رحمة وهي تقترب من مجلسهم: عشان كده بابا صمم يخليني أنا وندى نعمل كل الأشعات والتحاليل اللي عملناها الشهر اللي فات. فرح باستغراب: أشعات وتحاليل إيه، وليه؟ محسن: مافيش يا بنتي ما تقلقيش، إحنا اتفاجئنا بعمي بيتصل وبيقول إنه حجز لهم في مستشفى على أعلى مستوى، وصمم إنهم يروحوا هناك يعملوا تشيك أب كامل عشان يتطمن عليهم. فرح: وبعدين، النتيجة طلعت؟ ندى ضاحكة:
ولا نعرف أصلًا، ماحدش فينا اهتم إنه يسأل على النتيجة، لأن بابا قال إنه هو اللي هيستلم النتيجة بنفسه ولو فيه أي حاجة هيقول لنا. حسن: طب يالا ناكل الأول قبل ما الأكل يبرد، ولا إيه؟ رحمة: يالا يا عمي اتفضل، يالا يا كامل. التفوا جميعًا حول الطعام، وبدأوا في تناول الطعام، ليقول كامل: بس المفروض تطلبوا التحاليل والأشعة دي وتبقى معاكم، على الأقل لو كررتوا التحاليل دي في أي وقت يبقى عندكم مرجع للحالة الصحية بتاعتكم.
علا الوجوم على وجه إبراهيم ويقول: ولا يطلبوها ولا يجيبوا سيرتها من الأساس، وتاني مرة لو طلب حد فيكم عشان يعمل حاجة زي دي بلغوني قبل ما تروحوا. كامل باستغراب: طب ليه يا بابا؟ دي الحاجات دي تكلفتها المادية بقت عالية جدًا، حتى لو يجيبوها يعرضوها عليا وعلى فرح نتطمن عليهم. رحمة بتردد: هو أصلًا عاوز يعمل نفس الفحوصات دي لفرح كمان. فرح بجدية:
يبعد عني تمامًا، ومالوش علاقة بيا.. أعمل ولا ما أعملش، أعيش أموت، مالوش علاقة نهائي بي. تبادلت ندى ورحمة النظرات مع أزواجهن بدون أي تعليق. إبراهيم: كبري دماغك إنتي، المهم طمنوني عملتوا إيه النهاردة، واتفقتوا على ميعاد الافتتاح ولا لسه؟ كامل: لسه فيه شوية كماليات محتاجينها للمستشفى قبل الافتتاح، بس مبدئيًا اتفقنا إن الافتتاح بعد شهر من دلوقتي إن شاء الله، وباركوا لفرح، هتبقى رئيس قسم الباطنة عندنا.
تختلط أصوات التهانى من المتواجدين لتقول ندى مداعبة شقيقتها: يبقى كده لينا واسطتين في المستشفى ومن حقنا نكشف ببلاش. كامل ضاحكًا: يعني لو كانت واسطة واحدة كنتي هتدفعي يا ست ندى؟ ندى ضاحكة: الواحد كان هيتحرج منك برضه يا كيمو، إنما فرح ممكن نخطفها عادي ونساومها بتمن الكشف. كامل: لا يا ستي ما تتحرجيش، وطبعًا ربنا يحفظكم جميعًا من أي شكوى أو مرض، لكن طبعًا المستشفى تحت أمركم في أي وقت.
وفي مكان آخر كان يجلس منصور وبجانبه ابنه نبيل الذي أهلكه المرض مضجعًا على الأريكة، وكان بصحبتهم نادر الذي قدم كوبًا من العصير لأخيه قائلًا: اشرب كوباية العصير دي يا نبيل على ما ماما تخلص الغدا. نبيل بضعف: ماليش نفس يا نادر. منصور: قوم يا ابني اتعدل واشرب العصير، أنت العلاج بتاعك يهد جبال، والمفروض تتغذى كويس. نبيل: مش قادر يا بابا، ولو شربته مش هقدر أتغدى، سيبوني براحتي. لتأتي أم نبيل من الداخل وتقول:
طب قوم يا حبيبي استريح في سريرك، الكنبة مش مريحة، اسند أخوك يا نادر دخله أوضته. ليسند نادر أخاه ويساعده على الدخول إلى غرفته ليأخذ قسطًا من الراحة، في حين جلست أم نبيل بجوار زوجها قائلة: مافيش جديد يا منصور. منصور بحزن: أبدًا يا دولت، وتحاليل البنات طلعت هي كمان والدكتور أما شافهم قال إن ولا واحدة منهم تنفع، كنت عشمان ألاقي واحدة فيهم مطابقة لكن طلعوا زيي وزيك مش مطابقين. دولت: طب ما تجرب تعمل التحاليل دي لنادر.
منصور بحزم: لا.. نادر لا، افرضي لا قدر الله تعب بعد كده ولا حصل له حاجة، يبقى خسرت ولادي الاتنين. دولت: بس الدكتور قال إن مافيش خطورة على المتبرع. منصور بتصميم: كلام الدكتور مش قرآن، وياما بيحصل غلطات في أوضة العمليات، أنا مش ممكن أجازف بسلامة ولادي أبدًا. اديني عملت إعلان طلبت فيه متبرع بالفلوس، وأما نشوف النتيجة هتبقى إيه. دولت: طب وأختهم التالتة، عملت لها التحاليل؟ منصور بغل:
أهي لآخرة متفرعنة وحاطة مناخيرها في السما، راكبة دماغها ومش مدية فرصة لحد إنه يتكلم معاها من أصلها. دولت: طب ما تكلم إبراهيم خليه يكلمها. منصور بسخرية: إبراهيم.. ده طلع فيا كلني أما عرفت إني عملت التحاليل للبنات، وأداني محاضرة في الدين والأخلاق، لا وكمان حذرني إني أهوب من الدكتورة ولا أفكر أأذيه. دولت بتردد:
ما هو برضه يا إبراهيم، ما ينفعش تبقى سايبها ومقاطعها السنين دي كلها، وأول ما تعرفها تقول لها اديني حتة من كبدي لأخوكي اللي ما تعرفيهوش أصلًا. منصور بكبر: وهي يعني كانت سألت عليا ولا فكرت تزورني مرة واحدة. دولت: أنا تعبت من المناهدة معاك، مين يسأل على مين بس. منصور: وما إخواتها هما اللي جوني وسألوا عليا. دولت:
ما تنكرش إن إبراهيم هو اللي أقنعهم، لأنه خاف على زعلك لو حط إيده في إيد جوز أمهم وقت كتب الكتاب، يعني ما جاش اترموا في حضنك كده من نفسهم. منصور بحدة: هو انتي معايا ولا معاهم. دولت: أنا مع الحق. منصور بسخرية: ولما إنتي مع الحق، وافقتي ليه على جوازي منك وإنتي عارفة كل حاجة من الأول. دولت بحزن:
ما أنكرش إني غلطت، بس ربنا اللي يعلم نيتي وقتها كانت إيه، ماهو على يدك، كنت لوحدي وماليش حد ولا حتة أروحها، وكمان كنت فاكرة إنك هتحن لبناتك وهتسأل عليهم وتودهم مش تفضل راميهم وحتى ما فكرتش تطل في وش واحدة منهم طول السنين دي. منصور: قفلي على السيرة دي، مش عاوز أسمعك تتكلمي فيها تاني مرة، ولازم تفهمي إني ممكن أعمل أي حاجة في الدنيا دي عشان ولادي وسلامتهم. دولت وهي تهز رأسها ذات اليمين وذات اليسار بقلة حيلة:
أنا عملت اللي عليا وخلصت ذمتي من ربنا وأنت حر. منصور باستهانة: اديكي قلتيها.. أنا حر. ليخرج نادر من غرفة أخيه ويقول بتبرم: يا بابا نبيل كل يوم في النازل، لازم نشوف حل بسرعة، يا إما نبتدي العلاج بالكيماوي زي ما الدكتور قال. منصور: اصبر بس شوية، يمكن نعمل العملية، الدكتور قالي إننا لو استأصلنا الجزء المصاب ده بالكامل وعملنا زراعة هيبقى أحسن بكتير وأضمن إنه إن شاء الله ما يظهرش تاني. نادر:
خلاص، أنا هروح بكرة المستشفى أعمل التحاليل. منصور بجزع: لا.. قلت ستين مرة إنت بالذات. نادر: يا بابا أنا أكتر واحد التحاليل بتاعتي ممكن تطلع مطابقة لتحاليل نبيل، أنا مش فاهم إنت ليه بتعمل كده. منصور: قلتلك ألف مرة إنت تخليك بعيد عن القصة دي كلها ومش عاوز كلام في الموضوع ده مرة تانية يا نادر. نادر بحدة: وأنا مش هفضل قاعد وأنا بتفرج على أخويا وهو بيموت قدامي عشان إنت مش عاوز تتحرك. منصور بغضب:
أنا مش ساكت، أنا بجري في كل اتجاه يا نادر عشان… ليقاطعه نادر قائلًا باعتراض: هو إنت فاكر إن إنت بس اللي مستني متبرع مناسب، ده في الوفيات مستنيين، بس للأسف، نبيل ممكن يموت مننا وإحنا مستنيين، الدكتور قال إن الزراعة تنفع دلوقتي لكن لو اتأخرنا كمان شوية ممكن ما تنفعش، وأنا مش هستنى أما أخويا يموت وأنا واقف أتفرج عليه وفي إيديا إني أنقذه. منصور بحزن: طب سيبني أعمل آخر محاولة مع فرح. نادر بحدة:
أنا نفسي أعرف إنت بتفكر إزاي، أنا ولا فرح.. تفرق إيه ما إحنا الاتنين عيالكم. منصور بلهفة: لا، إنت مش زيها، إنت ابني اللي شايل اسمي وهتشيله لعيالك وهتخلد اسمي في الدنيا من بعدي، لكن هي عيالها هيشيلوا اسم أبوهم اللي لا نعرفه ولا نعرف أصله من فصله. نادر بسخرية: وإنت لما تموت هتستفيد إيه من اسمك إنه يتخلد ولا ما يتخلدش، يعني إنت ضامن إني أتزوج وأخلف. منصور بحدة:
ما تقولش كده، ده أنا عايش عمري كله على الأمل ده، إني أشوف عيالك إنت وأخوكي. نادر بعند: وممكن ما نخلفش، أو نخلف بنات مثلًا. منصور بغضب: هو إنت عاوز تنرفزني وخلاص. نادر:
اسمع بقى، أنا من زمان أنا ونبيل عايشين حياتنا بالطول والعرض ومش فارق معانا حاجة ولا هاممنا حاجة، لغاية ما فجأة شفت أخويا توأمي بيضيع مني وأنا واقف عاجز ومش قادر أساعده، قعدت مع روحي وراجعت نفسي في حاجات كتير أوي عملناها غلط وندمت عليها كلها، كنا فرحانين إنك مدينا كل حاجة وحارم إخواتنا من كل حاجة، وفرحانين إننا واكلين التورتة كلها لوحدنا لكن أنا دلوقتي بتمنى الأيام لو ترجع من تاني عشان ما أغلطش نفس الغلط ده، وأولهم مستقبلنا اللي ضيعناه بإهمالنا، وأقرب من إخواتي وأتنعم بقربهم، وما عنديش استعداد أبدًا إني أفضل في نفس الدايرة السودا دي، أنا عاوز أفوق من السواد ده بقى.
منصور بخبث: طب وماله يا حبيبي، قرب من إخواتك، وروح لأختك الدكتورة اتعرف عليها وعرفها بنفسك، يمكن تحن لك ونوصل للي عاوزينه. نادر بيأس: تصدق… أنا فعلًا هروح لها، بس مش عشان اللي إنت عاوزه، لأ، أنا هروح لها عشان أحذرها منكم. منصور بغضب:
وهو أنا يعني هموتها، ما الدكتور قال إن في خلال شهرين الجزء اللي هياخده من الكبد بتاعها هينمو من تاني ويرجع كأنه ما اتاخدش منه حاجة، يبقى إيه بقى الأزعريّة اللي إنت عاملها دي ولازمتها إيه. نادر بغيظ: ولما إنت عارف ومقتنع بالكلام ده، مش عاوز تخليني أعملها أنا ليه. منصور بإصرار: إنت لا. لينظر له نادر بغيظ شديد ويتركه ويتجه إلى الخارج، فتلحقه والدته قائلة:
على فين يا ابني ده خلاص الأكل جهز وهحطلكم الأكل إنت وأخوك، اصبر شوية، مانت عارف ماحدش بيقدر عليه غيرك. ليزفر نادر أنفاسه بحدة، ثم يتنهد قائلًا: ماشي يا ماما، هاتى الأكل بسرعة، هاكل نبيل وأنزل على طول عشان عندي كام مشوار عاوز أعملهم. بمنزل حسن ورحمة، كانت فرح تستعد للمغادرة بعد أن أصر كامل على إيصالها لمنزلها، عندما سمعوا دقًا على الباب، وعندما قام حسن بفتح الباب وجد أمامه نادر، فقال حسن:
أهلاً يا نادر، خطوة عزيزة.. اتفضل. ليدلف نادر إلى الداخل وهو يتفحص الوجوه حتى استقر بصره على فرح، فقال وهو يتفحصها بعينيه: السلام عليكم جميعًا. ليرد الجميع السلام، بينما قال إبراهيم: إزيك يا نادر، إن عادة يعني، عمرك ما عملتها. نادر بابتسامة: إيه يا عمي، ارجع. حسن: ترجع إيه يا ابني، اتفضل، نورت بيت أختك. كانت فرح تنظر لنادر نظرة قد يبدو عليها الجمود، ولكنها لم تخلو من الحنين، ولكنها تصنعت الجمود التام وهي تقول:
طب يا جماعة همشي أنا بقى، أشوف وشكم بخير. ليقول نادر بلهفة: لحظة واحدة معلش، هو إنتِ فرح.. أختي. لتنتقل عينا فرح بين عيني نادر وهي تحاول قراءة ما وراء نظراته إليها، ولكنها لم تجد بهما غير الخوف والرهبة، فقالت: أيوه أنا فرح، لكن أختك دي…. مش هقدر أرد عليك فيها على الأقل دلوقتي. نادر بابتسامة: مش هقدر ألومك، بس يا ترى ممكن تديني من وقتك نص ساعة، وصدقني مش هعطلك أكتر من كده، ولو في أي لحظة حبيتي تمشي مش هقدر أمنعك.
لتنظر فرح إلى عمها بتردد، فقال لها: اسمعيه يا فرح، ده مهما كان أخوكي، ولو قال أي حاجة ضايقتك سيبيه وامشي فورًا من غير ما تترددي لحظة واحدة. فقالت رحمة: خلاص يا فرح ادخلوا الصالون واقعدوا براحتكم. كامل: وأنا هستناكي عشان أروحك. لتتجه فرح إلى غرفة الصالون ويتبعها نادر الذي جلس بمقابلها وقال:
أولًا أنا مش هقدر ألوم بابا إني ما عرفتكيش قبل النهارده، لأن مش هو بس اللي غلطان، لأ، أنا ونبيل كمان غلطنا إننا ماسعيناش إننا نعرفك أو نقرب منك، والحقيقة رغم إننا اتعرفنا على رحمة وندى من فترة كبيرة، إلا إننا برضه عمرنا ما قربنا منهم ولا اعترفنا إنهم إخواتنا.
أبونا زرع جوانا الأنا، عشنا لروحنا وبس، كنا بنعيش اليوم بيومه، عمر ما واحد فينا فكر في مستقبله، مافقناش غير على أكبر قلم خدناه كلنا لما عرفنا بمرض نبيل، الدكاترة اكتشفوا إنه عنده كانسر في الكبد، وفي حالة متقدمة، وإنه محتاج عملية زراعة كبد، ولحد دلوقتي ما حدش من كل اللي اتعمل لهم تحاليل طلع مطابق، ولا حتى ندا ورحمة. فرح باستغراب: وهو ندا ورحمة… نادر بسخرية: ما يعرفوش، أبويا عمل لهم الفحوصات من غير ما يعرف.
فرح بنبرة غضب: ولو كانت واحدة فيهم طلعت مطابقة، كان برضه هيعملها العملية من غير ما تعرف. نادر بتنهيدة عميقة: صدقيني ما أعرف نيته كانت إيه بالظبط، بس مش ده أبدًا المهم. فرح بسخرية: أومال إيه بقى المهم. نادر: المهم إنه لحد دلوقتي رافض بإصرار إني أعمل الفحوصات دي، رغم إني متأكد بنسبة كبيرة إني هطلع مطابق. فرح بدهشة: يعني عمال يلف هنا وهنا وسايبك وإنت أقرب حد ليه. نادر بامتعاض: أيوه، بيقول خايف عليا. فرح بامتعاض:
مافيش فايدة. نادر: إنتي صح، هو فعلًا مافيش فايدة، وكمان عشان تبقي فاهمة أوعي تفكري إن محاولاته الأخيرة إنه يرجع علاقته بيكي إنه مثلًاحن لك أو حس بغلطته، لا.. ده بس عشان عنده أمل إن الفحوصات بتاعتك تطلع مطابقة لفحوصات نبيل. فرح بجمود: ومين قال لك إني ممكن أوافق أعمل حاجة زي دي، حتى لو أنا متأكدة إن فحوصاتنا متطابقة. نادر: حقك طبعًا، بس أنا ليا عندك رجاء وأتمنى إنك تسمعيني للآخر. فرح بفضول: رجاء إيه. نادر:
عاوز أفهم بابا إني أقنعتك تعملي الفحوصات دي بس بشرط إنه ما يتدخلش وما يتواجدش معانا، في حين إن أنا اللي هعملها مش إنتي، ولو بإذن الله طلعت الفحوصات بتاعتي مطابقة، نحدد ميعاد العملية في أسرع وقت من غير ما يعرف إني المتبرع. فرح: وليه اللفة دي كلها، ما تقول له وخلاص. نادر بألم: ممكن يعاند وما يدفعش تمن العملية، أنا عارف تفكيره وحافظه كويس، ونبيل مش هيستحمل أكتر من كده، بيدبل يوم عن التاني وحاسس إنه بيروح مني. فرح بحنين:
شكله إيه. نادر بابتسامة حزينة وعبراته تلمع بعينيه: نسخة مني، بس شعره كيرلي، وسيم أوي، البنات كلها بتحبه، روحه حلوة وطيب أوي يا فرح، لو اتعاملتي معاه هتحبيه على طول، أرجوكي يا فرح، رغم إن المفروض أو الطبيعي إني أقول لك عشان خاطر أخوكي، لكن أنا مش هقول لك كده، أنا هقول لك انسى إننا ولاد منصور، واعتبرينا حالة إنسانية محتاجة مساعدتك… أرجوكي، أرجوكي انقذي أخويا، لو حصل له حاجة، أنا كمان هروح وراه مش هستحمل فراقه.
لتدمع عينا فرح على ألم نادر فتقف وهي تقول: أما تحدد ميعاد الفحوصات بلغني. ليقف نادر بسرعة محتضنًا إياها بشكر وامتنان وقد أطلق لعبراته العنان وهو يقول بتأثر: جميلك ده هيفضل طول عمره محاوطني وعمري ما هنساه لك أبدًا. لتربت فرح على ظهره بهدوء قائلة: أنا محتاجة أمشي دلوقتي. ليبتعد نادر بسرعة وبقول بأسف: آه طبعًا.. أنا آسف، وسامحيني لو كنت عطّلتك.
في سيارة كامل، كانت تجلس فرح بجوار كامل وهي شاردة تمامًا، حتى انتبهت إلى كامل وهو يناديها بصوت عال قائلًا: إيه يا بنتي، إنتي رحتي فين. فرح بانتباه: ما روحتش في حتة، أنا مع حضرتك أهوك. كامل بفضول: نادر كان عاوزك ليه. فرح باختصار: أبدًا، كان عاوز يتعرف عليا. كامل بعدم اقتناع: بس كده، يتعرف عليكي بس. فرح بسخرية: تفتكري أنا عندي إيه ممكن يطمعوا فيه يا دكتور. كامل بجدية:
ما تستهونيش بروحك يا فرح، خلي دايما عندك ثقة في نفسك. فرح: وثقتي دي هتفرق مع اللي حواليا. كامل: تقصدي مين باللي حواليكي، أعتقد إن دايرة اهتماماتك مش هتوصل أبدًا لناس معينة ما أعتقدش إنهم ليهم تأثير على حياتك. فرح: متهيألك. كامل: هو إيه ده اللي متهيألك. فرح: متهيألك إنهم مالهمش تأثير على حياتي، بالعكس دول كان ليهم أكبر تأثير على حياتي. كامل بفضول: إزاي بقى. فرح بتنهيدة عميقة:
كفاية تعرف إني اتوصمت بالنحس طول عمري بسببه، تفتكر ده مش كفاية، بدل ما الناس تعاتبه على عقليته المتخلفة وجحوده لبناته.. عاقبوني أنا، بدل ما يلوموه على طلاقه لأمي.. لاموني أنا، أنا اللي كان قدامي على أمي وإخواتي قدام نحس فاتسببت في تشريد إخواتي وطلاق أمي. ثم ضحكت بسخرية وهي تقول: وحضرتك تقولي مالهمش تأثير على حياتي. كامل بجدية: والمفروض إن كل ده انتهى من زمان. فرح:
هو إيه ده انتهى، مافيش حاجة انتهت، لسه المسلسل شغال، وهيفضل لحد أما أموت من غير ما يبقى له نهاية. كامل: إيه التشاؤم ده، ليه كل ده يعني، وصدقيني أما تتجوزي وتخلفي هتنسي كل الكلام ده. فرح بسخرية: أتجوز!! ، وإنت بقى تضمنلي إن اللي هتجوزه ده ما يطلعش بنفس العقلية المتعفنة بتاعة منصور، ويطلقني ويرميني بولادي زي ما عمل، لا طبعًا، عمري ما هسلم نفسي أبدًا لجنس راجل ممكن يتحكم فيا. كامل بمرح:
إنتي قررتي خلاص إننا كلنا وحشين كده. فرح باعتذار: سامحني يا دكتور أنا ما أقصدش أي إساءة، بس المثل بيقول اللي اتلسع من الشوربة بينفخ في الزبادي. كامل ضاحكًا: والله في منا كتير زبادي. ليبتسم فرح على دعابته فيقول بجدية: اسمعي يا فرح… صدقيني مش كل الرجالة جبابرة ومفتريين، وطبعًا برضه مش كل الستات ملايكة وبجناحات ولا إيه. فرح بموافقة: أكيد. كامل:
وعشان كده حاولي تبصي للي حواليكي نظرة تانية مافيهاش منصور، طلعيه من حساباتك تمامًا، واعتبريه مات بجد زي ما إنتي مفهمة الكل، رغم إن الموت بالطريقة دي خسارة فيه. فرح بدهشة: خسارة فيه إزاي يعني. كامل: خسارة فيه كل اللي هيدعيله بالرحمة وهما فاكرينه مات واندفن، ما يعرفوش إن قلبه بس اللي مات، وعايش معانا بعقله يرازى فينا وفي اللي حواليه. فرح بفضول: هو أنا لو سألت حضرتك سؤال تضايق. كامل وهو ينظر إليها:
سؤال إيه ده اللي ممكن يضايقني. فرح: أنا لاحظت إنك بتعامل منصور بنوع من الحدة، يا ترى الحدة دي ليها سبب خاص بيك. ليلتفت كامل مرة أخرى إلى عجلة القيادة والطريق ويقول: أيوه.. ليها سبب خاص بيا. فرح: يا ترى ممكن أعرف إيه السبب ده. كامل: كفاية أقول لك إنه السبب في إنه ضيع مني حب عمري. فرح: إزاي. لتنتبه فرح على توقف سيارة كامل أمام منزلها، وبكامل يقول:
معلش بقى، مرة تانية نبقى نكمل كلامنا، اطلعي إنتي وسلميلي على كل الموجودين. لتخرج فرح من السيارة وهي تقول: أنا متشكرة جدًا لحضرتك، تعبتك معايا. كامل بابتسامة: خدي بالك من نفسك وخلصي الشهر اللي فاضل لك بسرعة عشان نستعد للافتتاح، ولو عاوزتي أي حاجة كلميني. فرح: شكرًا. كامل وهو يدير السيارة مرة أخرى: وأكيد أنا كمان لو احتجتلك هكلمك. فرح: تحت أمر حضرتك.
بمنزل منصور.. ما إن دلف نادر من الخارج حتى وجد أبيه يجلس أمامه وهو يتصفح الجريدة اليومية، فقال دون أي مقدمات: فرح هتيجي معايا تعمل الفحوصات. منصور بانتباه: إنت رحت له. نادر: أيوه، واتفقت معاها ووافقت. لينهض منصور قائلًا بذهول: إنت حكيت لها الحقيقة. نادر: قلت لك أيوه. منصور بذهول: وهي ما عندهاش مانع لو الفحوصات طلعت متطابقة تعمل العملية. نادر: أيوه، بس عندها شرط واحد. منصور بغل:
أيوه طبعًا، فرصة وجت لحد عندها عشان تذلني. دولت: مش تعرف الأول هي عاوزة إيه. منصور بغضب: مش من حقها تعوز حاجة، هي ولا ليها أي لازمة أصلًا. نادر: لا.. ليها لازمة، وإنت محتاجها عشان نبيل ولا نسيت. دولت: إيه شرطها يا نادر. نادر وهو يتجول بعينيه بعيني أبيه: إن بابا ما يحضرش أي حاجة من الفحوصات بتاعتها، أنا اللي هبقى معاها، مش عاوزة تشوفه نهائي. منصور بغضب: هي فاكرة روحها إيه عشان تطلب طلب زي ده. نادر:
هي ما طلبتش، هي اشترطت، وإنت حر، يا تقبل يا ترفض، ويكون في معلومك، بقية الشرط إن لو الفحوصات طلعت مطابقة، إنك مش هتحضر تجهيزات العملية. منصور: لااااا، دي زودتها أوي. نادر وهو يتجه إلى غرفته: خلاص بلاش، هدخل أتصل بيها وأبلغها إنها تنسى الموضوع وكأنه لم يكن. منصور بحدة: استنى عندك.. ثم زفر بغضب وقال: ماشي يا سي نادر، اتفضل روح إنت معاها، أنا هكلم الدكتور وهحدد لكم ميعاد تروحوا له عشان يعمل لها الفحوصات.
نادر وابتسامة ساخرة تعلو شفتيه دون أن يستدير إليه: حدد المعاد وبلغني عشان أبلغ الدكتورة فرح.. أختي. ليتركه نادر ويذهب إلى أخيه بحجرته، ليجده ممددًا على فراشه، واهن الجسد شاحب الوجه، ليتقدم منه بحب ويجلس بجواره ويقول: هانت يا نبيل، إن شاء الله المرة دي حاسس إنها هتظبط. نبيل بوهن: أنا تعبت يا نادر، مش قادر أتحمل الألم أكتر من كده، أنا بدعي ربنا كل لحظة إني أموت، وكفاية عليا لحد كده. نادر:
أوعاك تقول كده تاني مرة، بدل ما تدعي ربنا بكده، ادعيله إنه يخفف عنك ويقرب منك الشفا، عارف أنا شفت مين النهاردة. نبيل بضعف: سمعتك وإنت بتتكلم مع بابا، بس ما صدقتكش يا نادر، أنا عارف كويس إنت بتفكر في إيه. نادر بابتسامة: وأنا عارف إنك عارف، بس المهم، إن ماحدش تاني يعرف، ده سر بيننا إحنا الاتنين وفرح وبس. نبيل: يعني إنت رحت لفرح فعلًا. نادر: أيوه، واتفقت معاها وهتيجي معايا فعلًا، بس طبعًا إنت فاهم الباقي. نبيل:
ومش هيبقى فيه خطورة عليك. نادر: ولا أي حاجة إن شاء الله، وإحنا الاتنين هنبقى زي الفل. نبيل: بس بابا لما يعرف هيعمل مشكلة جامدة. نادر: سيبك منه، أبوك مصمم إنه يأذينا كلنا لآخر لحظة في عمره، ويمكن يكون ربنا عمل كده بس عشان أنا وإنت نفوق يا نبيل ونعرف الصح من الغلط.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!