بعد مرور يومين، قام نادر بمهاتفة فرح لإبلاغها بتحديد موعد الفحوصات التي حددها منصور. اتفق معها على المرور عليها بعملها لاصطحابها معه إلى المشفى. عندما وصل إليها واستقلت معه سيارته، قالت: "أنت دلوقتي لما تعمل الفحوصات تضمن منين إن منصور ما يعرفش إن انت اللي هتعملها مش أنا؟ نادر: "كل حاجة بتمشي بالفلوس." فرح: "أيوه بس اسمك هيبقى موجود على الفحوصات." نادر: "ماتشيليش هم الكلام ده، أنا هتصرف في كل حاجة."
فرح: "ولما انت ممكن تتصرف، ليه واخدني معاك، ما كنت تعمل الكلام ده لوحدك؟ نادر: "أنا أبويا مش أهبل، ولو بصيتي وراكي، هتلاقي عربية زرقا ماشية ورانا. أبويا باعت اللي يأكد له إن انتي فعلاً رايحة معايا المستشفى." لتلتفت فرح إلى الخلف، لتجد بالفعل سيارة تسير خلفهم. فيقول نادر: "يا ريت تتعدلي عشان مايفهمش إننا خدنا بالنا، وتقدر تتابعيني من المراية اللي جنبي." لتلتفت فرح معتدلة بجلستها وهي تتابع تلك السيارة بعينيها وتقول:
"وإيه اللي مخليه يعمل كده؟ نادر: "لأني قبل ما أجلك عند حسن هددته إني هحكيلك على كل حاجة. وطبعًا بناءً على ماضيه معاكي كان متأكد إنك لما تعرفي هترفضى. فلما أنا أروح أقول له في نفس اليوم إنك وافقتي، رغم فرحته إلا إنه برضه ما ادانيش الأمان على الآخر." فرح: "طب ماهو معنى كده إنه ممكن يطب علينا في أي لحظة." نادر: "لا.. ماتقلقيش من الناحية دي، أصل أنا حطيت له العقدة في المنشار." فرح: "مش فاهمة… عملت إيه يعني؟
نادر بسخرية: "قلت له إنك موافقة على الفحوصات وكمان العملية لو الفحوصات طلعت سليمة، بس بشرط إنه لا يحضر ده ولا ده." لتلمع عينا فرح بإحساس بالنشوة والانتصار على منصور وهي تقول: "ووافق على الشرط ده؟ نادر: "ما يقدرش يرفض، ده عاوز يتعلق ولو بقشاية." فرح بفضول: "طب ونبيل؟ نادر بتنهيدة حزينة: "نبيل عارف إحنا هنعمل إيه، أنا ما بعرفش أخبي عليه حاجة، ولا هو كمان بيعرف يخبي عني حاجة."
فرح بصدق: "إن شاء الله تطلع الفحوصات تمام، وتعملوا العملية ويخف ويبقى زي الفل." نادر بامتنان: "أيوه بالله عليكي، كل ما ييجي على بالك ادعي له." فرح: "من ساعة ما اتعرفت عليك وحكيت لي الحقيقة وأنا بدعيله… وبدعيلك انت كمان." نادر بعدم تصديق: "بعد كل اللي حصل لك من بابا؟ فرح بتنهيدة: "وإنتوا ذنبكم إيه، بالعكس.. أنا شايفة إنكم كمان اتظلمتوا بسببه. ما تزعلش مني.. طريقة تربيته ضيعت مستقبلكم."
نادر بحزن: "وأزعل منك ليه، إنتي عندك حق. بس في الحكاية دي بالذات، مش بابا بس اللي غلطان، أنا ونبيل كمان غلطنا. ماما كانت دايما تنصحنا إننا ناخد بالنا من مستقبلنا، بس إحنا استسهلنا، وقررنا نرمي كل حاجة ورا ضهرنا ونتمتع بالدنيا وبس. لكن لما حصل اللي حصل، حسينا إن ربنا بيدينا إشارة إننا نشوف الحقيقة بعنينا، وإن الدنيا دي مش دايمة لحد، لا كبير ولا صغير." "تعرفي أنا ونبيل اتفقنا على إيه؟ فرح: "على إيه؟
نادر: "إن شاء الله لما نعمل العملية ويخف، هنروح سوا نعمل عمرة وندعي ربنا إنه يسامحنا ويهدينا." فرح: "إن شاء الله خير، ربنا كريم." عند وصولهم إلى المشفى، لاحظت فرح أن السيارة الزرقاء المتتبعة لأثرهم قد توقفت على بعد منهم، وترجل منها شخص ما وهو مستمر في مراقبتهم. فقالت: "طب هو ممكن يدخل ورانا؟ نادر وهو يتقدم منها: "تعالى ندخل بس وما تشغليش بالك… أنا هتصرف."
ليدلفا معاً إلى المشفى، ليتجه بها نادر سريعاً إلى درجات السلم ليصعد بها إلى الطابق التالي ويصطحبها بعد ذلك إلى المصعد ليذهب إلى المكان المخصص لعمل تلك الفحوصات، ودلف إلى الداخل بصحبة فرح. فوجده يختلي بالطبيب لبضع دقائق ثم يعود إلى فرح قائلاً: "كله تمام، هتنتظريني هنا ولا هتيجي معايا؟ فرح: "هاجي معاك."
ليغادرا المشفى بعد ثلاث ساعات من الفحوصات الشاملة لنادر. ليلمحوا قائد السيارة الزرقاء جالسًا بالسيارة في انتظار رؤيتهم. ليقول نادر بتهكم: "أهو لسه قاعد مكانه، شكله خاف يروح يقول له إننا زوغنا منه." فرح: "طب ياللا بينا عشان أنت شكلك باين عليه الإجهاد." نادر وهو يدير السيارة: "أنا مابحبش جو المستشفيات أصلًا." فرح: "أومال بقى لما الفحوصات تطلع إن شاء الله وتبقى مطابقة هتقعد في المستشفى إزاي؟
نادر: "بس هي تطلع مظبوطة.. وبعد كده يحلها المولى، إنتي بس قولي يا رب." فرح: "يارب." نادر: "أنا عارف إني تقلت عليكي، بس كنت عاوز أطلب طلب تاني." فرح: "خير." نادر: "لو ربنا كتب لي أنا ونبيل الخير وقومنا منها بالسلامة، عاوز نبقى أخوات بجد." فرح بابتسامة: "إن شاء الله تقوموا بالسلامة." عند وصول نادر إلى المنزل، كان منصور بانتظاره على جمر من النار. وما أن رآه حتى هب من مكانه قائلاً بلهفة: "ها طمنني.. عملت الفحوصات كله؟
نادر: "ماتقلقش، كل الفحوصات اتعملت، ومستنيين النتيجة." منصور بتفاؤل: "عندي أمل إنها تطلع مطابقة." دولت بقلق: "هي أختك صحيح موافقة على العملية يا نادر؟ ليقول نادر بتعاطف مع أمه: "ماتقلقيش يا ماما، إن شاء الله الفحوصات تطلع مطابقة، وساعتها مفيش حاجة هتمنع العملية إن شاء الله، ونبيل هيخف وهيبقى زي الفل." دولت بأمل: "يارب يا ابني يارب." وبعد ثلاثة أيام، يقوم نادر بمهاتفة فرح مرة أخرى وهو يبكي بشدة ويقول:
"الفحوصات طلعت مطابقة يا فرح، هنعمل العملية خلاص، الدكتور حدد معادها بعد بكرة إن شاء الله." فرح بتأثر بمشاعر أخيها: "إن شاء الله تقوموا بالسلامة." نادر: "سامحيني يا فرح هتعبك، لأني هحتاجلك معايا اليومين دول إنتي و كامل ابن عمي، إنتوا اللي هتساعدوني إنكم تبعدوا بابا تمامًا على ما العملية تتم." فرح بفضول: "عاوزنا نعمل إيه؟ نادر: "هقول لك…"
كان منصور يجلس بصحبة نبيل بغرفته، بينما كانت دولت تعد حقيبة نبيل ببعض المستلزمات التي سيحتاج إليها لدى مكثه بالمشفى. ليستمعوا إلى رنين جرس الباب. ثم يأتيهم نادر بعد دقائق مستدعياً أباه لملاقاة إبراهيم و كامل. ليذهب منصور إلى الخارج لملاقاتهم بترحاب قائلاً: "أهلاً يا إبراهيم.. نورت، ثم قال ساخراً، نورت يا دكتور، أخيراً قررت تدخل بيت عمك." إبراهيم: "إزيك يا منصور، إحنا جايين نطمن على نبيل."
إبراهيم: "أهو خلاص بيجهز عشان هنروح على المستشفى بعد شوية، عشان يبدأوا يحضروا للعملية." كامل: "معلش يا عمي، أنا هوديه أنا ونادر وبابا، وهنفضل معاه لغاية العملية ما تتعمل، ولما يخرج من أوضة العمليات بالسلامة، يبقى حضرتك تقدر تيجي." ليهب منصور من مكانه منتفضاً وهو يقول بغضب: "إيه الهرى اللي ابنك بيهريه ده يا إبراهيم، ده مين ده اللي هيمنعني إني أحضر عملية ابني؟
كامل بهدوء: "اللي أعرفه إن كان فيه شرط من البداية وحضرتك وافقت عليه." منصور: "هو عشان جاريتها في التخاريف بتاعتها على ما تعمل الفحوصات هتفكر إنها هتمشيني على كيفها؟ كامل: "هي برضه كانت متوقعة كده، وعشان كده هي مستنية مني تليفون وعلى أساسه هتحدد إن كانت تطلع على المستشفى ولا تطلع على المؤتمر الطبي اللي معمول في شرم." منصور بحدة: "انت بتهددني يا كامل؟
كامل ببرود: "أنا ما بهددش حد يا عمي، أنا مجرد بوصل رسالة بأمانة شديدة، زي ما هوصل لها الرد بنفس الأمانة." نادر: "هو يعني يا بابا لو حضرتك روحت المستشفى هتدخل أوضة العمليات، خليك هنا معزز مكرم، وأول العملية ما تخلص هيجيلك تليفون تيجي على طول." إبراهيم: "وأنا مش هسيبه يا منصور، هفضل معاه وجنبه أنا وكامل، ما تقلقش." ليأتيهم صوت دولت باكية: "طب وأنا كمان ما أروحش معاه؟ كامل بتعاطف: "صدقيني هيبقى أفضل."
نادر: "وبعدين ما أنا كمان هبقى معاه ومش هسيبه لآخر لحظة، ده أنا حتى طلبت من الدكتور إني أبقى معاه في أوضة العمليات وهو وافق." كان منصور ينظر إليهم جميعاً بغضب كامن في صدره، وهو يدب بيديه على جانب مقعده بغل وقال: "بقى كده يا بنت فاطمة، بتنتقمي مني وبتربيني… فاكرة نفسك بتمسكيني من إيدي اللي بتوجعني، لكن معلش.. كله سلف ودين.. صبرك عليا بس لما العملية تخلص وأطمن على ابني." لينظر
إليه كامل في ازدراء ويقول: "طب والله كويس إنك عارف إن كله سلف ودين يا عمي." ثم نظر إلى نادر وقال: "ياللا يا نادر.. هات أخوك وحصلونا على تحت، هنروح المستشفى بعربيتي." وعندما ذهب الجميع، جلست دولت باكية على بعدها عن ابنها في تلك اللحظات الحاسمة، وكانت تنظر لمنصور بحزن وهي تحمله من داخلها كل ما يحدث للجميع. أما منصور فكانت النيران تتآكل في صدره وهو يزداد حقداً على فرح وينوي لها أشد العقاب.
وصل الجميع إلى المشفى وأصر نادر على أن يكون بغرفة منفصلة عن أخيه خوفاً من أن يفاجئهم منصور بالحضور في أي لحظة. فمكث إبراهيم بصحبة نبيل بغرفته كمرافق له. أما كامل.. فتواصل مع الطبيب الجراح الذي سيقوم بإجراء العملية لمتابعة كل التفاصيل. وفي الصباح التالي.. وصلت فرح إلى غرفة نبيل ودقت الباب. وعندما سمعت الإذن بالدخول، دلفت إلى الداخل. فوجدت نبيل في أيدي بعض الممرضات وهن يجهزنه للعملية.
أجل، فقد أبلغوا منصور بموعد يلي الموعد الحقيقي بأربعة وعشرين ساعة. وعندما شاهدته فرح ابتسمت وقالت: "صباح الخير." ليلتفت إليها نبيل بوهن، ولكن ما أن رآها عرفها، فقال بابتسامة: "صباح الخير، إنتي الدكتورة فرح مش كده؟ لتقترب منه فرح بابتسامة قائلة: "أيوه أنا، أنا كنت فاكرة إن نادر بيبالغ لما وصف لي انت قد إيه وسييم." نبيل: "نادر دايماً عينيه حلوة، والظاهر إنه طالع لك."
فرح بمرح: "لااا، ده انت كمان لسانك حلو، يبقى ليهم حق البنات يقعوا فيك." نبيل: "خلاص بقى، تبنا إلى الله." فرح: "ها… جاهز للعملية؟ نبيل: "خايف أوي، وكان نفسي أشوف نادر قبل العملية." فرح: "ما تقلقش، هتشوفه في العمليات قبل التخدير." نبيل بابتسامة مرتعشة وعيناه تتلألأ بالدموع: "طول عمري أسمع عن أخواتي البنات، بس عمري ما جربت حنيتهم، ممكن تحضنيني؟
لتنظر إليه فرح بصمت لبرهة، ثم تتقدم منه وتقوم باحتضانه لتتفاجئ به وهو يضمها إليه بشدة ويبكي بنشيج قائلاً: "بالله عليكي لو حصل لي حاجة، ابقي اسألي على ماما، ماما مش وحشة، بالعكس والله، ماما طيبة أوي، وعمرها ما وافقت بابا على اللي بيعمله." لتربت فرح على كتفيه وتقول: "إيه اللي انت بتقوله ده، انت هتقوم بالسلامة وهتخف وهتبقى زي الفل، بلاش التشاؤم ده." لتبعده عن أحضانها وتمد كف يدها لتمسح عبراته وتقول:
"كامل ابن عمك هيبقى معاكم في أوضة العمليات، وأنا هستناكم برة مش هتحرك من مكاني قبل ما أطمن عليكم، ما تتأخروش عليا." ما أن أغلقت غرفة العمليات أبوابها، حتى جلست فرح برهبة وهي تشعر بالخوف وظلت تناجي ربها بنجاح العملية وأن يسلمهم وتطمئن عليهم. لتشعر بيد تربت على كتفها. وعندما وجدت عمها بجوارها ارتمت بأحضانة باكية وهي تقول:
"طول عمري مش مسامحاه في اللي عمله فيا، والنهاردة كرهي ليه زاد أكتر وأكتر عشان حرمني من أخواتي طول السنين دي كلها، ذنبنا إيه نتغرب عن بعض السنين دي كلها، ذنبنا إيه يا عمي فهمني." إبراهيم بحزن: "مالكمش ذنب يا بنتي، اهدى انتي بس كده وتعالى نصلي وندعيلهم إن ربنا يخرجهم لنا بالسلامة."
أحد عشر ساعة متواصلة، استغرقتها العملية الجراحية كادت تودي بحياة نبيل أكثر من مرة لولا عناية الله. حتى خرج كامل بصحبة الطبيب من غرفة العمليات، لتسرع إليه فرح ورحمة وندا وأزواجهم الذين انضموا لفرح وإبراهيم. ليقول الطبيب بإجهاد:
"العملية الحمد لله نجحت، لكن دعواتكم الصادقة إن جسم نبيل يقبل الجزء اللي اتنقل له وما يعتبرهوش جزء غريب ويقاومه. النتيجة الفعلية هتبان بعد أسبوع من دلوقتي إن شاء الله إن كان حصل تكيف ولا لأ، وهيفضل في الرعاية المركزة طول الأسبوع ده عشان يبقى تحت الملاحظة التامة." فرح: "طب ونادر حالته إيه؟
الطبيب بتنهيدة: "نادر اتنقل الأوضة بتاعته دلوقتي وهيفوق في خلال كام ساعة إن شاء الله، وهيبقى كويس ماتقلقوش. بس خليكم فاكرين، نادر مضى على تعهد إن العملية على مسؤوليته بالكامل، لأني ما أخبيش عليكم متوقع اللي ممكن منصور بيه يعمله لما يعرف الحقيقة. لكن أنا اضطريت أطاوع نادر على اللي حصل لأني كنت شايف حالة نبيل وهي بتتدهور يوم عن التاني."
إبراهيم: "ماتقلقش يا دكتور، هو لما يشوفه كويس قدامه إن شاء الله هينسى أي حاجة تانية." الطبيب: "أتمنى، بعد إذنكم." ليتركهم الطبيب مع كامل وينصرف. ليقول إبراهيم: "إيه يا كامل، ساكت يعني، في حاجة ولا إيه؟ كامل: "أبدا يا بابا، بس حبيت أدي مساحة للدكتور يشرح لكم الوضع كله." حسن: "شكلك تعبت أوي برضه يا كامل، أنا بقول تروح تستريح، وانت كمان يا بابا، روح استريح طالما نبيل هيبقى في الرعاية." إبراهيم: "وأسيب نادر لوحده؟
فرح: "ماتقلقش يا عمي، روح حضرتك استريح وأنا هفضل مع نادر مش هسيبه." ندا: "خلاص إحنا ممكن نبدل مع بعض." فرح: "لا يا ندا روحوا انتوا عشان الأولاد اللي سايبينهم من الصبح مع ماما دول، أنا ما ورايش حاجة، هبات مع نادر النهاردة، على ما عمي يجي لي الصبح إن شاء الله عشان أروح الشغل." كامل منهياً الحوار: "خلاص، اعملوا زي ما فرح قالت، وعموماً أنا كمان بايت هنا، فماحدش يقلق." حسين: "هتتعب يا كامل."
كامل: "يا ابني أنا اتعودت على كده، ياللا انتوا بالسلامة." حسين: "طب أنا هروحهم وهجيب لكم أكل وأجيبهولكم." محسن: "لا روح هات دلوقتي الأول وبعدين روح، وأنا هاخد ندا معانا على مانجيب العيال من عند طنط فاطمة." وبعد ساعة من الزمن، كانت فرح تجلس بغرفة نادر تتابع مؤشرات شقيقها. ليدلف إليها كامل وبيده حقيبة الطعام التي أتى بها حسين ويقول: "ها يا فرح، إيه الأخبار؟ فرح: "الحمد لله، مؤشراته تطمن، بس يا ترى هيفوق إمتى؟
كامل وهو يضع الطعام على الحامل المتحرك ويقربه من مقعدها: "طب ياللا تعالي كلي، زمانك واقعة من الجوع زيي، وهو ممكن يفوق في أي لحظة." فرح بامتنان: "الحقيقة أيوه، فعلاً جعانة جداً، ما أكلتش حاجة من ساعة ما خرجت من البيت." كامل وهو يفتح أغلِفة الطعام: "ومين سمعك، وريحة الكفتة جوعتني زيادة." ليبدأوا في تناول طعامهم بنهم. ولكن قبل أن يكملوا طعامهم سمعوا صوت نادر وهو يقول بخفوت: "يعني سايبني متبنج وبتاكلوا كفتة لوحدك؟
للتلتفت فرح بلهفة قائلة: "حمدلله على السلامة." نادر وهو يبتلع لعابه بألم: "عطشان أوي." ليتجه إليه كامل ليقوم بفحصه والاطمئنان عليه. وبعد برهة قام كامل بتقريب منشفة مبللة من فم نادر، وقال: "معلش استحمل شوية… وأنا شوية كده وهطلب لك كوباية ينسون." نادر: "ونبيل، فاق ولا لسه؟ فرح: "لااا، نبيل لسه بدري عليه، ما أعتقدش إنه هيفوق دلوقتي." نادر: "عاوز أشوفه."
كامل: "أولاً انت لسه بدري عليك على ما تقدر تتحرك، ثانياً نبيل في الرعاية المركزة، مش في أوضة عادية زيك، يعني ممنوع أصلًا حد يدخل له، لكن أوعدك إنك أول ما تبتدي تشد حيلك هاخدك تبص عليه." نادر بفضول: "بابا ما حاولش يتصل أو يعمل حاجة؟ فرح: "آه صحيح."
كامل: "الظاهر إنه اقتنع بكلام نادر لما كلمه الصبح وقال له إن الدكتور أمر إن ما يبقاش فيه أي تليفونات محمولة قريبة منه وعشان كده كل التليفونات هتتقفل، وإنه هيبقى يفتحها بالليل عشان يطمنهم." فرح: "طب ما هما زمانهم قلقوا." كامل: "خليت بابا كلم عمي وطمنه، وقال له إن نادر مش عاوز يسيب أخوه لوحده." نادر: "لما أحس إني قادر أتكلم كويس هبقى أكلمهم."
كامل بتحذير: "اعمل حسابك إن أبوك مش هيعديها لك على خير، وكلنا هنيجي في الرجلين." نادر: "أنا اللي يهمني إني أطمن على نبيل، أي حاجة تانية دلوقتي ما تفرقش معايا." في اليوم التالي، وفي الثامنة صباحاً، كان نادر يغط في نوم عميق من أثر الأدوية المسكنة. عندما دق إبراهيم بهدوء على غرفته، ففتحت له فرح الباب على الفور. وعندما وجد نادر غارقاً في النوم قال بهدوء: "صباح الخير يا بنتي."
فرح: "صباح الخير يا عمي، كويس إن حضرتك وصلت بدري." إبراهيم: "أنا هنا من ساعة تقريباً، بس كنت بتكلم مع كامل وبتطمن منه على نبيل." فرح: "نبيل الحمد لله فاق من البنج الفجر، وحالته تطمن، بس طبعاً زي ما الدكتور قال، لسه مش هنقدر نطمن إلا بعد خمس أو ست أيام كده إن شاء الله." إبراهيم: "إن شاء الله يا بنتي، ربنا يتم فضله علينا للآخر، ياللا انتي عشان ما تتأخريش على شغلك، كامل مستنيكي في العربية عشان يوصلك."
فرح: "ماشي يا عمي، وإن شاء الله هرجع من الشغل على البيت أغير هدومي وأجيلك على طول." إبراهيم: "براحتك يا بنتي، ما تقلقيش روحك، ولو حبيتي تريحي ريحي، أنا مش هسيب أخواتك لوحدهم." لتتجه فرح إلى الخارج حتى وصلت إلى سيارة كامل وجلست بجواره وهي تقول بهدوء: "صباح الخير." كامل: "صباح النور، عاملة إيه، ما نمتيش عدل طبعاً." فرح: "لا عادي ما تقلقش، أول ما أشرب فنجان قهوة هفوق على طول." كامل: "يبقى نشربها سوا قبل معاد شغلك."
ليصطحبها إلى إحدى الأماكن التي اصطف أمامها بسيارته وطلب من شخص ما إفطار وقهوة، ليأتيهم ما طلبوا وهم في أماكنهم، ليتناولوا الطعام والقهوة في صمت شديد. ثم يتحرك كامل مرة أخرى باتجاه عملها ليقول في ريبة: "أنا عارف من طبعك إنك ما بتتكلميش كتير، بس حاسة إنك مش طبيعية فوق العادة، في حاجة حصلت ولا إيه؟ فرح: "أبدا، بس الصراحة لأول مرة أحس إني خايفة منه." كامل بفضول: "تقصدي مين؟ فرح: "منصور."
كامل باستغراب: "وخايفة منه ليه يعني، هو في إيده إيه يعمله عشان يأذيكي؟ فرح: "مش ده قصدي." كامل: "أومال تقصدي إيه؟ فرح: "وأنا سايبة نادر وماشية عمي قالي.. أنا مش هسيب أخواتك لوحدهم." "كلمة أخواتك لما قالها.. حسيتها وجعتني من جوة، يمكن معرفتي بيهم ما كملتش أسبوع، بس حبيتهم أوي يا دكتور، وحزينة من جوايا إني ما عرفتهمش ولا قربت منهم قبل كده." كامل: "وهم لو كانوا حاولوا يقربوا قبل كده كنتي هتسمحي لهم بده؟
فرح بتيه: "مش عارفة." كامل: "طب برضه ده إيه علاقته بخوفك من عمي؟ فرح بنبرة حزينة: "خايفة يبعدنا عن بعض أو يحرمنا من بعض من تاني بقسوته وجبروته." كامل: "متهيأ لي أخواتك مش هيسمحوا بده يا فرح، ولو هما رضوا بده ووافقوا عليه، يبقى ما يستاهلوش إنك تفكري فيهم من الأساس." فرح: "بس أنا حساهم يستاهلوا." كامل: "يبقى خلاص، تأكدي إنه مش هيقدر عليهم."
كان منصور بمنزله بصحبة زوجته، يكاد أن يذهب عقله من القلق على ابنه والغضب من نادر لأنه لا يستطيع محادثته. وكلما زاد قلقه، كلما زادت نقمته على فرح لاستطاعتها أن تبعده عن ابنه في أحلك الأوقات سواداً بالنسبة إليه. وأثناء غضبه وجد هاتفه يدق برقم نادر فقام بالرد على الفور قائلاً بحده: "هو أنا يا زفت مش متفق معاك إنك تكلمني تطمني كل شوية، قافل تليفونك ليه كل ده أنا مش فاهم."
نادر وهو يحاول جاهداً أن ينقي صوته حتى يبدو طبيعياً: "الدكتور مانع التليفونات في الأوضة عند نبيل تماماً عشان ما تأثرش على الأجهزة، وأنا ماسيبتوش لحظة، وسبت عمي يطمنك كل ما كان بيقدر يبعد عن الأوضة، وأديني أهو كلمتك أول ما بقيت بعيد عنه." إبراهيم وهو يحاول السيطرة على غضبه: "وانت سايبه مع مين؟ نادر: "مع الدكاترة بيتطمنوا عليه." إبراهيم: "والعملية هتبدأ إمتى، عاوز أجي بقى أطمن على أخوك."
نادر بتردد: "الدكتور قال إن العملية بتاخد وقت طويل جداً ممكن يوصل لأكثر من عشر ساعات والعملية هتبدأ بالليل متأخر وكمان مش هيخرج على أوضة عادية هيخرج على العناية المركزة، يعني كده كده برضه مش هتشوفوه وهو خارج من العمليات، فممكن حضرتك تيجي بكرة تشوفه." إبراهيم بحدة: "انت عاوزني أقعد هنا وأخوك في العمليات، أنا هاجي يعني هاجي."
نادر: "بلاش تبوظ كل حاجة على آخر لحظة، العند ما منهوش أي لزمة، حضرتك خليك عندك، وأنا إن شاء الله هطمنك أول ما أطمن." لتختطف دولت الهاتف من يد زوجها وتقول بلهفة وهي تنظر لزوجها بغيظ دفين: "ما تقلقش يا نادر، أبوك أكيد مش هيعمل حاجة تأذي أخوك بعد كل ده، انت بس طمني عليك وعلى أخوك." نادر بابتسامة: "إحنا بخير يا ماما ما تقلقيش." دولت: "وأختكم يا حبيبي.. كويسة." منصور بغضب: "إنتي في إيه ولا في إيه، خليكي في مصلحة عيالك."
دولت بامتعاض: "طب على الأقل اطمن عليها عشان مصلحة ابنك، دي هتديله حتة من لحمه." ليختطف منصور منها الهاتف مرة أخرى ويقول لنادر: "أول ما تدخلوا العمليات تكلمني، هبقى عندك في ساعتها." نادر: "لو عرفت أكلمك بقى، ربنا يقدم اللي فيه الخير، ياللا سلام." وبعد أن أغلق الخط قال لعمه: "أنا مش فاهم إنتوا أخوات إزاي، إيه كم العند ده."
إبراهيم: "مش سهلة عليه برضه يا ابني إن يقعد مكانه وهو عارف إن أخوك داخل عمليات، وخصوصاً إنه حس إن فرح بتنتقم منه." نادر: "طب تصدق بقى، إني حاسس إن ربنا عمل حكاية نبيل دي بالذات عشان أنا ونبيل ننصلح حالنا ونقرب من أختنا، ونفسي كمان نقرب من رحمة وندا." إبراهيم: "أهم زمانهم جايين يتطمنوا عليكم، ما مشيوش امبارح غير لما اتطمنوا إنكم خرجتم من العمليات والحمد لله بخير."
نادر: "بس أنا كان نفسي بابا ما يجيش المستشفى قبل ما أقدر أقف على رجلي، مش عاوز يستفرد بفرح ويطلع عليها كل اللي حصل." إبراهيم: "ما تقلقش على فرح، فرح بميت راجل وأنا وكامل مش هنسيبها." نادر: "بس الأفضل إنها ما تبقاش موجودة لما ييجي يا عمي، أبويا ماينضمنش." إبراهيم بتفكير: "حاضر يا ابني هكلمها وأبلغها."
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!