروان لريتان بتعجب ثم نظر لوالده وأردف متسائلاً ببراءة:
– بابي هو انت هتنام عند مس ريتان؟
نغزها قلبها ونظرت لحمزة الذي ظهر التوتر على وجهه ونزل لمستوى صغيره يردف بتروي:
– شوف يا بطل،، أنا وريتان اتجوزنا،، يعني المفروض أن أنا وريتان ننام في أوضة واحدة زي ناناه وجده وعمو مراد وكاري وبرضو زي عمو فريد وشيري.
نظر له الصغير متسائلاً ببراءة:
– يعني انت مش هتنام معايا تاني زي كل يوم؟
كانت ريتان تتابع بانتباه بينما تابع حمزة بحب وهمس يغمزه:
– مس ريتان قالتلي إنك بطل وأقوى واحد في الكلاس كله مينفعش تحسسها إنك بتخاف،، أنا هفضل جنبك لحد ما تنام وبعدين أروح على أوضتي الجديدة،، قولت إيه؟
نظر له الصغير لريتان وأردف يستعرض عضلاته الوهمية ببراءة:
– مس ريتان أنا قوى؟
انحنت إليه تتلمس عضلاته الوهمية بحنو وابتسمت مردفة بتأكيد:
– مارو ال Hero.
ابتسم ونظر لوالده بحماس يردف:
– تمام يا بابي أنا هستناك تحكيلي القصة وبعدين هنام لوحدى.
ابتسم ودلف الصغير غرفته واتجه حمزة يسحب ريتان إلى غرفتها.
فتحها ودلف وأدخلها ثم أغلق الباب وأوقفها ينظر للغرفة ثم نظر إليها وأردف بلهفة وحنين:
– أنا مش مصدق إنك بين إيديا وفى بيتي،، حاسس إنى بحلم بجد،، معقول يا ريتان؟،، معقول بقيتي مراتى!
رفع يده يضم وجنتيها بين راحتيه مردفاً بتحشرج ولهفة وعيون ملتمعة ببريق العشق:
– بحبك يا ريتان،، اتمنيت تكوني ملكي في صلاتي ودعائي وأحلامي،، قوليلي أعمل إيه علشان أقدر أرسم في عيونك الفرحة؟
ظلت صامتة تتابعه بمشاعر متضاربة وقلب ينبض بعنف فتابع:
– طيب بتحبيني؟،، لسة بتحبيني زي الأول؟
نظرت له بقوة وشردت تفكر في سؤاله،، حتى وإن كانت تحبه ولكن لا زال الخوف بداخلها قائم،، الخوف من الخذلان أثره ما زال موجوداً.
تنهد بقوة وحزن عندما طال صمتها ولكنها أردفت بصدق ودموع:
– عمري ما كرهتك يا حمزة،، عمري ما استبدلت حبك جوايا بأي حاجة تانية،، عمر ما حبك في قلبي قل درجة،، بس لسة خايفة يا حمزة،، لسة مشتتة ولسة مستنكرة اللي حصل.
تفهمها جيداً فأومأ يردف بتروي:
– هطمنك،، خلاص زمن خوفك انتهى.
تبعها بعناق يبث فيها كل الأمان والعشق ويرسل إليها مشاعره. لف ذراعيه حول خصرها يعصرها بتملك وحنو فتحركت ذراعها تبادله بخجل وعندما لامست يداها ظهره ارتعش تحت لمستها وشدد من عناقه يرفعها عن مستوى الأرض ليشعر كأنهما امتلكا العالم كله.
رواية للقلب أخطاء لا تغتفر الفصل الثاني والعشرون 22 - بقلم اية العربي
ذهب حمزة لطفله حتى يقرأ له قصة ما قبل النوم.
تحركت ريتان في الغرفة تتجول بأنظارها الأرجاء والأثاث. كل شيء جديد ولامع وأبيض. حتى الجدران بيضاء مشبعة بالبيج الفاتح. الأثاث أبيض مزخرف بنقوش ذهبية.
الغرفة رائعة ومرتبة بعناية. كل شيء هادئ ودافئ إلا قلبها وعقلها. نعم منحته فرصة جديدة، ولكن يبقى شعور الخوف وزعزعة الثقة يتوغلها. ما مرت به ليس بالهين أبداً. كيف ستسلمه نفسها وقلبها وهي لم تشعر معه بالأمان الكامل بعد؟
ماذا إن عاد وخذلها مجدداً؟ ماذا إن عادت زوجته تطالب بحبها في طفلها والذي لم تمارسه أبداً؟ عليها أن تتمهل قليلاً وتتحدث معه في ذلك. عليها أن تطمئن وتأمن له كي لا تتألم مجدداً. الأمر معه مختلف كلياً. هو حبيبها والطمأنينة منه تساوي العالم كله، والخذلان منه أضعاف غيره.
وقعت أنظارها على حقيبتها الموضوعة جانباً. اتجهت تجرها ثم وضعتها على الطاولة بصعوبة لثقل وزنها. فتحتها ومدت يدها وتناولت إحدى المنامات باللون الأبيض، ملمسها حريري ناعم.
زفرت بقوة تنظر لدورة المياه الملحقة، ثم قررت الذهاب وتبديل ملابسها في الداخل.
بعد ربع ساعة خرجت ترتديها وبدت فاتنة، خصوصاً خصلات شعرها الشقراء التي تركتها للعنان تنسدل بنعومة على منتصف ظهرها. وجهها أبيض ناعم وبشرتها كالأطفال. رقبتها تظهر من فتحة الصدر المرسومة على شكل v. كل شيء بها فتنة له حتى وإن لم تتعمد.
نظرت للفراش بتوتر وزفرت تحاول التحلي بالقوة. فلن يحدث إلا ما تريد. هو ليس أي رجل عادي، هو عشقها وحبيبها وتوأم روحها. هو من تمنته في كل لحظة وثانية ودقيقة، لذلك عليها أن تهدأ.
تحركت بخفتها الفرو وجلست على مقدمة الفراش بتوتر. بدأت تفرك يدها وتنتظره. كيف ستخبره بما تريده؟
شردت تفكر في ما كانت ستفعله بحق نفسها؟ كادت أن تسلم روحها لرجل آخر غيره. كادت للمرة الثانية أن تذبح مشاعرها مع آخر فقط لتبتعد عن نظرات وكلمات المجتمع القاسية التي تجلدها، لتبتعد عنه هو نفسه، حتى لا تكون خاطفة مستغلة. كادت أن تخطئ خطأ فادحاً في حق نفسها وتلقي بمشاعرها سابع منحدر قاسٍ. ولكن رحمة ربها التي دعت سبقت كل شيء. رحمة ربها ولطفه كانا طوق نجاتها من المجهول.
زفرت بقوة. الوضع مع حمزة مختلف. ليست على استعداد الآن. تريده بكل جوارحها ولكنها مشوشة، خائفة، متوترة وبشدة.
بعد دقيقة طرق الباب ولف مقبضه ليدلف. خطى خطوة واحدة وأغلق الباب والتفت ليكمل خطواته ولكنه توقف. وكأن قدميه التصقت في مكانه وهو يرى تلك الحورية تحتل فراشه.
تعالت وتيرة أنفاسه وعصف قلبه بقوة وهو يطالعها ويتأكد. بشيء من الخوف أن يغلق عينه ويفتحها فلم يجدها. حلماً هذا أم جنة منعمة؟
رفعت نظرها فرأته فرطبت شفتيها بلسانها في حركة توتر ووقفت ترفع كفها لترجع خصلاتها إلى خلف أذنيها مردفة بنعومة:
– ممكن نتكلم شوية؟
وعى على حاله أخيراً وعلم أنها حقيقة. أنها الآن زوجته. في غرفته وعلى فراشه. أن ما حلم به لسنوات تحقق. أن ما كان يتخيله يتجسد بصورة واضحة أمامه. تقدم منها بتمهل حتى توقف أمامها يطالعها بعيون لامعة ونظرة يغمرها العشق. ثم أردف بصوت متحشرج ملئ بالمشاعر التي تتدفق في أوردته بقوة:
– أكيد، اتفضلي؟
نظرت لهيئته ثم تنهدت متسائلة بتوتر:
– مروان نام؟
أومأ لها وعيناه لا تنزاح عنها. لم يكن يعلم أنها تخفي خلف ملابسها المحتشمة كل هذا الجمال، ولا تلك الخصلات الذهبية، ولا هذا الجسد المنعم برائحة الفانيليا القابلة للإلتهام. يبدو أنها استعملت من سائل الاستحمام لتوها.
نظرت لمقعدين يرتكزان جانباً فأشارت إليهما وأردفت بتوتر من نظراته:
– طيب ممكن نقعد هناك؟
مد يده يتناول كفها فأصاب بقشعريرة من لمسة يدها الناعمة واحتل عقله أفكار ماكرة يرغب بها منها فقط. سحبها بحنو معه إلى المقعد وأجلسها وجلس مجاوراً لها يتمسك بكفيها ثم رفعهما إلى فمه يلتثمهما بتمهل وعشق. ثم طالعها وما زال يحتفظ بهما بين راحتيه مردفاً:
– اتكلمي يا ريتا سامعك؟
كانت في حالة يرثى لها، مبعثرة ومشاعرها سابحة في فضاء واسع. تحاول إحضار قوتها المزعومة حتى لا تضعف وتستسلم لكل تلك المشاعر التي تجربها للمرة الأولى معه فقط. كثيرة تلك الجرعة المكثفة من الحنو والحب عليها، تكاد توقف قلبها العاشق. فبرغم زواجها المسبق إلا أن ما تعيشه الآن مع من تمنته وأعطته قلبها جديد تماماً عليها. يبدو أن الأمر مع العشق يختلف.
تحمحمت وحاولت التروي مردفة بترقب:
– بصراحة يا حمزة أنا عطيتك فرصة وجيت معاك على هنا بس أنا لسة مش مستعدة لأي حاجة. أنا نفسياً لسة خايفة يا حمزة. عارفة إنك شرحت لي اللي حصل معاك طول السنين اللي فاتت، بس أنا مش هقدر أتخطى اللي حصلي في تسع سنين من عمري دلوقتي. أنا محتاجة أطمن يا حمزة. اديني فرصة. الوضع معاك انت مختلف. خليني الأول أتجاوز صدمة الأمور اللي حصلت ورا بعدها دي. أنا عايزة أبقى معاك انت بكل ما فيا، فاهمني؟
طالعها بعمق. حتى حديثها هادئ ولين يدخل العقل والقلب دون استئذان. بالأساس يعلمها جيداً وكان ينتظر هذا الحديث ويفهم عليها وبشدة. بالعكس إن قالت غير ذلك لتعجب. لذلك أردف بطمأنينة وحب:
– طبعاً فاهمك يا حبيبتي. انتِ هنا مش مطالبة بأي شيء. انتِ هنا تطلبي وبس. وخدى فرصتك زي ما تحبي. برغم إن اشتياقي ليكي ولكل شيء فيكي عدى حدوده بس أنا هصبر لحد ما أرجعلك ثقتك فيا تاني. تمام؟
كان حديثه أول فعل وضع في قائمة فرصته ثقتها به. اطمأنت بكلماته وابتسمت بهدوء تردف براحة:
– تمام.
وقف يتركها مجبراً ثم أردف بحب:
– أنا هدخل آخد شاور وأجي.
أومأت بتوتر فتحرك يتناول ملابس قطنية منزلية وسروال مع تي شيرت من غرفة الملابس الجانبية، ثم خطى للحمام ليستحم وتركها تتنهد بارتياح. ثم وقفت تسحب حقيبتها إلى نفس الغرفة لتبدأ برص أغراضها بسعادة تخشى فقدانها لذلك ستتمهل.
بعد عدة دقائق قاربت على الانتهاء ولكن فتح باب الحمام وظهر حمزة بجزئه عارياً يضع منشفة على كتفه ويرتدي سرواله ويحمل في يده التي شيرت. بينما لم يجد في ملابسه فانلة أو ربما تعمد ذلك لا نعلم نواياه. لذلك خرج ليحضر واحدة ولكنه تفاجأ بها تقف ترص ثيابها.
التفتت تطالعه بحرج قبل أن تلف أنظارها مسرعة وتبدأ أنفاسها تنسحب شيئاً فشيئاً من هيئته. حبيبها وزوجها أمامها بتلك الحالة؟ اقترب حتى توقف أمامها وأصبحت المسافة بينهما منعدمة. اشتم رائحتها وهي كذلك فأردف بهمْس متعمد زاد من توترها:
– آسف نسيت آخد فانلة.
أومأت وكادت أن تفسح له المجال ولكن بسبب ضيق الممر احتكت به فسرت رعشة في جسدها بأكمله عندما لامست صدره العاري وهو كذلك حيث أظلمت عينيه برغبة ملحة بها. أوقفها وثبتها بذراعيه يمنعها من إكمال طريقها فأعتصرت عينيها بقوة بينما هو انحنى يستنشق خصلاتها بتيه وتدفق مشاعر صاخب يحتل خلاياه ويده الأخرى التفت حول خصرها ونسي تماماً حديثه عن الفرص منذ قليل.
مال على رقبتها يلامسها بشفتيه ببطء. نعم وعدها ولكن أمام عشقه لها يصبح الوعد محرماً. فلينعم بالقليل فقط. ليظهر لها الأمان والحب الذي تريده. ليطمئنها وليتعذب هو. فكيف له أن يرى من تمناها لسنوات أمامه ويصمد؟ وخصوصاً وهي رقيقة وناعمة وخجولة هكذا؟ إن كان صلباً سيتفتت، وإن كان غازاً سيتبخر، وإن كان سائلاً سيتدفق، ولكنه بشر من لحم ودم لذلك ليحصل على القليل فقط.
أما هي فتقف مرتعدة قواها خائرة، عاجزة عن أي رد فعل. جسدها شُل بالكامل. تحاول إيجاد رفض في عقلها ولكن عقلها توقف تماماً عن التفكير عندما تحركت شفتيه على عنقها وارتفعت يديه لتزيح خصلاتها للخلف. صدره يعلو ويهبط بقوة ومشاعره وصلت لذروتها. استيقظ عقلها فجأة عندما شعرت بسخونة أنفاسه فرفعت يديها بضعف لتبعده ولكنها لامست صدره دون وعي منها.
وكانت لمستها لصدره لها أثراً قوياً عليه حيث تجمد جسده أسفل كفيها واشتدت عروقه فتابعت بتوتر وريبة تردف بهمْس ضعيف ومشاعر مبعثرة:
– حمزة؟
سحب شهيقاً قوياً يبرد به بركان جسده بصعوبة بالغة. ثم فتح عينيه حيث كان يبيت عند رقبته واقترب من أذنها يهمس بحب:
– آسف، وعدتك ومكنتش أعرف إن بمجرد ما تلمسيني هيحصلي كده.
ابتعد عنها يطالع عينيها الناظرة أرضاً بخجل ورعشة ثم مد إبهامه أسفل فكها ليرفع رأسها إليه وينظر لها بحب متعمقاً ثم زفر بقوة وأردف:
– أنا عند وعدي ليكي يا ريتا، بس متطوليش عليا، مش هتحمل. أنا مستني اللحظة دي من سنين.
زفر ومد يده يلتقط فانلته القطنية ثم ارتدها أمامها في حركة سريعة وهي تطالعه بحرج وقلبٍ متراقص. داخلها شعور ممتع ولذيذ فهي تعيش معه ما لم تجربه طوال حياتها. مؤكد سيكون شعور العشق مختلف.
نظر لحقيبتها وأردف كي يخفف من توترها:
– تحبي أساعدك؟
هزت رأسها تردف بهمْس ونعومة:
– لا لا مافيش داعي.
أومأ ومد يده يتمسك بكفيها وأردف وهو يسحبها معه للخارج:
– يبقى تعالي نامي والصبح كملي.
تحركت معه بقلبٍ متراقص فاتجه إلى فراشهما واجلسها عليه ثم أراحها للخلف بحنو وهي للعجب لم تمانع بل تمددت وتمدد هو الآخر بجوارها يسحب الغطاء عليهما ويمد ذراعه ويسحبها عليه ليدخلها بين ضلوعه ويلف ذراعه الآخر حولها بحنو ثم يدنو يقبل جبينها مردفاً بحبٍ صافي وقلبٍ عاشق:
– نامي يا ريتا، نامي واطمني وسبيني أرتااااح.
برغم خجلها وتوترها وتعجبها من أنها الآن تسكن بين ضلوع حمزة إلا أنها استكانت وزفرت بارتياح وهدأ قلبها المعذب ولذلك راحت تدفن رأسها بين عنقه لتنام على الفور وكذلك هو ليكن هذا أول أيام سعادته وراحة قلبه وعقله وضميره.
***
في الجناح الآخر لمراد وكاري التي كانت تنشغل بصغيرها الملتصق بها. يجلس مراد يحاول الحصول على القليل من الرومانسية ولكن هذا الصغير يعيقه. زفر بغيظ فضحكت كاري عليه بخبث ثم قالت بحنو:
– روق بس يا مرادي، حموزة بيلعب معاك.
تنهد يومئ ثم طالعها يتحدث بتهكم:
– بصي بقى، صاحبتك جت اهي، تشوفلكوا حل سوا وتراضوني على أخويا، أصلاً زعلان مني بسببكوا، وانتوا ولا على بالكم، حتى هو دلوقتي بياكل مانجة وانا قاعد هنا منفوخ.
قهقهت عالياً فاعتدل يطالعها بسعادة ثم عادت إليه تدلك وجنته بنعومة والصغير يحتل ساقيها ثم قالت بتودد:
– حاضر يا حبيبي، اوعدك هتكلم مع ريتان في الموضوع، بس مينفعش دلوقتي، سيبهم الأول يفرحوا.
هدأ من لمستها الحانية وتنهد بشرود قائلاً وهو يتلاعب بأصابع صغيره الملائكية:
– ياااااه، يا بختهم، الصبر حلو فعلاً.
ثم نظر لكاري وتابع بتسلية:
– مكنتيش تعرفي ترفضيني وتخليني أجري حوالي نفسي علشان أتجوزك؟ الأكشن والحماس ده بيحلى الجواز بردو، إنما إحنا اتجوزنا بسرعة أوى.
نزعت يدها التي كانت تتلمس وجنته وطالعته بغضب مردفة:
– يعني دلوقتي جوازنا مش حلو يا مراد؟ ما انت كنت متشحتف علشان نتجوز، وبعدين عادي يا حبيبي، لو تحب أنا ممكن أقوم حالاً ألم هدومي وأروح على بيت بابا وأبقى وريني الأكشن والحماس وشوف لو جيت معاك تاني يبقى بحق.
اعتدل سريعاً يردف بتحمحم وهو يعانق رأسها داخل صدره ويقبل مقدمتها ثم قال ضاحكاً:
– وأنا أقدر بردو يا أم بيري، دانتِ اللي منورة حياتي كلها، أنا بهزر معاكي يا قلبي.
تنهدت بقلة حيلة لعلمها أنه يمزح ثم ربتت على يده وقالت بحب:
– وانت كمان يا مراد نور حياتي كلها انت وبيري وحمزة.
ابتعدت يطالعها بمكر ثم غمزها يردف:
– طيب إثبتي؟
ضيقت عينيها متعجبة تردف بتساؤل:
– أثبت إزاي يعني؟
ضم شفتيه يدفعهما للأمام وهو يقترب بوجهه ينوي تقبيلها فابتسمت عليه ثم اقتربت منه وطبعت قبلة خفيفة قبل أن تبتعد عن وجهه وتردف بترقب:
– بس بقى علشان حمزة ميصحاش، وبعدين أنا لسة في أجازة، إنت ناسي أني والدة.
زفر بيأس وكيف له أن ينسى وهي كلما حاول الاقتراب تذكره، جلس يرتد على الفراش وعاد يتحدث معها في أمور عامة فهذه أسعد أوقاته.
***
في جناح فريد وشيري يتمدد بين ذراعيه وهو يملس بيده على بطنها المنتفخ والذي يشبه ثمرة البطيخ كاملة النضج. يهدهدها بحب ويغني لها في أذنها باستمتاع وهي تغمض عينيها وتبتسم والنوم قريب منها ولكن لا تنام بل مستمتعة بأفعاله وحنانه.
انتهى وهمس بحب:
– شيرو، تقريباً نام، مافيش حركة أهو، أنا هروح التواليت وراجع علشان نحتفل الليلة إحنا كمان، أوعي تنام يا بطل.
تململت على جانبها ونظرت له بعيون واهية ثم أومأت تردف بهدوء:
– تمام يا حبيبي، مستنياك.
قبلها قبلة خاطفة ثم تحرك من على الفراش واتجه للحمام الملحق. دلف وتتبعت أثره وهي تحاول أن تظل مستيقظة حتى عودته ولكن النوم كأنه يجلس على جفونها يجعلهما يغلقان لا إرادياً.
عاد بعد دقائق يطالعها بترقب، اقترب منها وجلس ينادي بصوت هامس يخشى تقلب هذا الصغير في رحم أمه:
– شيرين، انتِ نمتي؟
تمتمت من بين شفتيها بنعاس بحروف غير مفهومة جعلته يتعجب ثم تمدد بجوارها وحاول إيقاظها قائلاً بالقرب من أذنها:
– شيري، مينفعش كده، إحنا اتفقنا نحتفل زينا زي حمزة.
قربت وجهها منه تقبل وجنته بنعومة وحب وتردف بنعاس:
– حاضر يا حبيبي، يالا نحتفل أهو.
تبعتها بصوت أنفاس عالية دليل على نومها فطالعها بذهول ثم زفر بهدوء. يعلم أنها في الآونة الأخيرة وفي تلك الشهور باتت مجهدة جداً، وهذا يتضح بشدة على معالم وجهها، لذلك لم يحزن بل على العكس احتواها يلف ذراعيه حولها بنعومة لينام هو الآخر.
***
فجراً يتمدد حمزة مستيقظاً منذ نصف ساعة يتأمل تلك النائمة بين ذراعيه بذهول. وجهها، أنفاسها، شفتيها، وشعرها حتى أصابع يدها التي تستند على قلبه النابض. منذ نصف ساعة يحاول التأكد أنها زوجته وبين أحضانه من خلال تلامس خصلاتها الناعمة التي كانت تخفيهم خلف حجابها ثم يستنشقهم مستمتعاً برائحتهم.
فجأة انتابه شعور بالضيق والحقد والغيرة ونهبت عقله فكرة أنها كانت ملك لآخر. تمتع بكل هذا ورآها تنام؟ رجلاً آخر نعم بها؟ رجلاً آخر عاش معها.
لم يحتمل تخيل المزيد فهز رأسه يعتصر عينيه لينفض تلك الأفكار ولم يشعر بيده التي قبضت بقوة على يدها التي كان يحتضنها بحنو غير واعياً بأنه أيقظها تردف متعجبة بصوت ناعس:
– حمزة ايدي؟
انتبه على نفسه فأفلتها مسرعاً يردف بأسف:
– أنا آسف بجد مش قصدي، وجعتك؟
فركت يدها بكفها الآخر وهزت رأسها تردف بهدوء وخجل وصوت متحشرج وهي تطالعه بتعجب:
– لأ تمام، إنت كويس؟
طالعها مجدداً بنغزة قوية اعتلت صدره وأثقلت أنفاسه بعد هذه الفكرة القاتلة ثم أردف يتناسى مؤقتاً:
– كويس جداً، قوليلي تحبي تفطري إيه؟
هزت رأسها تردف بنعومة:
– عادي يا حمزة، أنا بس هقوم أصلي.
طالعها بحب وأردف وهو يفلتها مضطراً:
– تمام يا حبيبتي يالا نصلي سوا.
ترجلا من سريرهما واتجهت ريتان تتوضأ ثم دلف حمزة بعدها ووقف الاثنان يؤديان فريضتهما. كانت تقف خلفه على بعد خطوتين تصلي بخشوع وعندما لامست جبهتها الأرض وسجدت شكرت ربها. حتى وإن أتت سعادتها متأخرة ولكن عوض الله جميل. السعادة التي عاشتها ليلة أمس حتى وإن لم تظهرها محت من داخلها عام سيء. حنانه واحتواءه ولهفته وحبه الظاهر في عينيه جعلها تعيش أجمل لياليها. حتى عناقه لها ونومه محتضناً إياها إلى الآن لا تصدقه. لذلك شكرت ربها بخشوع وتتمنى أن تدوم تلك الأيام الهادئة ويدوم هذا الشعور الذي غلف قلبها المنهك.
انتهيا اثنانهم ولف حمزة ضلعه إليها يردف بحب:
– هنزل أجيب لينا وجبة خفيفة أكيد جوعتي؟
هزت رأسها تردف بهدوء وابتسامة ناعمة:
– لأ تمام مش جعانة خالص، خلي الفطار في وقته أكيد الكل لسة نايم.
أومأ متفهماً ثم وقف ومد يده يتمسك بيدها التي ناولتها له وأوقفها أمامه يطالع كل شبر فيها بتأمل ثم أردف بصدق وقلبٍ عاشق:
– أنا لحد دلوقتي يا ريتان مش مصدق إنك معايا هنا، خايف أفوق من حلم جميل أوي، مجرد دخولك في حياتي كل شيء اتغير للأحلى، حتى روحي مرتاحة.
ابتسمت تستمع له فتنهد بعمق ثم سحبها معه إلى الفراش وصعد عليه يجلس مستنداً على مقدمة الفراش وخلفه وسادة ناعمة ثم سحبها إليه واحتواها بين ذراعيه واضعاً رأسها على صدره ويميل واضعاً فكه على مقدمة رأسها مردفاً بتنهيدة قوية:
– عايز أنسى الماضي كله يا ريتان بس انتِ فيه، كنت بتخيلك في كل ركن هنا، مع إني كنت بنام جنب مروان بس كنت بتخيل اللحظة اللي أنا فيها دي، كنت مستنيها، دايماً كنتِ بطلة أحلامي يا ريتان.
تستمع له وقلبها يعصف وتقضم شفتيها بخجل. متعة حديثه لها سحر خاص ومشاعر جديدة. زفر يتابع بتأثر:
– عايز أعملك حاجة تسعدك يا ريتان، حاجة تخليكي تضحكي من قلبك، عايز أفرحك واسمع ضحكتك كل شوية.
هي كذلك ولكنها تخفي ضحكتها. هي الآن بدأت تعرف معنى السعادة والقهقهات التي كانت تغمرها منذ صغرها بدأت تعود لذاكرتها. تحمحمت وأبتعدت قليلاً والتفتت تطالعه بتتمعن ثم أردفت متسائلة بقلق عندما تذكرت:
– طيب هو كده موضوع مها اتقفل؟
زفر بقوة وأومأ يردف مطمئناً:
– بالنسبالي منتهى من قبل ما مروان يتولد، أنا طلقتها غيابي بس الأكيد إنها عرفت ومنتظر حالياً ظهورها علشان تتنازل عن حضانة مروان وتحول الأسهم بتاعتها لسناء وتاخد فلوسهم وتبعد. الأكيد إنها مش هتفضل في البلد بعد جوازي منك وخصوصاً الصور العائلية اللي أكيد حالياً انتشرت على الميديا كلها، والأكيد أنها هتظهر قريب جداً بعد الخبر اللي اتكتب وده اللي أنا عايزه.
لف يقابلها ثم مد يده يتمسك بكفيها ويردف بقوة:
– أنا دلوقتي أقوى من أي وقت، كنت محتاج وجودك معايا بس، حالياً عندي استعداد أواجه أي شيء بس تبقى أنتِ في ظهري وبتحبيني. حبك ليا يا ريتان هو مركز قوتي وسلاحي اللي هقدر أحمي الكل بيه.
كلماته طمأنتها فقضمت شفتيها بسعادة وأومأت ثم فصلتهما أمام عينيه الرغبة التي تترقب كل حركة منها وقالت:
– تمام يا حمزة، أنا معاك طبعاً.
ولم يسمعها لأن رغبته كانت ملحة بقضم شفتيها وتذوقهما لذلك تمسك بمؤخرة رأسها بيده يثبتها ثم انحنى يلتهمهما بنهم واستمتاع مغمضاً عينيه بينما هي تجمدت أطرافها لثوانٍ بتفاجؤ قبل أن تسري في أوردتها مشاعر مختلطة من عشق وخجل وسعادة ونعيم ورعشة احتلت جسدها ثم وجدت يدها تخونها وترتفع عند خصلاته التي كم تمنت لمسها وها هي تحقق أولى أمنياتها وتغوص بأصابعها فيهما لتغمض عينيها هي الأخرى مستمتعة بغزو لذيذ على شفتيها التي التهمت كاملة بين فمه الرجولي.
تداعبها لخصلاته بتلك الطريقة الناعمة أفقده عقله فتعمق أكثر ونسي نفسه وتعالت رغبته بها أكثر حتى أنه ابتعد عن شفتيها يلهث ويزيح خصلاتها للخلف بحذر ليميل على رقبتها يلتثمها ويقضمها فارتعشت تحت يده وانتبهت لنفسها فتركت خصلاته وحاولت إبعاده بضعفٍ تردف بهمْس وتأثر:
– حمزة!
كان في جنته ولم يسمع همسها بل يستمتع بهذا الشعور يود تناول المزيد ولكن حركة يده على جسدها أنبهته وهمست مجدداً بتوتر وريبة:
– حمزة لو سمحت؟
زفر بقوة وسقط من جنته يلهث ليهدئ من ثورة مشاعره ثم ابتعد مجبراً ينظر لعيينها ووجهها الذي اصطبغ بالأحمر من شدة توترها وخجلها. أردف بصوت متحشرج راغب:
عارف إني وعدتك بس مع عارف أتحكم في نفسي معاكي، عندي رغبة قوية فيكي يا ريتان بتحكم فيها بصعوبة لأني وعدتك.
هل تنكر أنها الأخرى تستجيب له، لقد وعدت نفسها أن لا يمتلكها إلا عندما تكون مستعدة تماماً ولكن هي الأخرى تضعف أمام هجومه الممتع.
نظر لرقبتها التي ظهرت عليها علامات ملكيته فتنفس برضا وراحة يبتسم لها ثم عاد يتمدد ويسحبها ويحتويها مردفاً بحب:
– يالا كملي نومك.
قبل جبينها ونامت على صدره تحاوطه بذراعه ليغرقا بعد دقائق في نومٍ هنيء.
***
صباحاً اجتمعت العائلة في فطور جماعي كعادتهم ولكن الجديد هو وجود ريتان بينهم. تجلس بحرج تداريه في إطعام هذا الصغير الذي صمم على الجلوس بجوارها، بينما حمزة يجلس على الجهة الأخرى منها ويحاول مد الطعام لصحنها مردداً أمامهم أن تتناول فطورها ولا تخجل وتترك الصغير يأكل بمفرده.
أستجابت له بتوتر ووقعت عينيها على سالم الذي كان يأكل بهدوء ولم يطالعها. تنهدت ومدت يدها تأكل بتروي وخجل لاحظته كاري فاومأت لها مطمئنة فهي جربت هذا الشعور قبلها.
انتهى الفطور بعد دقائق وغادرا مراد وفريد إلى الشركة بينما اتجه حمزة مع ريتان إلى خارج غرفة الطعام ليعرفها على أرجاء القصر جميعها.
***
في منزل حمدي يجلس يتناول فطوره هو وجميلة الشاردة. يعلم أنها تفكر في ريتان، وهو كذلك أيضاً. كانت تضيف للبيت نسمات رقيقة وألوان تنعشه. فبرغم هدوئها وتعقلها إلا أن وجودها كان يعد بمثابة روح البيت.
مد يده يربت على يدها فانتفضت تطالعه ثم تنهدت تردف بهدوء:
– خضتني يا حمدي، كنت سرحانة.
أومأ لها يردف بتروي:
– في ريتان مش كده؟
أومأت تردف متسائلة:
– يا ترى عاملة ايه؟ ممكن سالم بيه ده يكون زعلها؟ أو حد يكون قالها حاجة ضايقتها؟ عايزة أكلمها بس محروجة.
عاد يربت على يدها يطمئنها مردفاً بتروي:
– اهدي يا جميلة، ريتان هتبقى زي الفل، افرحي لفرحتها، هي مع الراجل اللي بتحبه واللي من غيره عمرها ما كانت هترتاح، وهو كمان بيحبها أوي واديكي شوفتي، ادعيلها بس ربنا يسعدها ويحلي أيامها ويبعد عنها النفوس الخبيثة.
آمنت خلفه بحب ثم تساءلت بترقب:
– هتروح لبسمة يا حمدي؟
تنهد بقوة يفكر. لم يرد أن يخيب ظن بهاء به ولكنه كان يتمنى لو ابنته أتت واعتذرت عن ما بدر منها. لو كانت أتت واعتذرت لكان نسي كل شيء فعلته. لكان رحب بها فهو يشتاق إليها أيضاً، ولكنه العند.
زفر وأردف يومئ:
– هروح يا جميلة، هروح علشان خاطر بهاء وياسين.
ابتسمت بحب وارتياح قائلة:
– ربنا يطمن قلبك، متقلقش بسمة طيبة وقلبها نضيف بس هي اللي مندفعة، المهم إنك هتراضيها وتتفاهم معاها.
أردف بتصميم وجدية:
– بس لازم هي تراضي أختها يا جميلة، تطيب خاطرها وتعتذر ليها عن اللي حصل.
أومأت مؤيدة تردف:
– معاك حق يا أبو ريتان، لازم طبعاً.
زفر يتنهد ويومئ ثم وقف يجمع اغراضه ليغادر إلى عمله ثم سيذهب إلى ابنته مساءاً.
***
عصراً يجلس حمزة في الحديقة وتجاوره ريتان ومروان يلعب مع بيري ابنة عمه مراد. يتحدث إليها بحب بعد تناول وجبة الغداء مع العائلة يشير لها على بعض الزهور ويردد أسمائهم وهي تستمع إليه بتمعن واعجاب واضح بتلك الحديقة المزدهرة.
حرك الهواء حجابها فظهر جزء من عنقها وظهرت علامته التي تركها عليه فنظر حوله ثم مد يده يعيده ويغطي رقبتها بيده مردفاً بحب وغيرة:
– ريتان حاولي تربطيه علشان العمال هنا.
أومأت وبالفعل ربطته حول عنقها بخفة ثم نادت بحب على مروان الذي أسرع إليها فناولته إحدى ثمار التفاح مردفة بحنو:
– اتفضل.
التقطتها منها بسعادة ثم قضمتها وعاد يركض في الحديقة تحت أنظارها السعيدة قبل أن تدلف سيارة من بوابة القصر عرفها حمزة جيداً فظهر الغضب عليه ووقف ينظر لريتان مردفاً بهدوء متحفز:
– ريتان خدي مروان واطلعي على فوق لو سمحتِ.
نظرت له بتمعن ثم نظرت لتلك التي ترجلت من السيارة وتحركت باتجاههما تبتسم بخبث برغم حقدها وهي ترى تلك المتعلمة أخيراً تزوجته وأصبحت مكانها في قصر الجواد. حسناً لتخفي حقدها الآن ولتدعي السلام والمحبة.
توقفت أمامهما ولم تكلف نفسها عناء النظر لهذا الصغير الذي رآها ووقف يطالعها بريبة.
وقفت ريتان تجاور حمزة الذي برزت عروق جسده غضباً ووقف يطالعها وهو يردف مجدداً من بين أسنانه:
– ريتان لو سمحتِ اطلعي.
كادت ريتان أن تتحرك لولا ضحكة مها الخبيثة وهي تطالعها بغل وتردف:
– إيه يا حمزة بيه؟ خايف عليها مني ولا إيه؟
وقف أمام ريتان التي تجمد جسدها وشبك ذراعيه أمام صدره يردف بقوة:
– ملكيش دعوة بيها، اللي بينا خلاص انتهى، وأكيد المحامي بلغك إني طلقتك، ودلوقتي باقي بس التنازل عن حضانة مروان ودي المحامي هيخلصها معاكي، والتعاملات الرسمية الخاصة بالشركة ودي تقدري تيجي على الشركة علشان نحلها.
أومأت بغرور تردف بخبث وهي تطالع ريتان وترمي رصاصتها:
– أوكي، أكيد هنحلها يا حمزة بيه، بس أنا جيت أبارك للمدام وأشوف ابني قبل ما أسافر، مروان حمزة الجواد، ابنك الوحيد.
بثت سُمها فارتعش جسد ريتان وفهمت مقصدها وألم ما ترمي هذا الحديث، وهذا ما كانت تخشاه. فمهما أحبت هذا الصغير وأحبها وتقبلته وتقبلها ستبقى هذه دوماً أمه الرسمية.
فكرت قليلاً، لم يجب أن تعطيها فرصة النيل منها لذلك قررت تنفيذ كلام حمزة ونظرت إليه بثقة وهدوء قائلة:
– أنا هاخد مروان وأطلع يا حمزة ولما تخلص مع مدام مها تعالي.
نظرت لها ريتان بثقة وشموخ وتحركت تتناول كف مروان وكذلك بيرين ثم اتجهت إلى داخل القصر تحت أنظار تلك التي تتآكل نفسها بغلظة وغضب وحمزة يقف يتابع بفخر وحب ثم طالعها وأردف بقوة:
– خلاصة الكلام يا مها علشان متقفيش كتير، مروان آخر همك، وأنا عارف إنك ذكية ومش هتاخديه تحدي بينا لإن وقتها هتخسري كتير، لإن لا هو ولا أنا ولا الشهود ولا الأدلة في صفك، يعني التنازل عن حضانته ده أمر مفروغ منه، وبالنسبة للأسهم حددي السعر وكلمي المحامي ونتقابل في الشركة علشان تتنازلي لسناء عنهم.
دقق النظر في عينيها وأردف بغضب يتحكم فيه كي لا يتطاول عليها:
– أما الخطة الو**** اللي عملتيها انتِ والواطي التاني على ريتان فأظن دي عقابها وصلك كويس، الصحافة اللي بعتيهم يصوروا فضيحتها هما هما اللي صوروا جوازنا وكلامي اللي أكيد زعزع صورتك قدام اللي دايماً بتتباهي بحياتنا ليهم، ولولا إني لحقت ريتان واتزوجتها وشايف إنك خدمتيني خدمة العمر صدقيني وقتها كنت ندمتك على اللحظة اللي فكرتي فيها تحطي راسك براسها، ودلوقتي يالا من هنا، وكفاية أوي اللي أخدتيه مني ومن اسم عيلتي طول السنين اللي فاتت، نتقابل في الشركة يا مها هانم.
طالعته والنيران تتآكلها، غاضبة غضب قاتل لو أطلقته لهدم هذا القصر على من فيه وليتها تفعل، تحركت خطوة تجاهه ثم مدت سبابتها لتتلمس صدره ولكنه اتخذ خطوة للخلف ينبهها بعينه فباتت يدها معلقة في الهواء وهي تردف بفحيح خبيث:
لسة معرفتش مها أبو الدهب كويس يا حمزة، لسة لحد دلوقتي عقلك الطيب بعيد تماماً عن اللي مها أبو الدهب بتفكر فيه، نتقابل في الشركة يا حمزة بيه.
قالتها والتفتت تغادر بخطوات غاضبة ثم استقلت سيارتها واندفعت للخارج بعنف.
وقف يتطلع على أثرها بعيون ضيقة، يعلم ومتأكد من أنها تدبر لأمر ما لذلك عليه أن يتوقع ويستعد لكل شيء منها.
رواية للقلب أخطاء لا تغتفر الفصل الثالث والعشرون 23 - بقلم اية العربي
عمر طويل من الأسى والحرمان، عمر وماضٍ ملئ بالألم والخذلان.
لِتُعاقب الظلام نهار جديد وتسطع شمس العشق مرةً أخرى، وتُعلن وتُتوج ذلك اليوم وتلك الليلة لتكون ليلة عمر.
❈-❈-❈
دلفت ريتان القصر تفكر في تلك الحية ونظراتها.
هي على يقين أنها تخفي انتقاماً غليظاً.
ولكن ما صدمها هو تغاضيها عن صغيرها كأنها لم تراه.
أتت وبخت سمها على مسامع ريتان وكادت أن تندرج معها، إلا أنها تذكرت حديث حمزة لها عندما أخبرها أنها فقط قررت إنجاب هذا الصغير الذي لا يعنيها الآن بعدما علمت بعدم قدرتها على الإنجاب.
إذاً هي المستهدفة وليس هذا الصغير.
هي المقصود إلامها لتنكسر.
ولذلك لن تسمح لها بعد الآن، ليس بعد كل تلك المعاناة.
لتأخذ قسطاً من الراحة والتمهل في حق نفسها ولتعطي لحمزة عجلة القيادة ولترى ماذا هو بفاعل.
فبرغم الألم الذي يعتليها كون هذا الصغير ابن هذه المها وهذه الحقيقة المرّة، إلا أنها عندما تنظر لعينه لا ترى سوى الاحتياج والتعطش للحنان.
لا ترى سوى طفل صغير يطالب بالحب.
طفل صغير يحبها بصدق.
يحبها لدرجة جعلته يفرح بذهاب والدته ومجيئها هي.
لذلك فهي لن تبخل عليه بكل ما يريده.
أخفضت عينيها تطالع هذا الذي يسير معها بصمت في الردهة المؤدية لجناحها.
توقفت تدنو منه وتتمعن به جيداً.
نفس النظرة التي كان عليها منذ سنوات.
خذلان.
طفل صغير يتسول مشاعر الحب من أم نزع قلبها ووضع مكانه حجر صوان.
سحبته تعانقه بقوة حانية وتردف بصوت منقبض مخنوق:
– حبيبي أنت كويس؟
لف الصغير ذراعيه حول رقبتها وأردف ببراءة:
– الحمد لله يا مس ريتان. هو ليه مامي مسلمتش عليا؟
تنهدت بقوة تحاول سحب غصة حلقها ثم تحدثت بحنو:
– يمكن ماخدتش بالها يا مارو. أكيد لو كانت شافتك يا مروان كانت حضنتك.
إبتعد الصغير يطالعها بتعجب مردداً:
– بس مامى عمرها ما حضنتني، تيتة وبابي وأنتِ بس. أنا بحبك أوى يا مس ريتان، ياريت تبقي أنتِ مامي؟
عادت تلتقطه وتقف تعانقه بقوة ومشاعر الأمومة لهذا الطفل تغمرها.
بينما كان حمزة يصعد الدرج ورأى وسمع ما يحدث فتقدم منهما واحتواهما سوياً بحب وسعادة فتت قلقه.
رؤية طفله بين يدي من أحبها ولم يحب سواها ما هي إلا صورة مجسدة لمعنى السعادة.
أما هي التي تفاجئت بعناقه لهما فارتعش جسدها إثر لمسته.
بينما فرح الصغير ونظر لوالده ببراءة طفولية يردف بحماس:
– بابي مس ريتان هتبقى مامي، إيه رأيك؟
نظر لإبنه بحب وأومأ يردف بسعادة:
– موافق طبعاً. إيه رأيك يا مس ريتان؟
– فلتت نفسها من بين ذراعيه وأنزلت الصغير تردف بحرج وحنو:
– مروان ابني فعلاً. بس دلوقتي أنا وهو هنروح نلعب شوية في أوضة الألعاب ويعرفني على أصحابه اللي قال عليهم.
قالتها وهي تغمز مروان لتداري خجلها وتوترها من هذا العناق الحميمي.
يبدو أن نوايا هذا الرجل ليست ببريئة أبداً.
فعناقه لهما كان يستهدف أماكن ومراكز حسية تجعل مشاعر الرجفة والخجل حاضرة بقوة.
تحمس الصغير وتمسك كفها بيده الطفولية يسحبها خلفه إلى غرفة الألعاب.
بينما وقف حمزة يتأملهما بسعادة وبعضٍ من القلق ما إن ابتعدا عنه.
❈-❈-❈
في آخر النهار.
ذهب حمدي إلى منزل ابنته بسمة ليراها ويتحدث معها.
يقف عند الباب ينوي طرقه ويستعد لمقابلتها.
بالفعل ضغط على جرس الباب وما هي إلا دقائق حتى فتح له بهاء الباب يقابله بترحاب وود.
ابتسم حمدي برتابة له.
بينما تحدث بهاء وهو يسحبه معه للداخل ويغلق الباب:
– أهلاً يا عمي نورت، اتفضل.
دلف حمدي معه إلى الصالة ثم جلس على إحدى الأرائك بهدوء.
وقف بهاء أمامه يردف بتودد:
– ما جبتش ماما جميلة معاك ليه؟ أنا كنت مفكر هتيجوا تقضوا اليوم معانا؟
تنهد حمدي وتحدث بتروي:
– معلش يا بهاء، أنا بس جيت عشان خاطرك. خلينا نتكلم الأول وبعد كده نشوف هيحصل إيه.
أومأ بهاء بتفهم ثم أردف وهو يتحرك:
– حاضر يا عمي، عن إذنك ثواني هنادي على بسمة من جوه لأنها كانت بتنيم ياسين.
دلف غرفته وجدها تجلس على الفراش والصغير ينام مجاوراً.
تحدث إليها في تروي مردفاً:
– ما خرجتيش ليه يا بسمة؟ أكيد سمعتي باباكي وهو جاي؟
تنهدت بقوة ثم نظرت لزوجها بتوتر تردف:
– هقوله إيه يا بهاء؟ أنا لحد دلوقتي مش ناسيه القلم اللي ضربهولي.
زفر بهاء بضيق ثم تحدث بحدة قليلة:
– مش إحنا اتكلمنا في الموضوع ده يا بسمة؟ قومي سلمي على والدك واتكلمي معاه وأنا هقعد هنا لحد ما تخلصوا كلام وتتراضوا. وأنتِ كمان لازم ترضيه.
زفرت ووقفت تومئ له ثم تحركت للخارج وهو معها ليدعمها.
ثم وقفت أمام والدها تمد يدها وتردف بترقب:
– إزيك يا بابا.
وقف حمدي يبادلها السلام ثم عاد يجلس وجلست هي أمامه.
ثم تحدث بهاء بتروي:
– خدوا راحتكم يا عمي، وأنا هحاول اصحى ياسين عشان تشوفه.
دلف بهاء وتركهما ليتحدثان بأريحية.
تحمحم حمدي وأردف وهو يطالعها بترقب:
– أنا جيت عشان خاطر بهاء يا بسمة، مع إني كنت منتظر منك تيجي وتراضيني وتراضي أختك بكلمة بعد ما اللي قولتي.
تهجمت ملامحها عندما ذكر شقيقتها وأردفت باعتراض:
– بس يا بابا أنت اللي ضربتني بالقلم وطردتني.
زفر حمدي وتابع بتروي وحنو بعدما لاحظ دموعها:
– حقك عليا يا حبيبتي. أنا يمكن وقتها اتصرفت بتسرع بس تصرفي كان رد فعل على كلامك يا بسمة. أنتِ كسرتي أختك يا بسمة، وجعتيها واتهمتيها بحاجة محدش يتحملها. خليتيها توافق على كريم ده ولولا ستر ربنا كان زماني أنا وهي مش عارفين نرفع راسنا وسط الناس. كلامك كان قاسي أوي أوي يا بنتي.
عن أي قسوة يتحدث؟ أولم يلاحظ محاولاتها في التقرب والتودد لزوجها؟
حسناً بماذا يفسر إذاً تحضيرها للكعكة التي يحبها بهاء ولا تتقن هي تحضيرها؟
ما تفسير معاملتها الراقية والمتجملة أمام بهاء لتظهرها هي السيئة؟
ما تفسير اقترابها من صغيرها ومحاولة جعله يحبها أكثر منها؟
كل هذا تفعله هي ولكن بخبث بحيث تظهر هي في الجانب الطيب وتترك لها جانب الأشرار.
أردفت بسمة مستنكرة:
– أنا آسفة ليك يا بابا، بس أنا مش آسفة لريتان. ريتان هي اللي بدأت تستكتر عليا الفرحة والراحة، ودي حاجة من زمان أنا شايفاها بس لا أنت ولا ماما هتشوفوها.
صُدم من حديثها.
من أين لها قسوة القلب هذه؟ أولم يربيهما سوياً على الحنو والطيبة؟
كيف لها أن تشك بحب شقيقتها وإخلاصها لها؟
أردف متسائلاً بضيق:
– يعني إيه يا بسمة؟ يعني بردو أنت مصممة تصدقي شيطانك؟ مصممة توجعي قلب أختك تاني؟
هزت رأسها تردف باستنكار:
– لا يا بابا، صدقني مش أنا اللي بعمل كده وهييجي يوم وتتأكد من كلامي كويس. وبعدين أهي اتجوزت حب حياتها أهو يعني متخافش عليها. أنا مش في حساباتها أصلاً عشان أوجع قلبها، كفاية عليها الست كاري.
وقف حمدي على حاله يومئ بحزن ثم تحدث قبل أن يغادر:
– يظهر إني غلطت لما جيت.
خرج بهاء مندفعاً بعد أن استمع إلى حديثها وأردف معترضاً بترجي:
– لا يا عمي متزعلش، اقعد بس وهنتكلم.
لف نظره لها وتابع بغضب:
– قولي حاجة يا بسمة.
هزت كتفيها ثم تحدثت بضيق:
– هقول إيه يا بهاء، بابا واضح من زمان أوي هو واخد صف مين.
نظر عليها نظرة أخيرة ورحل.
رحل مكسور الخاطر من ابنته.
يخشى عليها من نفسها.
فهي باتت تسير في طريق خاطئ تماماً وعليها العودة قبل فوات الأوان.
❈-❈-❈
مساءاً.
يستند حمزة على ظهر الفراش ويشبك ذراعيه خلف رأسه بشرود.
روح فؤاده بالداخل تأخذ حماماً دافئاً.
يفكر في أمور خبيثة تراوده مؤخراً.
هي زوجته وحلاله وبينه وبينها بابٌ فقط ويمكن اجتيازه بسهولة.
لما لا يذهب الآن بأي حجة لينعم معها بالمشاعر التي تتآكله؟
تطلبه وعد بعدم الاقتراب وتفعل أموراً تجعله على حافة الجنون بعشقها؟
أتختبر مدى تحمله؟
حسناً ليرفع راية الاستسلام.
كيف له أن يتحمل كل تلك المشاعر ويروضها؟
هل هو بصخر؟
لترأف بحاله وليرأف الجميع به، وإلا فسيموت من فرط المشاعر ويصبح أول رجل يموت بسبب عدم تذوقه الحب.
ابتسم على حاله.
يجلس هنا يتلوى ويفكر فقط مع إيقاف التنفيذ والجميع في الخارج يظنه يتنعم!
لم تخلوه عليه نظرات أشقاؤه صباحاً.
بالطبع يعتقدون أنه تذوق السعادة أخيراً.
تذوق ثمرته الشهية لذلك يطالعانه بخبث ولولا عدم خوضه في تلك الأمور مع أي شخص لكانا الآن يسخران منه.
ولكنه ليس من هذا النوع الثرثار.
على العكس هو متأني رزين من هذه الناحية.
فقط أمام الجميع ما عدا هي، يصبح أمامها مراهق متهور يكاد يلقي بوعوده عرض الحائط.
زفر بقوة وفك يديه يستند ويحدث نفسه معاتباً:
– مينفعش يا حمزة، أنت وعدتها ولازم تبقى قد كلمتك. أومال هتثق فيك إزاي بعد كده؟
ولجت من حمامها ترتدي مأزر قصير وقد استمعت إلى آخر كلماته فظنته يتحدث عبر الهاتف ولكن عندما نظرت إليه وجدته شارداً مع نفسه.
نظرت له بتعجب وابتسمت تتساءل وهي تخطو بتمهل وتجفف شعرها بمنشفة صغيرة جاهلة عن ما يدور بعقله:
– حمزة؟ أنت بتتكلم مع نفسك؟
طالعها بتوتر.
لما تزيد الأمر سوءاً؟
ما تلك الهيئة التي هي عليها أمام عينه المتعطشة؟
لا مؤكد هذه تنوي إصابته بسكتة قلبية؟
لم يكن يعلم أنها قاسية هكذا.
لو كان يعلم لما كان وعد.
تحمحم وأردف بهدوء عكس ثورته الداخلية:
– أحم لا أبداً أنا كنت بفكر بصوت عالٍ. أنتِ هتنامي؟
أومأت له وهي ما زالت تجفف خصلات شعرها وقد اعتادت عليه قليلاً وعلى وجوده الذي يسعد روحها ويطيب جروحٍ خلفها الزمن.
اليوم رأته يطالع تلك المها بكره.
لم يكن في عينه نظرة حب لها.
تقدمت قليلاً تردف بهدوء:
– الأول هغير هدومي وأصلي القيام وبعدين هاجي أنام علطول.
ابتلع لعابه وأومأ احتراماً لصلاتها يتحكم في نفسه.
بينما هي تحركت من أمام عينيه واتجهت إلى غرفة الملابس الصغيرة.
عادت بالفعل بعد دقائق ترتدي إسدالها ووقفت في ركن الغرفة البعيد الهادئ تؤدي صلاتها بخشوع وعينه تراقبها بتفحص وعشق إلى أن انتهت ووقفت تطبق سجادتها وتضعها جانباً ثم قامت بنزع إسدالها لتظهر منامتها الحليبية والحريرية الرائعة التي تناسق وتنسدل من على جسدها بنعومة.
خطت باتجاهه ووقفت أمام مرآة الزينة ثم تناولت مجفف الشعر وبدأت تجفف خصلاتها المندية ثم مشطتها وتركتها حرة متمردة على ظهرها تنسدل كخصلات حصان عربي أصيل.
تناولت مخمريتها برائحة زهرة الحب وغمرت منها القليل ثم وضعته بين راحتيها تدلكها بنعومة وتمهل ثم رفعت كفيها تدلك رقبتها أيضاً تحت عينه التي تتابع كل هذا بأنفاس تكاد تنعدم ويتوقف قلبه من أفعالها.
لااا مؤكد تلك الفرسة تختبر قوة تحمله.
الآن بات متأكداً.
التفتت تطالعه بترقب وظهر شبح ابتسامة على فاهها أخفته ببراعة وهي تقف وتتجه له ثم جلست على الجهة الأخرى من الفراش ثم تمددت تتنفس بقوة.
لم تنظر إليه بل شعرت بجسده ينجذب إليها فتعالت أنفاسها ونظرت له وعندما رأت عينيه المظلمة ونظرته أردفت مسرعة كي تلهيه عن ما ينوي فعله بعدما عصفت بها المشاعر وعقدت معدتها:
– عايزة أسألك سؤال مهم.
توقف مكانه وطالعها بتمعن ثم زفر بقوة يغمض عينيه ويهدئ أنفاسه وعاد يستند على وسادته مردفاً بقلب متضخم بالعشق يحاول جاهداً التحكم في مشاعره:
– قولي يا ريتان!
تحمحمت وشرد للسقف قليلاً تفكر ثم خطر على بالها سؤال تود حقاً معرفة إجابته وبشدة منذ أن أخبرها لذلك.
أستندت هي الأخرى تطالعه بترقب متسائلة:
– عرفت إزاي تخلي ناصف يطلقني؟ ده كان مستحيل يوافق؟
ابتلع سؤالها طوفانه وأخمد بركان مشاعره ليفق ويبدأ جسده يفرز هرمون الغضب والغيرة بدلاً من إفراز هرمون السعادة وهو يطالعها متحدثاً:
– بلاش تقولي اسمه قدامي. لو بتحبيني فعلاً متقوليش اسمه خالص.
رأت الحزن والغضب مرتسماً في عينيه فأومأت تردف بحنو:
– حاضر يا حمزة، بس بجد عايزة أعرف عملت إيه؟
أغمض عينيه.
هو بالأساس يسارع إحساس الغيرة الذي ينهشه من مجرد أن هذا الحقير كان زوجها.
نار مشتعلة في صدره ويبدو أنها لن تنطفئ أبداً.
زفر بقوة وبدأ يخبرها بشرود قائلاً:
– من الأول يا ريتان مكنتش مرتاح له. عينيه كانت كلها غموض. نفس نظرة أخوه بالظبط. أخوه اللي ياما تعب أختي. كنت حاسس إنه نسخة منه. ولما اتجوزتيه فجأة وقتها كنت هتجنن. بس قولت شئ واحد بس اللي هيطمني وهو إنك تكوني كويسة. إنك تلاقي الحب مع حد يقدرك ويعرف قيمتك كويس. وبقيت أسأل سناء عنك دايماً وعرفت إنه بيعاملك كويس جداً وإنك مرتاحة معاه. وده كان سبب إني أبعد عنك وأسيبك تعيشي مرتاحة معاه حتى لو قلبي هينزف. وروحي كنت لسه متعلق منها وصدري كان دايماً مقبوض.
لف نظره يطالعها بعمق وضيق ويسترسل بصدق:
– بس بمجرد ما عرفت إنك في خطر معاه ومبقتيش تتواصلي مع حد متحملتش. فكرت إزاي أعرف وصممت أشوفك. بس لما قابلتك عند سناء وشوفت خوفك منه وقتها كنت هتجنن.
زفر يتابع متذكراً بغضب ويعتصر قبضته:
– قررت أراقبه وأسأل عنه بس هو كان ذكي وعارف يخلع وينظف وراه وده اللي أكدلي إنه بيعمل حاجة غلط.
وصيت على جهاز تصنت معين وعرفت أجيبه وطلبت أقابله وفعلاً روحت مكتبه وعرفت أثبته في مكان هو ميشفهوش ومشيت من عنده وأنا منتظر أي حاجة أمسك رقبته منها.
كانت تستمع له بإنتباه وذهول.
هل فعل كل هذا بينما هي تعتقد أنه كان يتنعم في السعادة وهى فقط التي تتذوق العذاب؟
أنفاسها مقيدة وهو يتابع:
– وفعلاً بعد يومين سمعت مكالمة مهمة جداً ليه مع ناس برا وكأن ربنا بيسهل لي كل شيء. روحت لوحدي المكان اللي قال لرجاله عليه وصورته وهو بيتفق معاهم على شحنة مشبوهة. متتخيليش في اليوم ده ربنا سترها معايا إزاي ومتكشفتش، خصوصاً إني كنت قريب منهم جداً.
زفر بقوة يتابع وهو شارداً:
– وبعدها روحت مكتبه وهددته. مافيش أي مخلوق عرف باللي حصل وأيوة كنت قلقان بس كان لازم أنقذك. وهو صدق وفعلاً نفذ اللي طلبته مقابل إنه يطلع برا مصر وميرجعش تاني أبداً. وده كل اللي حصل.
انتهى وطالعها فوجدها تنظر بدموع.
بصمت أبلغ من أي حديث.
صمت يخبره عن مدى امتنانها لخلاصها من هذا المختل.
صمت يفرز عشقها له وثقتها به التي بدأت تتجدد.
قربت جسدها منه تضع رأسها على صدره وتلف ذراعها حول خصره كأنها تود في تلك اللحظة إحساس الأمان والراحة ووجدته بالفعل عنده حينما لف ذراعيه حولها يعصرها بقوة وعيون مغمضة يردف بحزن وندم:
– كل ما افتكر إني كنت السبب في جوازك من الكلب ده أكره نفسي أوى يا ريتان. بكره نفسي بجد.
شددت من عناقها له لتخبره دون حديث أنها أيضاً أخطأت حينما وافقت عليه.
أرادت انتقاماً لكرامتها وكبريائها ولكن بطريقة خاطئة تماماً.
كان عليها اختيار طرق كثيرة إلا أن تلقي بنفسها داخل براثن هذا الذئب.
ولكن كفى إلقاء اللوم على أنفسهما، ما حدث في الماضي قد حدث وانتهى.
ليمضيا قدماً للمستقبل بسعادة.
أردف بصوت متحشرج وكأنه على وشك البكاء وداخله يتآكل ندم:
– الكلام اللي سمعتيه ده كان سبب عذابي يا ريتان. صدقيني مكنش كلامي ولا كنت قادر أصدقه. كنت بحاول أقتنع بيه غصب عني عشان فكرت إن دي مصلحة الكل. بس قلبي وعقلي كانوا متأكدين إنك أحسن واحدة في الدنيا. كنت عارف إنك لؤلؤة مكنونة جوه صدفة قاسية بسبب نظرة مجتمع مبيرحمش. سامحيني يا ريتان. سامحيني بجد.
كانت تسمعه وعبراتها تسقط تبلل ملابسه القطنية.
سامحته.
سامحته منذ زمن بعدما تأكدت من حقيقة الوضع.
سامحته عندما رأت في عينه الندم الصادق.
أحس بدموعها الساخنة تسقط على قلبه فتحرقه لذلك عدلها يطالعها بحزن ومد يده يزيح دموعها بإبهامه مردفاً بترجى:
– بلاش عشان خاطري. دموعك دي بتوجعني.
سحبها إليه ليدخلها بين ضلوعه ويعانقها ويبث فيها الأمان والطمأنينة.
ولكنها أردفت بتحشرج وبوح:
– كنت بخاف منه أوى يا حمزة. كان بيتعامل معايا في الأول كويس بس غموضه كان مخوفني. مكانش بيحكي لي أي حاجة عنه وأنا مكنتش بسأل. بس بمجرد ما وصله صور لينا وحس إني بحبك وهو اتحول تماماً وبقى مرعب بجد. طلبت الطلاق بس هددني ولأني متأكدة إن أهلي مش هيقدروا يقفوا في وشه سكت. بس كنت مرعوووبة.
عادت تحرقه بكلماتها.
سحق أسنانه بغضب وشدد من عناقه لها ثم أردف بحنو:
– متخافيش. مستحيل كنت هسمح له يأذيكي. خلاص هما مبقالهمش وجود في حياتنا. مستحيل اسمح له يقرب منك تاني. أوعى تخافي بعد كده من أي حاجة. من هنا ورايح لازم تطمنيني وبس.
استكانت بين ضلوعه وهدأت أنفاسها فعاد يتمدد بها على الفراش ليهدهدها كطفل صغير لتنام بعدها ويظل هو مستيقظ يفكر.
تحولت حالته من النشوة إلى الغضب.
نعم يخشى ظهوره.
لا يخشى منه ولكن يخشى عليها.
لذلك سيسعى أن يعلم مكانه ويقيد حركته بل ويسبقه بخطوات ليأمنها وحتى إن تطلب الأمر حياته.
❈-❈-❈
بعد مرور يومين.
في الحمام يستحم حمزة ليذهب إلى الشركة ليرى الجديد.
فمنذ يومان وهو لم يتزحزح من أمام ريتان.
يغمرها بالحب الذي عاشه معها فقط.
يدللها ويطعمها ليزيح حزنها ويبدل خوفها أماناً.
ولكنها أصبحت تتجنب ملامسته.
لما يا ترى يحرمه من تصبيرة صغيرة قبل تناول وجبته المتكاملة الشهية؟
ولكنه يستغل وجود العائلة ويعانقها دون خجل ويظهر حبه لا بسخاء أمام الجميع.
لذلك عليها أن تلين درجة تلو الأخرى.
هي تريده وتريد التنعم بحبه وستحاول تجاوز ذلك التوتر الذي يتوغلها.
خرج من الحمام يرتدي ملابس قطنية أبرزت عضلات جسده أمام عينيها حيث تقف وقد اختارت له بدلة باللون الأزرق الغامق المشبح.
نظرت له وابتسمت بتوتر من هيئته التي باتت تعشقها وتعشق كل تفاصيله.
نظر لما في يدها بتعجب وأردف متسائلاً وهو يتقدم منها:
– بتعملي إيه يا ريتا!
نظرت لما بين يديها ثم تطلعت عليه بحب وأردفت بتوتر من قربه ورائحة جسده حتى خصلاته مهلكة لقلبها النابض بعنف:
– حسيت إن دي هتبقى شكلها حلو عليك.
كان في حالة تأمل وذهول.
أتختار له ملابسه؟
لم يفعلها أحد قط من قبل.
مد يده يحتوي وجنتها اليمنى فمالت على كفه قليلاً بحنو واستمتاع.
بينما هو أردف بترقب وقلبه يقفز للخارج ويعود:
– بما إن إيدك لمستها فأكيد هتكون حلوة جداً.
ناولتها له تردف بنعومة وتأثر مبتسمة:
– طيب يلا إلبسها وأنا هروح أشوف مروان وأرجع لك.
تحركت خطوة ولكنه منعها أن تكمل حيث سد عنها الطريق يطالعها برغبة مردفاً وهي يتأمل كل تفاصيل وجهها ويبوح بكل ما يحتويه من مشاعر:
– أنا مبقتش متحمل يا ريتان. أنا كنت مفكر الوضع سهل بس مستحيل أتحكم في نفسي وأنتِ قدامي وبتتعاملي بالأسلوب ده معايا. حني عليا لأن أنا كده بقيت زي الورقة اللي بتتحرق بعد ما نارها انطفت.
أقترب منها حتى أصبح يلامسها ووجهه يلامس وجهها ويداه تلتف حول خصرها يردف بتحشرج وهمس وهو يمرر شفتيه على ملامحها:
– شرارتك عمالة تحرق قلبي بالبطئ لا النار مسكت فيه مرة واحدة ولا سابته يرتاح. بجد مش قادر أبقى قريب منك أوى كده وممنوعة عني.
توغلها الضعف والحنين إليه وأغمضت عينيها.
هي الأخرى على حافة الهاوية.
إن كان يمنعها خوفها فهو طمأنها وأثبت لها حبه.
وإن كان يمنعها خجلها فهي بدأت تعتاد عليه فماذا بعد؟
حقاً لم تعد تعلم أو ربما تخشى فرط المشاعر.
ربما تخشى الاستيقاظ من حلمٍ أكثر من رائع.
تحدثت بهمس متأثرة بحركة شفتيه على وجهها:
– بس إحنا اتكلمنا يا حمزة وانت وعدتني!
أومأ ببطء وهو في عالمه يردف بإنشاء:
– وعدتك وعند وعدي. بس موعدتكش معبرش عن مشاعري. أنتِ بنت حوا الوحيدة اللي حركت كل خلية فيا. قوليلي أعمل إيه مش قادر.
نعم تدرك ذلك جيداً.
ترى في عينيه رغبة ملحة مرتسمة يقيدها بقوة أصبحت تخاف من تحريرها.
هي الأخرى لم تعش تلك المشاعر مع غيره أبداً.
جديد هذا الشعور الممتع على قلبها.
هو أيضاً ابن آدم الوحيد الذي توغل كل شريان بجسدها.
حسناً لتعطيه ما يريد.
لتندرج معه في تلك المشاعر التي باتت تود تجربتها.
لتعطيه راحته وليحدث ما يحدث بعدها.
فتحت عينيها تطالعه.
تذكرت أمر عمله لذلك زفرت بقوة وأردفت وهي تحاول الإفلات بصعوبة:
– هتتأخر على شغلك. خلينا نكمل كلامنا بليل.
بالفعل تحررت من قيده ففتح عينيه يطالعها بتمعن متسائلاً بتأكيد:
– بليل؟ بليل يا ريتان؟
أومأت بخجل وتركت له ملابسه وأسرعت للخارج لتنهي هذا العذاب.
فتنهد بقوة يصبر حاله للمساء فقط.
أرتدى البدلة التي اختارتها له بحب ثم وقف يهندم حاله وينظر لإنعكاس وجهه في المرآة بتعجب.
ما هذا؟
هل عدت للوراء ١٠ سنوات أم هيأ لي؟
❈-❈-❈
في الحديقة تجلس كلاً من ريتان وكاري وشيرين يتبادلن أطراف الحديث.
أردفت كاري بتهمل وهي تطالع ريتان:
– ريتان أنا محتاجة مساعدتك في موضوع؟
ترقبت ريتان وأردفت متسفهمة:
– خير يا كاري قولي؟
زفرت وتحدثت مفسرة:
– حمزة زعلان أوي من مراد. لأنه خبى عنه خبر فرحك. والحقيقة إن أنا السبب. هو سمعني وأنا بتكلم معاكي ولما سألني فيه إيه مقدرتش أخبي عنه. بس أخدت منه وعد ميقولش لحد خالص لأنك طلبتي مني كده. ومن يومها وحمزة زعلان منه ومراد زعلان أوي إنه خذله. فإيه رأيك لو تكلمي حمزة؟
نظرت له بتعجب ثم أردفت:
– يعني هما زعلانين من يوم جوازنا؟
أومأت كاري فتابعت ريتان بلوم:
– بس الغلط مش على مراد يا كاري الغلط منك أنتِ لإني حكيتلك وطلبت منك متتكلميش. وبما إن مراد سمعك يبقى مكنش لازم تاخدي وعد منه لأن حمزة أخوه.
اتسعت حدقتي كاري وهي تطالعها باستنكار مردفة:
– يا شيييخة؟ أنا اللي غلطانة دلوقتي؟ يعني لو كنت قولته وقاله لحمزة وكنتِ زعلتي مني زي يوم العربية كان يبقى كويس؟
تساءلت شيرين بترقب وهي تستمتع بحديثهما:
– ثواني بس هو إيه موقف العربية ده؟
نظرت لها كاري وتحدثت بخبث:
– أصل حمزة كان خاطف ريتان قبل كده باتفاق معايا أنا ومراد.
شهقت شيرين بتفاجؤ بينما أردفت ريتان بمرح:
– أيوه وكنتِ عاملة نفسك بريئة أوي.
أردفت كاري بصدق:
– كان نفسي أعمل أي حاجة تسعدك. قولت يمكن تتفاهموا.
نظرت لها ريتان بشرود.
دائماً ما كانت لها أخت لم تنجبها والدتها.
سعت لسعادتها دوماً ولراحتها.
مدت لها يد العون والدعم والمساندة في أزماتها.
أثبتت أنها خير صديقة ورفيقة درب.
أردفت ريتان بحنو وتروي:
– حاضر يا كاري أوعدك هتكلم مع حمزة وأحاول أحل سوء التفاهم اللي حصل ده. أنا مش هحب إن هو ومراد يزعلوا بسببي.
نظرت لها شيرين بإعجاب فيبدو أن ابن عمها محق في حب تلك الريتان التي رويداً رويداً تتعرف عليها عن قرب.
❈-❈-❈
في الشركة يجلس حمزة ومراد وفريد وسناء والمحامي في صالة الاجتماعات ينتظرون مجيء مها لتتنازل عن أسهمها بعد أن هاتفت حمزة ليأتي اليوم.
تأخرت عن موعد قدومها فتناول حمزة هاتفه وحاول الاتصال بها ولكن وجده غير متاح.
زفر بضيق فيبدو أن هذه أحد ألاعيبها.
ثم ما لبث أن تحرك حتى طرق الباب وفتح يدلف منه المحامي الخاص بمها فقط.
زفر حمزة بارتياح فيبدو أنها أرسلت محاميها بدلاً عنها.
حسناً هذا جيد هو لم يتمنى رؤيتها اليوم.
تقدم المحامي ورحب بهم ويبدو على ملامحه التوتر.
جلس بينهم وتحدث حمزة بعملية:
– واضح إن مها هانم وكلتك بالمهمة دي يا أستاذ محسن. تقدر تشوف شغلك، وسناء هانم جاهزة.
تحمحم المحامي بقلق ونظر لحمزة بتردد ثم مد يده في حقيبته يخرج ورقة ما قائلاً وهو يمدها لحمزة:
– أنا آسف يا حمزة بيه، بس أنا جاي أبلغ حضراتكوا إن مش هينفع الأسهم تتحول لسناء هانم. لأن مها هانم باعت الأسهم امبارح لحد تاني. ودلوقتي مطلوب من حضرتك تتواصل معاه وهو يشوف هل يمكن يتنازل أو لأ.
ها هي تضرب إحدى أعمدته.
مثلما توقع تماماً.
استهدفت شركة عائلته بعد كل ما قدموه لها من دعم.
ها هي تظهر خستها وندالتها التي ورثهما من أبيها.
كانت عروقه بارزة من شدة غضبه وهو يمد يده ينزع الورقة من يد المحامي ويتعمق فيها ويقرأ بترقب ثم أردف من بين أسنانه بضيق:
– وائل مسعد القماش!
تساءلت سناء وشقيقيها في نفس اللحظة:
– مين ده يا حمزة؟
رفع نظره لهم بترقب ثم تحدث بشرود يتحكم في غضبه:
– هنعرف.
❈-❈-❈
وقفت بسمة في الحمام أمام الحوض تنظر لهذا الجهاز بسعادة.
هو حامل للمرة الثانية؟
مؤخراً كانت تشعر بالأعراض خصوصاً بعد نسيانها للأقراص عدة مرات ولكن كانت تنتظر إلى أن يمر بعض الوقت تتأكد.
وها هو الشريط يظهر بوضوح الشرطتين الحمراء دليلاً على حملها.
تنفست بقوة ثم غسلت وجهها وخرجت من المرحاض تتجه إلى غرفة المعيشة حيث يجلس بهاء يتابع التلفاز مع صغيره.
وقفت أمامه فطالعها بطرف عينه ثم عاد ينظر للتلفاز.
بينما هي زفرت وتحدثت بترقب:
– بهاء؟
لف نظره لها ولم يتحدث.
يأس من أفعالها.
حزين منها وعليها.
تابعت بتوتر وملامحها سعيدة:
– أنا حامل يا بهاء.
تصنم جسده وعينه التي انكبّت عليها.
فاتجهت تجلس بجاوره وتنظر له بعيون لامعة ويداها اتجهت لتتمسك بيديه مردفة بسعادة:
– خلاص بقى يا بهاء كفاية زعل من بعض. خلينا ننسى وأنا كفاية عليا أنت وياسين والبيبي اللي جاي في السكة. من هنا ورايح أنتوا عيلتي وبس.
زفر باستسلام وتساءل بترقب:
– طيب حامل إزاي؟ مش أنتِ بتاخدي الحبوب يا بسمة؟
ابتسمت تردف بحب وسعادة:
– أيوه بس كنت نسيت منها حبيتين. وبصراحة بقالي كذا يوم حاسة بس محبتش أعرفك إلا لما أتأكد. هو أنت زعلان؟
هز رأسه يردف بصدق:
– لاء أكيد لاء. بس ياسين لسه صغير.
أردفت مطمئنة وهي تلقي برأسها على صدره بحب:
– متقلقش. كله هيبقى تمام. أفرح بقى يا بيبو.
تنهد ثم مال يقبل مقدمة رأسها وشرد يفكر في القادم.
❈-❈-❈
عاد حمزة مساءاً إلى جناحه.
طوال اليوم يشعر بالاختناق.
فها هي مها تنتقم منه ومن أسرته وتبيع أسهمها لشخص غريب ليشاركهم في قرارات الشركة التي بنيت بعرق والده وأجداده.
سينتظره إلى أن يأتي ثم سيحاول إقناعه ببيع الأسهم حتى وإن طلب أكثر من ما معه ولكن سيحاول.
انشرح فؤاده وهو يراها تجلس مع صغيره مروان في غرفته وتحفظه آيات قرآنية مع شرح معناها والصغير يستمع إليها بانتباه.
نسي همومه وألقاها بالخارج قبل أن يتقدم ويخطو إليهما بابتسامة حقيقية متسائلاً بحب:
– بتحفظوا سورة إيه؟
نظر له مروان وأسرع يعانقه ثم أردف بحماس:
– مامي بتحفظني سورة العلق. وقالت لي إن أول حاجة ربنا سبحانه وتعالى خلقها هو القلم عشان كده العلم مهم أوى في حياتنا.
نظر لها وتضخم العشق في عينه وهو يوثب متجهاً إليها هو وصغيره ثم دنا يقبل مقدمة رأسها وأردف بحب:
– مامي ريتان أعظم أم وكلامها كله صح.
ابتسمت له ثم تساءلت:
– أكيد راجع جعان؟ تحب أنزل أجهز لك حاجة معينة؟
تأثر بسؤالها.
فلم يهتم لطعامه أحدٌ يوماً.
لذلك ابتسم بسعادة وقال:
– لاء أنا تمام جداً. كملوا انتوا حفظ.
أومأت له بحب ونظرت لمروان تردف بحنو:
– طيب يلا نكمل يا مارو؟
أسرع الصغير يجلس مكانه وبدأت تكمل تحت أنظار حمزة الذي تحمحم واردف:
– طيب أنا هدخل آخد شاور وأبدل هدومي وأجي.
أومأت له فإتجه لغرفته وظلت هي تكمل شرح السورة الكريمة لمروان.
بعد وقتٍ عاد إليهما يرتدي بنطال رياضي وتي شيرت نصف كم.
رفعت نظرها تطالع هيئته الرجولية بحب فغمزها بعينه فخجلت وأخفضت رأسها.
بينما اتجه هو يرمي بجسده بجوارها حيث كانت تجلس بأريحية على فراش مروان تستند بظهرها على الحائط بعرض الفراش وخلفها وسادة ناعمة ويجاورها مروان تقرأ له قصة شيقة لينام بعدها.
شهقت وأردفت مستفسرة:
– حمزة بتعمل إيه بس؟ قوم عشان مروان بينام.
مال يحك أنفه في تجويف عنقها ويستنشق رائحتها الخلابة بتيه وسحرٍ مردفاً بهمس وخبث والصغير على وشك النعاس:
– وبعد ما مروان ينام؟
أولم تقل ليلاً؟
حسناً نحن ليلاً الآن.
ماذا عساها أن تفعل؟
هل ستتهرب ككل مرة؟
تأثرت من همسه ولمسته وارتعش جسدها حتى يدها التي كانت تتمسك بالقصة ارتخت فسقط الكتيب على ساقيها الممتدة وتنهدت تردف بتوتر:
– حمزة مينفعش كده، مروان بينام.
تطلع عليهما مروان بتعجب وبرغم عينيه الناعسة إلا أنه لأول مرة يرى والده هكذا يفعل أموراً جديدة كتلك التي يفعلها عمه مراد مع أم حبيبه بيري.
أردف مروان متسائلاً ببراءة:
– بابي هو أنت بتحب مامي ريتان أوي؟
ابتعد حمزة ينظر لصغيره متفاجئاً ثم نظر لريتان التي ابتلعت لعابها بتوتر وحزن وأردف مؤكداً:
– أيوه يا مارو، زي ما أنت بتحبها وأكتر.
غار الصغير وعانق ريتان وهو على وشك النعاس يردف بتملك:
– لاء أنا أكتر.
بادلته ريتان بحب وحنو وأردفت:
– وأنا كمان يا مارو بحبك أوووى.
مال حمزة عليها يردف بترقب وخبث:
– طب وأنا؟
ابتسمت عليه ثم لفت نظرها تتطلع عليه.
تعشقه وتعشق تفاصيله التي تحفظها عن ظهر قلب.
أول نبضة كانت له وأول نظرة عشق كانت من نصيبه وأول تنهيدة كانت باسمه وأول جرح كان منه وأول أمل كان معه لذلك تعشقه.
أردفت بعيون لامعة ونبرة متأثرة صادقة مغلفة بالعشق:
– بحبك أوى، أكتر من أي حاجة يا حمزة.
تضخم قلبه فأصبح صدره ضيقاً لا يسعه وهو يطالعها بعشق ولم يجد كلمات تحكي بل الصمت والنظرات كانت أسمى من كل الأحرف.
ابتلع لعابه ونظر لصغيره الذي ذهب في سباته بعد أن اطمأن.
فوقف يترجل من الفراش ثم التقطه يعدل وضعية نومه ويرفع الغطاء عليه بحنو.
ثم نظر لها بعيون لامعة وبريق خاص ومد يده لها فناولته يدها بتوتر وقلب يضخ بعنف وصخب.
سحبها بتمهل وتحركت معه إلى خارج غرفة الصغير ثم اتجها إلى جناحهما.
دلفا وأغلق حمزة بابه ثم التفت يطالعها ويتنهد بقوة.
ظل ينظر لها لثوانٍ بصمت تام لكلمها.
عقد لسانه أمام نظراته.
الآن لم تعد قادرة على إيقافه.
هي الآن تتمناه بكل جوارحها.
تتمنى وتريد التنعم بدفئه وحنانه.
أما هو فكانت عيناه تسير على ملامحها.
من بداية جبينها وصولاً بعينيها الزائغة وأنفها الصغير ووجنتيها الملتهبتين من الخجل ثم شفتيها وليته لم يفعل فهنا وقد بات صبره مستحيل.
حاوط وجهها وانحنى يتذوق فاكهته الشهية ويقبلها بنهم.
استقبلتها بتوتر ثم تحولت إلى مشاعر مختلطة جعلتها تحلق وترفع ذراعيها تطوق عنقه لتبدأ بتداعب خصلاته مما زادته رغبة وتعمق أكثر في قبلته الساحرة.
نعم ساحرة ألقط تعويذة مشاعر عشق عليهما.
بدأت يداه تجول على ظهرها كاملاً يعصرها بحنو مقرباً جسدها منه وهي تذوب بين يديه كقطعة جليد تنصهر.
ابتعد شبه سنتيمتر واحداً وأردف بتحشرج وهمس ورغبة متمكنة منه:
– ريتان قوليها. قولي إنك موافقة؟ قولي وارحميني؟
أطلقت سراح مشاعره بتنهيدة قوية وإيماءة صغيرة منها جعلته يجن بها ومعها ويعاود تقبيلها بتفنن ونهم ويديه تتحرك بجراءة على ممتلكاته.
أوصلها للغيوم ونسيت كوكب الأرض وما عليه.
سحبها معه إلى فراشهما ليشهد على تمام اكتمال روحين يبحثان عن بعضهما منذ زمن بعيد.
يُريحها عليه بحنو وينظر لها بعيون يملؤها الشغف وهي تخفض نظرها بخجل وتقضم شفتيها بقلب متضخم كاد يتوقف ليستقر معها ويعاود تقبيل شفتيها وخديها ويطبع قضماته على عنقها كتفاحة شهية يلتهمها بإستمتاع وجوع.
مستسلمة ومسلمة له زمام الأمور التي يقودها هو بكل شوق ولهفة وسعادة ليجرد روحه من ثقل وأعباء ومؤمرات ويجرد روحها من أي ذرة عذاب أو ألم وينسيها ماضٍ سيئ ويتمم كماله معها أخيراً ليجزم أنه لم ولن يعيش هذا الشعور إلا بين يديها ومعها فقط.
شعور أشبه بأنه يمتلك جناحات ويحلق للمرة الأولى.
أين كانت تلك المشاعر وكيف تركها كل تلك السنوات؟
كيف سمح لحاله أن يحيى بدونها؟
ليعلن أخيراً أنها تملكته كلياً.
أنه وجد معها شيئاً كان لا يعلم بوجوده إلا الآن وهو وصولك للفضاء وأنت مكانك.
ولتعلن هي أنه امتلكها حد النخاع ووصل بها إلى مكان لم يصل إليه غيرهما.
كانت تعلم أن الأمر مع العشق مختلف.
ولكن هذا الاختلاف كان أكثر من ما حلمت به.
كان كثيراً عليها.
دفئه وحنانه وحبه ظاهراً ببزخ في كل حركاته.
بعد فترة.
كان يطالعها بذهول وفاه مفرغ.
كثيرة تلك المشاعر على قلبه.
تكاد توقفه.
ما هذا النعيم الذي تمتلكيه يا روح الفؤاد؟
ما هذا الشعور الذي يجتاح كل خلية في جسدي يا زوجي المصون؟
تمدد هو على الفراش وسحبها إليه يضمها بقوة وعشق ويقبل جبينها عدة مرات وهي مستكينة تماماً تغلق عينيها بخجل وسعادة وأمان.
انكمشت عليه كقطة صغيرة تدثر نفسها أكثر داخله لتتنعم بدفئه وهو يشدد من عناقه كأنه يود لو يدخلها بين ضلوعه مدى الحياة.
مال يقبل جبينها بتعمق وأردف بصوت متحشرج من إثر المشاعر:
– ألف مبروك يا أحلى ريتان في الدنيا كلها.
مالت شفتيها بابتسامة هادئة وخجل وعينيها مغمضة ولم تتحدث.
ليس هناك كلمة يمكن أن تعبر عن مشاعرها الآن لذلك التزمت الصمت وهو كذلك.
ثم ناما بعدها بسكون تام وهل يعد للكلام أي قيمة.
رواية للقلب أخطاء لا تغتفر الفصل الرابع والعشرون 24 - بقلم اية العربي
وصل حمزة ومراد وفريد إلى الشركة حيث سيعقد الاجتماع خلال خمس دقائق فقط.
أتجهوا على الفور إلى صالة الاجتماعات حيث ينتظرهم المحامي الخاص بالشركة وسكرتيرة مكتب حمزة وكذلك وكيل الدعاية والإعلان والمدير التنفيذي.
جلس حمزة بضيق، فمنذ أن تركها وهو يشعر بالفراغ يتوغله. ولكن ليحل أمر تلك الشراكة وليعود لها على الفور.
إنحنى يميل على المحامي متسائلاً بترقب:
– عرفت حاجة عن وائل القماش ده؟
زفر المحامي بإحباط وتعجب وأردف بهدوء:
– كل اللي قدرت أوصله أنه شاب كان عايش في كندا ولسه نازل مصر قريب.
تعجب حمزة وانتابه القلق وأومأ ينتظر.
أعلنت السكرتيرة عن وصول هذا الشاب، فترقبوا جميعهم ينظرون ناحية باب الدخول.
دلف محاميه وتبعه دخول شاب طويل البنية وآخر متوسط الطول يرتدي نظارة شمسية كبيرة وتغطي وجهه لحية كثيفة تخفي ملامحه.
ألقى المحامي السلام ووقف حمزة ومراد وفريد يرحبون بهم، ولكن بمجرد دخول هذا الغامض توزعت الطاقة السلبية في المكان ولم يدركها سوى حمزة. فهناك اثنان يحفظانك جيداً ومهما مر العمر لن ينسيا ملامحك، أحدهما شخص أحبك بصدق، والآخر عدو لدود.
تقدم منهم الشاب الأول ومد يده لحمزة مردفاً من خلف نظارته:
– أهلاً يا حمزة بيه، أنا وائل القماش.
رحب به بينما تقدم الآخر ومد يده يسلم بصمت على حمزة وعينه تطالعه بتعمق من خلف نظارته.
صُدم حمزة يطالعه بذهول لثوانٍ، هيئته مألوفة له. حاول عقله استنكار شكوكه، مؤكداً لااا. حتى أنه لم يشعر عندما سحب هذا الغامض يده وبدأ يرحب بالآخرين.
عقله يعمل بصخب، هذا الجسد مألوف له، ولكن الشكل؟ حسناً، اهدأ حمزة ولا تتسرع، يبدو أن بعد ريتان عنك يفقدك صوابك.
جلس وائل والآخر والمحامي في مقابل حمزة، وجلس المحامي على يمينه وبدأ الاجتماع بحديث المحامي قائلاً:
– طبعاً حضراتكم عارفين أن السيدة مها أبو الدهب تنازلت عن أسهمها كلها للأستاذ وائل القماش مقابل مبلغ مالي اتفق عليه الطرفين، يعني حالياً وائل باشا هو مالك 32% من أسهم الشركة وليه الصلاحية في إدارتها واتخاذ القرارات زيكم بالضبط.
كان حمزة يستمع له وينظر للقلم الذي يعبث به بين يده وهو يشعر بالاختناق. لن يسمح بحدوث هذا، لن يترك غريب يتصرف في ما سعوا لبنائه سنوات.
انتهى المحامي فرفع حمزة نظره وتطلع عليه ببرود ظاهري يردف بترقب:
– وعلشان كده جينا نتكلم النهاردة، يا ريت الأستاذ وائل يشوف المبلغ اللي يناسبه إيه ويتنازلنا عن الأسهم أو على الأقل الجزء الأكبر منها، لأن معتقدش إن أستاذ وائل هيفهم في إدارة شركة الجواد أكتر من أصحابها الأصليين، يعني لو الأستاذ وائل عايز يستثمر فلوسه صح يبقى الأحسن يشاركنا بجزء قليل ويشارك غيرنا بجزء تاني، وإحنا جاهزين حالاً نتمم البيعة، قلت إيه؟
استمع له وائل بتمعن وهو يطالعه بتركيز من أسفل نظارته. ابتسم بخبث وقد حانت اللحظة. نظر للآخر وتحدث ببرود:
– بس أنا فعلاً تنازلت عنهم لصديقي يا حمزة بيه.
قالها وهو يشير على الآخر الذي ابتسم بخبث وخلع نظارته ببطء مريب يردف بترقب وهو يتطلع على حمزة متشفياً:
– أزيك يا حمزة؟
ذُهل حمزة ولم يستمع إلى أي حديث بعدها. عندما نظر في عينيه أدركه على الفور قبل أن حتى أن يسمع صوته. إنه هو؟ يخفي ملامحه وراء تلك اللحية الكثيفة فلم يتعرف عليه في البداية.
تدفق الأدرينالين داخل جسده فجعله يقف منتفضاً يردف بذهول وصدمة:
– ناصف؟
تعجب مراد وفريد وأعادا النظر إلى ذلك الرجل ليتأكدا، بينما أردف ناصف بابتسامة عريضة وتشفى:
– إيه رأيك؟
تفاقم الغضب داخل صدر حمزة، بل أصبح عاصف. كيف له أن يأتي ويصبح شريكهم؟ كيف له أن يعود ويهدد استقرارهم؟
اندفع يخطو تجاهه ليمسكه من تلابيبه مردفاً بغضب من بين أسنانه:
– إنت هتستعبط يا واطي؟ اااايه اللي رجعك؟ إنطق رجعت لييييه؟ المرة دي مافيش حاجة هتخلصك من إيدي، إنت ساااامع، إنت راجع لقضاااك.
رفع ناصف يده ينفض يدي حمزة من عليه بقوة ثم وقف أمامه يردف بمكر وبرود استثزازي:
– واضح كويس أوي شركة الجواد وقعت ليه قبل كده؟ أكيد بسبب الهجوم الغير مبرر من اللي مفروض إنه مديرها، المفروض تتعامل بطريقة أحسن من كده يا حمزة بيه علشان تبقى رجل أعمال ناجح.
كاد يتحرك ولكن منعه حمزة يقبض على تلابيبه مرة أخرى مردفاً بغضب وقد فقد عقله تماماً وهو يهزه بعنف:
– رايح فين، إنت حالاً هتتنازل عن الأسهم كلها وتغور من مكان ما جيت وإلا هندمك على اللحظة اللي رجلك خطت فيها هنا يا ناصف، كانت غلطة لما سبتك تخرج برا البلد، بس صدقني مش هتفلت المرة دي من إيدي.
طالعه ناصف بابتسامة خبيثة وأردف بينما مراد وفريد يحاولان خلاصه وقد تيقنا أنه ناصف حقاً:
– بأي تهمة يا حمزة؟ هو المحامي مبلغكش ولا إيه؟ يظهر إنك انشغلت في حاجة تانية وبطلت تتابع قضيتي زي الأول، على العموم أنا اتبعت، وأقدر أدخل وأخرج مصر زي ما أنا عايز.
دقق النظر في عين حمزة وتابع متعمدًا بمغزى:
– يعني أنا راجع أخد وناوي أسترد كل اللي كان ليا قبل ما أمشي، فرصة سعيدة.
التفت يغادر بعدما فك قيد حمزة من عليه، فلم يحتمل حمزة ما سمعه فأسرع يلفه إليه ثم باغته بلكمة قوية سقط على أثرها ناصف أرضاً وأنفه تنزف.
لم يكتف بهذا بل أراد قتله حقاً، في تلك اللحظة لو ترك العنان لما بداخله لقتله في الحال، ولكن أسرع مراد وفريد والمحامي يعيقون حركته بصعوبة وصدره يعلو ويهبط بقوة.
ساعده محاميه في الوقوف فتوقف ينظر لحمزة بكره وغضب ثم أشار بسبابته وتحدث بغل:
– هتندم، هتندم على كل اللي عملته زمان ودلوقتي.
غادر بعدها على الفور وتركه يقف متأهباً. لما عاد هذا الحقير؟ ااااه من تلك الحية التي أعادته إليهما. حققت انتقامها منه، أرسلت إليه أكثر شخص يبغضه – ولكن ماذا يقول؟ تبرأ؟ كيف ذلك.
اتجه مراد لشقيقه يردف في محاولة منه لتهدئته:
– حمزة أهدى، خلينا نفكر هنعمل إيه.
أومأ عدة مرات وأردف بغضب وتأكيد:
– الكلب، راجع ينتقم مني، بس لا مش هسمحله، مستحيل.
اتجه فريد يساند شقيقه من الجهة الأخرى ويردف داعماً:
– متقلقش يا حمزة، مش هنسمحله يقرب منك ولا من حد يخصك، بس دلوقتي هو شريك رسمي معانا، ونسبته مش قليلة، لازم نلاقي حل بسرعة وإلا ممكن يأذي الشركة.
نظر حمزة لشقيقه بغضب وأردف:
– على جثته، شركة الجواد هتفضل معروفة باسمها النظيف وهتفضل ملك لأولاد الجواد مش هياخدها الو*** ده يعمل من وراها صفقاته المشبوهة، أنا لازم ألاقي حل في أسرع وقت، لازم.
سانده شقيقيه بدعم بينما هو أردف بهمس وعقل شارد وهو يفكر فيها:
– ريتان؟
أردف مراد مطمئناً:
– متقلقش يا حمزة، مستحيل يقدر يقرب منها، كلنا حواليها.
نظر لمراد بعمق وأردف محذراً:
– أوعوا ريتان تعرف حاجة، ممنوع ريتان تعرف إن الكلب ده رجع تاني.
أردف فريد متسائلاً:
– طيب يا حمزة المهم دلوقتي هنتصرف إزاي، وإزاي اتبرا من القضايا دي بسهولة كده.
تحدث مؤكداً:
– لازم أعرف وألاقي حل في أسرع وقت عشان يتقبض عليه، حريته دي خطر على الكل.
تحدث المحامي الذي كان يتابع بصمت بينما غادرت السكرتيرة وباقي الأعضاء:
– حمزة بيه بعتذر منك بس ياريت كنت بلغتني أراقب قضيته، شكله كده في الفترة اللي اختفى فيها قدم مستندات وأدلة تثبت براءته، واضح أنه خصم مش سهل أبداً.
طالعه حمزة بصمت وضيق، هذا الحديث يزيدها عليه، عليه أن يعلم كيف تم ذلك وكيف يثبت عكسه في أقرب وقت.
***
في السيارة.
يجلس ناصف في سيارته بعد أن غادر المحامي، يتحدث عبر الهاتف مع مها التي تضحك بصخب بعد أن أخبرها بما حدث، بينما هو يتلمس أنفه متألماً ويردف بغضب:
– إن ما دفعته ثمن كل دقيقة من عمري هدر مبقاش أنا ناصف.
توقفت مها عن الضحك وتحدثت متشفية لقرب حصولها على انتقامها:
– المهم تفرقهم عن بعض يا ناصف، ده أهم حاجة عندي، أنت وعدتني إنك هتحققلي الطلب ده.
ابتسم ساخراً، لقد عاد خصيصاً ليحقق هذه الأمنية، لقد غادر فرنسا واتجه إلى كندا كي يزور الأدلة ويأتي بالتي تثبت براءته وفعلها بسهولة بعد دفع مبالغ طائلة، فقد ليعود إليه، فقط لينتقم، ليستردها ويغادر بعدها.
تحدث بضيق:
– هيحصل، كل اللي انتِ عايزاه هيحصل، بس ابعدي انتِ دلوقتي لإن حمزة لو قابلك مش هيرحمك.
شردت بغضب وحقد ثم تحدثت:
– عارفة، علشان كده وافقت على طلبك وبعت الأسهم للي تبعك ده، لأني متأكدة إنك الوحيد هتقدر على حمزة بعد ما كبر وجناحه قوي، وكمان عايزاك تخلي بالك كويس أوي، حمزة ليه صاحب عنده شركة حراسات خاصة كان بيأمني بيهم، أكيد هيلجأله، لازم تكون سابق بخطوة علشان تعرف تحقق اللي انت عايزه.
ابتسم قليلاً ثم تحدث بغموض:
– متقلقيش، أنا راجع المرة دي وعارف كل حاجة، وكل الخطوات مدروسة كويس أوي، المهم انتِ تبعدي خالص عن الأجواء.
أغلق معها وبدأ يقود متجهاً إلى المكان الذي نوى المكوث فيه. لقد خطط على مدار سنوات لتلك اللحظة وعليه معرفة كل ما سيحاول حمزة فعله. يعلم الآن أن حمزة لن يقف مكتوفاً بل سيسعى ليفتح عليه النيران من جميع الجهات لذلك سيستعد.
شرد يفكر في ما حدث. عندما كان في كندا يتابع أخبار حمزة عبر السوشيال ميديا ويرتب خطة لينتقم ولكن فاجأه القدر بما رآه، زواج حمزة وريتان، ما جعل رغبته في الانتقام تتضاعف مرات ومرات، واللمعت في رأسه الفكرة. فاستطاع أن يحصل على رقم مها وهاتفها وبعد أن أخبرته بما حدث وما كان سيحدث أقنعها بالتنازل لذلك الرجل الذي لم يكن سوى شخص تابع له. باعت أسهمها في شركة الجواد له وهو بدوره تنازل عنها لناصف. حسناً، لم تعد الأموال تهمه مثل السابق، فعمله مع هؤلاء القوم جعله يجني الكثير والكثير، ولكنه يسعى للانتقام واستردادها مهما كلفه الثمن.
وبالفعل عاد مصر سريعاً وأتم معاً إجراءات البيع وغادرت مها إلى والدتها وعاد هو.
***
بعد ساعة كان حمزة قد غادر وها هو متجهاً إلى شركة الحراسة الخاصة بصديقه فؤاد منذر.
وصل ووصف سيارته وترجل يصعد له على الفور بعدما هاتفه.
وصل مكتبه وسمحت له السكرتيرة الخاصة بالمكتب بالمرور.
دلف على الفور وبعد الترحاب به جلس فؤاد يردف بترقب بعد أن لاحظ حالته:
– خير يا حمزة إيه اللي حصل.
زفر باختناق وتحدث:
– الندل اللي اسمه ناصف رجع تاني، رجع وبقى شريك معانا في الشركة.
صُدم فؤاد وصمت لثوانٍ ثم تحدث بعملية:
– ده مجنون ده ولا إيه؟ إزاي ده حصل؟ هو فاكر إنه هيفلت؟ ده مطلوب للعدالة.
أومأ حمزة يردف بغضب واختناق:
– عمل حيلة قذرة زيه وبرأ نفسه، بس مش هيحصل، حتى لو هقتله.
زفر فؤاد يدرك جيداً ما يشعر به حمزة وقد فهم ما حدث ثم تحدث بود:
– طيب شوف ناوي على إيه والشركة هنا تحت أمرك، وفوراً يتحرك طقم حراسة من أمهر الشباب اللي عندي يأمنوا القصر والعيلة كلها.
هز حمزة رأسه بشرود وتحدث:
– لا يا فؤاد، أنا بس عايزك توصلني بحد في الداخلية، حد تكون بتثق فيه، لازم أكشفه في أقرب وقت، لازم يتقبض عليه.
أردف فؤاد بتحفز:
– تمام مافيش أي مشكلة، هتكلم مع زميل ليا وأبلغك فوراً.
طالعه حمزة بترجي وقال:
– كلمه دلوقتي يا فؤاد، معلش بس مش هرتاح طول ما الكلب ده حر.
أومأ فؤاد وتناول هاتفه وبالفعل طلب رقم إحدى معارفه والذي لم يكن سوى الرائد تامر الألفي (صديق فؤاد).
أجاب تامر بحماس وهو يمارس عمله في الداخلية كعادته:
– فؤاد باشا؟ عامل إيه؟
أجاب فؤاد بترقب:
– أهلاً يا تامر باشا، أخبارك إيه يا غالي؟
تحدث تامر وهو يتطلع على بعض الأوراق بتركيز:
– كويس جداً، خير، واضح أن ده اتصال مهم.
تبسم فؤاد قائلاً:
– عايزك في موضوع مهم، بشكل أصح مش أنا اللي عايزك هو حمزة الجواد، صاحب عمري وعنده مشكلة جامدة وحلها عندك.
تنبه تامر ثم تحدث برتابة:
– تمام يا فؤاد، بس النهاردة للأسف عندي شغل مهم، خليني أشوفه بكرة عندك، بس أديني لمحة صغيرة كده عن الموضوع.
زفر فؤاد وهو ينظر لحمزة ثم تحدث:
– واحد كان ممنوع من دخول البلد من كذا سنة بسبب قضايا مخدرات، ودلوقتي هو دخل البلد وبرأ نفسه من القضايا دي وكمان بقى شريك بدل حد تاني في شركة حمزة.
ابتسم تامر بحماس وتحدث:
– حلو أوي أوي الحوار ده، ده جه لقضاه، بكرة الصبح هبقى عندك.
أغلق معه ونظر لحمزة الذي استمع للمكالمة كاملة وهو يحاول تهدئة نفسه ولكن عبثاً، لن يهدأ إلا إذا قبض عليه وزج في السجن إلى ما لا نهاية.
***
مساءاً وفي وقت متأخر وبعد مصارعة طاحنة بينه وبين أفكاره قرر العودة إلى ملاذه، فمنذ أن غادر وتركها وهو يشعر بالضيق وبعد أن رأى هذا القذر شعر بالغضب والاختناق. لماذا عاد وبماذا يخطط؟ الآن تمنى لو يعود الزمن للوراء، حينها لم يكن ليقبل بتلك الزوجة الخبيثة أبداً التي كلفته الكثير، ليته يعود ويصحح جميع أخطاؤه. يعلم ويرى في عينيه الانتقام، وليته ينحصر على الأموال، فهذا الحقير وجه له رسالة مباشرة اليوم حينما قال (يعني أنا راجع أخد وناوي أسترد كل اللي كان ليا قبل ما أمشي). هل ينوي استردادها؟ إذاً ينوي هلاكه، فهو لن يسمح بمس شعرة واحدة منها، لن يسمح وإن كلفه الأمر حياته. هي لم تكن له يومياً، كان تصرف خاطئ مثل تصرفه، فإثنانهم مخطئين ولكنهما يستحقان بعضهما. لن يسمح لهذا الخبيث أن يتسلل إليها ولا حتى أن يلمح طيفها، ولن يخبرها بعودته، مؤكد سترتعب. لقد أخبرته عن خوفها منه وعن ما فعله معها فكيف سيقف أمامها وينظر لعينيه ويخبرها أن من كان ترتعب منه أصبح شريكاً له؟ بعد أن وثقت فيه و أمنته وسلمته نفسها؟ يخبرها أن ناصف قد عاد؟ سيجن، الأفكار تقتله.
ظل طوال اليوم يقود من مكان لآخر وقد تعمد إغلاق هاتفه، لا يقوى على الرد عليها. لولا ضيق الوقت لكان ظل بعيداً عنها إلى أن تم الإمساك به، ولكن عليه الانتظار.
ها هو يدلف من بوابة القصر بعدما فتح له الحارس البوابة، توقف بسيارته ينادي الحارس الذي انحنى على نافذة السيارة يستمع له بتنبه فقال حمزة:
– من هنا ورايح عينك وسط راسك يا محمد، هنكسف الحراسة اليومين دول وبشكل غير ملحوظ، وأهم حاجة محدش من جوة القصر ياخد باله، وبلغ الباقيين بكده.
أومأ محمد يردف بطاعة:
– حاضر يا حمزة بيه علم وينفذ.
أكمل حمزة قيادته إلى أن توقف أمام باب القصر الداخلي. رأته من كانت تقف في شرفتها تنتظره وتسارع الخوف والقلق الذي يراودها حتى بعد أن طمأنها مراد أن حمزة تراكمت عليه الأعمال قليلاً، ولكن هذا لم يطمئنها. لو كان كذلك لكان هاتفها، ولكن هناك أمر ما يحدث، لذلك فهي ستنتظر عودته وتسأله. قضت معظم وقتها الممل بدونه في التحدث مع كاري وصفية وشيرين والوقت الآخر مع مروان في غرفته حتى نام الصغير ونام الجميع وبقيت هي منتظرة عودته بقلب منفطر.
ترجل حمزة من سيارته وأغلقها وصعد الدرجات ثم فتح ودلف القصر ومنه إلى الطابق الثاني على الفور.
دلف جناحه واتجه لغرفة صغيرة ليطمئن عليه، رآه ينام بعمق فتنهد بضيق وقبضة تعتصر صدره خوفاً عليه. تحرك يدنو منه يقبله ثم اعتدل يقف ويعود من حيث دلف ليكمل طريقه في الرواق المؤدي لغرفته.
توقف عند الباب. كيف سينظر لعينيه براحة؟ كيف سيقف أمامها هادئاً يدعي السعادة التي كانت تغمره صباحاً؟ أين تلك السعادة الآن؟
زفر بضيق، ربما هي نائمة، ربما لن تراه، نعم مؤكد نامت مثل الجميع.
لف مقبض الباب وفتحه ودلف، ولكن ما إن حطت قدمه أرض الغرفة حتى رآها تقف أمامه حتى كادت تصطدم به.
تلقائياً رفع عينه في عينيها يطالعها بتعمق. للحظة وربما لثانية أو لدقيقة نسى أمر ناصف ومها والعالم كله.
رائحتها المثيرة تتوغل أنفه، عينيها الرمادية المتسائلة تسحره.
وهي تقف تطالعه بصمت. أهذا ما نوت له؟ أولم تقرر الآن أن تعاتبه على تأخيره وعدم مهاتفتها؟ أين تبخر هذا العتاب؟ بمجرد أن رأت ملامحه وعينيه المرهقة تبخرت الأحرف وانتش ع قلبها برؤيته، ولكن بتلك الحالة عاد قلبها يتلوى، عينيه تخبرها أن هناك خطب ما.
تحدثت بحنو وهي تمد يدها لتتمسك بكفه لتستشعر دفئه قائلة باهتمام واضح:
– حمزة؟ مالك يا حبيبي؟
وعى على حاله، عاد إلى واقعه. في لمح البصر كان يلف عينيه عنها ويردف مبتسماً بصعوبة:
– سلامتك يا حبيبتي، أنا آسف لقيت شغل كتير جداً كان متراكم عليا الفترة اللي فاتت فقفلت الفون عشان أعرف أركز بس قولت لمراد يطمنك.
لا هذه ليست الحقيقة، عينيه التي تحاول الابتعاد عن مرمى عينيها تخبرها أنه يخفي شيئاً آخر ولكن لراحته ابتسمت وأردفت بحب وحنو:
– تمام ولا يهمك، أنا بس عايزاك انت تبقى تبلغني لو حصل واتأخرت تاني لأني قلقت جداً عليك.
لم يحتمل، يديه التي كانت بين يدها قامت بسحبها إليه لتستقر بين ضلوعه يعانقها بقوة. دفن رأسه بين تجويف عنقها يعتصرها، يتمنى لو يصبحا جزئاً واحداً فقط، يحميها ويشكي اليها ألمه بصمت، يطمئنها ويستمد منها القوة، يحبها ويطالبها بأن لا تتوقف عن حبه أبداً. كان عناق به كل شيء وعكسه، حتى أنها باتت تتألم من شدة قبضته فتآوت فسمعها فلانت قبضته على الفور وكأنه كان في لقاء شرس مع عقله.
رفع رأسه عنها فوجد في عينيها أسئلة كثيرة لذلك تحمحم وابتسم يردف بحب ومراوغة:
– أنا هدخل آخد شاور لأني هلكان جداً وإنتِ لو سمحتِ بلغي مريم تجهزلنا الأكل.
خطى خطوة واحدة ثم عاد يغمزها ويردف متسائلاً:
– ولا اتعشيتي؟
لانت ملامحها وهزت رأسها تجيب بعشق:
– مستحيل آكل من غيرك.
توقف مكانه يطالعها بتعمق. كثيرة عليه، كل ما تفعله كثيراً عليه. الآن ندم على تأخيره، ليته يستطيع مساواتها أو زيادة. ليته يستطيع أن يغرقها هو بكل ما يسعدها. زفر وعاد يحتوي وجهها بين راحتيه ثم مال يطبع قبلة حب وشغف وقلق وغضب على شفتيها التي استقبلتها بسعادة برغم تعجبها من حدتها بعض الشئ ولكنه عاد يتمهل ثم ابتعد مرغماً يردف وهو يستند على جبهتها:
– ثواني وراجعلك.
***
في الثالثة صباحاً.
تستند ريتان على ظهر الفراش وخلفها وسادة ناعمة، مستيقظة تداعب خصلات هذا الذي تحتل رأسه صدرها. بين الحين والآخر تدنو تقبل مقدمة رأسه ثم تتنهد وطوال هذا الوقت الذي مر منذ حوالي ساعة وهي على هذا الحال، تفكر فيه. لم يخبرها معه عندما سألته للمرة الثانية أثناء تناولهما الطعام الذي لم يذق منه سوى القليل.
احترمت رغبته في عدم الحديث الآن بل وعلى يقين أن ما يخفيه لن يروق لها لذلك أخفاه.
ولكن ما جعلها مستيقظة إلى الآن هو تعجبها من أمره، بدا لها وكأنه يتهرب بالنوم منها، لذلك تمدد بجوارها وعانقها بقوة لدقائق ثم تسحب هو بعدها لتصبح هي المسيطرة في عناقه. فقد وضع رأسه على صدرها ولف ذراعيه حولها ثم تنهد بقوة ونام بعدها ومنذ تلك اللحظة وللآن وهى على الحالة التي ثبتها عليها.
كانت شاردة في أفكارها وكل ما تؤدي إليها سبل أفكارها أن مها عبثت بما أزعجه. لم ولن يخطر على عقلها شيئاً آخر سوى مها والشركة وهذا جيد.
وبسبب شرودها وتعمق أفكارها انتفضت تنطق بالبسملة على صدى صراخ قوي يأتي من الخارج.
مما جعله هو الآخر يستيقظ منتفضاً مردداً اسمها وهو يتفحص كل شيء بها متسائلاً بنعاس ولهفة:
– مالك، مالك في إيه؟
هدأته تلمس على وجهه مردفة بتروي:
– اهدى يا حبيبي أنا كويسة، دي يظهر شيرين.
زفر بقوة يطلق سراح أنفاسه التي انحبست بخوف فقد كان يرى كابوساً مزعجاً لهذا المختل.
عاد الصراخ مرة أخرى ليعتدل ويترجل من فراشه وكذلك هي التي شعرت بالقلق قائلة:
– شكلها بتولد يا حمزة، تعالى بسرعة نشوف فيه إيه.
أومأ لها وارتديا ثوب مناسب لهما وتوجها للخارج حيث جناح فريد الذي كان يحاول تهدئتها ولكنها تزداد ألماً.
لم يدلف حمزة احتراماً لما لم يكن في الحسبان بل وقف خارج غرفة شقيقه ودلفت ريتان بعد أن فتح لها فريد تردف بتوتر وهي ترى حالتها:
– خلينا ناخدها على المستشفى يا فريد دي أكيد ولادة.
وكأن جملتها أطلقت سراحه فأومأ وانحنى مسرعاً يحملها بينما أوقفته ريتان تردف بجسد مرتعش من صرخات شيرين:
– استنى لما أبدلها هدومها بأي حاجة مناسبة.
وبالفعل شرعت في ذلك بينما كانا مراد وكاري استيقظا أيضاً وكذلك صفية وسالم على صوت الصراخ.
بعد دقائق كانا حمزة يجلس في سيارته خلف المقود بينما فريد يحمل شيرين ويدلف بها سيارة شقيقه وريتان تجاور حمزة وانطلق بعدها على الفور إلى أقرب مشفى.
لحقا بهم سالم وصفية في سيارته بينما ظلا فريد وكاري في القصر لأجل الصغار.
بعد فترة وجيزة توقف حمزة أمام إحدى المستشفيات الخاصة بينما أسرع فريد يترجل ويتجه للجهة الأخرى حاملاً زوجته وحبه الحقيقي بقلق ولهفة ثم اندفع بها داخل المشفى يتحدث بنبرة صارخة مترجياً مردداً:
– ساعدوووها بسرعة بتووولد.
كان في أقصى درجات خوفه، فمنذ أن استيقظ على صراخها وأعصابه تائهة منه، جسده يرتعش من شدة خوفه عليها، فمنذ أيام وهي تعاني وهو شاهداً على آلامها، لذلك يريدها أن ترتاح ويريد أن يطمئن.
أسرعت الممرضات يساعدونه وبالفعل أدخلوها غرفة الفحص وكان هناك طبيب مختص أتى وأكد أنها ولادة لذلك أردف ما أرعب شيرين وجعل طلقها يزداد وصراخها يعلو:
– جهزوها بسرعة، هتولد حالاً.
كان حمزة يقف خارجاً يحتوي ريتان التي ترتعش أيضاً من مظهر شيرين، بينما دلف سالم ومعه صفية يتجهان إليهما ويتساءلان فأخبرهما حمزة أنها ستلد الآن.
أما في الداخل فأسرعت الممرضات يجهزن شيرين بالفعل ليأخذوها إلى غرفة الولادة الطبيعية.
يقف فريد يتمسك بيدها ويحاول تهدئتها وحالته أبعد ما يكون عن الهدوء فقط يحاول ولكن تزداد صرخاتها وتعرق وجهها حتى أصبحت كمن خرجت من تحت الماء لتوها.
بعد دقائق دلفت شيرين غرفة الولادة ومُنع فريد بصعوبة من الدخول معها بعدما فشل الأطباء في منعه ونجح حمزة في ذلك وها هو يقف على أعتاب الغرفة هي تصرخ وهو يهتز بقوة لم يعد يحتمل آلامها التي تعتصر قلبه وتلوي أحشائه.
بعد حوالي ربع ساعة من المعاناة والصراخ أخيراً استمعوا إلى بكاء صغير يأتي لتتوقف والدته عن الصراخ أخيراً معلناً عن وصوله وكأنه يقول (كفى أمي توقفي عن الألم لقد أتيتُ).
وبالفعل هدأت شيرين أخيراً بل وباتت تضحك بسعادة بمجرد أن رأت صغيرها بعد أن قربته منها المساعدة. كان يبكي فبكت معه ولكن بكاء الفرح واللهفة. ودت تقبيله وفعلت ثم حاولت التقاط أنفاسها والنوم أو الراحة.
أما المساعدة فألبست المولود السعيد ملابسه التي أتت بها صفية واتجهت للخارج لتناوله لوالده.
توقف فريد لدقيقة ينظر لهذا الصغير الذي يتوسط ذراعي المساعدة وهي تردف مبتسمة:
– ألف مبروك يتربى في عزك.
كان ينظر له بتعجب، بذهول، بشعور ممزوج بالسعادة والغرابة. أتى طفله إلى الدنيا؟ سيصبح أباً.
ابتلع لعابه ورفع نظره يطالعها ثم تساءل مطمئناً قبل أن يتناوله:
– شيرين عاملة إيه؟
أومأت مبتسمة تقول:
– زي الفل، ثواني وهنطلعها على أوضتها.
مد يديه أخيراً يلتقط الصغير ويقف حمزة وريتان على يساره وسالم وصفية على يمينه.
يا إلهي صغير جداً وجميل، بشرته ناعمة كالحرير وشعره أسود غزير، يشله عمه حمزة وربما والده لم يحدد بعد.
زفر براحة ودنى يقبله ثم اقترب من أذنه وأذن له بحنو وصوت هادئ والصغير مستكين وريتان تبتسم باكية بسعادة على ما تراه. الآن تتمنى تلك اللحظة لها. مؤكد شعر بها حمزة من قبل عندما جاء مروان. وتحاول السيطرة عن أي صوت سيء يوسوسها ولكنها حقاً تتمنى أن ترزق بطفل، أن يكون لحبهما ثمرة. تعلم أنه سيفرح إن حدث، تدرك جيداً أنه سيكون أكثر فرحة منها. تنهدت بقوة تدعو الله سراً ثم لا إرادياً وجدت نفسها تتقدم من فريد وتردف بحنو وعاطفة تحتاجها:
– ممكن أشوفه؟
انتبه لها فريد فابتسم ومد يده يناولها لها فتناولته بحرص وهدوء وهى تضحك ودموعها تسقط بسعادة ثم نظرت لحمزة وهى تحمله وكأنها تخبره بأمنيتها فبادلها الابتسامة وهو يومئ لها وكأنه يخبرها أن ما تتمناه سيصبح حقيقة بمشيئة الله.
قبلته بحب ثم اتجهت تناوله لجده الذي تعجب من فعلتها ولكنه تناوله منها بحنو ثم دني يقبله وعاد يطالعها ويردف بترقب:
– عقبالك يا بنتي.
أومأت له مبتسمة وعادت تقف عند حمزة الذي عاد يحتويها والسعادة تغمر الجميع في تلك اللحظة.
بعد حوالي نصف ساعة يجلسون جميعهم في غرفة خاصة وشيرين تستند على الفراش وتحمل صغيرها ويجاورها فريد يحتويها بحب وينظر لأسرته الصغيرة بتأمل وسكون وراحة توغلت إليه.
يتابعه حمزة باهتمام، التفت ينظر لريتان فرآها تحرك أهدابها ببطء ويبدو عليها الإرهاق.
وقف يردف:
– هنمشي إحنا بقى يا فريد، حمد الله على السلامة يا شيرين، يتربى في عزكم.
وقفت ريتان تجاوره وتردف بمثل:
– حمد الله على سلامتك يا شيرين، وألف مبروك يا فريد.
ابتسمت لهما شيرين تردف بهدوء:
– الله يسلمكوا، شكراً يا ريتان.
بينما تحدث فريد بامتنان:
– تسلم يا حمزة والله يبارك فيكي يا ريتان، عقبال عندكم.
ودعت ريتان سالم وصفية وكذلك حمزة وغادرت معه يتمسكان بكفي بعضهما.
نزلا عبر المصعد ومنه إلى الخارج حيث سيارتهما.
استقلاها وقاد حمزة يطالعها بحنو متسائلاً:
– إنتِ لسة منمتيش خالص مش كده؟
نظرت له بحنو وعيون مرهقة وتحدثت:
– عادي يا حبيبي، هنروح دلوقتي وننام، بس بجد فرحتي بالبيبي متتوصفش.
تناول كفها ورفعه لفمه يلثمه ثم تحدث بثقة وعيون ثاقبة:
– أنا واثق في عوض ربنا لينا يا ريتان، وعايزك تطمئني وترتاحي من الناحية دي، أوعي تقلقي أو تخافي من أي حاجة تاني بعد كده، كل حاجة هتبقى تمام.
اقتربت منه ومالت برأسها على كتفه وهي تحتضن ذراعه وتردف بثقة ويقين وعينيها تغلق:
– أنا متأكدة من ده طول ما أنت معايا يا حمزة، وجودك هو الأمان والراحة بالنسبالي.
زفر بقوة والقليل من الراحة بعد كلماتها ثم قبل مقدمة رأسها وبدأ يتحرك متجهاً إلى القصر.
***
صباحاً.
استعد حمزة ليذهب ويقابل الضابط تامر.
التفت يطالع تلك النائمة بعمق بعد أن تسلل بهدوء من جانبها حتى لا يوقظها، فمنذ أن عادا سوياً واستكانت في أحضانه نامت على الفور وبقي هو هذه المرة مستيقظاً يطالعها بشرود. إلى الآن لم يهدأ، ولن يهدأ ما دام هذا الحقير أمامه طليق. كيف برأ نفسه وكيف تمت الإجراءات سراً هكذا؟ ألهذه الدرجة هناك خونة في الأرجاء أم ينوي الانتقام قبل أن يمسك به.
زفر بضيق وتحرك قاصداً الخارج فتململت تنادي بهمس ناعم بعدما شعرت بخطواته برغم هدوءه:
– حمزة! رايح فين بدري كده.
توقف مكانه متأثراً بنبرتها، يلعن ذلك النذل على ما فعله به، لو لم يظهر الآن لكان ينعم معها وبها ولكن ظهوره شتت أفكاره ومشاعره.
ألتفت يطالعها بحب قائلاً بمراوغة:
– صباح الخير يا حبيبتي، أنا هنزل الشركة وإنتِ حاولي تنامي لإنك منمتيش كويس.
ترجلت من الفراش واتجهت تقف أمامه ثم تساءلت باهتمام:
– هتنزل إزاي من غير فطار، وبعدين لسه الساعة سبعة يا حمزة، هتروح دلوقتي تعمل إيه؟
تنهد بضيق، يكره ويختنق من فكرة الكذب وهو يتطلع لعيونها ولكنه يكذب لأجلها.
تحدث بهدوء وتروي وهو يحاوط خصرها بحنين:
– صدقيني صعب عليا أني أسيبك وأنزل، وصعب جداً كمان، بس صدقيني لو مكنش شغل مهم مكنتش هسيبك، وهحاول أرجع بدري.
مالت تستند برأسها على صدره فعانقها بقوة ثم ابتعدت بعد أن نعمت بعناقه تردف بإصرار:
– تمام يا حمزة بس لازم تفطر قبل ما تنزل.
كاد يعترض ولكنها تابعت تكمل بتصميم:
– هتفطر قبل ما تنزل يا حمزة وأنا اللي هفطرك بأيدي.
زفر بإستسلام يومئ، ثم رفع نظره لها وتحدث بخبث وهو يعاود سحبها إليه:
– إذا كان كده بقى يبقى أفطر على طريقتي أنا.
مال يلتهم شفتيها بقبلة متعطشة شغوفة وقلقة أيضاً، تحمل في مشاعرها ما يجول بداخله وكم رحبت هي بها واستقبلتها بترحاب هي وجميع مشاعره تلك ليسرقا من الزمن القليل من الراحة والسكينة.
يتبع…
رواية للقلب أخطاء لا تغتفر الفصل الخامس والعشرون 25 - بقلم اية العربي
وصل حمزة ومراد وفريد إلى الشركة حيث سيعقد الاجتماع خلال خمس دقائق فقط.
أتجهوا على الفور إلى صالة الاجتماعات حيث ينتظرهم المحامي الخاص بالشركة وسكرتيرة مكتب حمزة، وكذلك وكيل الدعاية والإعلان والمدير التنفيذي.
جلس حمزة بضيق، فمنذ أن تركها وهو يشعر بالفراغ يتوغله، ولكن ليحل أمر تلك الشراكة وليعود لها على الفور.
انحنى يميل على المحامي متسائلاً بترقب:
– عرفت حاجة عن وائل القماش ده؟
زفر المحامي بإحباط وتعجب وأردف بهدوء:
– كل اللي قدرت أوصله إنه شاب كان عايش في كندا ولسة نازل مصر قريب.
تعجب حمزة وانتابه القلق وأومأ ينتظر.
أعلنت السكرتيرة عن وصول هذا الشاب، فترقبوا جميعهم ينظرون ناحية باب الدخول.
دلف محاميه وتبعه دخول شاب طويل البنية وآخر متوسط الطول يرتدي نظارة شمسية كبيرة وتغطي وجهه لحية كثيفة تخفي ملامحه.
ألقى المحامي السلام ووقف حمزة ومراد وفريد يرحبون بهم، ولكن بمجرد دخول هذا الغامض توزعت الطاقة السلبية في المكان ولم يدركها سوى حمزة، فهناك اثنان يحفظانك جيدًا ومهما مر العمر لن ينسيا ملامحك، أحدهما شخص أحبك بصدق، والآخر عدو لدود.
تقدم منهم الشاب الأول ومد يده لحمزة مردفاً من خلف نظارته:
– أهلاً يا حمزة بيه، أنا وائل القماش.
رحب به، بينما تقدم الآخر ومد يده يسلم بصمت على حمزة وعينه تطالعه بتعمق من خلف نظارته.
صُدم حمزة يطالعه بذهول لثوانٍ، هيئته مألوفة له، حاول عقله استنكار شكوكه، مؤكدًا: لا، حتى أنه لم يشعر عندما سحب هذا الغامض يده وبدأ يرحب بالآخرين.
عقله يعمل بصخب، هذا الجسد مألوف له، ولكن الشكل؟ حسنًا، اهدأ حمزة ولا تتسرع، يبدو أن بعد ريتان عنك يفقدك صوابك.
جلس وائل والآخر والمحامي في مقابل حمزة، وجلس المحامي على يمينه وبدأ الاجتماع بحديث المحامي قائلاً:
– طبعًا حضراتكم عارفين أن السيدة مها أبو الدهب تنازلت عن أسهمها كلها للأستاذ وائل القماش مقابل مبلغ مالي اتفق عليه الطرفين، يعني حاليًا وائل باشا هو مالك 32% من أسهم الشركة وليه الصلاحية في إدارتها واتخاذ القرارات زيكم بالضبط.
كان حمزة يستمع له وينظر للقلم الذي يعبث به بين يده وهو يشعر بالاختناق، لن يسمح بحدوث هذا، لن يترك غريبًا يتصرف في ما سعوا لبنائه سنوات.
انتهى المحامي فرفع حمزة نظره وتطلع عليه ببرود ظاهري يردف بترقب:
– وعلشان كده جينا نتكلم النهارده، يا ريت الأستاذ وائل يشوف المبلغ اللي يناسبه إيه ويتنازلنا عن الأسهم أو على الأقل الجزء الأكبر منها، لأن معتقدش إن أستاذ وائل هيفهم في إدارة شركة الجواد أكتر من أصحابها الأصليين، يعني لو الأستاذ وائل عايز يستثمر فلوسه صح يبقى الأحسن يشاركنا بجزء قليل ويشارك غيرنا بجزء تاني، وإحنا جاهزين حالًا نتمم البيعة، قلت إيه؟
استمع له وائل بتمعن وهو يطالعه بتركيز من أسفل نظارته، ابتسم بخبث وقد حانت اللحظة، نظر للآخر وتحدث ببرود:
– بس أنا فعلاً تنازلت عنهم لصديقي يا حمزة بيه.
قالها وهو يشير على الآخر الذي ابتسم بخبث وخلع نظارته ببطء مريب يردف بترقب وهو يتطلع على حمزة متشفياً:
– أزيك يا حمزة؟
ذُهل حمزة ولم يستمع لأي حديث بعدها، عندما نظر في عينيه أدركه على الفور قبل أن حتى يسمع صوته، إنه هو؟ يخفي ملامحه وراء تلك اللحية الكثيفة فلم يتعرف عليه في البداية.
تدفق الأدرينالين داخل جسده فجعله يقف منتفضًا يردف بذهول وصدمة:
– ناصف؟
تعجب مراد وفريد وأعادا النظر إلى ذلك الرجل ليتأكدا، بينما أردف ناصف بابتسامة عريضة وتشفى:
– إيه رأيك؟
تفاقم الغضب داخل صدر حمزة، بل أصبح عاصفًا، كيف له أن يأتي ويصبح شريكهم، كيف له أن يعود ويهدد استقرارهم.
اندفع يخطو تجاهه ليمسكه من تلابيبه مردفًا بغضب من بين أسنانه:
– إنت هتستعبط يا واطي؟ إيه اللي رجعك؟ انطق رجعت لييييه؟ المرة دي مافيش حاجة هتخلصك من إيدي، إنت ساااامع، إنت راجع لقضاياك.
رفع ناصف يده ينفض يدي حمزة من عليه بقوة ثم وقف أمامه يردف بمكر وبرود استفزازي:
– واضح كويس قوي شركة الجواد وقعت ليه قبل كده؟ أكيد بسبب الهجوم الغير مبرر من اللي مفروض إنه مديرها، المفروض تتعامل بطريقة أحسن من كده يا حمزة بيه علشان تبقى رجل أعمال ناجح.
كاد يتحرك ولكن منعه حمزة يقبض على تلابيبه مرة أخرى مردفًا بغضب وقد فقد عقله تمامًا وهو يهزه بعنف:
– رايح فين، إنت حالًا هتتنازل عن الأسهم كلها وتغور من مكان ما جيت وإلا هندمك على اللحظة اللي رجلك خطت فيها هنا يا ناصف، كانت غلطة لما سبتك تخرج برا البلد، بس صدقني مش هتفلت المرة دي من إيدي.
طالعه ناصف بابتسامة خبيثة وأردف بينما مراد وفريد يحاولان خلاصه وقد تيقنا أنه ناصف حقًا:
– بأي تهمة يا حمزة؟ هو المحامي مبلغكش ولا إيه؟ يظهر إنك انشغلت في حاجة تانية وبطلت تتابع قضيتي زي الأول، على العموم أنا اتبـ.ـرأت، وأقدر أدخل وأخرج مصر زي ما أنا عايز.
دقق النظر في عين حمزة وتابع متعمدًا بمغزى:
– يعني أنا راجع آخد وناوي أسترد كل اللي كان ليا قبل ما أمشي، فرصة سعيدة.
التفت يغادر بعدما فك قيد حمزة من عليه، فلم يحتمل حمزة ما سمعه فأسرع يلفه إليه ثم باغته بلكمة قوية سقط على أثرها ناصف أرضًا وأنفه تنزف.
لم يكتفِ بهذا بل أراد قـ.ـتـ.ـله حقًا، في تلك اللحظة لو ترك العنان لما بداخله لقتله في الحال، ولكن أسرع مراد وفريد والمحامي يعيقون حركته بصعوبة وصدره يعلو ويهبط بقوة.
ساعده محاميه في الوقوف فتوقف ينظر لحمزة بكره وغضب ثم أشار بسبابته وتحدث بغل:
– هتندم، هتندم على كل اللي عملته زمان ودلوقتي.
غادر بعدها على الفور وتركه يقف متأهبًا، لما عاد هذا الحقير؟ آآآه من تلك الحية التي أعادته إليهما، حققت انتقامها منه، أرسلت إليه أكثر شخص يبغضه – ولكن ماذا يقول؟ تبرأ؟ كيف ذلك؟
اتجه مراد لشقيقه يردف في محاولة منه لتهدئته:
– حمزة اهدى، خلينا نفكر هنعمل إيه.
أومأ عدة مرات وأردف بغضب وتأكيد:
– الكـ.ـلـ.ـب، راجع ينتقم مني، بس لأ مش هسمحله، مستحيل.
اتجه فريد يساند شقيقه من الجهة الأخرى ويردف داعمًا:
– متقلقش يا حمزة، مش هنسمحله يقرب منك ولا من حد يخصك، بس دلوقتي هو شريك رسمي معانا، ونسبته مش قليلة، لازم نلاقي حل بسرعة وإلا ممكن يأذي الشركة.
نظر حمزة لشقيقه بغضب وأردف:
– على جثته، شركة الجواد هتفضل معروفة باسمها النظيف وهتفضل ملك لأولاد الجواد مش هياخدها الـ.ـو*** ده يعمل من وراها صفقاته المشبوهة، أنا لازم ألاقي حل في أسرع وقت، لازم.
سانده شقيقيه بدعم بينما هو أردف بهمس وعقل شارد وهو يفكر فيها:
– ريتان؟
أردف مراد مطمئنًا:
– متقلقش يا حمزة، مستحيل يقدر يقرب منها، كلنا حواليها.
نظر لمراد بعمق وأردف محذرًا:
– أوعوا ريتان تعرف حاجة، ممنوع ريتان تعرف إن الكلب ده رجع تاني.
أردف فريد متسائلاً:
– طيب يا حمزة المهم دلوقتي هنتصرف إزاي، وإزاي اتبـ.ـرأ من القضايا دي بسهولة كده؟
تحدث مؤكدًا:
– لازم أعرف وألاقي حل في أسرع وقت عشان يتقبض عليه، حريته دي خطر على الكل.
تحدث المحامي الذي كان يتابع بصمت بينما غادرت السكرتيرة وباقي الأعضاء:
– حمزة بيه بعتذر منك بس يا ريت كنت بلغتني أراقب قضيته، شكله كده في الفترة اللي اختفى فيها قدم مستندات وأدلة تثبت براءته، واضح إنه خصم مش سهل أبدًا.
طالعه حمزة بصمت وضيق، هذا الحديث يزيدها عليه، عليه أن يعلم كيف تم ذلك وكيف يثبت عكسه في أقرب وقت.
***
في السيارة.
يجلس ناصف في سيارته بعد أن غادر المحامي، يتحدث عبر الهاتف مع مها التي تضحك بصخب بعد أن أخبرها بما حدث بينما هو يتلمـ.ـس أنـ.ـفه متألمًا ويردف بغضب:
– إن ما دفعته ثمن كل دقيقة من عمري هدر مبقاش أنا ناصف.
توقفت مها عن الضحك وتحدثت متشفية لقرب حصولها على انتقامها:
– المهم تفرقهم عن بعض يا ناصف، ده أهم حاجة عندي، أنت وعدتني إنك هتحققلي الطلب ده.
ابتسم ساخرًا، لقد عاد خصيصًا ليحقق هذه الأمنية، لقد غادر فرنسا واتجه إلى كندا كي يزور الأدلة ويأتي بالتي تثبت براءته وفعلها بسهولة بعد دفع مبالغ طائلة، فقد ليعود إليه، فقط لينتقم، ليستردها ويغادر بعدها.
تحدث بضيق:
– هيحصل، كل اللي إنتِ عايزاه هيحصل، بس ابعدي إنت دلوقتي لإن حمزة لو قابلك مش هيرحمك.
شردت بغضب وحقد ثم تحدثت:
– عارفة، علشان كده وافقت على طلبك وبعت الأسهم للي تبعك ده، لأني متأكدة إنك الوحيد هتقدر على حمزة بعد ما كبر وجناحه قوي، وكمان عايزاك تخلي بالك كويس أوي، حمزة ليه صاحب عنده شركة حراسات خاصة كان بيأمني بيهم، أكيد هيلجأله، لازم تكون سابق بخطوة عشان تعرف تحقق اللي انت عايزه.
ابتسم قليلاً ثم تحدث بغموض:
– متقلقيش، أنا راجع المرة دي وعارف كل حاجة، وكل الخطوات مدروسة كويس أوي، المهم إنتِ تبعدي خالص عن الأجواء.
أغلق معها وبدأ يقود متجهًا إلى المكان الذي نوى المكوث فيه، لقد خطط على مدار سنوات لتلك اللحظة وعليه معرفة كل ما سيحاول حمزة فعله، يعلم الآن أن حمزة لن يقف مكتوفًا بل سيسعى ليفتح عليه النيران من جميع الجهات لذلك سيستعد.
شرد يفكر في ما حدث، عندما كان في كندا يتابع أخبار حمزة عبر السوشيال ميديا ويرتب خطة لينتقم ولكن فاجأه القدر بما رآه، زواج حمزة وريتان، ما جعل رغبته في الانتقام تتضاعف مرات ومرات، واللمعت في رأسه الفكرة، فاستطاع أن يحصل على رقم مها وهاتفها وبعد أن أخبرته بما حدث وما كان سيحدث أقنعها بالتنازل لذلك الرجل الذي لم يكن سوى شخص تابع له، باعت أسهمها في شركة الجواد له وهو بدوره تنازل عنها لناصف، حسنًا، لم تعد الأموال تهمه مثل السابق، فعمله مع هؤلاء القوم جعله يجني الكثير والكثير، ولكنه يسعى للانتقام واستردادها مهما كلفه الثمن.
وبالفعل عاد مصر سريعًا وأتم معًا إجراءات البيع وغادرت مها إلى والدتها وعاد هو.
***
بعد ساعة كان حمزة قد غادر وها هو متجهًا إلى شركة الحراسة الخاصة بصديقه فؤاد منذر.
وصل وصف سيارته وترجل يصعد له على الفور بعدما هاتفه.
وصل مكتبه وسمحت له السكرتيرة الخاصة بالمكتب بالمرور.
دلف على الفور وبعد الترحاب به جلس فؤاد يردف بترقب بعد أن لاحظ حالته:
– خير يا حمزة إيه اللي حصل.
زفر باختناق وتحدث:
– الندل اللي اسمه ناصف رجع تاني، رجع وبقى شريك معانا في الشركة.
صُدم فؤاد وصمت لثوانٍ ثم تحدث بعملية:
– ده مجنون ده ولا إيه؟ إزاي ده حصل؟ هو فاكر إنه هيفلت؟ ده مطلوب للعدالة.
أومأ حمزة يردف بغضب واختناق:
– عمل حيلة قـ.ـذ.رة زيه وبرأ نفسه، بس مش هيحصل، حتى لو هـ.ـقـ.ـتـ.ـلـ.ـه.
زفر فؤاد يدرك جيدًا ما يشعر به حمزة وقد فهم ما حدث ثم تحدث بود:
– طيب شوف ناوي على إيه والشركة هنا تحت أمرك، وفورًا يتحرك طقم حراسة من أمهر الشباب اللي عندي يأمنوا القصر والعيلة كلها.
هز حمزة رأسه بشرود وتحدث:
– لا يا فؤاد، أنا بس عايزك توصلني بحد في الداخلية، حد تكون بتثق فيه، لازم أكشفه في أقرب وقت، لازم يتقبض عليه.
أردف فؤاد بتحفز:
– تمام مافيش أي مشكلة، هتكلم مع زميل ليا وأبلغك فورًا.
طالعه حمزة بترجٍ وقال:
– كلمه دلوقتي يا فؤاد، معلش بس مش هرتاح طول ما الكـ.ـلـ.ـب ده حر.
أومأ فؤاد وتناول هاتفه وبالفعل طلب رقم إحدى معارفه والذي لم يكن سوى الرائد تامر الألفي (صديق فؤاد).
أجاب تامر بحماس وهو يمارس عمله في الداخلية كعادته:
– فؤاد باشا؟ عامل إيه؟
أجاب فؤاد بترقب:
– أهلاً يا تامر باشا، أخبارك إيه يا غالي؟
تحدث تامر وهو يتطلع على بعض الأوراق بتركيز:
– كويس جدًا، خير، واضح إن ده اتصال مهم.
تبسم فؤاد قائلاً:
– عايزك في موضوع مهم، بشكل أصح مش أنا اللي عايزك هو حمزة الجواد، صاحب عمري وعنده مشكلة جامدة وحلها عندك.
تنبه تامر ثم تحدث برتابة:
– تمام يا فؤاد، بس النهاردة للأسف عندي شغل مهم، خليني أشوفه بكرة عندك، بس اديني لمحة صغيرة كده عن الموضوع.
زفر فؤاد وهو ينظر لحمزة ثم تحدث:
– واحد كان ممنوع من دخول البلد من كذا سنة بسبب قضايا مخدرات، ودلوقتي هو دخل البلد وبرأ نفسه من القضايا دي وكمان بقى شريك بدل حد تاني في شركة حمزة.
ابتسم تامر بحماس وتحدث:
– حلو قوي قوي الحوار ده، ده جه لقضاة، بكرة الصبح هبقى عندك.
أغلق معه ونظر لحمزة الذي استمع للمكالمة كاملة وهو يحاول تهدئة نفسه ولكن عبثًا، لن يهدأ إلا إذا قبض عليه وزج في السجن إلى ما لا نهاية.
***
مساءً وفي وقت متأخر وبعد مصارعة طاحنة بينه وبين أفكاره قرر العودة إلى ملاذه، فمنذ أن غادر وتركها وهو يشعر بالضيق وبعد أن رأى هذا القذر شعر بالغضب والاختناق، لماذا عاد وبماذا يخطط؟ الآن تمنى لو يعود الزمن للوراء، حينها لم يكن ليقبل بتلك الزوجة الخبيثة أبدًا التي كلفته الكثير، ليته يعود ويصحح جميع أخطاؤه، يعلم ويرى في عينه الانتقام، وليته ينحصر على الأموال، فهذا الحقير وجه له رسالة مباشرة اليوم حينما قال (يعني أنا راجع آخد وناوي أسترد كل اللي كان ليا قبل ما أمشي)، هل ينوي استردادها؟ إذاً ينوي هلاكه، فهو لن يسمح بمس شعرة واحدة منها، لن يسمح وإن كلفه الأمر حياته، هي لم تكن له يومًا، كان تصرف خاطئ مثل تصرفه، فكلاهما مخطئين ولكنهما يستحقان بعضهما، لن يسمح لهذا الخبيث أن يتسلل إليها ولا حتى أن يلمح طيفها، ولن يخبرها بعودته، مؤكدًا سترتعب، لقد أخبرته عن خوفها منه وعن ما فعله معها فكيف سيقف أمامها وينظر لعينيه ويخبرها أن من كانت ترتعب منه أصبح شريكًا له، بعد أن وثقت فيه وأمنته وسلمته نفسها؟ يخبرها أن ناصف قد عاد؟ سيجن، الأفكار تقتله.
ظل طوال اليوم يقود من مكان لآخر وقد تعمد إغلاق هاتفه، لا يقوى على الرد عليها، لولا ضيق الوقت لكان ظل بعيدًا عنها إلى أن تم الإمساك به، ولكن عليه الانتظار.
ها هو يدلف من بوابة القصر بعدما فتح له الحارس البوابة، توقف بسيارته ينادي الحارس الذي انحنى على نافذة السيارة يستمع له بتنبه فقال حمزة:
– من هنا ورايح عينك وسط راسك يا محمد، هنكثف الحراسة اليومين دول وبشكل غير ملحوظ، وأهم حاجة محدش من جوه القصر ياخد باله، وبلغ الباقيين بكده.
أومأ محمد يردف بطاعة:
– حاضر يا حمزة بيه علم وينفذ.
أكمل حمزة قيادته إلى أن توقف أمام باب القصر الداخلي، رآته من كانت تقف في شرفتها تنتظره وتسارع الخوف والقلق الذي يراودها حتى بعد أن طمأنها مراد أن حمزة تراكمت عليه الأعمال قليلاً، ولكن هذا لم يطمئنها، لو كان كذلك لكان هاتفها، ولكن هناك أمر ما يحدث لذلك فهي ستنتظر عودته وتسأله، قضت معظم وقتها الملل بدونه في التحدث مع كاري وصفية وشيرين والوقت الآخر مع مروان في غرفته حتى نام الصغير ونام الجميع وبقيت هي منتظرة عودته بقلب منفطر.
ترجل حمزة من سيارته وأغلقها وصعد الدرجات ثم فتح ودلف القصر ومنه إلى الطابق الثاني على الفور.
دلف جناحه واتجه لغرفة صغيرة ليطمئن عليه، رآه ينام بعمق فتنهد بضيق وقبضة تعتصر صدره خوفًا عليه، تحرك يدنو منه يقبله ثم اعتدل يقف ويعود من حيث دلف ليكمل طريقه في الرواق المؤدي لغرفته.
توقف عند الباب، كيف سينظر لعينيه براحة؟ كيف سيقف أمامها هادئًا يدعي السعادة التي كانت تغمره صباحًا؟ أين تلك السعادة الآن؟
زفر بضيق، ربما هي نائمة، ربما لن تراه، نعم مؤكد نامت مثل الجميع.
لف مقبض الباب وفتحه ودلف، ولكن ما إن حطت قدمه أرض الغرفة حتى رآها تقف أمامه حتى كادت تصطدم به.
تلقائيًا رفع عينه في عينيه يطالعها بتعمق، للحظة وربما لثانية أو لدقيقة نسى أمر ناصف ومها والعالم كله.
رائحتها المثيرة توغل أنفه، عينيه الرمادية المتسائلة تسحره.
وهي تقف تطالعه بصمت، أهذا ما نوت له؟ أولم تقرر الآن أن تعاتبه على تأخيره وعدم مهاتفتها؟ أين تبخر هذا العتاب؟ بمجرد أن رأت ملامحه وعينيه المنهكة تبخرت الأحرف وانتشـ.ـع قلـ.ـبـ.ـها برؤيته، ولكن بتلك الحالة عاد قلبها يتلوى، عينيه تخبرها أن هناك خطبًا ما.
تحدثت بحنو وهي تمد يدها لتتمسك بكفه لتستشعر دفئه قائلة باهتمام واضح:
– حمزة؟ مالك يا حبيبي؟
وعى على حاله، عاد إلى واقعه، في لمح البصر كان يلف عينيه عنها ويردف مبتسمًا بصعوبة:
– سلامتك يا حبيبتي، أنا آسف لقيت شغل كتير جدًا كان متراكم عليا الفترة اللي فاتت فقفلت الفون عشان أعرف أركز بس قولت لمراد يطمنك.
لا هذه ليست الحقيقة، عينيه التي تحاول الابتعاد عن مرمى عينيها تخبرها أنه يخفي شيئًا آخر ولكن لراحته ابتسمت وأردفت بحب وحنو:
– تمام ولا يهمك، أنا بس عايزاك إنت تبلغني لو حصل واتأخرت تاني لأني قلقت جدًا عليك.
لم يحتمل، يديه التي كانت بين يدها قامت بسحبها إليه لتستقر بين ضلوعه يعانقها بقوة، دفن رأسه بين تجويف عنقها يعصرها، يتمنى لو يصبحا جزئًا واحدًا فقط، يحميها ويشكو إليها ألمه بصمت، يطمئنها ويستمد منها القوة، يحبها ويطالبها بأن لا تتوقف عن حبه أبدًا، كان عناقًا به كل شيء وعكسه، حتى أنها باتت تتألم من شدة قبضته فتأوهت فسمعها فلانت قبضته على الفور وكأنه كان في لقاء شرس مع عقله.
رفع رأسه عنها فوجد في عينيها أسئلة كثيرة لذلك تحمحم وابتسم يردف بحب ومراوغة:
– أنا هدخل آخد شاور لأني هلكان جدًا وإنتِ لو سمحتِ بلغي مريم تجهزلنا الأكل.
خطى خطوة واحدة ثم عاد يغمزها ويردف متسائلاً:
– ولا اتعشيتي؟
لانت ملامحها وهزت رأسها تجيب بعشق:
– مستحيل آكل من غيرك.
توقف مكانه يطالعها بتعمق، كثيرة عليه، كل ما تفعله كثيرًا عليه، الآن ندم على تأخيره، ليته يستطيع مساواتها أو زيادة، ليته يستطيع أن يغرقها هو بكل ما يسعدها، زفر وعاد يحتوي وجهها بين راحتيه ثم مال يطبع قبلة حب وشغف وقلق وغضب على شفتيها التي استقبلتها بسعادة برغم تعجبها من حدته بعض الشيء ولكنه عاد يتمهل ثم ابتعد مرغمًا يردف وهو يستند على جبهتها:
– ثواني وراجعلك.
***
في الثالثة صباحًا.
تستند ريتان على ظهر الفراش وخلفها وسادة ناعمة، مستيقظة تداعب خصلات هذا الذي تحتل رأسه صدرها، بين الحين والآخر تدنو تقبل مقدمة رأسه ثم تتنهد وطوال هذا الوقت الذي مر منذ حوالي ساعة وهي على هذا الحال، تفكر فيه، لم يخبرها بما به عندما سألته للمرة الثانية أثناء تناولهما الطعام الذي لم يذق منه سوى القليل.
احترمت رغبته في عدم الحديث الآن بل وعلى يقين أن ما يخفيه لن يروق لها لذلك أخفاه.
ولكن ما جعلها مستيقظة إلى الآن هو تعجبها من أمره، بدا لها وكأنه يتهرب بالنوم منها، لذلك تمدد بجوارها وعانقها بقوة لدقائق ثم انسحب هو بعدها لتصبح هي المسيطرة في عناقه.
فقد وضع رأسه على صدرها ولف ذراعيه حولها ثم تنهد بقوة ونام بعدها ومنذ تلك اللحظة وللآن وهى على الحالة التي ثبتها عليها.
كانت شاردة في أفكارها وكل ما تؤدي إليها سبل أفكارها أن مها عبثت بما أزعجه، لم ولن يخطر على عقلها شيئًا آخر سوى مها والشركة وهذا جيد.
وبسبب شرودها وتعمق أفكارها انتفضت تنطق بالبسملة على صدى صراخ قوي يأتي من الخارج.
مما جعله هو الآخر يستيقظ منتفضًا مرددًا اسمها وهو يتفحص كل شيء بها متسائلاً بنعاس ولهفة:
– مالك، مالك في إيه؟
هدأته تملس على وجهه مردفة بتروي:
– اهدى يا حبيبي أنا كويسة، دي يظهر شيرين.
زفر بقوة يطلق سراح أنفاسه التي انحبست بخوف فقد كان يرى كابوسًا مزعجًا لهذا المختل.
عاد الصراخ مرة أخرى ليعتدل ويترجل من فراشه وكذلك هي التي شعرت بالقلق قائلة:
– شكلها بتولد يا حمزة، تعالى بسرعة نشوف فيه إيه.
أومأ لها وارتديا ثوبًا مناسبًا لهما وتوجها للخارج حيث جناح فريد الذي كان يحاول تهدأتها ولكنها تزداد تألمًا.
لم يدلف حمزة احترامًا لما لم يكن في الحسبان بل وقف خارج غرفة شقيقه ودلفت ريتان بعد أن فتح لها فريد تردف بتوتر وهي ترى حالتها:
– خلينا ناخدها على المستشفى يا فريد دي أكيد ولادة.
وكأن جملتها أطلقت سراحه فأومأ وانحنى مسرعًا يحملها بينما أوقفته ريتان تردف بجسد مرتعش من صرخات شيرين:
– استنى لما أبدلها هدومها بأي حاجة مناسبة.
وبالفعل شرعت في ذلك بينما كانا مراد وكاري استيقظا أيضًا وكذلك صفية وسالم على صوت الصراخ.
بعد دقائق كانا حمزة يجلس في سيارته خلف المقود بينما فريد يحمل شيرين ويدلف بها سيارة شقيقه وريتان تجاور حمزة وانطلق بعدها على الفور إلى أقرب مشفى.
لحقا بهم سالم وصفية في سيارته بينما ظلا فريد وكاري في القصر لأجل الصغار.
بعد فترة وجيزة توقف حمزة أمام إحدى المستشفيات الخاصة بينما أسرع فريد يترجل ويتجه للجهة الأخرى حاملاً زوجته وحبه الحقيقي بقلق ولهفة ثم اندفع بها داخل المشفى يتحدث بنبرة صارخة مترجية مرددًا:
– ساعدوووها بسرعة بتووولد.
كان في أقصى درجات خوفه، فمنذ أن استيقظ على صراخها وأعصابه تائهة منه، جسده يرتعش من شدة خوفه عليها، فمنذ أيام وهي تعاني وهو شاهدًا على آلامها، لذلك يريدها أن ترتاح ويريد أن يطمئن.
أسرعت الممرضات يساعدونه وبالفعل أدخلوها غرفة الفحص وكان هناك طبيب مختص أتى وأكد أنها ولادة لذلك أردف ما أرعب شيرين وجعل طلقها يزداد وصراخها يعلو:
– جهزوها بسرعة، هتولد حالًا.
كان حمزة يقف خارجًا يحتوي ريتان التي ترتعش أيضًا من مظهر شيرين، بينما دلف سالم ومعه صفية يتجهان إليهما ويتساءلان فأخبرهما حمزة أنها ستلد الآن.
أما في الداخل فأسرعت الممرضات يجهززن شيرين بالفعل ليأخذوها إلى غرفة الولادة الطبيعية.
يقف فريد يتمسك بيدها ويحاول تهدأتها وحالته أبعد ما يكون عن الهدوء فقط يحاول ولكن تزداد صرخاتها ويتعرق وجهها حتى أصبحت كمن خرجت من تحت الماء توًا.
بعد دقائق دلفت شيرين غرفة الولادة ومُنع فريد بصعوبة من الدخول معها بعدما فشل الأطباء في منعه ونجح حمزة في ذلك وها هو يقف على أعتاب الغرفة هي تصرخ وهو يهتز بقوة لم يعد يحتمل آلامها التي تعتصر قلبه وتلوى أحشاءه.
بعد حوالي ربع ساعة من المعاناة والصراخ أخيرًا استمعوا إلى بكاء صغير يأتي لتتوقف والدته عن الصراخ أخيرًا معلنًا عن وصوله وكأنه يقول (كفى أمي توقفي عن الألم لقد أتيتُ).
وبالفعل هدأت شيرين أخيرًا بل وباتت تضحك بسعادة بمجرد أن رأت صغيرها بعد أن قربته منها المساعدة، كان يبكي فبكت معه ولكن بكاء الفرح واللهفة، ودت تقبيله وفعلت ثم حاولت التقاط أنفاسها والنوم أو الراحة.
أما المساعدة فألبست المولود السعيد ملابسه التي أتت بها صفية واتجهت للخارج لتناوله لوالده.
توقف فريد لدقيقة ينظر لهذا الصغير الذي يتوسط ذراعي المساعدة وهي تردف مبتسمة:
– ألف مبروك يتربى في عزك.
كان ينظر له بتعجب، بذهول، بشعور ممزوج بالسعادة والغرابة، أتى طفله إلى الدنيا؟ سيصبح أبًا.
ابتلع لعابه ورفع نظره يطالعها ثم تساءل مطمئنًا قبل أن يتناوله:
– شيرين عاملة إيه؟
أومأت مبتسمة تقول:
– زي الفل، ثواني وهنطلعها على أوضتها.
مد يديه أخيرًا يلتقط الصغير ويقف حمزة وريتان على يساره وسالم وصفية على يمينه.
يا إلهي صغير جدًا وجميل، بشرته ناعمة كالحرير وشعره أسود غزير، يشله عمه حمزة وربما والده لم يحدد بعد.
زفر براحة ودنى يقبله ثم اقترب من أذنه وأمال له بحنو وصوت هادئ والصغير مستكين وريتان تبتسم باكية بسعادة على ما تراه، الآن تتمنى تلك اللحظة لها.
مؤكد شعر بها حمزة من قبل عندما جاء مروان، وتحاول السيطرة عن أي صوت سيء يوسوسها ولكنها حقًا تتمنى أن ترزق بطفل، أن يكون لحبهما ثمرة، تعلم أنه سيفرح إن حدث، تدرك جيدًا أنه سيكون أكثر فرحة منها، تنهدت بقوة تدعو الله سرًا ثم لا إراديًا وجدت نفسها تتقدم من فريد وتردف بحنو وعاطفة تحتاجها:
– ممكن أشوفه؟
انتبه لها فريد فابتسم ومد يده يناوله لها فتناولته بحرص وهدوء وهي تضحك ودموعها تسقط بسعادة ثم نظرت لحمزة وهي تحمله وكأنها تخبره بأمنيتها فبادلها الابتسامة وهو يومئ لها وكأنه يخبرها أن ما تتمناه سيصبح حقيقة بمشيئة الله.
قبلته بحب ثم اتجهت تناوله لجده الذي تعجب من فعلتها ولكنه تناوله منها بحنو ثم دنا يقبله وعاد يطالعها ويردف بترقب:
– عقبالك يا بنتي.
أومأت له مبتسمة وعادت تقف عند حمزة الذي عاد يحتويها والسعادة تغمر الجميع في تلك اللحظة.
بعد حوالي نصف ساعة يجلسون جميعهم في غرفة خاصة وشيرين تستند على الفراش وتحمل صغيرها ويجاورها فريد يحتويها بحب وينظر لأسرتهم الصغيرة بتأمل وسكون وراحة توغلت إليه.
يتابعه حمزة باهتمام، التفت ينظر لريتان فرآها تحرك أهدابها ببطء ويبدو عليها الإرهاق.
وقف يردف:
– هنمشي إحنا بقى يا فريد، حمد الله على السلامة يا شيرين، يتربى في عزكوا.
وقفت ريتان تجاوره وتردف بمثل:
– حمد الله على سلامتك يا شيرين، وألف مبروك يا فريد.
ابتسمت لهما شيرين تردف بهدوء:
– الله يسلمكوا، شكرًا يا ريتان.
بينما تحدث فريد بامتنان:
– تسلم يا حمزة والله يبارك فيكي يا ريتان، عقبال عندكوا.
ودعت ريتان سالم وصفية وكذلك حمزة وغادرت معه يتمسكان بكفي بعضهما.
نزلا عبر المصعد ومنه إلى الخارج حيث سيارتهما.
استقلاها وقاد حمزة يطالعها بحنو متسائلاً:
– إنتِ لسة منمتيش خالص مش كده؟
نظرت له بحنو وعيون مرهقة وتحدثت:
– عادي يا حبيبي، هنروح دلوقتي وننام، بس بجد فرحتي بالبيبي متتوصفش.
تناول كفها ورفعه لفمه يلثمه ثم تحدث بثقة وعيون ثاقبة:
– أنا واثق في عوض ربنا لينا يا ريتان، وعايزك تطمنيني وترتاحي من الناحية دي، أوعي تقلقي أو تخافي من أي حاجة تاني بعد كده، كل حاجة هتبقى تمام.
اقتربت منه ومالت برأسها على كتفه وهي تحتضن ذراعه وتردف بثقة ويقين وعينيها تغلق:
– أنا متأكدة من ده طول ما إنت معايا يا حمزة، وجودك هو الأمان والراحة بالنسبة لي.
زفر بقوة والقليل من الراحة بعد كلماتها ثم قبل مقدمة رأسها وبدأ يتحرك متجهًا إلى القصر.
***
صباحًا.
استعد حمزة ليذهب ويقابل الضابط تامر.
التفت يطالع تلك النائمة بعمق بعد أن تسلل بهدوء من جانبها حتى لا يوقظها، فمنذ أن عادا سوياً واستكانت في أحضانه نامت على الفور وبقي هو هذه المرة مستيقظًا يطالعها بشرود، إلى الآن لم يهدأ، ولن يهدأ ما دام هذا الحقير أمامه طليقًا، كيف برأ نفسه وكيف تمت الإجراءات سرًا هكذا؟ ألهذه الدرجة هناك خونة في الأرجاء أم ينوي الانتقام قبل أن يمسك به.
زفر بضيق وتحرك قاصدًا الخارج فتململت تنادي بهمس ناعم بعدما شعرت بخطواته برغم هدوئه:
– حمزة! رايح فين بدري كده.
توقف مكانه متأثرًا بنبرتها، يلعن ذلك النذل على ما فعله به، لو لم يظهر الآن لكان ينعم معها وبها ولكن ظهوره شتت أفكاره ومشاعره.
التفت يطالعها بحب قائلاً بمراوغة:
– صباح الخير يا حبيبتي، أنا هنزل الشركة وإنتِ حاولي تنامي لإنك منمتيش كويس.
ترجلت من الفراش واتجهت تقف أمامه ثم تساءلت باهتمام:
– هتنزل إزاي من غير فطار، وبعدين لسة الساعة سبعة يا حمزة، هتروح دلوقتي تعمل إيه؟
تنهد بضيق، يكره ويختنق من فكرة الكذب وهو يتطلع لعينيه ولكنـ.ـه يكذب لأجلها.
تحدث بهدوء وتروي وهو يحاوط خصرها بحنين:
– صدقيني صعب عليا إني أسيبك وأنزل، وصعب جدًا كمان، بس صدقيني لو مكنش شغل مهم مكنتش هسيبك، وهحاول أرجع بدري.
مالت تستند برأسها على صدره فعانقها بقوة ثم ابتعدت بعد أن نَعِمَت بعناقه تردف بإصرار:
– تمام يا حمزة بس لازم تفطر قبل ما تنزل.
كاد يعترض ولكنها تابعت تكمل بتصميم:
– هتفطر قبل ما تنزل يا حمزة وأنا اللي هفطرك بأيدي.
زفر بإستسلام يومئ، ثم رفع نظره لها وتحدث بخبث وهو يعاود سحبها إليه:
– إذا كان كده بقى يبقى أفطر على طريقتي أنا.
مال يلتهم شفتيها بقبلة متعطشة شغوفة وقلقة أيضاً، تحمل في مشاعرها ما يجول بداخله وكم رحبت هي بها واستقبلتها بترحاب هي وجميع مشاعره تلك ليسرقا من الزمن القليل من الراحة والسكينة.
يتبع…
رواية للقلب أخطاء لا تغتفر الفصل السادس والعشرون 26 - بقلم اية العربي
ها هما يقفان أمام مرآة الزينة بعد أن إنتهت جولة عشقهما يرتديا مأزرين ويعانقها حمزة ناظراً لإنعكاس صورتها في المرآة متحدثاً بحب بعد أن أنسته تلك الجميلة قلقه ولو قليلاً:
– ينفع اللى بتعمليه فيا ده؟،، فاضل ساعة واحدة بس على معادي ومش قادر أتحرك.
إبتسمت بحب وأستمتاع،، تلك المشاعر الجديدة في إحتواءه عادت تتوغلها،، نظرت له في المرآة بترقب مستفهمة وهى تضع كفيها على يده الموضوعة حول خصرها:
– طيب كنت هتروح بدرى تلت ساعات تعمل إيه بقى؟،، حمزة بجد طمنى!
لفت لتقابله وما زالت يداه تحتفظ بها ثم تمعنت في عينه متسائلة بتوتر:
– هي مها عملت حاجة ضايقتك؟،، بخصوص مروان أو الشركة؟
حبس أنفاسه قليلاً،، ودّ لو أخبرها عن الحقيقة،، ودّ لو شاركها،، ولكنه يعلمها جيداً،، هى من تلك النوع الذي لا يستطيع الجمع بين القلق وأظهار الراحة في آنٍ واحد،، إن علمت بظهور ناصف وعودته وخصوصاً برغبته في الانتقام لن ترتاح أبداً،، زفر بقوة وتابع مطمئناً:
– متقلقيش من ناحية مروان،،، هي إتنازلت عن حضانته لإنها متأكدة إن دي قضية خسرانة،، الكل عارف إنه آخر همها،،، وبالنسبة للشركة هي باعت الأسهم لواحد غريب،، إسمه وائل القماش ولسة معرفش عنه تفاصيل،، ويمكن ده اللى موترني شوية،،، لإن مها لازم كانت هتعمل حاجة بعد اللى إتنشر في الصحافة،،، بس متقلقيش أنا مش هسمحلهم أبداً يفرقوا بينا مهما حصل،، بس معلش اتحمليني اليومين دول لما أحاول أسترد الأسهم دي وصدقيني بعدها هاخدك ونسافر مكان حلو نغير جو،، تمام يا قلبي.
قال الأخيرة وهو يقرص وجنتها كفطلة صغيرة فأومأت بإقتناع تدثر نفسها بين ضلوعه وهو يعانقها بقوة ثم إبتعدت قليلاً تردف بنعومة:
– طيب ممكن بعد إذنك أروح أشوف ماما وبابا النهاردة؟
إبتلع لعابه وعاد التوتر يتوغله،، بالطبع لن يتركها تغادر القصر في هذا الوضع،، كيف يخاطر وهو يعلم بمدى حقارة ودناءة ناصف،، ماذا إن حاول الوصول إليها.
زفر وأردف بتروي:
– معلش يا ريتان مش هينفع دلوقتى،، لو ممكن هما ييجوا ينورونا هنا ويقعدوا معاكى زي ما تحبي.
تعجبت من رفضه الذي لم تتوقعه،، نظرت له لثوانى ثم تحدثت بتروى:
– مش هيوافقوا ييجوا هنا يا حمزة دلوقتى،، الأحسن أن أنا اللى أروحلهم لأنهم هيتحرجوا.
حاوط وجهها بكفيه ثم مال يقبلها قبلة سريعة وابتعد قائلاً:
– مع إنهم مرحب بيهم في أي وقت بس خلاص أوعدك في أقرب وقت نروح أنا وأنتِ سوا،، وبعدين بصراحة أنا مبقتش أتحمل تبعدي عني.
تنهدت بقوة ثم أومأت مبتسمة وقد شعرت بغرابة الوضع قليلاً ولكنها لم ترد تأخيره عن عمله لذلك تحدثت قائلة:
– تمام يا حبيبي،، بس متنساش إن بعد أسبوعين الدراسة هتبدأ والمفروض أنى هبدأ شغل،، بس يالا بدل هدومك علشان متتأخرش على معادك.
تنهد يومئ لها ثم إبتعد يبدل ثوبه وشرد يفكر،، لقد نسي أمر وظيفتها تماماً،، حسناً سيبدو لها أناني قليلاً ولكنه يعلم جيداً أن بمجرد خروجها من هذا القصر يمكن أن ترى هذا الحقير ويمكن أن تتعرض للأذى لذلك هو مجبر لتقييد حريتها قليلاً وحمايتها بنفسه تلك الفترة هي وإبنه إلى أن يتم القبض على ناصف.
بعد أكثر ساعة في شركة الحراسة الخاصة ب فؤاد منذر
يجلس حمزة وأمامه يجلس الضابط تامر يستمع له بتمعن إلى أن أنتهى من سرد كل ما لديه بخصوص ناصف سواء في الماضي أو الحاضر.
زفر تامر وصمت قليلاً ثم تحدث بعملية وثبات:
– دلوقتى لو إستدعيناه للتحقيق مافيش ضده أي حاجة ولا سبب،، وللأسف الفيديو اللى معاك من سبع سنين وجودة التصوير وعدم أذن نيابة للفيديو أو للتنصت على مكتبه خلته يشكك فيهم ويثبت براءته.
رجع يفرد ظهره على المقعد ثم تابع وهو يطالع حمزة:
– هو ذكي جداً،، عارف كويس أن القانون مش بيعترف غير بالأدلة الملموسة،، يعنى حتى لو إحنا عارفين إن شغله مشبوه ده مش كفاية أننا نسجنه،، يا إما يتقبض عليه متلبث وطبعاً أستحالة يعمل حاجه زي دي دلوقتى.
إستمع إليه حمزة بضيق واختناق ثم تحدث بانزعاج:
– يعنى ايه؟،، يعنى كدة مش هنعرف نثبت عليه حاجة؟،، يعنى أسيبله شركتنا يعمل صفقاته القذرة بإسمنا؟،، ولا أسيبه يهدد أستقرار عيلتى واقف اتفرج؟
تحدث فؤاد ليمتص غضب حمزة قائلاً:
– يا تامر إحنا عايزين حل مش تعقيد،، لازم نفكر في حل،، لو على العيلة مش هيقدر يقرب لحد فيهم أوعدك يا حمزة،، بس أصلاً ده واحد خارج عن القانون ومكانه السجن ولازم يتعاقب.
شرد تامر قليلاً ثم تحدث:
– انا ممكن أجبلك أذن تسجيل إعتراف منه ليك،، بس هتقدر تخليه يعترف بسهولة كدة من غير ما يحس بحاجة؟،، تفتكر شخص زي ناصف هيعترف بكل حاجة عملها قدامك مرة تانية؟
ضيق حمزة عينه وهو يعتصر فكه بيده يفكر،،، هذا صعب إن لم يكن مستحيل،،، فهذا الخبيث لن يعترف بشئ أبداً ولكن ليجرب،، ربما نجح؟،، ليس أمامه حلاً آخر.
نظر لتامر وتحدث قائلاً:
– تمام،، هحاول،، لازم أحاول.
أومأ تامر بتأكيد ثم تذكر أمراً ما قائلاً:
– وفيه حل تانى بس هيبقى خطر عليك.
تنبهت حواسه مردفاً يلهفة:
– إيه هو؟
نظر تامر لفؤاد ثم عاد لحمزة قائلاً:
– أنك تسافر فرنسا تدور وراه وتعرف تجيب دليل على شغله هناك،، بس وقتها هتفتح عين المافيا الفرنسية عليك إنت،، متنساش أنك كنت شريك شوقي أبو الدهب اللى ليهم عنده دين لسة لحد دلوقتى مندفعش حتى لو مات هما مش بيسيبوا حقوقهم،، يعنى ده خطر عليك جداً وللأسف ده خارج حدود حمايتنا،، بس من واجبي أبلغك.
زفر يفكر بشرود،، لا يهمه نفسه ولكن كيف سيسافر ويترك ريتان ومروان؟،، لااا مستحيل،،، فليجد أحدهم حلاً آخر.
وقف حمزة ومد يده يُسلم على تامر شاكراً وكذلك فؤاد الذي لاحظ ملامحه اليائسة ولكنه تنهد وقال:
– على فكرة يا حمزة،، لازم أعرفك إنى بعت حد تبعي يراقب ناصف بعد ما بلغتنى بس للأسف مالوش أثر،،، لازم تاخد بالك كويس الفترة الجاية،، وإطمن الحراسة هتأمنك كويس إنت والعيلة.
عاد تامر يخبره ليخفف عن عاتقه:
– أطمن يا حمزة،، في أقرب وقت هجبلك أذن التسجيل ووقتها تحاول توصله وتتكلم معاه يمكن تعرف تستفزه ويقول اللى عنده.
زفر بضيق وأومأ بصمت وغادر بعدها ليذهب للشركة وليلتقي بشقيقيه فعليهم أن ينتبهوا جميعاً لأعمالهم تلك الفترة وأن يتحدوا ليصدوا أي فعل من هذا الخبيث.
في اليوم التالى
في غرفة ريتان.
وبعد أن إطمأنت على والدتها ووالدها عبر أتصال هاتفي ككل ليلة ووعدتهما بزيارةٍ قريبة.
شردت تفكر في أمر حمزة وخصوصاً في حالته أمس عندما عاد،، يبدو أن الأمور معقدة اكثر من اللازم،،، تعلمه جيداً أكثر من معرفتها لنفسها،، عيناه التى أسرتها تلمح فيهما نظرة قلق وخوفٌ يحاول أخفاؤهما عنها ولا تعلم مصادرها مهما سألته ليته يريحها ويخبرها ما به لتشاركه وجعه الذي يجاهد لإخفاؤه،، أولم يعلم أنها تتألم إن رأت ألمه؟ أولم يعلم أنها لا تستطيع أن تطمئن إلا براحته؟
لذلك قررت أن تجعل الليلة مختلفة ليرتاح قليلاً وليسعد.
نزلت للأسفل بحذر واتجهت للمطبخ فقابلتها العاملة بود وترحاب.
إبتسمت لها واتجهت تبحث عن ما تريده في المبرد ووجدته وكان عبارة عن تشكيلة من المأكولات البحرية المنظفة مسبقاً ومفرزة.
تناولتها وأردفت بود وترقب:
– داليا ممكن لو سمحتِ تعرفيني مكان بهارات الأسماك،،، عايزة أطبخ لحمزة أكلة مميزة النهاردة.
إبتسمت لها داليا وأردفت بسعادة:
– حاضر يا ست هانم على را سي،، حمزة بيه هيفرح أوى.
إبتسمت لها وبدأت تحضر طعامها وداليا تساعدها إلا أن إنتهت بعد فترة ونظرت في ساعة هاتفها فوجدتها تقترب على موعد حضوره لذلك تنهدت ونظرت لداليا تردف برجاء:
– داليا معلش أنا هطلع أجهز قبل ما حمزة ييجي،،، ممكن تصبي الأكل في الأطباق دى وتجيبيهولي؟
أشارت داليا بسبابتها على عينيها تردف بحب:
– من العين دي قبل العين دي يا ست هانم،، اطلعى إنتِ إجهزى وأنا هجبهولك متقلقيش.
أومأت وصعدت لجناحها ثم اتجهت لغرفة مروان الذى كان يلعب مع بيري إبنه عمه وانحنت تطبع قبلة على وجنته بحنو وكذلك الصغيرة ثم اعتدلت تردف بترقب:
– بتلعبوا إيه يا مارو؟
أجاب مروان بحماس وسعادة:
– بنلعب تحدي سباق،،، وأنا كسبت بيري مرتين.
أنحنت على إذنه تردف بهمس وترقب:
– خد بالك يا مارو أن دى بنوتة ولازم إنت تخليها تكسب مرة،،، يعنى سهلها عليها شوية يا بطل لإن اللعبة دي إنت عارفها إنما هى لاء.
نظر لها بترقب فأومأت له تغمزه بعينيها فعاد يردف لبيري بحماس:
– خلاص يا بيري هنلعب دور تانى وهعلمك تعملى إيه.
صفقت الطفلة بيديها بحماس واندمجا الإثنين في لعبتها وتحركت هي إلي غرفتها وأغلقت خلفها واتجهت إلى غرفة الملابس تبحث عن زي يلائم تلك الليلة المميزة التى ستسعى فيها إلى معرفة ما به وما يخفيه عنها.
أخرجت فستان نومٍ قصير لونه كسماءٍ مشبحة بالغيوم من قماش الحرير الناعم ذو أكمام شفافة وقصة صدر وظهـر واسعة.
تنهدت تتحلى بالجرأة فهى تعلمه جيداً وتعلم شغفه بها وتتخيل ما يمكن أن يفعله عندما يراها بهذا الزي،، فمنذ زواجها وقد رأت منه ما لم تكن تتخيله على الإطلاق هذا إلى جانب حبه وحنانه.
إتجهت إلى الحمام لتغتسل،،، خرجت بعد دقائق ترتدى مأزر الإستحمام ثم إتجهت إلى مرآة الزينة تجفف خصلاتها بالمجفف الكهربائي وبدأت تتزين ببساطة وتتعطر برائحة الحب ثم إتجهت تفتح الباب لداليا التى أحضرت صينية الطعام.
تناولتها منها وأغلقت الباب ووضعتها على المنضدة وأتجهت تحضر من إحدى الأدراج شموعاً عطرية أحضرتها معها منذ أن أتت وكيساً ورقياً يحتوى على ورودٍ حمراءٍ عطرية مجففة نثرت منها القليل في أماكن متفرقة ووضعت الشموع في أماكنها وأشعلتهم وأغلقت الأنوار إلا نوراً رومانسياً يتلألأ وسط الشموع ليجعلها ليلةٍ ساحرةٍ مميزة.
إتجهت للمشغل الصوتى وقامت بتشغيل موسيقى رومانسية حالمة وهى على يقين أنه الآن يدلف القصر فباتت تشعر بقربه وبمجيئه دون أن تراه.
وبالفعل دقائق وصعد حمزة يتجه لغرفة صغيره ليطمئن عليه فوجد والدته تجلس مع الصغيرين بإندماج فرحب بها وقبل صغيره بحب وكذلك أبنة شقيقه الغالية ثم إعتدل يردف وهو يبحث بعينيه متلهفاً لرؤيتها:
– أومال فين ريتان؟
أردفت صفية بحنو بعدما أدركت ما تنوى ريتان فعله عندما رأتها تحضر الطعام في المطبخ:
– في أوضتها يا حبيبى،،، أنا هاخد الأولاد وأنزل وإنت أدخل أطمن عليها.
أومأ لوالدته بهدوء وبالفعل أخذت الصغيرين وغادرت للأسفل وتنهد هو بشرود،،، عليه أن يضمن حمايتهم جميعاً،،، ليجد حلاً في أسرع وقتٍ،،، يعلم أنها تحاول معرفة ما به منذ أيام ولكن كيف يخبرها بما يشغله بعدما اخبرته هي بمخاوفها منه.
زفر وخطى بإتجاه غرفته ليراها ويطمئن ويُشبع عينه برؤيتها.
إستمع إلى صوت موسيقى هادئة آتية من داخل غرفته فتعالت وتيرة أنفاسه بترقب،، لف مقبض الباب وفتحه يخطى للداخل بحذر بعد أن أشتم ورأى ما جعله يُخلع همومه وأفكاره ومخاوفه على حافة الباب قبل أن يدلف.
دلف وأغلق خلفه يطالعها بذهول وسحر وهي تقف مربعة ذراعيها تنتظره وتبتسم إبتسامة جعلت قلبه متضخماً بالعشق،،، سرت الرعشة في أوردته وباتت أنفاسه مقيدة،،، حرم منها لسنوات وحرم من الحب معها وأتت لترمم جروحه وتشفى قلبه المتألم.
أبتسم لها فتقدمت منه حتى وقفت أمامه تتطلع عليه بحب وعيون عاشقة حنونة مردفة وهى تتمسك بيديه التى ارتـعشت من لمستها:
– قولت أعملك مفاجأة،،، يارب تكون عجبتك!
هل تسأله؟،،، هل تختبر قوة تحمله؟،،، لقد ظن أنه لن يرى السعادة أبداً لذلك إلتقط أنفاسه بصعوبة وأردف بتيْم وصدق:
– ولا أجمل من كدة.
تناول كفيها التى تتمسك به ورفعهما يلثمهما بحب وتمهل ثم إبتعد قليلاً يطالع هيأتها التى حبست أنفاسه وجعلته ينظر لها بعيون معذبة راغبة ثم تنهد بقوة وأردف بتأثر بكل ما فيها:
– كل ده علشانى؟
إبتسمت له تومئ بصمت ثم تركت يديه تردف بترقب:
– يالا أدخل بدل هدومك وألبس الروب اللى أنا جهزتهولك جوة وتعالى علشان عملالك الأكل اللى إنت بتحبه.
نظر جانباً حيث صينية الطعام ثم عاد لعيـنيها يبتسم ويردف بحب:
– تمام،،، دقايق وراجعلك علطول.
خطى متعجلاً إلى الحمام ليعود إليها مسرعاً بينما هى تقف تنتظره بجسد مرتـعش نسباً لإنخفاض درجة الحرارة خصوصاً التى ظهرت بعد أن إبتعد عنها فقربه بالنسبة لها كمدفئةٍ أشتعلت بعد ليالِ بردٍ قارصة.
عاد بعد دقائق يرتدى ما أحضرته له والذى لم يكن سوا مأزر حريري رجالى يغلق رباطه بعقدة هاوية ويتقدم منها حيث كانت تنتظره وتتطلع عليه بإعجاب وعيون عاشقة ومشاعر مبعثرة نسبةً لهيأته التى قيدت أنفاسها وعقدت معدتها بشعورٍ ممتـع.
تقدم منها حتى وقف أمامها يردف بخبث ومرح بعدما لاحظ نظراتها عليه:
– أنتِ بتفكري في الحاجات دي بردو؟
إبتسمت بخجل وأومأت بصمت وهى ترفع حاجبيها بإستمتاع فتابع ليضحكها:
– وأنا اللى فاكرك مؤدبة.
ضحكت برقة ونعومة ومالت برأسها عليه تلكمه بخفة في صدره فإبتسم ومد يده يسحبها إلى صدره ويضمها بحب فلاحظ برودة جـسدها فأبعدها يطالعها ويردف بحنو وتساؤل:
– أنت بردان يا حبيبي؟
أومأت بدلال فعاد يعتـصرها ويضمها بقوة حنونة ويدفئها بعشقه مردفاً بمكر:
– بردان وحبيبك موجود؟،،، ده كلام،،، تعالى وأنا هدفيك حالاً.
سحبها برفق وصـدره يعصف به قاصداً فراشهما فأوقفته في منتصف طريقهما تردف بأعتراض:
– لاء يا حمزة هناكل الأول.
هز رأسه يردف بتصميم ورغـبة مُلحة وتلهف:
– لا هدفيك الأول يا غالى،،، مهينزلش الأكل في معدتى بنفس غير لما أدفيك.
إستسلمت لرغـبته الجامـحة بها وضحكت بنعومة فتوقف بها أمام فراشهما يطالعها بسحر ثم رفع يده يـملسها على ملامحها بعشق فأغلقت عينيها بإستمتاع إثر لمـستها وباتت تنحنى بوجهها على يده كقطةٍ ناعمة فزادت من نبضاته التى تلكم صدره بقوة رغـبةً بها.
أتجهت يده إلى خصلاتها يعبث بها ويطالع ملامحها بتأثر وحب ثم إنحنى على شفـتيها يلتقطهما في قُـبلة شغوفة متمهلة عاشقة مستكشفة أخذتهما إلى رحلةٍ بعيدة عبر الزمن وأفقدتهما ذاكرة المكان والزمان والأشخاص ولم يعودا للواقع إلا بعد وقتٍ طويل وهو يتمدد على الفراش ويعانقها بحب وحنو ويدثرها بالغطاء جيداً ثم دنى يقبل جبـينها بمتعة وسعادة وكمال وتنهيدة قوية دالة على راحته ويردف متسائلاً بخبث:
– دفيت يا غالى ولا تحب أدفيك تانى؟
ضحكت تدفن رأسها في عنـقه مردفة بأنفاس سـاخنة وإستمتاع وعشق يتضخم:
– يعنى إيه برد أصلاً يا حبيبي؟
أرتعش من أنـفاسها اللافحة لرقـبته وأردف محذراً قبل أن يدخل في نوبة عشقٍ أخرى:
– طب قومى يا ريتو نتعشى بدل ما يحصل عواصف دلوقتى.
في اليوم التالى عصراً
في إحدى الكافيهات يجلس حمزة ويجاوره معاذ.
فقد هاتفه حمزة بعد صلاة الجمعة ليلتقي به كما وعده.
يرتشفان القهوة ثم وضع معاذ فنجانه وتحمحم يردف بتوتر:
– طبعاً أكيد بتسأل نفسك إيه سبب اللقاء ده،، بس أنا حبيت أتكلم معاك إنت لأنى عرفت إنك أقرب واحد لمدام سناء.
لاحظ تبدل ملامحه فتابع يوضح:
– طبعاً أنت عارف إن زوجتي متوفية من زمان،، وبنتي متـجوزة وبعيد وابنى في أمريكا وتقريباً شبه نسيني،،، وبصراحة يا حمزة أنا كنت ناوي أكمل حياتى مع نفسي وأشغل وقتى في الأعمال وخلاص،، بس من وقت ما شوفت سناء هانم وعقلى مبطلش تفكير فيها،،، أنا عارف إن حياتها مع منصور كانت صعبة،، الكل عارف كدة،، وأنا عايز أدي لنفسي وليها فرصة نعوض بعض عن أي حاجة حصلت في الماضي.
زفر بقوة وعاد يرتشف القليل من قهوة ثم تابع وهو يضع الفنجان:
– صدقنى يا حمزة أنا طلبت أقابلك بعد تفكير طويييل أوي،، حاولت أتكلم معاها بس واضح إنها رافضة أو خايفة،، وانت عارفنى كويس وعارف سيرتي،، علشان كدة أنا محتاج مساعدتك تحاول تقنعها،، لو على الأولاد صدقنى أنا مفتقد العزوة في حياتى،، مش هقولك كلام مجمل وانهم ولادى وانهم في عنيا زي ما بيقولوا وبعد كدة بيخلفوا وعودهم،، كل اللى هقوله إنى هتقي الله فيهم وفيها لو هي قبلت تديني فرصة وتفتح قلبها،، هي تستحق ده.
زفر بقوة بعد أن أخرج تلك الكلمات وبقى فقط ينتظر حديث حمزة،،، إستمع له وبرغم انشغاله في العثور على ناصف وقضيته إلا أنه أحب حديثه،، أحب كلامه الصادق الذي دلف قلبه،، ويعلم أن شقيقته تحتاج تلك الفرصة،، يعلم أنها تستحق الأفضل،، هي وهبت حياتها لتوأمها وللأعمال الخيرية وهذا جيد،، ولكن لما لا تعطى لقلبها ولنفسها فرصة علها تكون أكثر سعادة وراحة؟
حسناً سحب شهيقاً قوياً وتحدث برتابة:
– مش هكذب عليك يا معاذ بيه إنك فاجئتنى،،، لإن فعلاً أختى قفلت تماماً على موضوع الإرتباط ده،،، دلوقتى أولوياتها هما أولادها وحياتها العملية الجديدة،، بس أوعدك إنى هحاول وهتكلم معاها،، لأنى فاهم كلامك ولأنى عايزها فعلاً تلاقي شريك يقدرها،،، علشان كدة هكلمها واللى فيه الخير ربنا يقدمه.
أومأ معاذ وتحدث مبتسماً بتعقل:
– تمام يا حمزة،،، وصدقنى كل كلمة قولتها طالعة من قلبي،،، وانا هنتظر منك إتصال تبلغنى قرارها مهما كان،، وهحترمه جداً ومش هكرر طلبي تانى مع إن وقتها هيبقى صعب جداً عليا لأنى فعلاً اتعلقت بيها.
تنهدت حمزة وداخـله سعادة لأجل شقيقته وأردف بتروى:
– تمام يا معاذ بيه ربنا يقدم اللى فيه الخير.
على الجهة الأخرى من العالم
وتحديدا في مدينة ألبرتا الكندية
تتمدد مها على الفراش الوثير في ذلك المنزل التي تقطن فيه والدتها مع خالتها المقيمة هنا منذ أمد.
غارقة في نوم هنئ مع إقتراب تحقيق إنتقامها بالإضافة إلى قرب إفتتاح شركتها خاصة هنا ومع حصولها على عقد الشركة البلجيكية وعدة عقود آخرى لشركات عالمية سعت للحصول عليها لسنوات ستحقق نجاح باهر سيترك صداه في عالم الأعمال.
تضع على عينيها ضمادة النوم قبل أن يرن هاتفها النقال ويزعجها.
تماطأت في نومها ثم نزعت الضمادة وزفرت بحنق وهى تتناول الهاتف من فوق الكومود وتجيب دون رؤية اسم المتصل قائلة:
– ألو؟
تحدث أحدهم بلغة فرنسية لم تتعرف على صوته قائلاً بنبرة جليدية:
– مرحباً سيدة مها،، كيف الحال،، نرجوا أن لا نكون قد أيقظناكى من نومكِ الهنئ؟
تنبهت حواسها للغة ولطريقة الحديث فتساءلت بفرنسية تتقطنها جيداً:
– من معي؟
تحدث الطرف الآخر بعتاب ساخر دب الرعب فيها:
– أيعقل سيدتى؟،، أتنسين من لهم ديْنٌ عندكِ،، هذا في قانوننا يعد إساءة.
ضاع أي أثر للنوم،، أي نومٍ هذا بعد هذا الحديث،، فقط دقات قلبها أصبحت عنيفة،، لا تريد تصديق حدسها لذلك تساءلت بريبة:
– ستقل من أنت أم أغلق الخط؟
ضحك الآخر ثم تحدث بجمود وكأنه يتحول في لمح البصر قاصداً إرهابها:
– معكِ من أضاع لهم والدكِ بضاعتهم،، يطالبون بحقوقهم،، لقد تركناكِ إلى أن استردتى أموالكِ وحان الوقت لدفع الدين.
إرتعش جـسدها وظلت متصنمة تستوعب ما يحدث،، هل عادوا من جديد؟،، لقد ظنتهم تركوها بعد أن دافع عنها حمزة وحماها تحت ظل جناح عائلته،، ولكن الآن هي ما نزعت أطراف هذا الجناح لتستطيع الطيران بأريحية،، الآن حلقي عالياً أيتها الغبية.
تحدثت بغضب بعد أن أدركت أمرها:
– لااا،، ليس هناك دين علي،، بل أنتم مدينون لي بحياة أبي،،، قل لأعوانك أن يبتعدوا عنى وإلا لن يحدث خير.
ضحك عالياً بشدة جعلها ترتعب أكثر،، من تهدد تلك البلهاء؟،، أتهدد رجال مافيا؟
عاد الآخر إلى جموده يتحدث بريبة:
– أسمعي جيداً أيتها الطفلة،، من كنتِ تحتمى بهم في بلدكِ الآن أنتِ بعيدة عنهم،، إنطلقتى من قيودهم وبتِّي حرة ولنا الحق بأن نصطادكِ نحن،، لذلك فأمامكِ خيارين لا ثالث لهما،، أما الدفع أو القتل،، قرري من الآن للغد.
أغلق وتركها تنظر أمامها بعيون جاحظة،، كيف حدث ذلك؟،،، عن أي دفع يتحدث،، أولم ينتهى هذا الدين منذ سنوات،، وهذا الدين الذي يقول عنه يعادل ثلاث أرباع ثروتها الحالية،،، يا آلهى ماذا تفعل؟
أردفت وكأن ألتمع وميض عقلها:
– ناصف.
عبثت بهاتفها تحاول الإتصال عليه على الرقم الخاص الذي حدثها منه،،، كان في تلك اللحظة يقطن في المنزل البعيد الذي يختبئ فيه،، يجلس يتابع أخبار حمزة عن طريق العيون التى وظفها لذلك.
رن الهاتف النقال والذي لم يكن من الأنواع الذكية المعروفة،، فقد جاء به ليجري إتصالاته الخبيثة بأريحية دون إحتمالية تهكير هاتفه.
فتح الخط وتحدث ببرود ساخراً:
– أهلا يا مها؟،،، بيتهيألي دلوقتى في كندا المفروض تكونى نايمة،،، ومش معقول حلمتى بيا.
تحدثت بريبة وهى تترجل على أرضية الغرفة وبدأت تزرعها ذهاباً وإياباً بقلق:
– ناصف إلحقنى،،، فيه واحد كلمنى من المافيا اللى بابا إتعامل معاهم قبل وفاته،، وبيطالبونى بتمن البضاعة بتاعتهم،،، أعمل إيه يا ناصف؟،،، إنت لازم تساعدنى وتحاول تتواصل معاهم يبعدوا عنى.
ضحك ناصف لثوانى ثم أردف بلا مبالاه:
– طيب ما تدفعي دين أبوكى يا مها،، ميصحش بردو.
تحدثت بغضب قائلة:
– إنت هتهزر يا ناااصف؟،،، بقولك هددونى يا إما القتل يا إما الدفع،، وأنا لو دفعتلهم المبلغ ده هخسر كتير أوي،، ده أنا هنتهي،،، مش معقول بعد اللى وصلتله ده أخسر،، علشان كدة لازم تساعدنى إنت متورط معايا.
تحدث ناصف بفحيح غاضب:
– أحسنلك متهددنيش لأن مافيش أي دليل ضدي،،، أنا ملفي نظيف،، الدور والباقي على شوقي بيه أبو الدهب،،، وبالنسبة لمشكلتك معاهم فأنا ماليش أي علاقة بيهم ولا بيكي،، وفي الآخر براحتك،، عايزة تدفعى إدفعى مش عايزة خلاص،، سلام يا حلوة.
أغلق الخط وتركها في صدمتها،،، ماذا ستفعل الآن،، وأي حفرة تلك التى أوقعت نفسها بها،،، حسناً يا مها لتتذوقي القليل من كأس الخيانة كما أذقتيه لحمزة.
بعد أن ترك حمزة معاذ تحرك بسيارته إلى منزل شقيقته ليراها ويتحدث معها عن معاذ.
وبالفعل وصل وترجل يصعد إليها حيث خرجت لتستقبله.
عانقها بحنو ودلفا سوياً.
جلست بجواره تردف بسعادة بعد رؤيته:
– ريتان خبتك عنى ولا إيه،، مبقتش أشوفك زي الأول.
تنهد بحب عن ذكر سيرة حبيبته وتحدث بتروى ولن تخفي عنها لمعة الحزن في عينه:
– لا أبداً يا حبيبتى،،، انا بس مشغول شوية اليومين دول،، طمنيني عنك وعن الأولادك.
أومأت تردف بيقين:
– الحمدلله كلنا بخير،، بس أحكيلي مالك،، شكلك زعلان من حاجة.
زفر بقوة،،، عليه أن يخبرها لربما هذا الحقير جاء ليرى توأم شقيقه،، وليكن هذا دافع كي تفكر ملياً في طلب معاذ.
تحدث بضيق وهو يتمـسك بكفيها كدعم منه لما سيقوله:
– ناصف رجع يا سناء،، رجع وبقى شريك معانا في الشركة.
شهقت بقوة واتسعت عينيها تردف بصدمة:
– يا نهار أبيض،، إزاااي ده حصل وإمتى؟
زفر بقوة وأبعد يده عنها وبدأ يخبرها بكل شئ إلى أن انتهى فتحدثت بقلق متسائلة:
– يخربيتها،، بعد اللى عملته معاها تعض الإيد اللى إتمدتها لها،،، يا ريتك كنت رميتها وقتها الخايــنة دي.
تنهد بضيق لاحظته فتابعت متسائلة:
– طب وبعدين يا حمزة؟،، هنعمل إيه؟،، طب وريتان عرفت؟
هز رأسه يردف بضيق واختناق:
– لا يا سناء،،، هقولها إيه بس،،، هقولها ناصف راجع وبيقول إنه هياخد كل حاجة كانت ليه؟،،، مجرد رجوعه بس هيرعبها،، إنتِ متعرفيش هي حكتلي عنه إيه الحقير ده.
هزت رأسها تردف بتصميم:
– لا يا حمزة،،، لازم تعرف،،، مينفعش تخبي عليها،، علشان تاخد بالها كويس كدة عبء تقيل عليك.
تحدث بعلو مستفهماً:
– ولو عرفت يا سناء إيه اللى هيحصل؟،، قوليلي إيه اللى هيحصل؟،، أنا مش هتحمل يا سناء زعلها ولا وجعها تانى،، مش بعد ما وصلت أنا وهي للنقطة دي،، هقولها كل حاجة بس لما يتقبض عليه،، لما أقدر اثبت قذارته واللى عمله بعد ما قدر يبرأ نفسه،، دلوقتى أنا حاسس أنى ضعيف ومقيد بس لما يتقبض عليه هقف قدامها وأنا واثق إنى عملت اللى عليا،،، غير كدة مش هتكلم يا سناء.
زفرت بحزن تطالعه بترقب،،، ربما هو محق ولكن هذا سيضاعف حزنه وقلقه،،، عليه أن يهون على قلبه،، كيف له أن يحتمل كل هذا بمفرده.
مدت يدها تربت على ظـهره وتردف داعمة كعادتها بحنو:
– طيب هون على نفسك يا حبيبي،، إن شاءلله خير.
أومأ لها عدة مرات وإنتظر لدقيقة ثم تحدث بترقب قائلاً:
– المهم،،، معاذ بيه قابلنى النهاردة،،، واتكلم معايا عنك؟
ذهلت تطالعه بتفاجؤ ثم تساءلت:
– عنى أنا؟،،، خير يا حمزة.
التقط أنفاسه بقوة ثم تحدث بتروى وهى ينظر داخل عينيها:
– طالب إيدك،،، وعايزك تديه فرصة جديدة،،، وتفكري بدل المرة مليون قبل ما ترفضي.
هزت رأسها تردف برفضٍ قاطع:
– لا يا حمزة،،، لاء ومليون لاء كمان،، مش هتـجوز مرة تانية أنا اكتفيت من تجربتى الأولي وعايشة دلوقتى لنفسي وأولادى بس،، مش محتاجة راجل في حياتى الله أعلم هيبقى إزاي.
زفر يتفهم خوفها،،، ولكنه يعلم أن هذا الحديث ليس نابعاً من داخـلها،،، ويقدر ما مرت به،، ولكنه يريدها سعيدة،، يريد أن يتطلع لعينيها يرى بريق الإطمئنان والراحة كما رآهما في عين حبيبته بعد أن ردت إليه،، منذ زمن ولتلك اللحظة وعينيها حزينة لم تنمحى منهما نظرة الخوفِ أبداً.
تحدث مجدداً بتروى:
– قولتلك فكرى الأول يا سناء،،، كل اللى عليكي تفكري بما أن طلبه بقى رسمي،،، هو اتعلق بيكي،، وصدقيني لولا أنى أعرفه كويس وأعرف إنه إنسان خلوق وكويس جداً سواء في شغله أو في حياته مكنتش كلمتك،،، هو عايش وحيد،، بنته متجوزة وفي حياتها وإبنه عايش في أمريكا،، فكرى وتأكدى إنى مش هضغط عليكي أبداً في أي قرار،، بس أفتكرى إن كمان كام سنة أولادك هيكون ليهم حياة خاصة وكل واحد هياخد طريق غير التانى وده قانون الدنيا،،، فكري في حل يريحك ويريحهم،، ولو أنتِ خايفة من رد فعلهم أنا ممكن اتكلم معاهم وأحاول بس المهم إعرفي إنتِ عايزة إيه.
تنهدت تطالعه بشرود،،، عصفت رأ سها بالأفكار،، كيف ستفكر في مبدأ ملغي من حياتها،، ولكن لما هو ملغي،، أولم تكن كل ليلة شاردة في هذا الأمر،،، أولم يغرق عقلها في تلك الدوامة بعد الاختلاء بنفسها؟،، حسناً لتفكر تلك المرة بتروى ولترى،، خصوصاً بعد ظهور ناصف الذي وترها.
نظرت لحمزة مجدداً الذي يومئ لها بصمت فتحدثت بتوتر ملحوظ وهي تقف:
– أنا هقوم أجبلك عصير فريش واجي.
غادرت تختفي في مطبخها بين هو شعر بها،، يعلمها جيداً،، لذلك سيسعى لسعادتها.
في منزل بسمة التى خرجت للتو من حمامها بعد أن أفرغت ما في معدتها.
إتجه إليها بهاء يردف بحنو:
– تحبي أخدك للدكتور؟
هزت رأسها تردف وهي تتجه للأريكة لتجلس عليها:
– لا يا حبيبي،،، أنا كويسة،، وده الطبيعي يا بهاء.
زفر بضيق وجلس مجاوراً ثم تحدث:
– يا بسمة إنتِ بقالك كام يوم متغيرة،، مش بس بسبب الحمل والوحم،، انتِ زعلانة من وقت ما عم حمدى مشي زعلان،، مش كدة؟
زفرت بحزن ونظرت له بعيون زائغة ثم قالت:
– بس أنا مزعلتوش يا بهاء،، أنا أه كان مفروض أكون معاه أحسن من كدة بس إنت عارف إنى بتعصب بسرعة خصوصاً لما بيدافع عن ريتان ويتهمنى أنا.
استغفر سراً والتقط أنـفاسه ثم تحدث بتروى:
– طيب إيه رأيك نروحلهم زيارة وتراضيه؟،،، زي ما هو جه يراضيكي أنتِ تروحي المرة دي،، صدقيني نفسيتك هترتاح بعدها جداً.
شردت تفكر قليلاً ثم تساءلت:
– وافرض مستقبلنيش؟،،، كدة هزعل أكتر.
أردفت بثقة:
– لا عم حمدى هيفرح لو حـس إنك مقدراه.
تنهدت باستسلام تردف بتوتر:
– طيب يا بهاء،، أنا موافقة،، بس مش هنتأخر هناك،، ماشي؟
إبتسم لها وتحدث بارتياح:
– ماشي يا حبيبتى.
عاد حمزة إلى القصر.
كان الجميع يجلس في البهو عدا شيرين التى تستريح مع صغيرها في الأعلى وبالطبع يجاورها زوجها،، فبعد أن أتى من المشفى وهو يلتزم غرفته مستمتعاً بصغيره،،، هذا الملاك الذي لون حياتهما وأضاف البهجة للقصر كما فعلها طفل مراد منذ شهر.
ألقى السلام ونظر بحب لريتان التى تلاعب مروان وبيري بألعاب الذكاء ووالديه يجلسان يتحدثان في أمرٍ بينهما.
أما كاري فتجلس تتحدث مع ريتان بهـمس يبدو أن بينهما أسرار ومكائد ستعود عليه وعلى شقيقه الذي يهدهد صغيره بثمارٍ ممتعة.
دنى يقبل صغيره وإبنة أخيه ثم تحدث بترقب:
– ريتان ممكن تيجي معايا ثوانى؟
وقفت تستأذن من الجميع وخطت معه للخارج حيث وقفا جانباً تطالعه بحب متسائلة فمد يده يتلمـس وجنتها الناعمة ثم تحدث بترقب:
– إيه رأيك لو نروح نزور أهلك دلوقتى؟
تعمـت عينيها بالفرحة قائلة بحماس:
– طبعاً موافقة.
إبتسم لسعادتها وأردف بحب:
– طيب يالا اطلعي بدلي هدومك وانا هستناكى هنا.
بجرأة قليلة أرتفعت تقبل وجنته ثم فرت مهرولة للأعلى بحماس فضحك عليها وتنهد بقوة،، عليه أن يسعدها بأي شكل،، عليه أن يأمنها من أي خطر،، وهذا عهده على نفسه.
رواية للقلب أخطاء لا تغتفر الفصل السابع والعشرون 27 - بقلم اية العربي
رواية للقلب أخطاء لا تغتفر الفصل الثامن والعشرون 28 - بقلم اية العربي
قبل ساعتين من الآن.
يجلس ناصف في المكان الذي يختبئ فيه، ينتظر لحظة مناسبة منذ أسابيع فقط ليراها ويستطيع التحدث معها وتهديدها بما ينوي. لقد خطط لتلك اللحظة على مدار سنوات وعمل جاهداً على عدم حدوث خطأ واحد. لذلك قام باستئجار إحدى الشقق السكنية التي تقع في البرج السكني أمام قصر الجواد.
نعم، فهو يطبق النظرية التي تقول أن أكثر الأماكن أماناً للاختباء من عدوك تكون بالقرب منه. ليسبق الجميع بخطوة ويراقب بكل راحة ويرسم خطة شيطانية ليصل ويحقق انتقامه.
منذ أسابيع وهو يراقب كل حركة ويعلم تحركات حمزة، ويلاحظ عدم خروج ريتان إلا ذلك اليوم التي ذهبت معه إلى منزل والدها وعادا، ولم يستطع خلق فرصة ليراها. لذلك فكلما مر يوم عن عدم تحقيق رغبته أصيب بالجنون أكثر، فهذا يعني تفوق حمزة عليه. فقط لتخرج بعيدًا عن تلك الحراسة التي تحاوط القصر.
حتى أنه يعلم بأمر فؤاد والحراسة الخاصة به ويستطيع التعامل معهم. هدفه كله ريتان، كل ما يريده هي.
وللعجب، فهو يغادر تلك الشقة أحيانًا ولكنه لا يغادر بشخصيته، بل يرتدي ملابس نسائية عبارة عن عباءة سوداء ونقاب ليبدو كسيدة منتقبة، ويجاوره رجله المسلح ليبدو وكأنه زوجها، ويذهب ويعود دون إثارة شكوك حوله. ناهيك عن ذلك العدد الذي لا يستهان به من الذين استولى الشر عليهم وباتوا يتلذذون بالأفعال الإجرامية، يعملون فقط لحسابه للحصول على مبالغ طائلة ينفقها فقط لتحقيق انتقامه.
وبالطبع الهكر الذي يجاوره ورجل المهام الصعبة كما يقال، ولكن في الشر. فهو اقتناه خصيصًا وأتى به من الخارج لتلك المهمة فقط. لذلك فهو يخطو خطوات مدروسة بدهاء ومحسوبة جيدًا، وإلا لما كان هناك داعٍ من المخاطرة وعودته.
ها هو يجلس يراقب الأوضاع حوله ويجاوره مساعده الهكر يتحدث بضجر:
– هنفضل كده كتير يا ناصف، شكله مش هيخرجها. الأحسن ندور على خطة تانية لإن كده بنضيع وقت، وإنت لازم تسيب مصر قبل ما يحفروا وراك تاني.
زفر بضيق وتحدث بغضب:
– أكيد هتخرج، كان لازم ترجع شغلها بس شكل ابن الجواد منعها، بس صدقني هتخرج وقريب جدًا، مش هتفضل كل ده محبوسة.
قال هذا والتفت يراقب بتمعن بوابة قصر الجواد ويصب عينه عليها من النافذة التي لا تعكس رؤية من في الداخل، ولكن هو يستطيع الرؤية منها جيدًا.
وها هي تتحقق أقصى أمنياته وهو يرى سيارة حمزة تعبر البوابة بتمهل وتجاوره ريتان. اتسعت عينه واند
شت ملامحه على غير المعتاد وهو لا يصدق أنها خرجت الآن بعد كل تلك الفترة.
أسرع يهاتف رجاله الذين يتخفون في الأسفل مردفًا:
– حمزة خرج دلوقتي ومعاه ريتان، وراهم وأنا هحصلكم حالاً، عينكم متغبش عنهم، وفتحوا عينكم على الحراسة كويس.
أغلق واتجه يرتدي تلك العباءة والنقاب ليتخفى، ثم نزلا هو ومساعده واستقلا السيارة التي تصطف أسفل المبنى، ثم انطلقا تابعين لهما.
بعد وقتٍ وصلا حمزة وريتان إلى العيادة النسائية وترجلا متلهفان للحدث الجلل المنتظر. كان قد وصل أيضًا ناصف ومساعده، وبعد ترقب وتفكير ترجلا متجهين إلى الداخل ليظهرا كمريضة وزوجها بعد أن استعان برجاله للدخول بين المرضى دون ملاحظة أحد.
كان حمزة منشغلًا بسعادته وحماسه وتحفيز ريتان التي ترتعش خوفًا من سماع عكس ما تتمنى. بعد أن طلبت الطبيبة التحليل من ريتان وخرجا لتأخذ الممرضة العينة منهما، دلف الكشف التالي والذي لم يكن سوى ناصف.
بمجرد أن وطأت قدمه غرفة الطبيبة هو ومساعده وقبل أن تخرج الممرضة، كان يغلق الباب ويشهر سلاحه أمامهما وهو يردف بغضب وتهديد واضح:
– أي صوت أو حركة هطير نفوخك إنتِ وهي.
ارتاعبتا الطبيبة والممرضة التي أشار لها بسلاحه، فاتجهت لتجاورها والتزما الصمت يرتعشان، حتى أن الطبيبة كادت أن تضغط بيدها على أحد الأزرار الموصولة بالخارج، ولكنه رآها وقال بغضب:
– شكلك مستغنية عن عمرك؟
تبعها بصوت شَد أجزاء السلاح، فارتعبت ورفعت يديها مستسلمة تردف بتلعثم ورعشة:
– خلاااااص تمام، مش هعمل أي حاجة.
أشار برأسه لمساعده الهكر الذي اندفع لمكتب الطبيبة ينتشل الهاتف الخاص بها وينزع السلك الموصول لحرارة الهاتف الأرضي، ثم بدأ يعبث في اللاب توب الخاص بمكتبها ليعطل كاميرات المراقبة، ثم حول مسارها على هاتفه النقال ليصبح هو المتحكم بها، كما أخذ هاتف الممرضة أيضًا.
كل هذا يحدث وناصف يملي تعليماته على مسامعهما ويردف بشر:
– الكشف اللي كان هنا دلوقتي، كل اللي عايزه إني أقابلها، ولوحدها. لو وفرتيلي ده يبقى هنمشي من هنا بسلام، تخترعي أي حجة المهم أكلمها من غير اللي معاها ما يكون موجود، ولو عملتي حركة كده ولا كده أنا دلوقتي مراقبك بكاميراتك ووقتها هتبقى مجزرة هنا، فهمتي؟
كانت تطالعه بذهول وتبكي هي والممرضة التي ترتعش بجانبها، ثم تساءلت متلعثمة وقد أدركت أن من أمامها ما هو إلا شخص مختل تمامًا:
– ب ب بس إزاي، ده جوزها، هقنعه إزاي يسيبها؟ مش هعرف أعمل كده.
طالعها بنظرة مرعبة ثم تحدث بفحيح:
– شكلك مفكرة إننا بنلعب هنا، تحبي تتأكدي إني مش بهزر؟
انتفضت الممرضة تردف بارتعاش بعد أن اعتصرت عقلها لتحاول إيجاد حل:
– لااااء يا باشا حاضر، هنعمل اللي إنت عايزه، فيه هنا أوضة أشعة مقطعية أنا هدخلك هناك وتستنى في أوضة التحكم لحد ما أجبهالك.
نظر لها بإعجاب ثم قال وهو يشير للطبيبة:
– شوفتي؟ طلعت بتفهم أحسن منك أهي، ودلوقتي قوليلي؟ هي حامل ولا لأ؟
أردفت الطبيبة بدموع وخوف:
– تقريبًا.
عاد يتلاعب بسلاحه فتابعت بتلعثم:
– هتأكد من التحليل، بس بنسبة كبيرة أيوة.
نظر للممرضة وتحدث بهدوء بعدما لاحظ تجاوبها معه:
– يبقى النتيجة أنا بس اللي أعرفها، تمام يا بيبي؟
أومأت الممرضة عدة مرات، فالتفت يطالع مساعده الذي انتهى وأومأ لها، ثم عاد للطبيبة وقال:
– موبايلاتكم معايا، كاميرات المراقبة تحت تحكمي، حتى الأوضة دي، يعني دلوقتي هخرج وهراقبك من برا، أي حركة كده ولا كده أنا مش مسئول عن اللي هيحصل، واطمئني خالص يا دكتورة، هما كلمتين هقولهم لها وأمشي علطول، أنا مش مؤذي.
أعاد سلاحه لداخل ما يرتديه وأشار لمن معه، ثم اندفع للخارج بهدوء كأنه لم يفعل شيئًا.
عودة للوقت الحالي.
يقود حمزة وتجاوره ريتان بوجه شاحب، حتى أنها لم تستمع لكل ما قاله، كأنها اعتزلت عن العالم. أفكار متصارعة تهاجمها وتتشابك في عقلها تجعل منه قابلًا للانفجار، طنين أذنيها وثقل يهاجم جفنيها ونبضات عنيفة في جانبي مخها تجعلها على حافة الانهيار.
وصل حمزة إلى القصر وترجل واتجه يفتح بابها ويسندها، تتحرك معه كمن لا إرادة لها. صعدا على الفور إلى غرفتهما وهو متعجب من حالتها، وكل ما يؤدي إليه عقله أن هذا ناتج عن خيبتها في خبر الحمل.
مددها على الفراش وجلس مجاورًا يعانق كفها بين راحته ويردف بقلق وحزن:
– مالوش لزوم الزعل ده كله يا ريتا، صدقيني هاخدك ونروح مكان تاني، أكيد الدكتورة دي متعرفش حاجة، وبعدين أصلًا هي مكشفتش عليكي، كله كلام وبس وأنا حاسس إنك حامل.
كانت تستمع له وتعتصر عينيها الباكية، تارة من الألم الذي يهاجم عقلها والصداع وتارة أكبر من الألم الذي ينهش قلبها من معرفتها بحملها دون مشاركته به.
ابتلعت لعابها وتحدثت وهي مغمضة دون النظر إليه:
– معلش يا حمزة أنا عايزة أنام.
زفر بقوة ثم وقف يطالعها بصمت وهي تتكور على نفسها وتغمض عينيها، ثم خلع جاكيته ووضعه جانبًا وصعد يتمدد خلفها ويحاوطها ويعانقها بقوة ليصبح ظهرها مقابلًا لصدره وهو يردد همسًا بجانب أذنها بحب:
– تمام يا حبيبتي نامي، نامي وارتاحي هنا.
بكت مجددًا ولكن بكاء داخلي، صرخات مكتومة تصدر داخلها، تعلم أنه أخفى عنها هذا الخبر خوفًا عليها، تعلم أنه تحمل وعانى بمفرده كي لا يزعجها ويقلقها بهذا الخبر، ولكن ها هي تعلم بطريقة لم تكن تتمناها يومًا، تعلم في يومٍ كانت تتمناه ليتحول إلى أكثر الأيام ألمًا.
لم يحتمل عقلها استيعاب أكثر من ذلك فسحبها معه إلى النوم متمنية أن تفيق من هذا الكابوس فورًا. أما هو فكان مستيقظًا يحتويها، ود لو سحب ما تشعر به إليه، لا يرد لها حزنًا ولا ألمًا ولا أي أفكار سيئة، أصبح يتمنى سماع خبر حملها أكثر من أي شيءٍ الآن.
زفر بقوة وعاد ناصف يستحوذ على عقله، إلا الآن لم يستطيعوا العثور عليه، اختفاؤه يقلق، ولكنه تناساه اليوم بتلك المفاجأة التي كادت أن تصبح سعيدة لولا تلك الطبيبة الغريبة التي لاحظ هو تغييرها المفاجئ، لذلك لم يرد العودة إليها بل غادر مع زوجته وسيأخذها لأخرى أكثر ثقة ولكن ليطمئن عليها أولاً.
في منزل بسمة.
التي منذ أن استيقظت وهي تشعر بألم أسفل معدتها، حتى أنها راسلت طبيبها عبر الواتساب وأخبرها أن ترتاح وتتمدد وتأخذ أدويتها وتمر عليه في موعدها ولكن إن استمر الألم فلتأتي.
ها هو بهاء يقف في مطبخه يحضر عنها الغداء، بينما الصغير يجلس في الصالة يلعب بتلك الألعاب التي نثرها له والده، وبسمة تتمدد على الأريكة أمام صغيرها تستريح من ما تشعر به.
خرج بهاء إليها يطالعها باهتمام ثم اتجه إليها يتحدث متسائلًا:
– أحسن شوية دلوقتي؟ تحبي نقوم نروح؟
هزت رأسها بإرهاق تردف:
– لاء مش قادرة أتحرك، هو قال أستريح وهبقى كويسة.
تنهد ونظر لصغيره يبتسم له والصغير يشير إليه بإحدى الألعاب ويتمتم باسمه، ثم عاد لها قائلاً:
– طيب أنا شوية وأخلص الغدا، تاكلي وتاخدي الأدوية وهتبقى أحسن.
أومأت له وهي مغمضة ووضعت كفيها أسفل خديها لتعاود النوم متكورة وهي تشعر بالتعب.
مر اليوم وأتى المساء ولم يعود حمزة إلى عمله بل ظل ماكثًا في غرفته يتابع تلك النائمة منذ ذلك الوقت. يبدو أنها اتخذت من النوم مهربًا، حتى الطعام لم تتناوله برغم محاولاته معللة أنها فقط تود النوم.
اتجه لغرفة صغيره وجلس بجواره يطالعه وهو يحل دروسه، تساءل بترقب:
– عامل إيه في ال school يا مارو؟
تحدث الصغير بالقليل من الحزن وهو يدون باهتمام:
– كويس يا بابي، بس الـ miss بتاعتي مش بتفهمني حاجة، ومامي نايمة دلوقتي، أعمل إيه بقى؟
تنهد حمزة وتحدث باهتمام:
– طيب وريني كده يمكن أقدر أساعدك، معلش لإن مامي تعبانة شوية.
ناوله الصغير كتابه وبدأ حمزة يشرح له كيفية الحل والصغير يجيب بسلاسة.
بعد ساعة عاد إلى غرفته يحمل صينية طعام ويتجه ليضعها على الطاولة، ثم اقترب من الفراش وبدأ يوقظها بهدوء وحنو مردفًا:
– ريتا؟ حبيبتي، يلا كفاية نوم كده، سيباني لوحدي من الصبح ينفع كده.
بدأت تتملل وتفتح عينيها المتورمة لتطالعه قليلاً بصمت. طال تطلعها له، داهمتها الأفكار مجددًا، حتى أنها كانت تداهمها أثناء نومها، ولا نقل أن عقلها كان في حالة وعي. لا تتخيل الحياة بدونه، في كلتا الحالتين الموت أهون لها.
عينيها تسبح في ملامحه كاملة، لمعت بالدموع وهي تتخيل ربما هذا الحقير نفذ تهديده، ربما آذاه، ربما أصابه بمكروه. حينها ستقتله حتى لو كان هذا آخر عمل ستقوم به في حياتها. ولكن ماذا عن تلك العلقة التي تنمو في أحشائها الآن؟ كيف ستحرمه لذة معرفته بهذا الخبر؟ أولم يكف حرمانها من فرحة هذا الخبر؟ كيف ستتركه؟ وهل حقًا تستطيع الانفصال عنه؟
تنبهت لندائه وهو يتساءل بقلق:
– ريتان أنتِ سمعاني؟ حااالك مش عاجبني أبداً، فيه إيه بس يا حبيبتي فهميني مالك؟ معقول تستسلمي من أول مرة كده؟
مدت يدها تتلمس وجنته بحب وابتسمت ابتسامة باهتة تردف مطمئنة:
– أنا كويسة يا حبيبي.
حاولت القيام ولكن عندما اعتدلت شعرت بالدوار المفاجئ، فأسرع يسندها ويحتويها قائلاً بحنو:
– على مهلك، أكيد دايخة لأنك مأكلتيش حاجة من الصبح.
تحركت معه إلى الطاولة وأجلسها وجلس مجاورًا، ثم بدأ يشرع في إطعامها. لولا ما يمكث داخلها الآن لما تناولت شيئًا، ولكن عليها الحفاظ عليه، عليها الحفاظ على الجميع، عليها التفكير جيدًا والتصرف قبل أن يتأذى أحد.
بدأ يطعمها بحنو، كل أفعاله منذ أن دخلت حياته تؤكد لها أنه رجل حياتها، تؤكد لها أن سنينها التي فنتها في حبه لم تكن هباءً، تؤكد لها أن اختيارها لهذا القلب كان اختيارًا صائبًا، والآن عليها أن تختار ما يسعده، عليها أن تفعل ما يضمن راحته، لتختار ما لا يؤلم قلبه.
حسنًا، لتلقي نظرة على المستقبل، ماذا إن نفذت لهذا الحقير ما يريده؟ هل حقًا تثق في هذا الحقير أن يتركه بسلام؟ وماذا عن الخيبة والخذلان التي ستتركهما له يعاني منهما؟ تعلم أن الموت أهون لديه من أن تغدر به. يا إلهي، عاد عقلها يتشتت مجددًا، واقعة بين شقي الرحى.
طوال تلك الأفكار وهو يطعمها وهي تأكل من يده بشرود يلاحظه جيدًا. انتهى ومد يده يحاوط وجهها وينظر داخل عينيها. رآى فيهما التشتت والخوف، رآى حيرتها وغربتها.
تحدث بنبرة لينة صادقة:
– طيب أحكيلي النظرة دي سببها إيه، هو إنتِ معنديش ثقة في حبيبك ولا إيه؟
هزت رأسها بلا تردف بتأكيد وخفوت:
– عندي طبعًا، ثقتي فيك كبيرة أوي.
ابتسم لها بحب ثم تابع:
– يبقى أحكيلي مالك؟ خايفة ليه كده؟
تجمع الحديث على طرف لسانها، وكادت تلقي به، كادت تخبره فهي حقًا تثق به، لن تستطيع إخفاء هذا الأمر عنه، ولكن عادت تلقي نظرة على القادم، عن رد فعله، عن كيفية تصرفه، كيف تضمن تهدئته وترويه ليجدا معًا حلًا مناسبًا.
تحدثت بتلعثم وهي تطالعه:
– يمكن لما شوفت النتيجة إيجابية اتعشمت، فرحت جوايا أوي، وكان عندي إحساس إن الدكتورة هتبلغنا بخبر حملي، أنا كنت بتمنى الخبر ده أوي يا حمزة.
سحبها إليه يضع رأسها على كتفه ويردد بثقة:
– طيب بكرة الصبح هاخدك ونروح عيادة تانية، أنا محبتش أبلغ حد من البيت إلا لما نتأكد بس أعتقد الدكتورة اللي شيرين كانت متابعة معاها كويسة جدًا، هنروح لها الصبح ونتأكد ونفرح يا ريتا، أنا واثق في كده.
أومأ بصمت وظلت ساكنة وهو يعانقها ويحتويها بحنو.
عند ناصف الذي يجلس يشعر بالانتشاء والسعادة، أخيرًا سيحقق ما عاد لأجله. سيسترد ما هو له ويغادر معها ويترك هذا الجواد في خيبته مدمرًا بعد أن يعتقد أنها تركته بنفسها كما أجبره على تركها في الماضي. شبه متأكد أنها ستخاف وترضخ لتهديده كما في السابق، شبه متأكد أنها لن تخاطر بحياته وحياة أهلها.
جاء إليه مساعده وجلس مجاورًا يتحدث بقلق:
– شايفك مطمن يا ناصف، أفرض حصل عكس اللي خططتله ده كله؟ وقتها هتعمل إيه؟
نظر له ببرود وتحدث بثقة:
– تؤ، إنت متعرفش ريتان، دي جبانة وهتعمل اللي قولتلها عليه.
تحدث الآخر بغضب:
– وإفرض حصل العكس، إفرض بلغوا وجابوا الدكتورة واللي معاها تشهد ضدنا، وقتها إيه الحل؟
ضحك بشر وتابع ببرود:
– متقلقش، مش هيحصل كده، وبعدين مافيش أي دليل ضدنا وتسجيلات الكاميرات كلها اتحذفت.
زفر الآخر ووقف يتجه للداخل وهو غاضب من تصرفات هذا الغبي اللي هتودي بهم خلف سبعين سور.
رأتها جاثية أرضًا تحفر بأظافرها حفرةً، كانت في حالة رثة مشتتة وترتدي ملابس بيضاء ملطخة بالدماء، تبكي بقوة وما زالت مستمرة بالحفر بعنف، وكلما حاولت الوصول إليها ابتعدت أكثر وزادت مساحة الحفرة، كانت تحاول التحدث إليها ولكنها بدت صماء لا تسمع، فقط تنهش في الحفرة بأقصى سرعتها.
وقفت بعد أن انتهت من الحفر ونظرت لها بعيون باكية وهي تهز رأسها بأن لا تفعل، ولكنها هزت كتفيها بقلة حيلة ثم قفزت بتلك الحفرة التي حفرتها بأظافرها وسط صراخ جميلة المكتوم.
انتفضت من نومها شاهقة بقوة فاستيقظ حمدي على أثرها يردف بقلق:
– بسم الله بسم الله، خير يا جميلة شوفتي كابوس ولا إيه؟
لفت نظرها إليه بصدمة ثم أردفت باكية:
– بسمة يا حمدي، حلمت حلم وحش أوي ليها.
أنتابه القلق ولكن حاول طمأنتها وأردف وهو يربت على ظهرها بحنو:
– اهدي بس وصلي على النبي، خير إن شاء الله، استغفري ومتحكيش وإن شاء الله خير.
التقطت أنفاسها بقوة وحاولت أن تهدأ وتطمئن نفسها ولكن كلما تذكرت تفاصيل ذلك الكابوس شعرت بالاختناق، أرادت مهاتفتها ولكن الوقت فجرًا ومؤكد هي نائمة، حسنًا لتنتظر لطلوع النهار.
في صباح اليوم التالي.
يقف حمزة يهندم حاله ليذهبا للطبيبة كما نوى. خرجت ريتان من الحمام تطالعه بتتمعن. طوال الليل لم تنم وظلت مستيقظة داخل أحضانه تطالعه وتفكر، حسمت أمرها.
تحركت باتجاهه حتى وقفت أمامه ورفعت نظرها تطالعه بتوتر وهي تبتلع لعابها وتفرك كفيها. لاحظها فضيق عينيه يتساءل بقلق:
– مالك يا ريتا؟ عايزة تقولي حاجة؟
تحدثت بخوف وأنفاس مقيدة:
– أيوة، بس قبلها أوعدني تهدى وتفكر قبل ما تعمل أي حاجة.
تنبهت حواسه وبدأ القلق ينهشه ثم تساءل باهتمام وترقب:
– تمام، قولي فيه إيه؟
نظرت بقوة لـ عينه وتحدثت بتوتر بالغ خشية من رد فعله:
– أنا شفت ناصف امبارح.
تجمد لثانية، اثنتين، خمسة، ثم اسودت عيناه وتحولت ملامحه إلى أخرى غاضبة وتحدث بهدوء لا يحمل هدوءًا:
– امبارح في أوضة الأشعة؟
أومأت بخوف وصمت فـ أدار وجهه عنها، يواليها ظهره الذي لاحظت تشنج عضلاته وبروزها.
خالف كل شكوكه وهواجسه التي أخبرته بذلك مقنعًا حاله أنه لا يمكن أن يحدث، لا يمكن أن يسمح بذلك. ظن أن وجوده معها بمفرده كافيًا لحمايتها، وهذا أكثر ما يؤلمه ويحرق صدره الآن. وصل إليها ورآها وهي معه، تلك كانت بمثابة ضربة قاضية لثقته بنفسه.
ما سعى لتحقيقه لأسابيع انهار بلحظة. رآها وتحدث معها لذلك هي في تلك الحالة منذ أمس، ولم تخبره. ههه كيف ستخبره وهو الآن في نظرها ضعيف لم يستطع حمايتها.
عاد ينظر أرضًا بنظرة منكسرة وتحدث بجمود وكأنه شخصًا آخر:
– وبعدين.
قرأت ما دار في عقله، وحسبت حساب هذا جيدًا لذلك أسرعت تعانقه بقوة وتردف باكية لتظهر ضعفها وثقتها به:
– هددني، هددني يا حمزة، قالي أطلب منك الطلاق وتطلقني غصب عنك زي ما خليته يطلقني غصب عنه، وإلا هيأذيك.
ضيق عينيه ويديه تجاوره لم يبادلها العناق متسائلًا بهدوء حاد مخيف:
– وبعدين؟
ظلت كما هي تكمل بدموع وهي في أشد الاحتياج له:
– اختفى بعدها، اختفى قبل إنت تحس بوجوده، هددني ومشي قبل ما إنت تخبط وتدخل.
رفع ذراعيه يبعدها بهدوء عنه وينظر لعينيها متسائلًا بعجز:
– ومقولتليش ليه أول ما خرجتي؟
هزت رأسها وتحدثت بصدق:
– مكنش ينفع أبدًا يا حمزة، ده كان مستخبي ورا ناس تبعه معاهم أسلحة وهدد الممرضة والدكتورة نفسها، وإنت كنت لوحدك من غير أي مساعدة ولا دعم من أي حد، مكنش ينفع أبدًا أقولك أي حاجة، أنا أصلًا كنت في حالة صعبة، إنت خبيت عني إنه رجع وأنا أول ما شفته دمي نشف، مكنش ينفع أقولك صدقني.
ابتسم بألم وأومأ يبتعد قليلًا عنها ويصارع أفكاره. يريد أن يفهم عليها، لا يريد الشك أنها تراه ضعيفًا، عقله لا يعمل بشكل صحيح الآن.
لذلك عاد يطالعها ويتحدث بجمود:
– وناوية على إيه؟
طالعته بتعجب. أي سؤال هذا؟ بماذا يتفوه وكيف يتحدث؟ أدركت أن ما حدث شتته لذلك أخفت ضعفها وجففت دموعها وأظهرت قوتها وهي ترفع رأسها أمامه متحدثة:
– أنا اللي أسألك السؤال ده مش إنت، أنا اللي سلمتك زمام الأمور وانت تتصرف، إنت خبيت عني إنه رجع وبقى شريكك بس أنا متأكدة وواثقة إنك خبيت عني علشان متقلقنيش، بس كان لازم تعرفني يا حمزة، كان لازم تعرفني علشان لو كنت عارفة إنه رجع وحصل اللي حصل امبارح مكنش حصل اللي حصلي ده، مكنتش عيشت اللي عيشته امبارح أول ما سمعت صوته.
اقتربت منه مجددًا وتحدثت بقوة وثبات:
– مش قلة ثقة فيك زي ما إنت مفكر، بالعكس، أنا لو مش واثقة فيك وواثقة إنك تقدر تقف في وشه زي ما حصل قبل كده وقدرت تخلصني منه مكنتش حكيتلك دلوقتي، مكنتش قولتلك خالص، برغم خوفي ورعبي إنه يأذيك لأنه خاين وبيضرب في الضهر بس قولتلك، برغم إن لو آذاك هموت بس عمري ما هقبل إنه يضربك بيا، عمري ما هديله فرصة إنه ينتقم مني بيا يا حمزة، إلا إنت، أي حد إلا إنت، الدنيا كلها إلا إنت يا حمزة.
قالت الأخيرة بنبرة منكسرة ودموع جعلت هذا المتصلب يلين وتعود نظرته كما كانت، رفع كفيه يمسح على وجهه بعنف ويستغفر، يحاول تهدئة أفكاره، يحاول التروي. عاد ينظر لها بقوة وصمت، يفكر كيف كانت حالتها عندما رأته، مؤكد ارتاعبت، مؤكد أخافها، ماذا إن لمسها.
عاد السواد يحوم في مقلتيه وتشتد قبضته حتى برزت عروق كفيه وتساءل:
– عملك حاجة؟ مد إيده عليكي؟
ابتلعت لعابها وتحدثت بصدق:
– كنت هصوت بس كمم بؤي.
اعتصر عينه وانكمشت ملامحه وهو يتحرك باتجاه الخارج ويردد بغضب أعمى وقد فقد أي ذرة عقل:
– هقتله، ده لازم يموت ويريح العالم منه.
أسرعت تقف قبالته وتمنعه مردفة بخوف ورجاء:
– لاء يا حمزة علشان خاطري متعملش زيه، إنت أعقل من كده، ده واحد مريييض، إهدى وهنلاقي حل لو بتحبني.
هز رأسه يردف بإصرار وقد تحول:
– لاااء، ده موته حسنة، ده لازم يموت وهيبقى على إيدي، إبعدي عن سكتي دلوقتي يا ريتان.
قال الأخيرة بصراخ جعل جسدها يهتز وهو تقف خلف الباب فارده ذراعيها تمنعه وتهز رأسها بقوة فما كان منه إلا أنه أزاحها وعينه مغيبة عن رؤيتها الآن، كل ما يراه حالتها أمس ولمسها لها وكاد يفتح الباب ليندفع، فعادت تقف أمامه مردفة ببكاء ورعب:
– حمزة أنا حامل، أنا حاااامل.
تلك المرة تجمد يطالعها بذهول، نعم كان يشعر ولكنها تؤكد له؟ ام تخدعه ليقف.
قرأت شكه فتابعت بدموع وهي تتناول كفه وتضعه على رحمها:
– أنا حامل يا حمزة، طول السنين اللي فاتت دي وأنا سليمة والعيب كان عنده هو وخدعني، إهدى علشان خاطري، أنا ومروان والبيبي محتاجينك، هنلاقي حل، صدقني هنلاقي حل، هو أصلا جبااان صدقني.
ما أن وضعت يده على بطنها حتى ارتعد جسده، كأنه لمس صغيره حقًا، كأنه شعر به، كأنه امتص غضبه وتبخر.
ظل ثابتًا لثوانٍ يستوعب ويشعر بحملها ثم سحب يدها التي كانت تتمسك بكفه وسحبها إليه يعانقها بقوة، وهذا ما كانت تتمناه، بدا العناق دافئ وحنون بث فيها الطمأنينة والراحة التي تطالب بهما الآن.
أما هو فيعانقها بصمت، سيرزق بطفل منها، هذا الخبر له مذاق آخر تمامًا، سيأتي من يخلد حبهما، سيأتي ممن أحبها ولم يحب سواها، سيأتي أخ طفله ويصبح لديه عائلته الصغيرة، والآن عليه إيجاد حل لضمان سلامة الجميع.
ابتعد عنها بعد فترة ينظر لها بحب ويردف معتذرًا:
– أنا آسف يا ريتان، كان لازم أأمنك كويس، آسف إني مقدرتش أحميكي منه.
هزت رأسها تردف بصدق:
– بالعكس، إنت دايماً كنت حاميني منه، دايماً كنت بطلي بس هو خبيث، إنت مش زيه يا حمزة، وأنا بحبك بعقلك وحكمتك وعارفة إنك هتلاقي حل هادئ وعاقل زي ما اتعودت منك.
زفر بقوة وهو ينظر لها بصمت ثم عاد يعانقها ويقبل رأسها قبلات عدة ويفكر في القادم وفي أنسب حل لأجلها.
استيقظت بسمة من نومها على رنين هاتفها. تناولته من جوارها تنظر له فوجدتها جميلة، ردت بأرهاق وتعب قائلة:
– أيوة يا ماما أزيك.
تحدثت جميلة بقلق حاولت مداراته:
– بسمة؟ عاملة إيه؟ إنتِ كويسة؟
تحدثت وهي تشعر بتلوي أسفل معدتها وتقلص رحمها مردفة:
– تعبانة يا ماما، مغص جامد ومش قادرة.
ذعرت جميلة وأردفت بعتب:
– وساكتة ليه؟ مكلمتنيش ليه وكنت جيت أخدتك للدكتور، وبهاء فين؟
نظرت جانبها وجدت بهاء ينام بعمق بعد يوم مجهد متعب ثم عادت تردف بأنين:
– بهاء تعب معايا جدًا امبارح، وكان عايز ياخدني بس أنا مرضتش، مكنتش قادرة أنزل.
تحدثت جميلة باندفاع:
– اقفلي وأنا هجيلك حالاً، إجهزي ومسافة السكة.
أغلقت معها بينما حاولت بسمة القيام لتنظر لصغيرها الذي ينام في سريره الصغير مجاورًا لهما، ولكن ما إن قامت حتى وجدت بقعة دماء تملأ الملاءة أسفلها جعلتها تصرخ باكية:
– بهااااااء.
استيقظ مفزوعًا يطالعها بصدمة فنظرت له وأشارت على تلك البقعة التي ما أن نظر إليها حتى تجمد مكانه لا يستوعب ما يحدث.
أفاق على بكائها الحاد وحتى الصغير استيقظ يبكي هو الآخر فترجل مسرعًا يردف بتشتت:
– اهدي، متقلقيش، اهدي.
كان يحاول فعل أي شيء ولكن لا يستوعب بعد وهي تبكي وتنظر للدماء بزعر وقد تيقنت أنها مؤكد خسرت جنينها.
عند حمزة.
يجلس مجاورًا بعد أن تحلى بالهدوء واستمع إليها وهي تسرد له تفاصيل ما حدث كاملًا. زفر بقوة وتناول هاتفه يهاتف فؤاد الذي أجاب مردفًا:
– صباح الخير يا حمزة.
تحدث حمزة بضيق دون رد الصباح عليه:
– ناصف قابل ريتان امبارح يا فؤاد، روحنا عيادة نسائية والكلب شافها هناك وهددها، عمل خطة وزي كلب وعرف يوصلها، عرف يهددها ويخوفها، دلوقتي بقى وقوعه سهل، ولازم آخد ريتان وأطلع على تامر ونقدم بلاغ فيه فورًا.
تحدث فؤاد بمهنية ودهاء:
– اهدي بس كده، بعد اللي عمله ده يبقى واضح إننا بنتعامل مع واحد مختل، اصبر عليا لما أحاول أفهم بالضبط إيه اللي حصل في العيادة ومرة تانية أبقى أسمع كلامي، قولتلك لازم حراسة عليك قولت لاء، أهو وصلكوا وهددكوا.
تحدث بإنكسار وهو يبعد نظره عنها:
– يعني كنت هاخد حراسة تحرس مراتي وهي معايا يا فؤاد؟
تحدث فؤاد بغضب معنفًا:
– يا أخي افهم، افهم إنك بتتعامل مع واحد خارج عن القانون، واحد معندوش لا مبدأ ولا ضمير ولا عقل، إنت مش بطل خارق إنت إنسان عادي وهو واحد خاين وغدار، ركز بقى يا حمزة.
زفر بضيق ثم تابع يتساءل:
– طيب دلوقتي هنعمل إيه؟ هنسيبه كده يعمل ما بداله؟ لازم حل في أسرع وقت يا فؤاد أنا اتخنقت.
تحدث فؤاد بهدوء:
– أكيد هنلاقي حل طبعًا، وأحسن حاجة إن المدام بلغتك باللي حصل، هو مختل وفكر إنها هتخاف وتنفذ تهديده، خلينا نعرف الأول هو عمل إيه ونستعمل خطته في توقيعه، بس اصبر عليا.
أومأ حمزة وأردف باقتناع:
– تمام، أنا مش رايح الشركة النهاردة، بس متتأخرش عليا.
تحدث فؤاد برفض:
– لاء لازم تروح، بما إنه عرف مكانكوا يبقى هو مراقبكوا كويس أوي، وممكن كمان يكون قريب جدًا من القصر وإحنا طول الوقت مفكرينه مستخبي بعيد، اتصرف طبيعي خالص لما نشوف هنعمل إيه، وياريت لو نقابل مدام ريتان.
تحدث برفض قاطع:
– لا يا فؤاد، من هنا ورايح ريتان هتبعد تمامًا عن الحكاية دي، ريتان مش هتخرج برا القصر مرة تانية.
حاول فؤاد التروي قائلًا:
– كده هيفهم إنها بلغتك يا حمزة وممكن يكون ناوي يعمل حاجة تانية، مينفعش أسلوبك ده، لازم تحكلنا أنا وتامر بالضبط اللي حصل، هي اللي هتقدر تساعدنا، ويمكن الاعتراف اللي تامر عايزه وإنت مش عارف تجيبه هي تعرف تسجله ليه، خد بالك إن ناصف شكله مطمن من ناحيتها.
عاد يردف برفض قاطع:
– مستحيييل يا فؤاد، ريتان هتبعد تمامًا عن الحكاية دي، مش هتشوف الواطي ده مرة تانية.
تحدث فؤاد بغضب مماثل من عناده:
– ما تهمد بقى يا أخي وتفكر صح، أصلًا مدام ريتان دخلت في الحكاية من اللحظة اللي ناصف وصلها فيها، تصرفك بالطريقة دي منتهى الغلط.
نظر لريتان والخوف عليها ينهشه بينما هي ربتت على ساقه وتحدثت بهدوء وتروي:
– افتح المايك يا حمزة.
زفر باستسلام وفتح المايك فتابعت بتعقل:
– فؤاد بيه أزي حضرتك، شوف المطلوب مني إيه وأنا تحت أمرك، ولو لازم نتكلم أنا ممكن أفتح التاب وأبقى معاكم من مكاني.
هدأ فؤاد وتحدث باحترام:
– تمام يا مدام ريتان، كده كويس جدًا، يبقى دلوقتي أنا هحاول أعرف بطريقتي هو وصل للعيادة إزاي واحاول أفرغ كاميرات المراقبة لو وصلنا له مع إني أشك يبقى كويس جدًا ولو معرفناش نوقعه بالطريقة دي يبقى هنضطر ندخلك في الموضوع.
رواية للقلب أخطاء لا تغتفر الفصل التاسع والعشرون 29 - بقلم اية العربي
في إحدى المستشفيات الخاصة
يقف بهاء مع جميلة التي تحمل الصغير بعد أن أتوا مسرعين إلى هنا ومعهما بسمة.
أدخلوها غرفة العمليات على الفور وها هما يقفان في الردهة، القلق يتآكلهما.
فمذ حوالى ساعة ولم يخرج أحد يطمئنهما عليها.
رن هاتف جميلة برقم ريتان التي هاتفتها لتطمئن عليها.
ناولت جميلة ياسين لوالده وأخرجت هاتفها من حقيبتها لترى المتصل.
وجدتها ريتان فتحشرج صوتها وأجابت باكية تردف:
– ريتاااان، شوفتي اللي حصل لبسمة؟
وقع قلبها من نبرة والدتها وتساءلت بذعر:
– خير يا ماما، مالها بسمة؟
أردفت جميلة منتحبة بحزن:
– نزلت الجنين يا بنتي، معرفش إيه اللي حصل، وهي دلوقتي في أوضة العمليات بقالها ييجي ساعة ومحدش طمننا، أنا قلقانة أوي.
إنتفضت ريتان من مجلسها تردف على عجلة:
– لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، مستشفى إيه يا ماما؟ هجيلك حالاً.
أملتها اسم المشفي وأغلقت معها.
هاتفت حمزة الذي ذهب إلى شركته منذ قليل لتخبره.
أجاب على الفور يردف بترقب:
– أيوه يا حبيبتي؟ إنتِ كويسة؟
أومأت تردف بصوت حزين:
– حمزة أنا لازم أخرج حالاً، بسمة نزلت البيبي وفي المستشفى.
وقف من خلف مكتبه يجمع أغراضه ويردف وهو يخطو للخارج:
– تمام إلبسي وأنا جاي حالاً.
أغلقت واتجهت تبدل ثيابها.
دلف عليها مروان بعد أن طرق الباب وأذنت له فرآها وهي تحضر ثيابها.
تحدث بحب متسائلاً:
– مامي إنتِ خارجة؟
تركت الملابس وأتجهت إليه تعانقه وتقبله كعادتها ثم تحدثت بحنو:
– أيوه يا مارو، فيه مشوار مهم لازم أروحه، قول يا حبيبي محتاج حاجة؟
تساءل الصغير بترقب بعد أن اختلف على إحدى الألعاب هو وبيري ابنة عمه:
– ينفع أجي معاكي، أنا وبيري اتخانقنا وأنا مش هكلمها تاني.
أبتلعت لعابها ثم دنت منه تردف بتمهل برغم ما تشعر به قلقاً على شقيقتها:
– بس يا مارو بيري بتحبك وعادي لما تختلفوا على حاجة، ليه متتكلموش براحة وتسألها هي زعلت ليه؟
تحدث ببراءة:
– أنا كنت بخسر نفسي في اللعبة علشان هي تكسب على طول بس هي بقت بتعرف تلعب كويس فبقيت أنا كمان بلعب كويس هي زعلت وقالت إني مبقتش أحبها.
ابتسمت بهدوء ثم تحدثت بتروي:
– طيب إنت دلوقتي هتروح لها وتقول لها الحقيقة وإنك كنت عايزها تتعلم اللعبة الأول إنما دلوقتي هي اتعلمتها خلاص فالأفضل إنك تتنافسوا وتفهمها إنها لو بتحبك زي ما إنت بتحبها هتفرح لما إنت تكسب، وأنا أوعدك إني هاخدك ونطلع مشوار سوا وكمان مع بابي بس حقيقي مينفعش أخدك معايا المرة دي.
أومأ لها متفهماً وراق له حلها فقبلها وأسرع يخطو للخارج كي يفعل كما قالت واعتدلت هي تتنهد ثم بدأت في تبديل ثوبها.
بعد وقتٍ في المشفى
خرج الطبيب فأتجه إليه بهاء على الفور يتساءل بقلق:
– خير يا دكتور طمني، بسمة عاملة إيه؟
تحدث الطبيب بمعالم وجه حزينة يردف:
– هو طبعاً للأسف خسرنا الجنين، وعملنا تنظيف، بس المشكلة إننا اكتشفنا أورام ليفية مخاطية في الرحم أدت لتضخمه، وده سبب النزيف والإجهاض، وقبل ما نقرر طريقة العلاج لازم ننتظر لما المريضة تفوق ونعمل رنين مغناطيسي علشان نعرف حجم الأورام، وطبعاً نتمنى تكون حاجة بسيطة وألا هنضطر نستأصل الرحم.
سقط قلبه مرتطماً وهو ينظر لجميلة التي صرخت باكية بحسرة وظل متجمداً لثوانٍ قبل أن يحاول استعادة ثباته ويتساءل بحزن وعجز:
– طيب وبسمة، عاملة إيه؟
زفر الطبيب وتحدث:
– طبعاً مش هيبقى سهل عليها خبر زي ده، بس لازم تحاولوا تشرحولها إن دي مشيئة ربنا وإن شاء الله نحاول نحل الموضوع بشكل تاني من غير ما نحتاج لاستئصال الرحم.
أومأ عدة مرات يردد بحزن وخيبة:
– قدر الله وما شاء فعل، قدر الله وما شاء فعل.
ربت الطبيب على كتفه وقال:
– ونعم بالله، دقايق وهننقلها على الأوضة.
تركه وعاد للداخل واتجه هو يجلس بصغيره فلم تعد قدماه تحمله، وجميلة تقف تجاوره باكية.
الآن يواجه شيئاً كبيراً عليه.
في الأمس كانا ينتظرا طفلهما الثاني والآن هما مهددان باحتمالية استئصال الرحم.
يا إلهي ما هذا الاختبار الصعب؟ وكيف ستتقبله بسمة؟ وهل أمامها حل آخر؟
جاء حمدي الذي علم من زوجته يتجه إليهما وعندما رأى حالتهما أسرع يتساءل بقلق:
– فيه إيه؟ بنتي مالها؟
إتجهت إليه جميلة تردف منتحبة بقهر:
– بسمة هتشيل الرحم يا حمدي، بنتي مش هتخلف تاني.
إرتمت في حضنه تجهش في بكاء مرير بينما هو وقف مصدوماً لا يستوعب بعد ثم لمعت عينه بالدموع وهو يردد:
– لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، رحمتك يا رب.
بعد دقائق قليلة وصلت ريتان أيضاً ويجاورها حمزة واتجها إليهما بعدما جلسوا جميعهم ينتظرون خروج بسمة.
نظرت ريتان لجميلة الباكية وتساءلت بقلق:
– خير يا ماما حد طمنكوا؟
رفعت جميلة نظرها لريتان ثم عاد البكاء والحزن ينهش داخلها وتحدثت بقهر:
– أختك يا ريتان، أختك يمكن يشيلولها الرحم، أختك معادش هتخلف تاني.
نظرت لحمزة بصدمة ووقف الآخر لا يعلم ماذا يقول بينما هي سقطت عبراتها ووقفت فقط تبكي وتفكر دون نطق حرف فقد ألجمتها الصدمة.
عند سناء التي قررت اصطحاب توأمها إلى منزل والدها بعد أن ضجرت من الجلوس وحدها.
ترجلت من سيارتها بعد أن وصلت وترجل التوأم يردفان بضيق:
– يعني كان لازم يا مامي نيجي معاكي؟ كنا روحنا النادي وجيتي وحضرتك لـ.
تحدثت بضيق وعتاب:
– ميصحش كده، دول أهلكوا وليهم حق عليكوا، قولت الكلام ده مليون مرة قبل كده، وآخر مرة هقوله، تمام؟
زفر التوأم وأومئا واتجهوا جميعهم للداخل حيث استقبلتهم صفية بترحاب وود وكذلك كاري وشيرين.
رن هاتف سناء فتوقفت عند الباب عندما وجدته رقم معاذ وتنهدت بقوة ثم استأذنت قائلة:
– بعد إذنكوا هرد على الموبايل وأرجعلكوا.
خطت عائدة للخارج حيث الحديقة في مكان مناسب وأجابت قائلة بجدية:
– أهلاً يا معاذ بيه؟ خير في حاجة؟
تحدث معاذ الذي كان يظن أنه لن يكرر طلبه ولكنه لم يستطع، حاول التفكير بعقلها وتفهم خوفها وصغر توأمها، أراد أن يطمئنها، أراد أن يثبت لها أنه ليس كغيره، أراد أن يحقق لها المعادلة الصعبة التي تتمناها وهي راحة توأمها وسعادتها، سيفعلها من أجلها، يستحقان فرصة، هو وحيد ويعاني الوحدة وظهرت هي أمامه لتحرك مشاعره التي ظنها باردة، أيقن أنه أحبها، أيقن ذلك بعدما غلبه التفكير بها، منذ أن أخبره حمزة برفضها وهو يفكر، حتى أنه خشي نظرة المجتمع من حوله لنعته بالمراهق ولكنه لم يعيش الحب أبداً، زوجته المتوفاه كان بينهما مودة ورحمة واحترام ولكن الأمر مع سناء مختلف، هي شغلت حيز كبير من أفكاره واحتلتها حتى بات مثل العاجز في بعدها، أصبح يتمناها جواره وحلاله لتشاركه وحدته واسمه وحياته ولتكن ونيسته، ليس مراهقاً بل رجلاً ناضج يفكر بالعقل والقلب معاً.
تحمحم يردف بعد أن سمع صوتها:
– مدام سناء ازيك، أنا عارف إن مفيش أي سبب يخليني أكلم حضرتك تاني بس أنا حابب أقابلك وأتكلم معاكي في أي مكان تختاريه، ولو سمحتِ مترفضيش، اسمعي اللي عندي وبعدها قرري، يمكن أنا اتكلمت مع حمزة الأول احتراما للأصول بس أنا محتاج أتكلم معاكي انتِ المرة دي، واختاري أي مكان انتِ عايزاه، بس لو سمحتِ مترفضيش.
وقفت حائرة، منذ أن أبلغت حمزة بقرارها وهي حزينة، تشعر أنها رفضت فرصة ربما لن تعوض، ولكن تعود وتنهر نفسها فهي اختارت توأمها ومستقبلهما، كيف لها أن تفضل سعادتها عنهما وأي سعادة تلك التي تتوقعها وهما تعيسان، إن كان والدهما الحقيقي كان لا يهتم لأمرهما ويعنفهما فهل سيفعل الغريب ويحبهما؟ وهذا أكثر ما تخشاه، تخشى أن يجرحهما أحد ولو بكلمة، تخشى أن يلوموها عندما يكبرا بأنها فضلت نفسها عنهما، تخشى بعد كل ما عانته أن تظهر في ثوب الأم السيئة وهي أبعد ما يكون عن ذلك.
تحدثت بهدوء ونبرة مستجيبة:
– مش مسألة رفض يا معاذ بيه، بس اللي حضرتك منتظره مني صعب يحصل، حضرتك عارف إني أم لولدين في مرحلة صعبة محتاجين فيها كل اهتمامي وتركيزي، وأنا فكرت كويس ولقيت إن مينفعش أفكر في أي شيء تاني حالياً غير مستقبلهم.
تحدث بصدق:
– طيب ما تخليها نفكر، خليني أشاركك التفكير في مستقبلهم، خلينا نتشارك في كل حاجة خاصة بينا، خلينا ندي لبعض فرصة جديدة، مش يمكن ننجح؟
ابتلعت لعابها وبدا حديثه مؤثر ثم عادت لجديتها بعد أن توغلها الخوف وأردفت:
– مفيش الكلام ده يا معاذ بيه، إحنا مش عايشين في المدينة الفاضلة للأسف، أولادي مسؤولين مني أنا وبس، وحضرتك عندك أولادك، مينفعش تشيل حمل مش ليك أبداً، أنا مش هسمح بكده.
عاد يتحدث بتروي بعد تفكير طويل:
– هكلمك بمنظور ديني يا مدام سناء، الرسول صلى الله عليه وسلم قال (أنا وكافل اليتيم كهاتين في الجنة) وأشار بأصبعيه السبابة والوسطى، يبقى ليه إنتِ عايزة تحرميني المكانة دي؟ صدقيني أنا حابب جداً وعلى استعداد أقوم بالدور ده، أنا واثق أننا نستحق فرصة، خليني أتكلم معاكي الأول وبعدين أتكلم مع الأولاد، ولو هما رفضوا أنا مش هتكلم تاني، بس فكري كويس.
زفرت بقوة تلوك الأمر في عقلها ثم تحدثت مستسلمة:
– تمام يا معاذ به، خليني أضبط أموري وأبلغ حضرتك.
تحدث بنبرة فرحة لموافقتها:
– تمام يا مدام سناء، هنتظرك بس ياريت متتأخريش عليا.
تنهدت تردف بهدوء:
– إن شاء الله.
أغلقت معه ووقفت لدقائق تفكر ثم قررت الدخول لقضاء اليوم مع عائلتها والتفكير بتروي لاحقاً.
في المشفى
نقلت بسمة إلى غرفة عادية وكانت تحت تأثير المنوم بينما الجزء السفلي منها مخدر تخدير نصفي.
الجميع حولها يجلسون بحزن جلي.
ريتان تجاور حمزة مطأطأة الرأس باكية، وجميلة تحمل الصغير الذي نام وتنتحب على حال ابنتها، وبهاء يستند على حافة النافذة لا حول له ولا قوة يطالعها بعجز وتشتت.
بدأت تفيق شيئاً فشيئاً ويداها تتجه تلقائياً لبطنها.
تتحسسها ببطء وما لبث أن فاقت تصرخ وتبكي، بعد أن تيقنت أنها خسرت جنينها.
أسرع إليها بهاء يحتويها ويواسيها مردفاً:
– إهدي يا بسمة، قدر الله وما شاء فعل، إهدي يا حبيبتي.
كذلك جميلة التي مدت الصغير على أحد المقاعد وأسرعت إليها هي وحمدي يحاولان تهدأتها.
كانت تنتحب بقوة وتردد:
– ابني رااااح، راااح يا بهاء، اااااه.
تقف جانباً تستند على زوجها وتبكي بقوة على حال شقيقتها، تعلم مدى بشاعة الأمر، الأمر لا يحتمل حقاً، مجرد التخيل مدمر فماذا عن حال شقيقتها، ولكن لا اعتراض على مشيئة الله، ليتها تستطيع قول شيء يواسيها.
ظلت بسمة تصرخ وبهاء وجميلة يحاولان تهدأتها وحمدي يردد:
– ارضي يا بنتي، قضاء ربنا كده، خير يا بسمة المهم سلامتك يا حبيبتي.
ظلت تبكي ويجاورها بهاء يردد كلمات الرضا إلى أن عادت أو هربت للنوم مجدداً.
في المساء وريتان تجاور جميلة، يوم مجهد مر على الجميع، بسمة تنام وكأنها ترفض الواقع وتستنكر حدوث ما حدث.
حمدي وحمزة يواسيان بهاء في الخارج وهو يردد (قدر الله وما شاء فعل، الحمد لله على كل حال).
استيقظت مجدداً تردف بشفاه جافة وعيون مغلقة:
– مايه، عطشانة.
أسرعت ريتان بعدما لاحظت غفوة جميلة، وقفت تتجه للكومود وتتناول زجاجة المياه المعدنية وتقربها منها مردفة بتوتر لخوفها من رد فعل بسمة:
– إشربي يا بسمة.
فتحت عينيها تطالعها بخفوت ووهن ثم عاد البكاء يداهمها وأردفت متسائلة:
– شمتانة فيا مش كده؟
لو أن أحدهم أصاب قلبها برصاصة أهون عليها من تلك الجملة وهذه النظرة.
ابتلعت مرارة حلقها ووقفت تتحكم في التواءة أحشائها مردفة بصدق ودموع:
– أشمت في أختي؟ مستحيل.
عاد تردف وشهقاتها بدأت تزداد مردفة:
– ليييه، المفروض تشمتي فيا، ابني رااااح أهو، ويمكن ما أعرفش أخلف تاني زي ما كانوا بيحكوا في أوضة العمليات، يعني هبقى زيك.
نزلت عبراتها متتالية.
كيف تخبرها أنها الآن تحمل في رحمها علقة صغيرة؟ كيف تخبرها أنها لم تكن يوماً تعاني من مشكلة في الإنجاب كما كانت تعتقد بل أوهِمت بذلك؟
الآن بات إخبارها بهذا الخبر شبه مستحيل.
هي لن تفعل مثلها، لن تؤلمها، ولكن لم تتوقع أن يأتي صوت من خلفها يردف بجمود:
– بس ريتان حامل يا بسمة.
التفتت تنظر بصدمة لحمزة الذي دلف مع بهاء وحمدي بعد أن استمع إلى صوت بسمة.
سمع حديثها ولم يحتمل، إن كانت حقاً تتصرف بتسرع وطيش لتعلم بحمل شقيقتها ربما تأنت قليلاً، وإن كانت تحمل نفساً خبيثة فتعتبر ما يمر بها درساً، وإن كانت تفسر الأمور بطريقة خاطئة فلتحاول الفهم.
لم يحتمل أن تهان حبيبته مجدداً وتحدث بذلك حتى ولو كان الوقت غير مناسب.
وقفا حمدي وجميلة يتطلعان على بعضهما.
توغلت إليهما السعادة وكادت تغطي على حزنهما بعد هذا الخبر لولا ريتان التي أردفت مسرعة وهي تندفع للخارج:
– عن إذنكوا.
خرجت وتبعها حمزة، يحاول اللحاق بها، ينادي عليها فوقفت في ردهة المشفى تلتفت إليه وتردف معاتبة بحزن:
– ليه يا حمزة، قولت ليه دلوقتي، هي في حالة صعبة، مكنش ينفع نقوووول.
وقف أمامها يطالعها بحب، في كل مرة تثبت له أنها محقة في احتلال قلبه، أن لها الحق الكامل والتحكم الكامل في مشاعره وكيانه.
تحدث بحب وتمهل:
– لو بتحبك بجد مش هتزعل، اللي حصل مع بسمة ده قضاء وقدر وأي حد معرض ليه بس مستحيل إنتِ تشتمي فيها.
زفرت بقوة فمد يده يحتويها ويضع رأسها على صدره مردفاً بحنو:
– يمكن اتسرعت بس غصب عني، متحملتش توجعك بالكلام، أنا عارف إنها في صدمة دلوقتي وصدقيني أنا زعلان عليها جداً بس مش هتحمل حد يزعلك.
استكانت قليلاً معه، تعلم أنه محق.
يكفي أنه ترك عمله ومكث معها يدعمها ويجاورها ويشاركها حزنها على شقيقتها، يكفي أنها كلما احتاجته وجدته، يكفيه ما يعانيه ويؤرقه بسبب ذلك الخبيث، يكفيه ما على عاتقه.
ابتعدت تطالعه بحب وتردف بهدوء:
– تعالى نروح يا حمزة وهبقى أرجع لها وقت تاني.
أومأ لها يردف مؤكداً:
– نرجع لها، مش هسيبك تيجي هنا لوحدك يا ريتان.
ابتسمت له وأومأت وغادرا بعد ذلك بينما عند بسمة التي صدمها الخبر.
حسناً ليست حاقدة على شقيقتها، ولكن ما هذا التوقيت؟ يا إلهي هل حقاً كانت ظالمة لها؟
في اليوم الذي فقدت جنينها به وهناك احتمالية عدم انجابها مجدداً تعلم أن شقيقتها حامل؟ شقيقتها التي دوماً كانت تظنها تحقد عليها وعلى حياتها وتغار منها؟
ترى هل حقاً هي المخطئة مثلما أخبرها زوجها ووالدها وحتى والدتها؟ هل تجني الآن نتيجة ما زرعته؟ ولكنها لم تتعمد ذلك، لاااا لقد فسرت فقط ما رأته ولم تبالغ، أو ربما بالغت، هل بالغت حقا؟
نظرت للجميع من حولها، الكل ينظر لها بقلة حيلة.
بهاء يجلس يستند برأسه على ذراعيه لا يعلم ماذا يفعل.
وحمدي يجاور جميلة يخشى إظهار الفرحة بعد هذا الخبر فتحزن ابنته، ولكن أتى خبر حمل ريتان ليخفف عنهما حزنهما على بسمة التي أغمضت عينيها واندجت مع أفكارها المتضاربة بعيداً عن العين الحزينة التي تلومها بصمت.
في المساء يجلس فؤاد في مكتبه يفكر بعد كل ما علمه، يخشى إخبار حمزة فيصعب الوضع ويتصرف الآخر بتسرع، لذلك فها هو يهاتف تامر الذي أجاب بترقب:
– أهلاً يا فؤاد، عرفت حاجة؟
تحدث فؤاد بتروي:
– أيوه يا تامر، عرفت طبعاً وقولي نعمل إيه، لإن الوضع كده بقى خطر.
تنبه تامر وقال متسائلاً:
– خير يا فؤاد، قول اللي عندك؟
زفر فؤاد وتحدث بما أتى به:
– أنا فرغت الكاميرات اللي حوالي القصر ولاحظت بعد خروج حمزة ومراته إن فيه عربية اتحركت وراهم فيها رجلين وبعدها عربية تانية فيها واحدة منتقبة وواحد معاها، ونفس المنتقبة دي نزلت قدام العيادة اللي حمزة ومراته دخلوها، وده عرفته من كاميرا مراقبة برة العيادة، لإن تسجيلات المراقبة اللي في العيادة بتاعة امبارح كلها اتمسحت ولما حاولت أعرف اللي حصل من الدكتورة رفضت تماماً تتكلم بحجة إني مش جهة حكومية، بس بحكم خبرتي هي مخبية حاجة طبعاً وكانت خايفة وهي بتتكلم، بس بعدها اتأكدت إن المنتقبة دي تبقى ناصف وواخد شقة قصاد القصر على طول وبيراقب كل تحركات حمزة وعيلته منها، وطبعاً عقد الإيجار باسم حد من اللي معاه مش باسمه.
كذا بقى لازم نتحرك بسرعة وهدوء لإن وجوده برا خطر على أي حد، واضح إنه بيخطط لحاجة كبيرة، وزي ما بلغتك الصبح، تهديده لمرات حمزة يأكدلنا إنه واحد مجنون وممكن فعلاً يؤذيها.
تحدث تامر بعد تفكير بترقب:
– لو عايز أتواصل مع مرات حمزة بس من غير ما حمزة يعرف أعمل إيه؟
زفر فؤاد وقال:
– هيبقى صعب يا تامر، حمزة مش هيسمح بحاجة زي كده.
تحدث تامر بإنفعال:
– لازم يا فؤاد، البني آدم ده محدش يتوقع هو ممكن يعمل إيه، وحمزة ممكن يتهور، لازم نوقعه بسرعة قبل ما يلاحظ إننا عرفنا حاجة، واللي هتقدر تساعدنا في ده هي مرات حمزة نفسها لإن هي الهدف.
تساءل فؤاد بتوتر:
– قصدك هنعملها طعم نصطاده بيه؟
تحدث تامر بثقة وتريث:
– مش بالضبط كده، أكيد مش هنخاطر بيها، لازم نأمنها كويس، بس الأفضل إن حمزة ما يعرفش.
زفر فؤاد وتحدث بترقب:
– تمام يا تامر، أنا هحاول اتواصل معاها، بس لو مقبلتش يبقى نبلغ حمزة، واطمن حمزة عاقل واظن لو الموضوع متعلق بمراته مش هيتهور.
أردف تامر بقبول:
– تمام، موافق.
في اليوم التالي
ذهبت ريتان مع حمزة لترى شقيقتها، فبرغم ما حدث إلا أنها لا تستطيع تركها، خصوصاً بعد أن أخبرتها جميلة أنها ظلت طوال الليل تبكي بعد أن أخبروها بحقيقة وضعها الصحي وعليها التمهيد للقادم.
دلف الغرفة وانتظرها حمزة في الخارج والقت السلام على والدتها وشقيقتها التي تستند على الفراش.
ردت جميلة السلام ووقفت تعانقها ثم ابتعدت ريتان تنظر لشقيقتها متسائلة بترقب:
– عاملة إيه يا بسمة النهاردة؟
نظرت لها بتمعن، نظرت لملامحها كأنها تراها للمرة الأولى.
هل حقاً تلك العيون كانت صادقة تنظر إليها بحب وصدق؟ هل حقاً كانت تلك الواقفة تتمنى لها الخير وتتصرف مع صغيرها وزوجها بصدق دون أي أفكار خبيثة؟ هل حقاً كان عقلها هي هو المستوطن لتلك الأفكار وقامت بتربيتها داخلها فقط حتى كبرت وسيطرت عليها.
زفرت بقوة وأومأت تردف بهمس ودموع وحزن دون النظر إليها:
– الحمد لله.
إنتابتها الراحة قليلاً بعد أن شعرت بهدوء الحديث بينهما ثم قررت المغامرة بالحديث لذلك سحبت مقعداً وثبتته بالقرب من فراشها وجلست عليه تطالع شقيقتها ثم مدت يدها تتمسك بكف شقيقتها التي تفاجأت ولفت نظرها إليها متعجبة بينما جميلة قررت ترك مساحة لهما لذلك وقفت بصمت تتجه للخارج.
تحدثت ريتان بصدق ودموع أتت مجبرة بعد هذا الموقف:
– أنا عمري ما أشمت فيكي يا بسمة، أنتِ أختي الوحيدة، الوحيدة اللي هفضل سعادتها عن سعادتي، الوحيدة اللي مهما شوفتها مبسوطة ومرتاحة عني عمري ما أزعل أو أغير يا بسمة، علشان كده كنت بتصرف بعفوية مع أي حاجة تخصك، فرحتي وحبي لياسين ده لأنه ابنك، لأنه ابن اختي وأقرب طفل ليا، وتصرفي مع بهاء كان لإنه إنسان بيحبك وبيقدرك، لو مكنش بيحبك أو بيتعامل معاكي بقسوة لا قدر الله مكنتش هحترمه أبداً، لأني اتعذبت في حياتي كتير ومش هقبل تتعذبي زيي، برغم إني أكبر منك بأربع سنين بس لكن كنت بحس إنك بنتي مش أختي، ودايماً أقول لنفسي معلش لسة صغيرة وبتحسب الأمور غلط وبكرة تفهمك صح.
زفرت بقوة ومسحت دمعتها الفاترة بكف يدها ثم تابعت أمام عين بسمة الباكية التي تستمع بصمت وإنصات:
– كنت ناوية أجيلك وأتكلم معاكي في كل ده، وكنت ناوية أقول كلام كتير أوي، كنت ناوية أتكلم عن طفولتنا سوا وأفكرك بحاجات إنتِ نسيتيها، بس جه الخبر ده وغير كل حساباتي، وجعني أوي أوي يا بسمة، وجعني لأني كنت متخيلة إننا هنتفاهم وأعرفك بحملي وعارفة ومتأكدة إنك هتفرحي لي، زعلت أوي عشانك لأن وجعك بيلمسني يا بسمة، بس متفائلة خير، متفائلة خير إن أختي هتتغلب على الحالة دي وهترضى بقضاء الله وإن شاء الله ربنا مش هيخذلها أبداً، وبعدين ياسين من امبارح وهو زعلان ومحتاجك، وبهاء هيموت عشانك وعايزك تطمنيه بكلمة، هو كمان زيك خسر ابنه، انتوا الاتنين محتاجين تواسوا بعض، روّقي وسبيها على الله وكل حاجة هتبقى تمام.
انتهت واكتفت بهذا القدر الكافي من الحديث، فوضع شقيقتها لا يحتمل أكثر من ذلك، خصوصاً بعدما زاد نحيبها.
نعم تبكي، تبكي بعد أن استمعت لحديث شقيقتها الذي يؤكد لها أنها كانت مخطئة ومتوهمة لشيء خبيث دمرها، لشيء تملك منها وتحكم بأفكارها حتى جنت نتائجه الآن.
ليتها تعود بالزمن، ليتها تستطيع العودة.
وزادت كلمات شقيقتها الحمل عليها فبات الندم يتآكلها، خسارة جنينها واحتمالية عدم إنجابها للمرة الثانية وكلمات شقيقتها ينهشان داخلها ويعنّفانها على ما فعلته لسنوات.
وقفت ريتان تربت على كفها بعدما طال صمتها وأردفت وهي تستعد للرحيل:
– أنا هخرج وأبعتلك بهاء.
خطت للخارج وتركتها وبالفعل دلف بهاء بعد ثوانٍ يتجه إليها وهي تبكي وتشهق، يحاول إيجاد كلمات مناسبة ولكن حاله هو الآخر يؤثر فيه، هو أيضاً يريد من يطمئنه ومع ذلك فظل يردد دائماً (قدر الله وما شاء فعل، الحمد لله على كل حال).
وقف حمزة بعدما رأى ريتان يطالعها بتمعن ويسألها بنظراته عن حالها فابتسمت وأومأت له مطمئنة بينما نظرت لجميلة وتساءلت بترقب:
– مفيش جديد يا ماما؟ قالوا إيه؟
تنهدت جميلة وتحدثت بحزن:
– أورام ليفية يا بنتي، هيشوفوا يمكن يستأصلوها من غير ما يشيلوا الرحم خالص، بس هيبقى صعب تحمل تاني الفترة دي.
سحبت شهيقاً قوياً وأومأت بحزن بينما نظر لها حمدي وتحدث بحنو:
– ريتان، مبروك يا بنتي، ربنا يديكي على قد نيتك وطيبة قلبك، ومتزعليش نفسك، اختك هتبقى كويسة إن شاء الله، ده قضاء الله يا بنتي.
أومأت بهدوء لوالدها ثم نظرت لحمزة وأردفت بصوت متحشرج وعيون لامعة:
– هروح التواليت وجاية.
أومأ لها وتحركت هي إلى الحمام النسائي لهذا الطابق ودلفت لتغسل وجهها.
ثوانٍ وتبعتها امرأة منتقبة للداخل تبدو في حالة متوترة.
أغلقت باب الحمام في ثانية فانتبهت ريتان ونظرت لها بشك أصبح يقين بعد أن رفع نقابه وظهر وجهه وهو يطالعها ويتساءل متلهفاً:
– إيه يا ريتا عملتي إيه؟ شايفك راحة جاية معاه ومش مصدقة تهديدي، تحبي تشوفي بنفسك؟
قالها وهو يلوح بيده التي تحمل جهاز اتصال برجاله، وقفت هي لثوانٍ متجمدة وأنفاسها بقيت معلقة ثم زفرت بقوة وحاولت التحلي بالقليل من الجرأة خصوصاً بعد حديث فؤاد معها أمس لذلك ابتلعت لعابها وأردفت تهز رأسها:
– إنت دخلت هنا إزاي، إنت مجنوون.
ابتسم بفخر كأنها تمدحه وأومأ يتحدث بشر:
– بالظبط، وليس على المجنون حرج، ها فكرتي كويس ولا ناوية تعملي حاجة تانية؟
أردفت بمراوغة وهي تحاول عدم إظهار أي شك بينما جسدها يرتعش بصدق:
– أفهم يا ناصف، فكرك يعني لو روحت قولت لحمزة يطلقني هيطلقني على طول؟ أصبر عليا أنا بحاول ألاقي حل.
كانت تتحدث بدموع وخوف حقيقي جعله يصدقها ويومئ لها قائلاً:
– إنجزي، لاقي أي حل ولازم يطلقك، بينيله إنك كرهتيه، زي ما كنتِ بتعملي معايا، المهم تنجزي، وأعرفي إني قريب منك أوي، واستنى مني لقاء قريب تفرحيني بخبر طلاقك.
قالها بابتسامة صفراء شيطانية جعلها تشعر بالغثيان ثم عاد ينزل نقابه على وجهه ويفتح الباب ليخرج ولكنه تجمد حينما وجد حمزة يقف أمامه يطالعه بعمق وعيون حادة متسائلاً:
– إنتِ مين؟
أخفض ناصف عينه وضغط على الجهاز الذي بيده ليستعد لجلب من معه فيبدو أن أمره سينكشف الآن ولن يسمح بذلك ولكن أسرعت ريتان تتمسك بذراع حمزة وتحاول إخراج الكلمات بصعوبة مردفة:
– فيه إيه يا حمزة، ميصحش كده، سيب المدام تعدي.
ظل عينه مثبتة عليه ثم زفر وابتعد فمر ناصف من جانبه يتنفس بقوة ويغادر قبل أن يلحقه رجاله وقد تأكد أن ريتان تخشاه وستنفذ تهديده لها.
بعد عدة أيام
عادت سناء من هذا اللقاء الذي يبدو أنه أثمر داخلها بتساؤلات عدة.
فقد قابلت معاذ لتوه في النادي الرياضي بناءاً على رغبتها أثناء تمرينات توأمها، وها هي تعود معهما شاردة تفكر في كلامه.
أخبرها عن وحدته وعن أولاده وعن زوجته المتوفية وعن حياته الباردة وعن مشاعره منذ أن رآها.
أخبرها بكل ما في خاطره بصدق ودون قيود.
أخبرها عن ما يتمناه وما هو ينوي فعله معها ومع توأمها إن وافقا.
حتى أنه على استعداد لشراء فيلتهما وإهدائها لها كمهر لكي يظلا بها دون حدوث تغيير يؤرقهما، وهذا راق لها كثيراً، وجعلها تلين قليلاً خصوصاً بعد أن استشعرت صدق حديثه.
تساءل سليم بترقب وهو يجلس يستريح:
– مامي هو أونكل معاذ ده كان عايزك في إيه؟
كان يشعر هذا الصبي بشيء غريب، هو وشقيقته يشعران منذ أن قابلها هذا المعاذ أول مرة وبسبب تردده على النادي دوماً، ولكن بسبب جدية والدته التزم الصمت الذي قرر قطعه الآن وبعد تلك المقابلة.
زفرت سناء بقوة وقد علمت أنه حان وقت المواجهة لذلك أردفت بتروي:
– ممكن تسمعوني، عايزة أتكلم معاكم في حاجة مهمة.
تنبه التوأم جيداً وأومأ كلاهما لها فتابعت بتوتر ودون مراوغة:
– معاذ بيه طالب يتجوزني.
صُدما الإثنين لثوانٍ ينظران لبعضهما ثم عادا ينظران لها فتابعت بتروي:
– طبعاً هو مش أول مرة يطلب الطلب ده، بس أنا رفضت قبل كده، رفضت لأني صعب جداً أحطكوا في موقف يضايقكوا أو يشتت فكركوا عن مستقبلكم، ولا عمري هسمح إن حد ملوش سلطة يتحكم فيكم، بس هو طلب يتكلم معايا تاني، وعايزني أفكر تاني.
عادا الاثنين ينظران إلى بعضهما ثم تساءلا:
– وحضرتك ناوية على إيه؟
زفرت بقوة وتحدثت بصدق:
– القرار ده الوحيد اللي مينفعش يتقال فيه ناوية، لازم كلنا نفكر فيه، أنا وانتوا نفكر كويس، وخلوني أقولكم على اللي قاله واللي ناوي يقدمه وكمان لازم أحكيلكم عن سيرته وحياته وانتوا تفكروا معايا، أنا كان ممكن أرفض تماماً مرة كمان وبلاها خالص الموضوع ده، وعايزاكوا تتأكدوا إنكوا أولى أولوياتي، بس فيه جزء جوايا متردد ومش عايز يرفض علطول، جزء خاص بيا مش هتفهموه دلوقتي، هتفهموه كويس أوي لما تكبروا وتلتفتوا لنفسكم وحياتكم بعيد عني، هو ده اللي خلاني أديله فرصة وأفكر، وعايزاكوا تفكروا معايا.
نظر الاثنين لبعضهما مجدداً.
برغم صغر سنهما الذي تجاوز الـ 15 إلا أنهما يفهمانها قليلاً، يحاولا استيعاب ما تقوله.
يلاحظان دوماً حزنها وصمتها وشرودها.
كانا في صغرهما شاهدان على تعنيف والدهما لها وهناك مقاطع مشوشة تداهمها بالرغم من عدم إخبارها لهما بأي شيء مما عانته مع زوجها.
ومثلما هي تتمنى سعادتهما فإنهما يسعيان على جعلها تبتسم وتنظر لهما بعين فرحة، لذلك أومأ سليم وتحدث نيابة عن شقيقته التي أومأت له:
– تمام يا مامي، خلينا نقعد معاه ونكلمه، وإحنا معاكي وهندعمك في أي قرار صح تاخديه.
نظرت لهما بعين ملتمعة.
لم تضيع تربيتها هباءاً، يثبتان لها أن ما عانته كان يستحق، هما يستحقان الأفضل دوماً، هما يستحقان الأولوية لذلك فتحت ذراعيها ليسرعا يعانقاها وهي تحتويهما بحب وسعادة حقيقية تنتابها في عناقهما فقط.
قررت ريتان العودة للعمل في المدرسة أو ربما هذا القرار نابع عن خطة ما.
لذلك فها هو حمزة يوصلها إلى مدرستها لليوم التالي لها وتجاوره مرددة بـ (حاضر) بعد كل بند من بنود الوصايا التي يلقيها عليها.
ترجلت أمام المدرسة ونظرت له مطولاً بحب ثم سحبت مروان وبيري معها للداخل.
غادر حمزة بعدما جاء الحارس الشخصي لريتان وبعد تنبيهات مشددة منه اضطر للمغادرة مجبراً.
مضى وقت وهي تحاول الاندماج في العمل وعدم التفكير في أمور تقلقها.
دلف إليها العاملة تحمل هاتفاً عادياً وتمده لها مردفة بتوتر:
– مس ريتان، فيه حد عايزك.
انسحب قلبها وتملكها التوتر وارتفع الأدرينالين في سائر جسدها جعلها تسمع حتى صوت نبضها وانقباض معدتها ثم مدت يدها تلتقط الهاتف وتضعه على أذنها مردفة بصوت مهزوز وقد علمت هوية المتصل:
– ألو؟
تحدث بفحيح:
– ربع ساعة وهتلاقي عربية سودا قدام باب المدرسة مستنياكي، تركبيها من سكات، بس قبلها تخرجي للحارس اللي جوزك معين عليكي ده وتسربيه بأي حجة، فاهمة.
حسناً برغم شعورها بالذعر من القادم إلا أن هذه فرصتها الذهبية، لا مفر، لتدعو الله أن يمر الأمر بسلام ولينتهي هذا الكابوس، لينتهي وتستيقظ بجوار حبيبها فقط.
ابتلعت لعابها وحاولت المراوغة مردفة:
– بس كده ممكن يحصل مشكلة.
ضحك وتحدث بجنون:
– المشكلة الحقيقية هتحصل لو معملتيش اللي قولته، بقوا 13 دقيقة، انجزي.
أغلق فناولت الهاتف للعاملة ونظرت لها نظرة حانقة ولكن ليس وقتها الآن، لتحاول حل تلك المعضلة أولاً.
غادرت العاملة وتركتها فأسرعت تغلق الباب وسط تعجب الصغار ولكن لا مفر، اتجهت للمكتب تتناول الهاتف من حقيبتها ثم حاولت الاتصال على فؤاد لتخبره بالأمر.
بعد دقائق خرجت أمام باب المدرسة ونظرت للحارس الذي يقف ثم نادته فجاء إليها، تنهدت بقوة وتحدثت بتوتر:
– حسن معلش ممكن تجبلي كتاب المعارف من المكتبة اللي على أول الشارع؟
نظر لها بعمق ثم أومأ بهدوء وتحرك يغادر مبتعداً.
نظرت لأثره وزفرت بقوة ثم وقفت تنتظر ما هو آتٍ.
ثوانٍ وجاءت سيارة سوداء ووقفت أمام المدرسة وفُتح بابها دون ظهور أحد، توكلت على ربها وصعدت بها وفي لمح البصر كانت ترحل بها.
نظرت لمن حولها فلم تجد ناصف بل شخص ملامحه تبدو مرعبة.
التصقت في الباب تحتمي بها ثم أردفت متسائلة:
– ناصف فين؟
لم يجيبها بل رفع هاتفه وتحدث مع أحدهم ثم أغلق ونظر للأمام دون الالتفات إليها.
بعد حوالي ربع ساعة تمكن القلق منها فهي أصبحت تسير في طريق خالٍ من السيارات.
توقفت السيارة وترجل منها الرجل الصامت والسائق ثم صعد إليها ناصف وركب يغلق الباب خلفه ثم تطلع عليها مبتسماً يردف بتباهي:
– إيه رأيك في فيلم الأكشن اللي عيشتك فيه ده، علشان تعرفي إني بحبك وعلشانك عملت حاجات كتير أوي.
نظرت له بتعمق، ليس وقت الصدمات الآن، لتنهي ما جاءت لأجله ولكن بذكاء ودون إثارة أي شكوك لذلك تساءلت بتوتر مرتعشة:
– مكنلوش لزوم كل اللي بتعمله ده، كده الأمور هتتعقد أكتر.
أومأ يردف بخبث وتوعد:
– متقلقيش، أنا فكرت ولقيت إني كنت غلطان، سيبتك تقعدي معاه وتطلبي منه الطلاق وإنتِ جنبه، وده غلط، ممكن يأثر عليكي ويخليكي تحكيله كل حاجة، الصح إني أبعدك عنه، وتفهميه إنك بعدتي بإرادتك وتطلبي الطلاق، ومتظهريش تاني غير لما يطلقك.
وقع قلبها مرتطماً أرضاً من حديثه.
ماذا يقصد هذا المختل؟ هل سيختطفها؟ حسناً إهدي ريتان ولا داعي للقلق، تعلمين أن معكِ جهاز تتبع وتصنت وهناك من يراقبك، فقط كل ما عليكِ هو استدراجه ليعترف بجرائمه.
ولكن حمزة، هو لا يعلم بمجيئها معه، يعلم بكل شيء، نعم أخبرته ويعلم ما نوى تامر عليه معها وحتى أنه كان يعلم أن ناصف هو تلك المرأة في المشفى وأحكم غضبه بالقوة حفاظاً على سلامتها ولكي يستطيعا الوقوع به وبجرائمه كاملة.
ولكن تلك المرة لم تخبره بناءً على تعليمات فؤاد وتامر.
هزت رأسها بقوة وظهرت دموعها ثم أردفت بخوف في محاولة لجعله يعترف بأي شيء:
– مينفعش تعمل كده، هيشك إنك السبب، خصوصاً إنهم بيدوروا عليك، هو أصلاً شك لما طلبت منه الطلاق وحس إنك هددتني، بس أنا قولتلُه محصلش، إنما دلوقتي لو بعدتني عنه هيتأكد إنك ورا الحكاية دي ومش هيطلق، هو عارف إنك راجع وعايز تنتقم.
نظر لها بتعمق ثم تساءل بترقب:
– معقول خايفة عليا.
هزت رأسها تردف باندفاع:
– أنا خايفة عليه هو، هخاف عليك إنت ليه وإنت عمرك ما خوفت عليا، في الأول خدعتني وحسستني إنك راجل شهم واتجوزتني وإنت أصلاً كل فلوسك حرام، فلوس جاية من شغل المخدرات والأرف اللي بتدخله البلد، عايزني أخاف عليك إزاي وإنت مش خايف على بلدك ولا على شباب صغير ملهمش ذنب.
أسودت عيناه وتحول لحقيقته المرعبة وهو يردف بفحيح:
– شكلك نسيتي ناصف بتاع زمان، تحبي أفكرك بيه؟
ارتاعت من نظرته، تراجعت للخلف وكادت تتحدث لولا رنين هاتفها برقم حمزة.
تناولته أمامه ونظرت له بقلب مرتعش وخانتها دموعها.
ابتسم ابتسامة شيطانية وتحدث بعدما علم هوية المتصل:
– تفهميه إنك مش راجعة غير لما يطلقك، وإلا حالا هكلم أنا رجالي يخلصوا عليه، القرار ليكي.
نزع الهاتف من يدها وفتح الخط ومكبر الصوت فأردف حمزة متلهفاً:
– ريتان؟ خلصتي؟ أفوت آخدكوا إنتِ والأولاد؟
فهمت أن لا علم لديه.
أعتصرت عينيها بألم وابتلعت مرارة حلقها وهي تحاول نطق الكلمات الثقيلة مردفة ببكاء لتحاول إكمال ما نوت ولينتهي الأمر:
– أنا، أنا مشيت يا حمزة، روح خود الأولاد بس أنا مش راجعة، زي ما قولتلك أنا عايزة أطلق منك، مبقتش متحملة العيشة معاك، مش راجعة غير لما تقبل تطلقني.
لا رد، فقط أنفاس كأنفاس أسدٍ مرتصد، أيقن أنه يجاورها، أيقن أنه يهددها ومعها، تأكد أنها تحاول التلاعب بلعبة خطيرة تكاد توقف قلبه قبل قلبها، والسبيل الوحيد للخلاص هو صمته وتقبله لما يحدث وإلا حدث ما لا يحمد عقباه.
حبيبته وزوجته الآن بين يدي هذا المختل وأي حرف غاضب سينطقه سيؤدي بحياتها، وهو لن يخاطر برغم ما يشعر به الآن، برغم القبضة القوية التي تعتصر قلبه خوفاً وقلقاً عليها، حتى أنه لا يعلم متى تحرك وترك شركته ويقود سيارته الآن مردفاً بصوت مرتعب خالٍ من الحياة فقط ليضمن سلامتها:
– تمام يا ريتان، زي ما تحبي، خلاص أنا موافق أطلقك، مش أنا اللي أقبل أعيش مع واحدة غصب عنها، بس ياريت ترجعي لإن أكيد عم حمدي ووالدتك هيسألوا عليكي.
رواية للقلب أخطاء لا تغتفر الفصل الثلاثون 30 - بقلم اية العربي
حرصت على تصحيح الأخطاء اللغوية والإملائية فقط، مع الحفاظ على اللهجة العامية وأسلوب الشخصيات. تم فصل الحوار والسرد، وتنظيم النص ليكون سهل القراءة، وحذف أي محتوى خارج النص.
***
يتحدث بذلك كي يعطي هذا المختل ما يريد سماعه. برغم جنون ناصف، إلا أن ذكاءه جعله يشك في الأمر. نظر لتلك المرتعشة، التي تعلم أن حمزة يخدعها. وبرغم ذلك، فإن كلمة الطلاق كان لها أثر سيء على روحها، لذلك بكت وتكونت غيمة الدموع في مقلتيها. ولكن حينما نظرت لناصف، رأت شكه، لذلك أسرعت تردف عبر الهاتف بخوف وارتعاشة لا إرادية، في محاولة منها لجعله يصدق:
– إنت بتكدب يا حمزة. بتقولي كدة علشان أرجع. بقالك كذا يوم بتقولي هطلقك ومش بتطلقني.
عادت أصوات أنفاسه الحادة تخترق الهاتف وأذنيهما. هذا الصوت جعل ناصف يشعر بالانتشاء والسعادة. فهو مجبر وغاضب، كما فعل معه في الماضي. نعم، بدأ يصدق حيلتهما.
وعلى الجهة الأخرى، كان يقود لا يعلم أي سبيل يسلك. تائه هو الآن، وكيف لا يتوه ويتخبط، وهي بوصلته ومرشدته، والآن بين قبضة مختل. ولكن إن كان يتعلق الأمر بحياتها وحمايتها، فليفعل. توقف وقوفًا مفاجئًا أحدث صفيرًا حادًا ناتجًا عن احتكاك العجلات بالأسفلت. عصر عينيه وتحدث كأنه يلفظ أنفاسه الأخيرة:
– إنتِ طالق.
عند اختراق رصاصة للجسد بشكل مفاجئ، فإن العقل يتوقف للحظات، وتتوقف مراكز الإدراك لجزء من الثانية، قبل أن يعود للعقل إدراكه ويبدأ الجسد في التهاوي والنزف. وهذا حالها. ها هي جسدها يرتخي. خوفها ورعبها من هذا ناصف لم يعد موجودًا. فقط تتردد كلمة الطلاق على مسامعها، حتى أنها تناست تمامًا سبب قوله لها. محي من عقلها أي خطة. فقد قلبها يؤلمها، وعينيها تزرف الدموع بلا توقف. ورأى هذا حالتها، فأغلق الهاتف يضحك بجنون. لا يصدق ما سمعه. أطلقها حقًا. أجبر على تطليقها كما فعل معه. ما تلك المتعة! ود لو كان أمامه يتطلع على عينه الآن.
نظر لها وهي في تلك الحالة. وللحظة، عاد الغضب يتملكه. عندما طلقها، كانت السعادة مرتسمة على وجهها. يتذكر جيدًا ملامحها. يتذكر تنهيدتها المريحة بعد أن أخبرها المأذون بالخلاص. ولكن الآن، لا يرى سوى حطام امرأة. وهذا ما أكد له أنها حقيقة وليست خدعة. ولكن لماذا؟ ماذا فعل هذا الحقير ليجعلها في تلك الحالة عند فراقه؟ ما الذي جعلها تشعر به في مدة لم تتجاوز الشهرين فقط، بينما هو تزوجها لأكثر من عام ولم يؤثر فيها بشيء. يعلم أنه في آخر فترة عاملها بقسوة، ولكنه أحبها. استخلصها من حياة نظيفة لأنه كان يريد أن تسحبه إلى حياتها. كان يستنكر حياته السوداء. خدعها بكذبة عدم الإنجاب خوفًا من تركها له. كان يحب نفسه جدًا، لذلك اتخذها ليحرر نفسه بها دون أي حساب لمشاعرها ورغبتها. وتركها أيضًا من أجل نفسه. فعن أي حب يتحدث؟
على الجهة الأخرى، ومنذ لحظة إغلاق الهاتف، فقد قام حمزة بالاتصال على فؤاد، والذي أخبره أنهم هو وتامر وبعض رجال الشرطة بالقرب من موقع ناصف، يسمعون حديثه مع ريتان ويسجلون كل حرفٍ يقوله. ويبدو أنه سيعترف الآن، لذلك أسرع يتجه إليهم على الفور، وجسده بالكامل يحترق قلقًا عليها وغضبًا من ناصف.
أما ناصف، فتحدث بغضب بسبب حالتها تلك، قائلاً:
– عملك إيه علشان تبقى في الحالة دي لما يطلقك؟ عملك إيه أنا معملتوش؟ فيه إيه مميز عني؟ انطقي؟
نطقها بصراخ، فلم تتأثر قط. هنا بدأت تستعيد وعيها. بدأت تتضح الرؤية بعد أن شوشتها كلمة "أنتِ طالق". تنفست لعدة مرات، ثم نظرت له وتحدثت بجرأة وصدق، لتأخذ اعترافه بأي طريقة:
– حبيته. هو الإنسان الوحيد اللي حبيته في حياتي كلها لأنه نظيف وواضح وعمره ما خدعني.
تملكه غضب جحيمي وهو يكور قبضته بقوة حتى لا يصفعها، ثم تحدث بفحيح من بين أسنانه:
– نظيف وواضح؟ وأنا ناصف الشرير؟ وهو إنتِ كنتِ تعرفي إيه عن شغلي؟ إنتِ كدابة. من قبل ما تعرفي بشغلي مع المافيا وإنتِ بتحبيه. من قبل جوازي منك وإنتِ بتحبيه. نظيف بقى مش نظيف، إنتِ كنتِ خاينة لجوازنا.
هزت رأسها بقوة وصرخت:
– أخرص. ولا كنت ولا عمري هكون خاينة. إنت الخاين الوحيد. خاين لبلدك وخاين ليا لإنك خدعتني. فهمتني إنك ملاك وأنت شغال شغل غير قانوني. فهمتني إن عندي مشكلة في الحمل وإنت اللي مش بتخلف. خدعتني وإنت بتبص في عيني وأقنعتني إنك بتحبني وهتتحمل علشاني.
أردف بصراخ مماثل وجنون:
– أيوة حبيتك. حبيتك يا ريتان. كنت بتمنى تسحبيني من المستنقع اللي وقعت فيه ده. أنا شغل أهلي كله غلط وخارج القانون. هربت منهم على فرنسا وكنت عايز أبدأ حياة جديدة. اتجوزت هناك بس عرفت إني مبخلفش. سابتني واتجوزت غيري. قابلت مها واتعرفت عليها هناك. كنت مفكر إن ممكن نتفق ونرتبط، بس لقيتها واحدة طماعة وأنانية. نزلت مصر علشان موت منصور وشوفتك. مرة في مرة عجبت بيكي وعرفت كل حاجة عنك. كنت عايز أبدأ معاكي وأبعد عن كل ده. بس هما وصلولي. المافيا كلموني نكمل شغل منصور اللي مكملش. ملقتش قدامي حل غير إني أقبل. مهو أكيد دم عيلة السوهاجي القذر بيمشي في عروقي. اشتغلت معاهم. واتجوزتك. وأيوة خدعتك إنك مبتخلفيش. ولو رجعت بالزمن لورا هعمل كدة مليون مرة. ومش ندمان. الحاجة الوحيدة اللي ندمان عليها هي إني طلقتك. بس كان غصب عني. الكلب اللي إنتِ اتجوزتيه ده أجبرني أطلقك. زي ما أنا أجبرته يطلقك دلوقتي.
قال الأخيرة وهو يشعر بالفخر ويبتسم. هزت رأسها تطالعه بذهول. للحظة شعرت بالشفقة عليه، فقط لأنه حاول. ولكن هو أكمل واختار حياة مظلمة. لذلك أردفت بأسف وحزن ودموع:
– حتى لو طلقني يا ناصف. مش هقدر أكون معاك. مش هقدر أربط نفسي بواحد حياته وروحه في إيد ناس معندهاش ضمير. مش هقدر أأمن على روحي مع واحد كان السبب في موت أرواح كتير. إنت أذيت ناس كثير أوي يا ناصف. وأولهم أنا.
ضحك ضحكة صفراء، ثم عاد الشيطان يتملكه وهو يردف بغضب:
– مش بمزاجك يا حلوة. إنتِ مجبرة تعملي اللي أنا عايزه. حياة حبيب القلب في خطر. شغله ومستقبله كله في خطر. إبنه في خطر. والجديد بقى إن سمعته على المحك. فيه شحنة أجهزة جاية باسم شركتهم. شحنة سليمة مية في المية. بس اللي محدش يعرفه أنها مليانة كوكايين. وإن العبد لله هو اللي عمل كدة. وهو اتصال واحد بس وحبيب القلب هيلبس الكلبشات. لإن كل الأوراق بتوقيعه هو. فلو عايزاه يعيش ويربي ابنه ويتحسر على اللي عملتيه فيه تنفذي كلامي. وإلا إنتِ عارفة اللي ممكن يحصل.
يكفي هذا القدر من الاعترافات يا ناصف. فهذا القدر كفيل بجعلك تقضي الباقي من عمرك خلف الأسوار. وهذا ما جعل ريتان تتنفس بقوة برغم دموعها وخوفها. تتنفس براحة. فحتى خطته ضد مستقبل حبيبها انكشفت وتبرأ حمزة منها قبل حتى أن يقع فيها.
زفرت براحة لفتت انتباهه، ثم أومأت قائلة:
– طيب. ياريت تسبني أمشي يا ناصف. فهمت وهنفذ اللي إنت عايزه. سبني أرجع بقى.
نظر لها بتمعن وشرود لثوانٍ، ثم تحدث بهدوء يتنافى مع الحدث:
– مينفعش يا ريتا. بعد كل اللي قولته ده أفضل مكان ليكي هو جنبي. مينفعش ترجعي دلوقتي.
حاولت التحلي بالهدوء نظراً لوجود فؤاد وتامر في محيطها، ولكن لم تستطع. يبدو القادم سيء. بدت مزعورة وهي تردف برجاء محاولة إقناعه:
– ناصف لو سمحت. مش هينفع أفضل معاك. أوراقي وكل حاجتي هناك في القصر. لو عليا أنا مش هتكلم. أوعدك مش هقول أي حاجة لأي حد.
هز رأسه يردف بابتسامة صفراء:
– تؤ تؤ تؤ. بعد ما شوفت حالتك لما طلقك مقدرش أأمنلك تاني وأسيبك تروحي عنده. لازم تفضلي تحت عنيا. ولو على الأوراق سهل أجيبها. متشغليش بالك إنتِ.
انتهى ونظر من نافذة السيارة ينادي للسائق الذي ترجل ليأتي ويقود. فابتلعت لعابها وهي تضع راحة يدها على رحمها وتدعو الله أن يمر القادم على خير دون أي إيذاء لأحد.
بالفعل استقل السائق مكانه والحارس الخاص به يجاوره، ثم أدار محرك السيارة ليتحرك. وما هي إلا استدارة بسيطة حتى وجد سيارة شرطة تأتي مسرعة وتقف أمامه تمنعه من التقدم. ويترجل منها كلاً من فؤاد وتامر ورجلان مسلحان. تحدث تامر وهو يشهر سلاحه بنبرة تهديدية صارمة:
– كله برا العربية ومافيش داعي للمقاومة. سلم نفسك يا ناصف.
ترجل الحارس والسائق يشهران عن سلاحهما أيضاً ويستعدان للهجوم، بينما ناصف أصابه الجنون ونظر لريتان بغضب يردف بحدة:
– عملتي إيه؟ انطقي عملتي إيه؟ اتفقتي معاهم عليا؟
كانت تهز رأسها كلا لتتجنب نوبة جنونه، ولكنه كان في حالة هياج بسبب نداء تامر المستمر وهو ينبه الحارس والسائق تنبيهًا مشددًا ويناديه ليسلم نفسه.
نزع حقيبتها يبحث عن مسجل ليرى هل حقًا وقع في فخها أم أتوا مراقبين فقط ليحاول إنقاذ نفسه. تناثرت محتويات حقيبتها أرضًا وهو يبحث كالمجنون، وتامر يردد:
– سلم نفسك يا ناصف. سيب ريتان وسلم نفسك.
لم يعره اهتمامًا، بل ترك الحارس والسائق يتصرفان، بينما هو كل ما يهمه هل سجلت اعترافه أم لا. وعندما لم يجد شيئًا في حقيبتها، ألقاها أرضًا ونظر لها نظرة شيطانية يردف بغل:
– مخبياها فين؟
نظرته كفيلة لتبث الرعب فيها. نعم، مرتعبة ولم يطمئنها وجود تامر أو فؤاد أو كل أجهزة الشرطة ورجالها. بل حتى لو اجتمعت جيوش العالم كله في الخارج، لن تطمئن إلا بوجوده هو. تنادي عليه جهرًا، لعل قلبه يسمعها. تنادي عليه والرعب يتآكلها وهي تشعر بيد ناصف تقترب منها قاصدًا نزع حجابها والعبث بملابسها. وقبل أن تصل يداه إليها، وجد الباب الآخر من الجهة الأخرى للسيارة يفتح وأحدهم يسحبه بقوة للخارج.
نعم، هو أتى وسمع نداؤها. أتى يحمل غضب العالم ويريد صبه على هذا الذي سقط أرضًا بين الأتربة مرتطمًا. وثبته حمزة بجسده يرتكز على ساقه ويسدد له اللكمات في وجهه وجسده ورأسه بقوة وغضب، حتى أن الآخر لم يستوعب ولم يدافع، بل لم يسمح له حمزة بالدفاع عن نفسه. فقط كان في حالة هياج وهو يلكمه بقوة متخيلاً رعبها وخوفها. أما هي، فتجلس في السيارة وتتدلى ساقيها للخارج وهي تراه يلكمه بعنف. زال كل خوفها. حتى طلقات الرصاص التي صدرت من تامر ورجاله أثناء القبض على الحارس والسائق لم تسمعها. على ما يبدو أن أذنيها قد صمت وبقيت فقط عينيها معلقة عليه.
أسرع تامر وفؤاد إليه ينزعانه بقوة من فوق جسد ناصف الذي غطت الدماء ملامحه، ونجحا في ذلك وأخذوه إلى سيارة الشرطة بعد أن وضعا القيود الحديدية في يده. بينما الآخر زفر ولف نظره ينظر لتلك المتجمدة، إلا عينيها التي تنصب عليه. نظرا لبعضهما بقوة، ثم فتح ذراعيه لها يناديها، فأسرعت وكأن جسدها وحواسها عادت إليها الحياة.
ارتمت في حضنه، وأغلق ذراعيه عليها يحتويها بقوة ويردد بصوته الذي تعشقه على مسامعها:
– خلاص يا ريتان. خلاص يا حبيبتي خلصنا منه. إهدي يا حبيبتي أنا معاكي وجنبك.
توزعت يديها على ظهره تستدعي الأمان منه وتعتصر عضلاته وهي تبكي، لا تصدق أن حقًا انتهى هذا الكابوس. أخيرًا ستنعم بالهدوء معه. الآن فقط تستطيع تنفس فرحة خبر حملها.
❈-❈-❈
بعد عدة أيام.
في العيادة الطبية النسائية الخاصة.
تتمدد ريتان على سرير الفحص، تتمسك بكف حمزة وينظران سويًا لجهاز السونار الذي يكشف عن جنينهما. تنظر لهذه البقعة الصغيرة بتأمل ودموع. لا تصدق أنها تحمله بداخلها الآن. سعادتها تغمرها كليًا، ولكن لا تساوي سعادة هذا الأب الذي يعيش تلك اللحظات للمرة الأولى. لأول مرة يرى صغيره وهو يسكن ويحتل رحم من عشقها وتمناها. لأول مرة يشعر بحبه ينمو. يبتسم ويتأمل الشاشةتمعن. ود لو يحدثه ويبوح له بكل ما عاناه لكي يصل إلى أمه الغالية. ود لو يخبره عن مدى حبه وقوة تحمله لسنوات كانت عجافًا بدونها. الآن فقط يستطيع التنفس بكل راحة.
تحدثت الطبيبة وهي تحرك جهاز الفحص المختلط بالسائل اللزج على رحم ريتان قائلة وعيونها منكبة على الشاشة:
– نقول ما شاء الله. معانا توأم.
نظر الزوجان لبعضهما بصدمة تحولت إلى دموع في عين ريتان، ثم لبكاء. فأسرع حمزة يدنو منها ويردف بحب وحنو وسعادة:
– مبروك يا حبيبتي. الف مبروك يا ريتو. متعطيش بقى.
رفعت يدها التي كانت تعانق يده وقبلتها بحب تحت نظره المتفاجئ من فعلتها. كانت تبكي من عوض الله لها. بعد أن ظنت لسنوات أنها لن تنجب ولن تصبح أمًا، يكافئها ربها أولاً بطفلٍ ليس منها ستحبه دومًا كما يحبها وستعتبره ابنها الأكبر، ثم يكافئها بنعمةٍ من رحمها تثبت بها حبها لهذا الرجل. تسعد معه بأسرةٍ صغيرة هانئة وسط أسرته الكبيرة، تبث فيهما الحب والحنو كما تحمل هي ووالدهما. لا تصدق أنها الآن بين يدي حبيب عمرها وتحمل قطعتين منه. حقًا كرم الله واسعًا.
انتهت الطبيبة من فحصها وناولتها المناديل الورقية لتجفف مكان السائل، ثم ساعدتها حمزة في الترجل وعدلت ملابسها وتمسكت به تتحرك معه ليجلسا على المكتب يتابعان حديث الطبيبة وتعليماتها عليهما.
❈-❈-❈
عند بسمة التي عادت لبيتها بعد أن قرر الأطباء استئصال الأورام الليفية لها مع الاحتفاظ بالرحم، ولكن سيكون الحمل في هذه الآونة مستحيلًا. ولكن ربما مستقبلًا.
وبرغم الحزن الذي غلف بهاء داخليًا، إلا أنه يحاول إظهار العكس كي يهون عليها. فهي منذ ذلك اليوم وتبدل حالها 180 درجة. في الأول كانت تبكي وتنتحب، والآن باتت تبكي بصمت. وداخلها يردد أنها تجني ثمار أفعالها. نعم، يتآكلها الندم. خسرت جنينها وكادت أن تفقد رحمها في نفس توقيت حمل شقيقتها التي دومًا نعتتها بالحاقدة عليها. دومًا كانت تظنها تغار منها ومن حياتها، وقد خاب ظنها وعاد عليها هي. وفي الآخر قررت الرضا بقضاء الله وقدره.
أما عن ناصف، فقد تم حجزه على ذمة التحقيق. وبعد سماع اعترافه وتأكيد خبر وصول الشحنة التي تحمل مواد مخدرة، وأقوال ريتان وحمزة عن محاولة خطفها، بالإضافة إلى محاولة تشويه سمعة حمزة الجواد وشركته.
كل تلك القضايا كفيلة بجعله يقضي الباقي من عمره خلف القضبان، ولن يفلح محاميه في إخراجه أبدًا.
وبالنسبة لخبر مثل هذا سيكون بمثابة ضربة قاضية لمها التي ارتاعت من فكرة العمل مع المافيا خوفًا من السجن، برغم محاولات سعاد في جعلها ترضخ وإلا أفلس مجددًا. ولكنها ما زالت تحاول اتخاذ قرار نهائي، خصوصًا بعد تأكدها بأن حمزة لن يمد لها يد العون مجددًا بعد أن عضت يديه.
❈-❈-❈
يجلس معاذ مع سناء وتوأمها في إحدى المطاعم الفارهة، يتحدث معهما بصدق ومحبة قائلاً:
– أنا مبسوط أوي إنكم قبلتوا دعوتي على العشا. وأتمنى تكمل فرحتي بموافقتكم على طلبي. أكيد سناء هانم بلغتكم إني طالب إيدها على سنة الله ورسوله. وقبل أي ارتباط بينا، أنا يهمني راحتكم أولًا. وأنا عايش لوحدي. ابني في أمريكا عايش هناك ومتجوز. وبنتي متجوزة هنا بس مش بتزورني كتير. وبرغم كدة أنا عرضت عليهم الأمر وهما معندهمش أي مانع. هما متأكدين إني مش هقرر حاجة زي دي إلا إذا عن قناعة تامة مني. وأنا حقيقي حبيت والدتكم جدًا واحترمتها جدًا لما اختارت سعادتكم عن سعادتها. وعلشان كدة أنا حابب أشيل معاها الحمل وأشاركها في الحاضر والمستقبل، وأنا كلي قناعة ورضا بده. وأي طلب ليكم وليها أنا موافق عليه. وزي ما بلغتها قبل كدة أنا ممكن أشتري الفيلا وتكون مهرها لو مش حابين تنتقلوا عندي على فيلتي. المهم إنكم تكونوا مرتاحين.
نظر الاثنان لبعضهما. هما بالأساس قررا ما يريدانه. اختارا سعادة وراحة والدتهما، خصوصًا بعد أن أكد لهما حمزة حسن أخلاق هذا المعاذ. أما سناء فتجلس بحرج تنتظر قرارهما. بالنسبة لها، لم يعد للرفض سبيل. هو أقنعها بشخصيته وبدعمه وما ينوي تقديمه لهما. سيرته الحسنة تسبقه وتجعل من قلبها محركًا لمشاعرها التي ظنتها دفنت منذ زمن. ولكن يبدو أنها ستعيش معه مشاعر جديدة عليها. هذه المرة داخلها مستكين وهادئ وسعيد. هذه المرة مختلفة تمامًا.
تحدث سليم بنبرة واثقة جدية برغم صغره:
– أنا وتقى معندناش أي مانع يا أونكل معاذ. زي ما ماما أهم حاجة عندها راحتنا، إحنا كمان أهم حاجة عندنا راحتها وسعادتها. بس المهم حضرتك متزعلهاش.
ظهرت الفرحة على ملامحه وتوزعت بهجة الخبر السعيد، وهو يبتسم ويردف:
– مستحيل أزعلها أو أزعلكم. من هنا ورايح إنتوا عيلتي.
زفرت سناء بارتياح ونظرت لتوأمها مبتسمة، ولأول مرة تلتمع عينيها ببريق السعادة، لذلك خجلت أن تنظر لمعاذ الذي صب عينه عليها يتأملها بفرحة غزت قلبه.
بينما هو أردف متسائلًا بلهفة:
– أظن كدة مبقاش عندك سبب للرفض يا سناء هانم؟
زفرت وأومأت تردف بهدوء وتروٍ برغم سعادتها:
– تمام يا معاذ بيه. اتكلم مع بابا وحمزة وربنا يقدم اللي فيه الخير.
أومأ ونظر للتوأم يردف بحنو:
– يلا بقى ناكل؟ نفسي اتفتحت فجأة.
شرعوا جميعًا في تناول الطعام، بينما ظهر الجزء المرح في شخصية معاذ الذي أحبه سليم وتقى كثيرًا. أما عن سناء، فستبدأ باستكشاف الكثير عنه شيئًا فشيئًا.
❈-❈-❈
مساءًا عاد حمزة وريتان إلى القصر.
الجميع يجلس في غرفة المعيشة، الجميع ينتظرهما بعد أن أخبرهم حمزة بذلك.
دلفا يلقيان السلام على الجميع، ثم اتجهت ريتان تقف بسعادة أمام سالم الذي طالعها بترقب وتساؤل. مدت يدها في حقيبتها وأخرجت صورة مصغرة تحتوي على رحمها وجنينيها، ثم ناولتها له وعيونها امتلأت بالدموع مردفة بنبرة مؤثرة وسعادة وراحة وحماس:
– عمو سالم، أنا حامل في توأم.
نظر لها مندهشًا، ثم لف نظره لحمزة الذي يجاورها ليتأكد، فأومأ له. لذلك مد يده يأخذ منها الصورة ويطالعها مبتسمًا، ثم وقف يعانق اثنيهما ويردد:
– ألف مبروك. ربنا يتمم بخير.
ولحظات وبدأت مباركات الجميع تنهال عليهما. صفية تعانق ريتان بقوة، وكاري تتعلق بذراعها باكية بسعادة، وشيرين تتمنى لها السلامة. بينما مراد حمل حمزة من قوة سعادته ويردد بعلو المباركات له، وفريد يبارك ويهني. أما مروان فيقف يطالعهما هو وبيري بعدم فهم، ولكنه سعيد، فيبدو أن الجميع كذلك.
نادته ريتان ودنت منه، ثم تحدثت بحنو مردفة:
– قول لي يا مارو، مش إنت نفسك في أخ تلعب معاه زي بيري؟
أومأ لها يردف بتأكيد:
– طبعًا يا مامي. عايز أخ زي ما بيري عندها أخ. وعايز أخت كمان. وكمان طنط شيرين تجيب أخت لأنس.
ابتسمت له وأومأت تردف:
– تمام، إن شاء الله هنعد مع بعض 7 شهور وهنجبلك اللي إنت عايزه.
تفاجأ الصغير ينظر لوالده، فدنى حمزة هو الآخر يردف بتأكيد:
– ادعي بقى يا مارو ربنا يبعتلك أخ وأخت زي ما إنت عايز.
ابتسم مروان وأومأ يردف بحماس وهو يغادر للخارج:
– تمام هروح أهو أصلي وأدعي.
ابتسموا عليه وعلى براءته، ووقف حمزة ينظر لريتان بحب، ثم نظر للجميع وقال:
– بعد إذنكم، هنطلع نرتاح شوية، وأعملوا حسابكم كلكم معزومين على العشا بكرة في مطعم ____، علشان نحتفل بالخبر الحلو ده.
تحدث مراد بمرح كعادته:
– لا معلش يا حمزة مش هتاكل حقنا. هما توأم يبقى عزومتين مش عزومة واحدة.
تحدثت صفية بمرح على غير عادة لتقصف جبهته مردفة:
– ما إنت معاك بيري وحمزة عمرك ما عزمتنا على قهوة حتى.
نظر لوالدته بصدمة وتحمحم يردف:
– بقى كدة بردو يا ست الكل. نسيتي الشوكولاتة اللي وزعناها في سبوع بيري.
ضحكوا عليه وتحدث سالم لينهي الجدل:
– خلاص يا حمزة العزومة دي عليا أنا علشان محدش يزعل.
أومأ حمزة وتحدث باحترام:
– تمام يا بابا اللي تشوفه. عن إذنكم.
سحب ريتان وصعد لجناحه.
دلفا غرفتهما وأوقفها تقابله، فنظر لها بحب. يتأمل ملامحها كأنه يراها للمرة الأولى. حاوط وجهها بكفيه، ثم تحدث بحب:
– أنا فرحان أوي يا ريتان. فرحان وحاسس إني شايف الدنيا بعيون جديدة. حاسس إني بتنفس بقلب جديد. إنتِ سبب كل فرحتي وراحتي دي.
رفعت يديها تحاوط كفيه وتبادله نظرة الحب مردفة بصدق:
– لو حد حط السنين اللي عشتها في بعدك والعذاب اللي شوفته فيها في كفة وحط الشهرين اللي عشتهم معاك في كفة، صدقني الكفة التانية هي اللي هتوزن. شهرين معاك وجنبك يا حمزة محوا تسع سنين عذاب. أنا بحبك أوي يا حمزة. بحبك وبحب كل حاجة خاصة بيك. كل تفصيلة فيك بعشقها. وفرحانة أوي إن ربنا رزقني بحتة منك. بجد.
ما كان منه بعد تلك الكلمات إلا أن يدنو مقبلًا شفتيها يعزوهما بغزو ممتع ومحبب إلى قلبها. اتجهت يديها إلى خصلاته تغوص فيهما، كم تعشق ملمسهم الناعم، مسحورةً بقبلته الجامحة إلى أن ابتعدا يزفران بقوة، ثم ابتسم مغمض العينين يتحدث بضجر وهمس:
– يعني فعلًا ممنوع ممنوع ولا ممنوع نص نص؟
ابتسمت عليه وتحدثت بنعومة إذابته:
– الدكتور قالت ممنوع يا موزي. مضطرين نستنى شوية.
زفر بضيق يومي ويردف:
– ربنا يصبرني الشوية دوول.