أصَحّوا يا بنات، كُلِّ دا نُوم. سيبينا شُوية يا مَاما. أسيبكم إيه، دا الضُهر أَذّن خلاص. مِش قُلتلكم كذا مَرّة مِتسهروش أوي كِدة. ما إحنا ما كانش ورانا حاجة بَقا، فـ قُولنا نِسهَر شُوية. طب يلا اغسلوا وشّكُم وصَلّوا، واسبقوني على المطبخ عُقبال ما أُصَحّي ليلى. كنت نايمة، لكن سامعة كُل الكلام. وحاسة بالنور اللي دَخَل مِن الشُباك. قَرّبت مني وحسيت بأيدها بتمسح على شَعري بِحَنِيّة، زي كُل يوم.
وزي ما مَاما كانت بتعمل معايا. ليلى، اصحي يا حبيبتي يلا. فتحت عيني بِشويش، وأنا ببصلها وببتسم. صباح الخير يا مرات عَمّي. صباح النور يا عيوني، يلا فُوقي كِدة وقومي اتوضّي وصَلّي الضُهر. حاضر. خَرَجت وفَضلت أنا قاعدة مَكاني. مكنتش أتخيل إني ممكن في يوم أجي أعيش في بيت عَمّي. كنت بترعَب مِنه جِداً زمان، لأنه شَخص صارم بِطَبعه، والكُل بيعمله ألف حِساب، حتّى بابا. لكن اللي حصل إن بابا وماما انفصلوا مِن سِنين.
مِن لَمّا كنت في إعدادي. المشاكل بينهم كانت بتزيد يوم عن التاني، وصوتهم وصريخهم كان بيرِن في وِداني كُل ليلة. لكن كنت راضية طول ما أنا في وسْطهم. بس اللي حصل إنهم ما استحملوش يِكمّلوا مع بعض أكتر مِن كِدة وانفصلوا. بابا سافر بَرّا مصر واشتغل هناك. وماما اتجوزت. خَدَتنِي أعيش معاها، لكن أنا مكنتش حابة ومقدرتش أَتأقلم على الوَضع الجديد. خصوصاً إنها كانت مَشغولة عني بِحياتها الجديدة، رَغْم إننا في بيت واحد.
عَمّي أول ما عَرَف جيه البيت وصَمّم إنه ياخدني مِنها. مكنتش قادرة أعتَرِض بِسَبَب خوفي منه. وماما معترضتش، وكأنها ما صدّقت. حَضّرت شَنطتي ولمّيت كُل حاجتي، وروحت معاه على بيته. كنت مرعوبة منه ومش عايزة أعيش معاه في بيت واحد. أكيد بيته كئيب وساكت دايمًا بِسَبَب عصبيته وجُموده. لكن اللي حصل مكنتش أتوقعه خالص. أول ما دَخَلت لقيت بنات عَمّي شهد وسَلْمى. جَرّوا عليا وحضنوني جامد وهما مَبسوطين بوجودي معاهم.
شوفتهم كتير في المناسبات العائلية، لكن مَكنّاش بنتكلم سوا كتير. خَدوني من إيدي وفضلوا يوروني كُل رُكن في الشقة، والزينة والبالالين اللي معلّقينها في كُل حتة عشان أنا جاية. كانوا فرحانين جداً ومُتَحَمّسين بِطريقة رهيبة مَتوقعتهاش أبداً. تعالي شوفي أُوضِتنا، بصي حلوة إزاي. هي صغيرة شُوية بس هتاخدنا إحنا التلاتة. أنا وسَلْمى قررنا ننام على سَرير واحد، وإنتي على السَرير التاني عشان تكوني براحتك.
وبصي .. بابا جابلك دولاب ليكي لوحدك عشان تحطي فيه حاجتك كُلّها. ودَه المَكتب اللي هنذاكر عليه. ودي البلكونة، بصي مليانة زَرع إزاي. سمعت صوت عَمّي بيضحك مِن ورايا وهو بيدخل الأوضة. براحة عليها يا شهد، سيبيها تِستريح وتِأكُل، وبعد كِدة وريّها كُل حاجة براحتك. قَرّب عليا وضَمّني ليه وهو بيطَبّطَب عليا بِحَنِيّة. نَوّرتي بيتك يا حبيبة عَمّك. كنت بحاول أستوعب كُل اللي حصل مِن أول ما دَخَلت البيت.
البيت جَميل، دافي وهادي، لكن كُلّه لَعِب وضحك وشقاوة مِن شهد وسَلْمى. مَطلعش كئيب ولا بيخوّف زي ما كنت فاكرة. وعَمّو كمان، شَكله هيطلع حنين ولا إيه؟ جت طَنط كوثر مَرّاته ورحّبت بيا بِفرحة وحماس أكتر منهم. ومكنتش عايزة تَحرجني مِن حُضنها أبداً. لكن بعدها كُلّهم خَرَجوا وسابوني أغيّر هدومي عُقبال ما يحضروا الغدا. خَرَجت بعدها وشوفت مَنظَر جَميل .. جَميل أوي. عَمّو كان واقف مع شهد بيحضر معاها السُفرة.
كانت بتجيب الأطباق والمعالق وهو يرصّها قدام كُرسي كُل واحد. وكمان كان بيروح يجيب باقي الأصناف مِن المطبخ معاهم ويحطها. يَظهَر إني كنت واخدة عنه فِكرة غلط تَماماً، إنه قاسي وصارم وعصبي، شَخص جامد مش حنين على حد ولا على أهل بيته. لكن المفاجأة إنه طلع العَكس تَماماً. طلع إنسان طيّب، بيهزر وبيضحك معاهم، وبيساعد في كُل حاجة كأنه واحد منهم، مش الأب اللي الكُل بيهابه.
كنت واقفة بتفرج عليهم ومش مصدقة إن دا نفس عَمّي اللي كنت بترعب منه زمان. ابتسمت غصب عني وأنا شايفة الضحكة اللي على وشه فيها حنية ودفء. فال ناحيتي أول ما شَافني واقفة وسألني بِابتسامة خفيفة. خلصتي يا حبيبتي؟ تعالي اقعدي، الأكل جاهز. قعدت على السُفرة قُدامه، وكانوا كُلّهم بيضحكوا ويتكلموا وأنا بس سامعاهم وبَراقِب التفاعل بينهم. شهد بتحكيله حاجة حصلت في المَدرسة، وهو بيرد عليها بِرِفْق واهتمام.
وسَلْمى قاعدة على رِجله وعمالة تِلعب وتضحك معاه. كنت حاسة بِحاجة غريبة جُوايا، راحة يمكن، أو أمان نَسيت شَكله. بعد الغدا حبيت أساعد طَنط كوثر في المطبخ، لكنها رَفَضت وأصرّت إني معملش حاجة. سيبي المواعين عليا، روحي اقعدي معاهم شُوية، أكيد تعبتي من الطريق. خَرَجت لقيت عَمّي قاعد في الصالة بيقرأ جَريدة. رَفَع عينه مِن عليها وقال. شكلك مُرهقة أوي، ادخلي مع البنات جُوا وارتاحي، ولو مُحتاجة حاجة قوليلي متتكسفيش.
هَزّيت راسي وقُلت بِخَجَل. شكراً يا عَمّو. ابتسم وقال بِهُدوء. قولي يا بابا زيهم، مفيش فَرَق. الكلمة دي خَبَطت في قلبي خَبْط، معرفش ليه. بس يمكن عشان فَاجَأني وطلبها، أو يمكن عشان حسيت إني مش هشوف بابا تاني وأقوله الكلمة دي. سِكِت ومَردتش، بس جُوايا كان فيه دِفء غريب بيكبر كُل دقيقة، وراحة بتمنى إنها متضيعش مني أبداً. مَرّت الأيام والسنين، وكِبرت، اتغيرت حاجات كتير في حياتي.
زي إن بابا وماما نَسِيوني تماماً ومبقوش يسألوا عني. لكن أكتر حاجة فضلت ثابتة هي إن عَمّي عُمره ما حرمني من حاجة. بالعكس، كان دايمًا سَندي في كُل خُطوة. مِن أول يوم دَخَلت فيه بيته، كان شايف فيا بِنْته مش بنت أخوه. اهتم بِتَعليمي زي شهد وسَلْمى، وكان بيقول دايمًا إن التعليم هو السلاح اللي مش هيسمح لحد ياخده مني. لما جَت مَرحلة الثانوية، ساب لي حُرية الاختيار وقالي.
اختاري اللي بتحبيه يا ليلى، طالما هتكوني راضية عن نفسك. وكَمّلت، ودَخَلت الكلية. عُمري ما سَمِعت منه كلمة "لأ" إلا لو كان خايف عليا. كان بيشجعني أخرج، أتعلم، أقرأ، أجرب، وأغلط وأتعلم مِن غلطتي. كِبرت وأنا حاسة إن عندي أب تاني، أشد حنية مِن أبويا الحقيقي. وفي يوم التخرج، وهو بيبصلي بِعَين مليانة فخر، حسيت إن كُل تَعَب السنين راح، وإن وجوده في حياتي كان أعظم نِعمة ممكن تتحقق. قعدت في البيت أنا وشهد.
هي أكبر مني بسنتين، اتخرجت واشتغلت فَتْرة صغيرة وبعدها قعدت في البيت. عَمّو مكنش حابب يخلينا نشتغل لأنه كان خايف علينا وشايف إن طالما مش مُقَصّر معانا يبقى ملوش لازمة الشغل. ودي كانت الحاجة الوحيدة اللي أصر عليها ورفض فيها النقاش. لكن إحنا عشان عارفين إنه بيحبنا وخايف علينا محبناش نِزعله ونفتح الموضوع تاني. فَوّقت مِن شُرودي على صوت مَرّات عَمّي وهي بتنده عليا.
قُمت مِن مكاني بسرعة ودَخَلت اتوضّيت وصَلّيت الضُهر وخَرَجت. ظَبّطنا كُلّنا الفطار سوا وقعدنا نفطر، وبعدها كُل واحدة مَسِكَت رُكن في الشقة تِنَضّفُه وتِرَتّبه. يا بنات، حد يطلع بِصينية البشاميل دي لخالتكم. مش أنا. ولا أنا. خلاص طلعيها انتي يا ليلى. حاضر يا مرات عَمّي. شُفتوا مبتتعبنيش إزاي، اتعلموا منها شُوية. ما أنا طلعتلها الأسبوع اللي فات ساعة الإيجار. لأ، كتر خِيرك. هقولها إيه طيب.
قوليلها إن الأنبوبة خَلَصَت عندنا وخليها تحطها في الفرن. حاضر. سابتني ودَخَلت المطبخ. جيت أشيل الصينية لقيت الاتنين جَرّوا وبقوا حَوَاليّا. حاضر يا مرات عَمّي. نينينيني. ما طبعاً لازم تقول حاضر، ما هي هتشوف حبيب القلب فوق. بس لحسن مرات عَمّي تسمعكم وساعتها هتبهدلنا كُلّنا. أنا مالي أنا، معرفش حاجة. آه يا ندلة. سيبك منها، ركزي معايا، لو لقيتيه فوق حاولي تِتْلَحْلَحي في الكلام معاه. إزاي يعني.
يعني اتدلّعي عليه، إيه مبتعرفيش تدلعي. إيه اللي بتقوليه دَه، لأ طبعاً. قُلتلك سيبك منها وركزي معايا، حاولي تفتحي معاه كلام. عن إيه. عن أي حاجة يا ستي، ما إنتي مُصَدّعانا هنا. أقولك .. اسأليه عن حال الوَرشة بتاعته. وافرضي قالي انتي مالك. مُستحيل يقولك كِدة، اسأليه انتي بس وشوفي رَدّه هيكون إيه. حاضر، بس يعني أقوله إيه. يُختاااااااي. إنتي يا بت هتفضلي لَبْخَة كِدة لحد إمتى. لأ أنا..
إنتي لسة مطلعتيش، موقفينها ليه، أبوكم هيضايق لو ملقاش الأكل جاهز، يلا يا ليلى. طالعة أهو. خَدَت الصينية وطلعت الدُور اللي فوقينا. وقفت قدام شَقّتهم وأنا باخد نَفَس وبَخْرَجُه تاني بِراحة عشان متوَتّرش. رَنّيت الجَرَس وبعد ثواني الباب اتفتح. ليلى، تعالي يا حبيبتي اتفضلي. إزيّك يا طَنط، عاملة إيه. الحمد لله بخير. مرات عَمّي بتقولك معلش حطيلنا الصينية دي عندك في الفرن عشان الأنبوبة خَلَصَت. عيني يا حبيبتي، تعالي ادخلي.
دَخَلت وراها المطبخ وأنا بدور بِعيني عليه في كُل حتة، لكن مَلقيتوش فـ ارتحت شُوية. البنات فاكرين إني وافقت أطلع عشان أشوفه. ميعرفوش إني بَرتَبِك في حُضوره فـ بتجنب أكون معاه في مكان واحد، بالرغم مِن طِلّته اللي بحس إنها بترجعلي الحياة مِن تاني. حطيت الصينية في الفرن وقعدت معاها على ترابيزة المطبخ. عملتلك كوباية شاي، إنما إيه. تِسلَمي إيدك يا طَنط، تعبتك معايا.
إيه طَنط دي، مش قُلنا تقولي خالتو، إنتي لسة مَخدتيش عليا بعد كُل السنين دي ولا إيه. لأ والله، أنا بس بخاف لِحسن حضرتك تِضايقي. اوعي تقولي كِدة، أزعل منك، إنتي عندي زي شهد وسَلْمى بالظبط، إنتو التلاتة بناتي. تِسلِميلي يا طَنط.. وبعدين. ضَحِكِت على مَلامحها وهي بتمثّل النرفزة. حاضر يا خالتو. أيوا كِدة جدعة، استني هفتح الباب تلاقيها كوثر. طلعت. طَنط حياة تبقى خالة شهد وسَلْمى.
جَت مِن سِنتين أجّرت الشقة دي هي وابنها الوحيد بعد ما صاحب العمارة القديمة مَرِضِيِش يِجَدّد ليهم تاني وبدون سَبَب. عَمّو اتوسّطلهم عِند صاحب العمارة دي وأجّر لها الشقة، ومِن سَاعتها وهي قاعدة معانا هي وابنها. إزيّك يا ليلى. رَفَعت عيني بسرعة أبص لمصدر الصوت ولقيته قُدامي، واقف بِهيبته المُعتادة اللي سَرَقَت قلبي مِن أول مرة شُفته فيها. بيبصلي بِعُيون مليانة دِفء وبِابتسامة بسيطة لكنها جَميلة. سيف؟
الحمد لله، انت .. انت عامل إيه. الحمد لله بخير، مصدقتش لما مَاما قالتلي إنك هنا. ليه. أصلك مش بتطلعي كتير. آه، ما أنا .. أنا طالعة بسوّي بشاميل عند خالتو. خالتو؟ خالتو مين. أنا يا وَلا، ليلى حبيبة قلبي بقت تقولي خالتو خلاص. طب حلو دَه، تَطَوّر هايل. آه، طب يا خالتو أنا هنزل ولما تِخْلَصي نادي عليا. طب ما تقعدي شُوية. مَعْلِش أصل أنا كنت بعمل حاجة تحت، عن إذنكم. نزلت أجري وأنا باخد نَفسي بسرعة.
دَخَلت الأوضة وأنا قلبي بيدُق جامد ومش مُرَكّزة مع حد. شُوية ودَخَلت شهد قعدت جَمبي. مالِك، وشّك أصفر كِدة لِيه. مَردتش عليها. إنتي شوفتيه؟ يبقى شُفتيه طالما مبلّمة كِدة. كان جَميل، جَميل أوي، يا رَبّي بجد طِلّته بتخطفني. يُخرب بيتِك، دَه إنتي واقعة في حُبّه مِن الدور العشرين. وَقَعِت ومحدش سَمّى عليا والله. ولما إنتي كِدة مش بتدّيه فُرصة يِكَلّمِك ليه. لأ، أنا بتكسّف يا شهد.
هتفضلي طول عُمرك مَكسوفة لحد ما يروح لواحدة تانية. واحدة تانية؟ آه، مَاه لو مَلَقاش مِنك رَجا هيفتكر إنك مش عايزاه. تِفتكري. جِداً كمان. طب أعمل إيه. اسمعي كلامي واتعاملي معاه طبيعي، بس لما ييجي يِكَلّمِك خُدي وِدي معاه، متهربيش. مبقدرش، بحس إني مَكشوفة قُدامه. طب ما هو كمان مَكشوف قُدّامك. عارفة، بس هو مبيتكلمش وأنا معرفش هو نيّته إيه. أضمنلك نيّته، لكن هو برضه لازم يلاقي منك رَد فِعل. مِش عارفة بقا.
قَطَع كلامنا رَنّة تليفوني بِاسم روان جارتنا. إنتي لسة بتكلمي البِت دي. يا شهد أنا مش عارفة إنتي مش بتحبيها ليه. مش برتاح ليها يا ليلى، وقُلتلك الكلام دَه كذا مرة ونصحتك، بس إنتي براحتك. خَرَجت وسابتني وسط أفكاري وحيرتي. تليفوني رَنّ تاني فـ رَدّيت. إيه يا بنتي، فينِك كُل دَه. مَعْلِش كنت بعمل حاجة. عاملة إيه. الحمد لله، بتعملي إيه. مفيش بس بَروّق.
طب بقولك إيه، ما تِسيبي الترويق وتعالي نِنْزِل نجيب حاجة مِن على أول الشارع. لأ مش هينفع، مرات عَمّي مش هترضى تِنْزِلني. انزلي مِن وراها، أو قوليلها إنّي تعبانة وهتيجي تشوفيني. روان أنا كذا مرة أقولك مش هَكْذِب عليهم مَهما حصل، أنا مبعملش حاجة غلط عشان أخبيها. خلاص يا ستي مِن غير عَصَبِيّة، أنا كنت هَفَسّحِك مش أكتر. عُموماً، لما تِخْلَصي ابقي كلميني، سلام. قَفَلت معاها و وقفت شُوية في الشُبّاك بفكر في كلام شهد.
كنت ببص مِن ورا الشيش عشان العمارة اللي قُدّامنا. عيني جَت على وَرْشِته اللي تحت. بصيت عليها لقيتُه قاعد وحواليه شَباب ورِجالة كتير وشَكلهم بيتكلموا في موضوع مُهِم. رَغْم صِغَر سِنّه وإنه مش بَقاله كتير في المنطقة، إلا إنه بِأخلاقه وأمانته خَلّى الكَبير والصغير يَحتَرِمه وبَقوا يطلبوا منه يَحكُم بينهم في أي مشكلة أو خِلاف. كنت بتأمّله مِن غير ما أحس. كُل حركة ليه كانت فيها هُدوء وثِقة غريبة.
بِيكَلّم الناس حواليه بِتَبَرة فيها احترام وحَنِيّة. لأ بيعلي صوته ولا بيتعامل بِتَكَبّر، ومع ذلك الكُل بيسمعله وبِقَدّره. حتّى الراجل الكبير اللي كان واقف قُدامه كان بيتكلم معاه كأنه بيسمع لِحَدّ مِن سِنّه بالظبط. ابتسمت وأنا شايفة المشهد ده. معرفش ليه حسيت بِراحة. يمكن عشان وجود حد زيه حوالينا يَطَمّن، أو يمكن عشان شَكله كده مِن النوع اللي بيتسند عليه في وقت الشِدة.
أنا عارفة إن شهد معاها حق وإن فيه مَشاعِر جواه ناحيتي. لكن هو متكلمش لحد دلوقتي، مُصَرّحش. وأنا أخاف أتعلق بيه وأوهم نفسي وفي الآخر أقع على جدور رقبتي. في كُل مَرّة بيستغلها عشان يقعد معايا ولا يكلمني ببقى عارفة هو بيعمل كِدة ليه. لكن أنا مش عارفة ليه بتكسّف وبَهِرب منه. بحس إني مش عارفة أُواجه مَشاعره دي رَغْم إني حابّاها. ويمكن دي النُقطة اللي مَخَلّية كُل واحد فينا بَعيد عن التاني.
فَجأة وأنا ببص عليه رَفَع عينه ناحية الشُبّاك. كأنه حَس بيا. اتوَتّرت بسرعة وشَدّيت الشيش لَمّا عينينا اِتقابلت سَوا. قلبي بدأ يَدُق جامد، هو شافني؟ طب حتى لو شافني، عادي يعني، أنا كنت ببص مِن بَعيد. قعدت على طَرَف السَرير بحاول أهدى، بس جُوايا كان فيه إحساس واضح جِداً. إعجاب، حقيقي ومش بقدر أنكره.
يمكن عشان هو مُختلف، يمكن عشان طِيبته باينة حتّى مِن بَعيد، أو يمكن عشان عُيونه فيها حاجة .. حاجة خلتني أحس إن قلبي لَقَى حد يَفْهَم لُغته مِن غير كلام. "ابتديت دلوقتي بس أحب عُمري، وأحب النور، وأحب اليوم اللي فيه عُمري" كنت قاعدة في البلكونة بسمع أم كلثوم على تليفوني وفي إيدي كوباية شاي بالنعناع، حكاية مِن إيد طَنط حياة. عيني على السما بتأمل القمر وجَمَاله وهو مُكتَمِل ومُنَوّر.
قاعدة رايقة لذيذة مش ناقصها غير وجوده والله. إيه الروقان دَه كُلّه. تَخَضّيت و لَفّيت أبص ورايا بسرعة. أنا آسف جداً، مكنتش أعرف إنك هتتخضي أوي كِدة. ولا يهمك، أنا بس عشان قاعدة لوحدي. مش قاعدة معاهم جُوا ليه. عادي، قُلت أقعد شُوية لِحالي أتفرج على القمر. طب تحبي أقوم. لأ، خليك. ابتسمت وأنا اتكسفت فـ بصيت لكوباية الشاي اللي في إيدي. جَميلة أوي. وبصيتله بِاستغراب. هي إيه. كوباية الشاي، حياة عليها كوباية شاي حكاية.
شَرِب منها وهو بيبتسم، فَهِمِت قَصْده فـ اتكسفت أكتر ومَردتش. هتفضلي ساكتة. وَرشِتك عاملة إيه. الحمد لله، كُلّه ماشي تمام. الحمد لله، ممكن أسألك سؤال. ياريت. ليه فتحت ورشة ميكانيكا. عشان أنا طول عُمري بحب العربيات جداً. طب ما كنت دخلت كلية هندسة. كنت ناوي، بس ظُروفي وقتها مَاسَمَحَتْش. ظروف إيه. والدي تُوُفّي بَدري، ولسه كنت في تالتة ثانوي، اضطريت أسيب الدراسة وأقِف في الوَرشة القديمة بتاعة خالي عشان أساعد مَاما.
الله يرحمه، أكيد كان نَفْسك تكمل. طبعاً، بس بصراحة؟ عُمري ما نَدِمِت. الورشة دي مش مُجَرّد شُغل ليا، دي جُزء مني، بحب كُل تفصيلة فيها، بحب أُصَلّح وأرجّع الحاجة المكسورة تِمشي تاني. يعني بتحب تشوف الحاجات بتتعافى على إيدك. بالظبط، يمكن عشان كده بحس إن الميكانيكا مش شُغل بَهْدَلة ولا شَحِم زي ما الناس فاكرة، دي فيها رُوح، كُل عربية ليها طَبْعها، ولو عرفتي تسمعيها، هتعرفي إيه مُشكِلتها. غريبة، عُمري ما فكرت كده.
إنتي بس شوفيها بِعَين مُختلفة، هتعرفي إن كُل حاجة حوالينا بتتكلم لو عرفنا نِسمعها. فضلت ببصله وأنا مَشغولة في مَلامحه مِن غير ما أحس. طريقته في الكلام، هُدوءه، وثِقته، كُلّها حاجات مُريحة بِطريقة غريبة. كان بيتكلم وأنا حاسة إن كُل كلمة خارجة منه بتلْمَس فيا حتّة كنت ناسياها إنها موجودة. سِكِت شُوية وبَصّلي بِنَظْرة طويلة، وبعدين قال بِابتسامة خفيفة. بِتبَصّيلي كده ليه. اتلخبطت حاولت أضحك وأخبي ارتباكي.
مفيش، سَرَحت شُوية بس. فيا؟ ضِحكته كانت فيها دِفء، لكن نَظْرته كانت أعمق مِن أي هَزار. لأ طبعاً. طيب لو كنتي سارحة فيا ما تخافيش، أنا كمان مش بَبْطَل أفكر فيكي. الكلمة خرجت منه بِبَساطة، بس قلبي دَقّ جامد مِن كُتر جَمَالها. بصيت له وأنا مش مصدقة. كَمّل وهو مُحافظ على هُدوءه وقال. يمكن مش وقت الكلام، بس أنتي بِالنِّسبة لي بقيتي حاجة مُهِمّة في يومي.
بحب أشوفك على طول، حتّى لو مش هتكلميني، كفاية عليا بس تكوني قُصاد عيني. بِقيتي حاجة صَعب تتوصف يا ليلى. سِكِت بعد اللي قاله لكنه كان بيبتسم لي، وأنا مكنتش قادرة أرد. كُل اللي قدرت أعمله إني أبص بعيد وأبتسم أنا كمان. ابتسامة صغيرة جداً، لكنها فَضَحَت كُل اللي كنت مُخَبّياه مِن زمان. "رجعولي ليالي زمان، من بعد ما كان الهجر والنسيان، ورجعولي الحب، والحب كان غايب عني زمان"
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!