الفصل 11 | من 16 فصل

رواية لما قالوا دي صبية الفصل الحادي عشر 11 - بقلم ميمي عوالي

المشاهدات
24
كلمة
5,500
وقت القراءة
28 د
التقدم في الرواية 69%
حجم الخط: 18

انتفضت ليلة برعب وهى تحتضن رأس ابنتها وتقول: لا يا كامل حرام عليك، بنتى مالهاش ذنب، وأنا واقعة فى عرضك تنقذها، دى مريضة ومحتاجة مساعدتك. كامل بجمود: أنا مابتعاملش مع نصابين يا ليلة، ولازم تعرفى إنى هبلغ عنك البوليس. ليلة بفزع: بوليس ليه يا كامل؟ كامل بسخرية: إنتى ناسية البيانات المزورة اللى كتبتيها فى استمارة الدخول بتاعة بنتك، وجوزك اللى مات من سنين. ليلة وهى تنحنى على يد كامل لتقبيلها:

أبوس إيدك يا كامل، أنا عمرى ما أذيتك، أنا عملت كده عشان نفسى إن بنتى تعيش زى باقى العيال وتخف وترجع تضحك من تانى من غير ما تنهج من الوجع. دير كامل رأسه بعيداً عنها قائلاً: وأنا مش هعمل لبنتك العملية. لتقف ليلة أمامه مرة أخرى وهى تنشج بالبكاء، وكان أحمد متشبتًا بثيابها وهو يردد اسمها بقلق، وقالت: إنت عمرك ما كنت قاسى كده، إيه اللى حصل لك؟ كامل وهو يربت على وجهها ببعض العنف: اللى حصل إنى مابقيتش أثق فيكى يا مراة سيد.

لتسمع ليلة نداء أحمد وهو يقول بصوت عالى: يا ماما، اصحى فيه إيه؟ لتفتح ليلة عينيها وتتلفت حولها بفزع لتجد نفسها على الفراش المقابل لفراش مي، وتنام بجوار أحمد الذي يربت على وجهها بقوة وهو يقول بقلق: مالك يا ماما؟ ليلة وهي تضع يدها على صدرها براحة: أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدا رسول الله. أحمد: فيه إيه؟ ليلة وهي تضم أحمد لصدرها وعيناها تترقرق بالدموع: أبدا يا حبيبى، أنا بس كنت بحلم. أحمد:

إنتى كنتى عمالة تعيطى جامد، فكرت فى حاجة بتوجعك. ليلة وهي تزدرد لعابها: أختك هي اللي واجعاني يا ابني، خير يا رب، اللهم اجعله خير، أكيد ربنا بيديني إنذار، يا ترى الدنيا هتعمل فيكي إيه تاني يا ليلة؟ في أحدى المخازن التابعة لمنصور، كان سيد يقوم بترتيب البضاعة المستلمة ورصها بعناية ليسمع صوت منصور من خلفه وهو يقول: الله ينور يا سيد. ليلتفت سيد إلى منصور قائلاً بامتنان: الله يبارك لنا فيك يا حاج. منصور

وهو يتابع العمل بعينيه: وبنتك أخبارها إيه دلوقتي، بيكلموكي؟ سيد وهو يحك رأسه بكف يده: أيوه يا حاج نحمد ربنا، بس البت ليلة قالتلي حاجة غريبة كده ومش عارف هي فهمت صح ولا غلط. منصور: حاجة إيه دي؟ سيد: إن يعني المستشفى اللي اديتنا عنوانها دي، تبقى بتاعة الدكتور كامل ابن الحاج إبراهيم أخوكم. منصور بعدم مبالاة: آه وفيه إيه؟ سيد: يعني يا حاج، اللفة اللي لفيناها دي، كان بتليفون صغير منك لابن أخوك، كان... منصور مقاطعًا:

وانت فاكر إن ابن أخويا ناسيني إني حرمته من مراته؟ سيد ببعض الغضب: كلام إيه ده يا حاج اللي بتقوله؟ منصور: بقول إن من ساعة ما حصل اللي حصل زمان وأنا وابن أخويا مافيش مابيننا عمار، ولو كنتوا رحتوا له عادي كده ماكانش هيقبل ياخد البت ولا يعالجها، ولا كان ممكن يبنجها ويموتها في العملية عشان ينتقم منك ومن أمها. سيد برعب: كلام إيه ده يا حاج، ليه، هي البلد مافيهاش قانون؟ منصور:

قانون إيه، عيلة صغيرة وحالتها حرجة وماتت في العملية، إيه دخل القانون بقى، إنما لما مراتك تقول إنها أرملة وإنها اتبهدلت من بعدك هي وعيالك، هتصعب عليه وهيقولها اللازم كله ومن غير ولا مليم. سيد باقتناع: أنا كده فهمت، أنا برضه استغربت لما البت ليلة حكتلي ومابقيتش فاهم ليه اللفة دي كلها، بس كده أنت عندك حق، وجميلك على راسي من فوق كمان. منصور بسخرية قبل أن ينصرف: خليه على راسك، وخد بالك من المخزن، أوعى تسهى عنه.

سيد بنبرة غضب وهو يحادث ليلة على الهاتف: ماقلتلك على اللي فيها، إنتى ليه مش عاوزة تفهمي؟ ليلة: أنا فهمت، بس مش مقتنعة، طب لو اللي قاله ده حقيقي، ماقالش لبنته ليه، ماكان ممكن يبعتنا لبنته وكانت الليلة برضو هتخلص من غير كل الكذب ده، أنا من ساعة الحلم اللي حلمته وأنا مش متطمنة يا سيد. سيد بتنهيدة: استهدي بالله يا بنت الحلال واهدي كده، وبعدين يعني إحنا مش شيوخ يا ليلة عشان أحلامنا تتحقق. ليلة:

يمكن ماتتحققش بحذافيرها يا سيد، بس أنا بقلق من الأحلام بتاعتي، وحاسة إني بعمل حاجة غلط، مخنوقة يا سيد، وحاسة إني متكتفة ومش عارفة أتصرف. سيد: إنتي بس ركزي مع البت ومصلحتها وبطلي قلق مالهوش داعي. ليلة بقلة حيلة: حاضر يا سيد، حاضر، وربنا يسترها علينا من عنده وما يفضحناش. في منزل إبراهيم، كان إبراهيم جالسًا حين أتى عليه كامل وهو يحمل كوبين من الشاي ووضعهما على منضدة صغيرة أمامهما وقال:

كوبايتين شاي بقى إنما إيه .. وصاية. إبراهيم بحب: تسلم إيدك يا ابني، عقبال ما أشربه في بيتك كده من إيد مراتك إن شاء الله. كامل بابتسامة: إن شاء الله يا بابا. ثم قال بفضول: الأ قوللي يا بابا، فاكر حضرتك ليلة اللي كانت شغالة معاك زمان؟ إبراهيم بدهشة: ودي إيه اللي فكرك بيها دلوقتي يا ابني؟ كامل: هو لما جوزها مات، مات في شغل مشترك بينك وبين عمي ولا شغل يخص عمي لوحده؟ إبراهيم باستغراب:

هو سيد مات .. لا إله إلا الله، امتى حصل الكلام ده؟ كامل باستغراب: هو حضرتك ماكنتش تعرف ولا إيه؟ إبراهيم: أبدا يا ابني، أنا أول مرة أسمع الكلام ده، إنما أنت عرفت منين الكلام ده؟ كامل وهو يرتشف الشاي: من ليلة. إبراهيم: وانت شفتها فين؟ ليقص كامل على أبيه ما حدث، ليقول إبراهيم:

لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، والله يا ابني لو كنت أعرف كنت اتكفلت بيها هي وأولادها وما سبتهاش في الضيقة دي أبدًا، بس يعني عمك اقتنع أهو بقيمة بنته وشطارتها. كامل بسخرية: ما أعتقدش يا بابا. إبراهيم: ما تعتقدش إيه بقى، ماهو باعتلها الناس على اسمها أهو. كامل: الحقيقة يا بابا أنا مش هاضم الحكاية دي ولا عارف أبلعها، ومتأكد إن عمي له هدف تاني خالص من ورا الحكاية دي. إبراهيم:

ما تبقاش شكاك زيادة عن اللزوم، ومش كل ما هيعمل حاجة هنسيء الظن بيه. كامل ضاحكًا: انت اللي طيب بزيادة يا عم إبراهيم. إبراهيم: أصله يعني هيستفيد إيه مش فاهم. كامل بشرود: مش يمكن بيحاول يكسب نقط عند فرح. إبراهيم: ولو .. مش وحش برضه. كامل: ولما ليلة تحكي اللي حصل معاها بطريقة تتفهم إن المقصود منها إنها تفهمك إنها لوحدها. ليعتدل إبراهيم بانتباه قائلاً: لوحدها إزاي مش فاهم؟ كامل:

يعني، إنها اترملت واتبهدلت هي وولادها وإن مابقالهاش حد وإن الدنيا جاية عليها بزيادة. إبراهيم بعتاب: جرى إيه يا كامل، أوعى تكون دماغك بتوزك إنك... كامل مقاطعًا: بتوزني لايه بس يا بابا؟ إبراهيم: يعني يا ابني إنك توصل القديم من تاني. كامل: أنا مابقيتش خالي يا بابا عشان أعمل كده. إبراهيم: وانت لو كنت خالي كنت هتعمل إيه؟ كامل بتنهيدة:

برضه ماكنتش هعمل غير اللي عملته، صدقني أنا شيلت ليلة من حساباتي من زمان، بس لما تجيلي المستشفى بحالتها دي وبعد ما خطبت فرح ويبقى عمي اللي باعتها يبقى الحكاية فيها أنا. إبراهيم: مش فاهم. كامل: مفكر إني لما هشوف ليلة هحنلها، وده طبعًا المفروض إنه هيبوظ صورتي قدام فرح فنسيب بعض. إبراهيم: يااااه على دماغك، إيه يا ابني اللفة دي كلها، لا طبعًا ما أعتقدش. كامل بسخرية:

طب ممكن تفكرني آخر مرة عمي اهتم بحد غلبان ولا عيان عشان يعمل معاه كده، بلاش .. يعني الراجل يموت في حادثة تبع الشغل وبدل ما يعوض أهله لأنها إصابة عمل، يقوم يستغل جهلهم وحوجتهم، ويمرمط مراته وابنه اللي لسه عيل ويشغلهم عنده عشان يعرفوا يلاقوا لقمة ياكلوها، يقوم دلوقتي الحنية دي فجأة كده ليه، رغم إن البنت مريضة من زمان. إبراهيم: أيوه يا ابني، بس مش يمكن يكون بس بيحاول يعمل حاجة كويسة يقرب بيها من فرح. كامل بتنهيدة:

والله يا بابا أتمنى، بس زمن المعجزات خلص من زمان. في منزل منصور... كان نبيل يجلس مع أخيه في غرفتهما وهما يرتبان سويًا خطواتهما القادمة في الجامعة، بعد أن تم قبولهما بكلية التجارة. نادر: طب هنروح نجيب الجدول من أول يوم، ولا نصبر شوية ولا إيه؟ نبيل بهدوء وهو يستند برأسه إلى حافة الفراش من ورائه مغمض العينين ويدلك جبهته برفق:

إحنا هنبتديها صبر من أولها، إيه، أنت غيرت رأيك وما بقتش عاوز تدرس في الجامعة زي ما كنت بتقول ولا إيه؟ نادر: لا طبعًا ما غيرتش رأيي ولا حاجة، بس أقصد إن أول يوم بتبقى الدنيا فوق بعضها وإحنا لسه مانعرفش حد هنا. نبيل: ما هو عشان مانعرفش حد فلازم نعتمد على نفسنا من الأول. نادر: هو أنا ليه حاسك مش مظبوط، أنت تعبان؟ نبيل: عندي صداع جامد أوي. نادر: طب ما تاخد مسكن. نبيل: خدت وماعمليش حاجة. نادر بقلق: إيه، محتاج نروح لدكتور؟

نبيل: لو ما راحش لبكرة هبقى... وفجأة نهض نبيل مسرعًا إلى الحمام وقام بإفراغ جميع ما بمعدته وسط إرهاق وتوجع شديد، ونادر يقف بجواره وهو يسند كتفيه ويربت على ظهره بحنان ممتزج بقلق، وعندما انتهى نبيل، قام نادر بمساعدته في غسل فمه ووجهه وهو يقول: الدنيا ابتدت يبقى فيها لسعة برد، لا تكون خدت برد، ولا تقلت في الأكل ولا إيه؟ نبيل باعياء: مش عارف. نادر بفضول: طب هو أنت أول مرة يحصل كده ولا حصلت وأنت ماقلتش؟ نبيل:

حصلت أكتر من مرة بعد ما خلصنا امتحانات المعهد. نادر بعتاب: طب وليه ماقلتش يا نبيل، المفروض كنت قلت طالما اتكررت، وكنا روحنا لدكتور، أو حتى كنت قلت لأختك ولا لكامل عشان نتطمن على الأقل. نبيل: مش عاوز، أنا تعبت، وزهقت من دايرة الدكاترة والأدوية دي، مش هقدر أدخلها تاني. نادر: وهو أنت عشان مصدع شوية يبقى لازم في حاجة وحشة، بس إحنا برضو لازم نتطمن، وبعدين ما أنت كنت لسه بتقول لو الصداع ماراحش لبكرة هتروح للدكتور. نبيل:

أنا ماقلتش كده، أنا بس كنت هقول إني هغير نوع المسكن. نادر ببعض الحدة: تبقى بتهزر، إحنا هنروح للدكتور يا نبيل، الكلام ده ما ينفعش يتسكت عليه. نبيل: ممكن تسيبني أنام يا نادر، يمكن أروق شوية. نادر: طب أعملك حاجة سخنة تشربها؟ نبيل: لا، مش عاوز، أنا هحاول أنام، اطفي أنت بس النور وسيبني لوحدي شوية، يمكن أنام. نادر بتنهيدة: ماشي .. أنا هخرج أقعد برة شوية، لو احتجت حاجة انده عليا أنا مش هنزل.

ليخرج نادر مغلقًا الباب وراءه بعد أن أظلم الغرفة، ليجد والده ووالدته يجلسان سويًا أمام التلفاز، فالتفتت إليه والدته قائلة: أومال نبيل نام ولا إيه؟ نادر: آه، قال إنه مصدع شوية وهيحاول ينام. دولت: طب كويس، شكله مش عاجبني بقاله كام يوم. منصور: وانت قررت هتعمل إيه في الكلية، هتروح ولا إيه؟ نادر: آه يا بابا إن شاء الله. منصور وهو يدعي عدم الاهتمام: بتشوف أخواتك البنات اليومين دول ولا مابقيتوش تروحوا عنده؟ نادر:

لا بشوفهم، كنا معزومين على العشا عند مامتهم من كام يوم. منصور بانتباه: ومين اللي كان عازمكم؟ نادر: أحمد. دولت: هم على طول بيعزموكم يا نادر، ماتبقى يا ابني اعزمهم عندنا مرة. نادر بتردد: ماينفعش يا ماما، وبعدين عادي يعني، دول أخواتنا، وإن كان على أحمد، أنا ونبيل بنعزمه برة، وساعات بنروح النادي، بنتصرف يعني. منصور: ومين بقى كانوا معاكم في العزومة دي؟ نادر: كلهم، حتى كمان عمي وكامل. منصور: وإيه المناسبة بقى للمة دي؟

نادر بحمحمة: كامل كان عاوز يحدد معاد الجواز. منصور وهو يومئ برأسه باستهزاء: امممم، ربنا يهني سعيد بسعيدة. نادر: أنا هقعد في البلكونة شوية. منصور بسخرية: آه وماله، ماهو أنت مابقيتش تقدر تقعد معانا. ليذهب نادر إلى الشرفة دون أن يعلق بأي كلمة، وما إن جلس بمفرده حتى قام بالاتصال على فرح، وما إن أجابته حتى قال: إزيك يا فرح؟ فرح: أهلاً يا نادر، إزيك عامل إيه وإزاي نبيل؟ نادر وعينه تراقب مدخل الشرفة خشية

أن يسمعه أي من والديه: مانا بكلمك عشان عاوز أسألك على حاجة تخص نبيل. فرح بفضول: ماله نبيل؟ نادر: أنا اكتشفت النهاردة إنه بقاله فترة بيعاني من صداع وكمان بيرجع. لتصمت فرح، وعندما طال صمتها قال نادر: فرح انتي معايا؟ فرح ببهوت: الكلام ده من إمتى يا نادر؟ نادر: اللي عرفته إنه من واحنا في الامتحانات. فرح: وإزاي ما تقولوش حاجة زي كده، ده الدكتور محذر ومنبه، وبعدين هو عمل الفحوصات الدورية اللي الدكتور كان كاتبها ولا لأ؟

نادر: عملها ومفروض إن النتيجة كمان طلعت. فرح: يعني إيه مفروض، ماهو يا طلعت يا ما طلعتش. نادر بامتعاض: أصلي ما رحتش معاه وهو بيستلم النتيجة، يومها أنا رحت أخلص إجراءات في الكلية عشاني أنا وهو، وهو راح عشان يستلم النتيجة لوحده، وبعدها لما سألته، قالي كله تمام. فرح بلهجة إصرار: تجيبهولي وتبقوا المستشفى حالا، أنا عندي نوبطشية. نادر: بس هو مش راضي يكشف. وقصت عليه نادر الحوار الذي دار بينه وبين نبيل، فقالت فرح:

خلاص .. سيبني أنا أتصرف. نادر: طب ممكن ما تقولهوش إني قلتلك حاجة، مش عاوزة ياخد مني موقف ولا يخبّي عليا تعبه، ده لولا إني كنت موجود ولاحظت إنه تعبان وكمان رجع قدامي، يمكن ما كانش قال لي حاجة. فرح بتنهيدة: ماشي يا نادر، أنا هشوف هعرف أتصرف إزاي، بس هي التحاليل كانت في نفس المستشفى ولا في حتة تانية؟ نادر: أيوه. فرح: خلاص، أنا هتصرف.

بعد انتهاء المكالمة، اتجهت فرح على الفور إلى مكتب كامل الذي يصر على تواجده بالمستشفى أثناء نوبات العمل الليلية التي تكون من نصيبها، وما إن وصلت لمكتبه حتى طرقت الباب بلهفة ودخلت فور سماعها السماح بالدخول، وما إن رآها كامل حتى هب من مكانه بقلق قائلاً: إيه يا فرح .. مالك، وشك أصفر كده ليه، إيه اللي حصل؟ لتقص عليه المحادثة التي تمت مع شقيقها، ليقول كامل:

لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، تفتكري الفحوصات كان فيها حاجة ونبيل عارف ومخبي؟ فرح: مش عارفة، بس إحنا عشان نفهم لازم نعرف نتيجة الفحوصات الأخيرة. كامل: دي بسيطة، أنا ممكن أكلم دكتور المعمل وأعرف منه. فرح: وهو ممكن يقول لك؟ كامل: أنا هكلم الدكتور الجراح بتاعه، وهو هيتصرف، أعتقد إننا كوننا علاقة مش بطالة وقت العملية، ولو لا قدر الله فيه حاجة أكيد مش هيخبّي. فرح بدموع:

لو طلع فيه حاجة، المرة دي مش هتبقى سهلة أبدا يا كامل، ده كده المخ. كامل بمواساة: اهدّي شوية واجمَدي حبة، إحنا مش هنبني نتائج على احتمالات وغير أكيدة كمان ونقوم الدنيا من غير دليل. فرح: طب اتصل بالدكتور دلوقتي، على الأقل لو فيه حاجة نقدر نتصرف بسرعة. بعد مرور ساعة من الزمن وبمنزل منصور، كان يعلو صوت جرس الباب، ليذهب نادر مستطلعًا الزائر ليتفاجأ بكامل وفرح أمامه فيقول بصدمة: فرح .. أهلاً يا فرح اتفضلي. فرح بلهفة:

فين نبيل؟ نادر والقلق يعلو ملامحه: إيه اللي حصل؟ فرح وهي تتقدم لداخل المنزل: نبيل لازم ييجي معانا المستشفى حالا. نادر بفزع وهو يجول بعينيه بين فرح وكامل: ليه يا فرح، انتوا عرفتوا حاجة؟ ليأتي منصور من الداخل على صوت الجلبة التي حدثت، وعندما يرى فرح وكامل سويًا يقول بسخرية: إيه ده، الدكتورة والدكتور جايين بنفسهم لحد بيتي، يا ترى خير؟ ليتقدم كامل إلى منصور ويقول بهدوء: إحنا جايين لنبيل يا عمي. منصور باستغراب:

واشمعنى يعني، ماله نبيل؟ كامل: للأسف يا عمي، إحنا عرفنا إن نبيل تعب تاني ومخبي عن الكل، وده طبعًا بيأخر في العلاج وعشان كده أنا وأخته جايين ناخده معانا عشان نقدر نلحق الموضوع. منصور بعدم تصديق: إيه الكلام الفارغ ده، ما خلاص .. عمل العملية وخف وبقى زي الفل، انتوا هتبشروا عليه ليه تاني؟ دولت بأسى ولهفة وهي تضع يدها على صدرها:

لا يا منصور، نبيل مش طبيعي خالص بقاله فترة، حتى اللقمة مابقاش ياكل عدل، ووشه متغير ودبلان، وكل ما أسأله يقوللي مصدع وما بنامش كويس. ليلتفت إليها منصور قائلاً بحدة: وما قولتيليش الكلام ده ليه قبل كده، وافرضوا حتى إن ده حصل، مش معنى كده أبدًا إنكم تيجوا وعايزين تاخدوه زي اللي قابضين عليه. كامل بتعقل: نبيل عارف إنه تعبان ومخبي وكمان عرفنا من أخوه إنه رافض العلاج. منصور وهو ينظر لنادر:

وانت كمان كنت عارف، وهو أنا يعني آخر من يعلم، إزاي تخبوا عليا حاجة زي كده، بقى رايح تقول للدكتورة والدكتور اللي عاملينيني عدو ليهم وتخبّي عليا أنا أبوك وأبوه؟ نادر والدموع تملأ عيناه: أنا ماعملتش غير إني قلقِت على أخويا وحبيت أعرف هو ماله وأتطمن عليه، وربنا قال .. واسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون .. وهم أهل الذكر مش أنت. فرح موجهة كلامها لنادر: لو سمحت يا نادر، إحنا كده بنضيع وقت، فين نبيل اندهولي. منصور بغضب:

إنتي اتجننتي، ومين قال لك إني هسمحلك انتي ولا هو إنكم تاخدوه مني؟ فرح بجمود يعلوه الغضب: نبيل ماهواش محل نزاع أصلًا بينا، أنا مش عاوزة غير إنه يقتنع إنه يتعالج، عاوزين نلحقه وعلى الأقل نعرف الورم وصل لأنهي مرحلة. منصور وكأنه لم يستوعب الحدث: هو عشان تعبان شوية يبقى الورم رجعله تاني، ولا إنتي بس اللي عاوزة تباني إنك فاهمة وعارفة كل حاجة وتعملي قصة عليا؟ كامل بغضب:

هو انت مافيش فايدة فيك، بنقول لك ابنك تعب تاني، ده بدل ما تساعدنا إننا نعالجه تقف ترازي فينا وتعاند وخلاص. منصور بغضب: مش أما أعرف الأول انتوا جايبين الكلام ده منين. كامل: من الفحص الأخير اللي عمله وخبّى نتيجته عني. منصور: ولما هو خبّى نتيجته، سيادتكم بقى جايبين الكلام ده منين؟ كامل بفراغ صبر: لما نادر شك في التعب اللي جاله وكلم أخته بلغها، كلمنا الدكتور المعالج بتاعه، واللي عرفنا منه النتيجة. منصور بصدمة:

وإزاي الدكتور ما يبلغنيش حاجة زي كده؟ كامل وهو يزفر أنفاسه: لأن نبيل أقنعه إنه هيسافر بره يعيد الفحوصات دي من تاني وهيُعرض النتائج على دكاترة متخصصين هناك، يعني مبيت النية إنه ما يتعالجش من الأساس. ليهتز منصور بوقفته ليتهاوى متكئًا على الجدار قائلاً ببهوت: يعني إيه، المرض الخبيث رجع له من تاني؟ كامل بحزن: للأسف المرة دي الاحتمال الأكبر إنه في المخ. لتشهق دولت شهقة عالية وهي تضع إحدى كفوفها على فمها وتقول:

ابني .. ابني يا كامل، إزاي كده، إزاي بسرعة كده، إحنا مالحقناش نفوق. كامل باشفاق على دولت: إن شاء الله لو بدأنا العلاج بسرعة يمكن الحالة ماتتأخرش وتستجيب للعلاج. فرح بفراغ صبر: فين أوضته يا نادر، عاوزة أتكلم معاه. نادر وهو يمسح عينيه من أثر البكاء: تعالى يا فرح اتفضلي، أنا مش عارف إزاي ما خرجش على الدوشة دي كله.

ليأخذه متجها إلى غرفته مع أخيه ويقوما بالدلوف إلى الحجرة، وما إن أضاء الأنوار حتى تفاجئوا بنبيل ملقى أرضًا دون حراك ووجهه مليء بالدماء، لتهرع فرح إليه وهي تصرخ على كامل لنجدتها، ليقوم كامل ونادر بحمله من الأرض ووضعه على الفراش مرة أخرى وهو غائب عن الوعي، لتسرع فرح بتنظيف وجهه من الدماء لتكتشف أنها نزيف من الأنف، وبعد جس نبضاته، رفعت وجهها لكامل وقالت بصوت يخنقه العبرات:

محتاجين الإسعاف تيجي تنقله بسرعة، النبض ضعيف أوي. وقبل أن تمر نصف ساعة، كانت سيارة الإسعاف تحمل نبيل متجهة به إلى المشفى المتخصص والذي قد قام نبيل بإجراء الجراحة السابقة بداخله، وكان في استقبالهم الطبيب المتابع لحالة نبيل، والذي أسرعوا بإدخاله إلى قسم الحالات الحرجة بالرعاية المركزة. وكانت فرح وكامل قد أصرّا على الدلوف معه إلى الداخل للوقوف على حقيقة التطورات الخاصة بالحالة، ليقول كامل موجهاً حديثه للطبيب:

أنا مش عارف إزاي يكون الورم بالحجم اللي اكتشفتوه ده وما حدش اكتشفه قبل كده. الطبيب:

للأسف نبيل الحالة اللي كان الكبد بتاعه بيمر بيها خلينا ربطنا كل الأعراض بيه وبس، لكن لما بعد العملية الفحوصات كانت لسه بتطلع إن الجسم فيه أورام، ابتدينا نفحص الجسم بالكامل، لحد ما حددنا مكان الورم وخصوصًا إن نبيل ما كانش متعاون معانا أبدًا في الفحوصات الأخيرة، لدرجة إنه كان رافض إنه يعملها أصلًا، لحد ما قلت له .. خلاص براحتك، بس أنا لازم أكلم منصور بيه عشان أخلي مسؤوليتي قدامه، لولا كده ما كانش عمل الفحوصات من الأساس.

فرح: والنزيف اللي جاه من مناخيره ده بسبب الورم مش كده؟ الطبيب: للأسف أيوه، الورم ضاغط بشدة على المخيخ وحجمه مش صغير أبدًا زي ما الأشعة موضحة، ونزيف الأنف ده مش أول مرة تحصل له، لكن يمكن تكون دي أول مرة يصاحبها فقدان وعي، وده رحمة من ربنا لأن الألم المصاحب ليه بيبقى شديد جدًا. كامل: طب حضرتك هو الورم من أنهي درجة؟ الطبيب بأسف: للأسف من الدرجة الأولى. فرح بصدمة: يعني إيه، ما فيش علاج، ما فيش عملية؟ الطبيب:

طبعًا العملية موجودة، لكن للأسف في حالة نبيل .. نسبة نجاحها مابتتعداش ثلاثين في المية. لتنشج فرح بالبكاء وسط مراقبة منصور ودولت ونادر من خلف الزجاج الفاصل بينهم بقلق بالغ، لتقول دولت ببكاء: أخته بتعيط أوي ليه كده، ابني ماله، حد يطمني عليه. وبعد مشاورات ومداولات بين كامل وفرح والطبيب، تخرج فرح ودموعها مازالت تملأ عينيها، وما إن تلاقت عينيها مع منصور حتى قالت بقهر:

طول عمري بكرهك ومش مسامحاك على اللي عملته معايا، لكن النهاردة كرهي ليك زاد أضعاف، حرمتنا من بعض ولما افتكرتني عشان مصلحتك اللي مامشيتش زي ما أنت عاوز، حاولت إنك تفرقنا من تاني بغلك وعنجهيتك، وأدينا هنفارق غصب عننا كلنا. منصور ببهوت: أخوكي ماله يا بنتي؟ فرح بغل وهي تحاول خفض نبرة صوتها:

بقى أخويا دلوقتي، وبقيت بنتك كمان، أنا عمري ما كنت ولا هكون بنتك، حاولت تسرق حتة من كبدي قبل كده من غير ما تفكر حتى في مستقبلي ولا رد فعلي، والنهاردة، النهاردة الحارة سد، بس لو كنت أقدر أديله حتة من مخي كنت أديتهاله عن طيب خاطر، بس أكيد مش عشانك، لأ، عشانه هو، عشان حبيته وحبني، عشان نضيف مش شيطان زيك.

كان نادر يراقب ردود أفعال والده وهو يخشى أن ينال من فرح، ولكن تفاجأ بوالده وهو يتلفت حوله بتيه ثم استقر بصره مرة أخرى على نبيل من خلف الزجاج وقال: كان خف، كان بقى كويس، وخلاص الغمة اتزاحت، ليه كده، ليه تاني، ولادي... ليسقط منصور أرضًا وهو يمسك صدره بألم واضح على وجهه ليسرع كامل ونادر ودولت إليه بينما تنظر له فرح باستياء وكره وتتركهم عائدة إلى الداخل مرة أخرى لتظل بجوار نبيل.

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...