الفصل 12 | من 16 فصل

رواية لمن يهوى القلب الفصل الثاني عشر 12 - بقلم فاطمة حمدي

المشاهدات
19
كلمة
1,992
وقت القراءة
10 د
التقدم في الرواية 75%
حجم الخط: 18

ترك تمـارا واندفع إلى الأعلى بعد أن رآها تسقط على الأرض، فما كان منه إلا أن ركض بسرعة الفهد إليها. راح يحملها من على الأرض، يدخل بها إلى الغرفة ووضعها على الفراش. تبعته تمارا ووالدته التي راحت تهتف بقلق شديد: -ملك! في إيه يا أدهم مالها؟ -مش عارف.. مش عارف!

أسرع يجذب زجاجة عطرها ثم نثر بعض القطرات منها على ظهر يده وقربه من أنفها برفق. وراحت والدته تنثر قطرات من المياه على وجهها. لتأن ملك بخفوت ووهن شديد، ويتنفس أدهم بارتياح حامدا ربه. فقالت السيدة چيهان بجدية: -أكيد الإغماء دا من قلة الأكل يا ملك. مش قولتلك يا حبيبتي قلة أكلك دي هتسبب لك مضاعفات كتيرة. ثم نظرت إلى أدهم الصامت بعتاب وقالت بضيق: -ما تقول حاجة يا أدهم. نظر لها ولم يتحرر من صمته بعد. فردت تمارا نيابة عنه:

-أدهم هيقول إيه يا طنط! أدهم قالها متاكليش! ولا هي اللي بتمثل أصلاً وعاوزة تستعطفه وخلاص. لتهتف بها چيهان: -عيب يا بنتي الكلام دا والله. أنتِ عاوزة إيه أكتر من اللي حصل؟ ما كفاية بقى يا تمارا! تمارا تحدثت بعصبية: -أنا مش عاوزة أوصل لحاجة. هي اللي عاوزة توصل لإيه بعد اللي عملته؟ هي نسيت عملت فيه إيه؟ كذبت عليه وخدعته وحرمته من أكتر حاجة بيتمناها. أنا لو من أدهم عمري ما أسامحها أبداً. كفاية إنها لسه على ذمته أصلاً!

-بشعة. هكذا نطقت ملك بمرارة شديدة ودموع أليمة كادت تحرق روحها المعذبة. لتكمل بوهن: -أنتِ إنسانة بشعة أوي. تمارا باستهجان شديد: -مسكينة أوي حضرتك. صحيح اللي تفتكره موسى يطلع فرعون! -اخرسي بقا! هب أدهم واقفا ما إن نطق بهذه الجملة. ومن ثم تابع بصرامة: -كفاية كدا. اخرجي من هنا وعلى أوضتك يا تمارا فورا.

رمقته بغضب قبل أن تستدير خارجة من الغرفة. وراح أدهم يلقي نظرة أخيرة على زوجته ملك. نظرة حملت مشاعره في هذه اللحظة نحوها، خوفه وعتابه ومحبة خالصة لها. ولم يتكلم فلا يوجد ما يقوله رغم مشاعره المشتتة. استدار خارجا هو أيضا بلا إضافة بعد هذه النظرة وتركها في عتمتها وحيرتها من جديد. بينما بقيت معها السيدة چيهان التي نهضت مردفة بحنو: -هجيب لك حاجة تاكليها وجاية حالا. غادرت الغرفة في سرعة، وتركتها وسط ظلام ليس له من نور. ***

جلست ساندرا بصحبة السيدة "فوزية" والدة زوجها حازم ورغدة شقيقته أيضا في بيتها الذي يقع أسفل شقتها التي بالأعلى. ران عليها القلق البالغ وسيطر عليها الخوف الشديد. زوجها المتهور سينهي على حياته ذات مرة جراء تدخله في تلك المشاجرات. حدثته مرارا وتكرارا أنها ليست بغنى عنه، وأنه السند لها ولجنينها. لكنه لا يستطيع أن يجلس هادئا دون التدخل في هذه الأمور.

-متخافيش يا ساندرا. حازم ياما وقف في خناقات زي دي وربنا بيعديها عشان هو قصده بيكون خير. هكذا قالت والدته تحاول تهدئتها برفق. لترد ساندرا بدورها: -ربنا يسترها. وقالت "رغدة" بلا اكتراث: -بكرة تتعودي كدا زينا يابنتي. عادي هو دا حازم! "بعد قليل" قد دخل حازم إلى الغرفة وراح يمسح عرقه عن جبينه الندي بظهر يده. بينما تنهدت ساندرا بارتياح على سلامته. ليقول حازم: -الحمدلله عدت على خير. -هتفضل كدا لحد امتى؟

قلت لك ميت مرة يا حازم ملناش دعوة بالناس ومتدخلش! قالت ساندرا جملتها هذه بغضب. ليرد عليها بغضب مماثل: -مش أنتِ اللي هتقولي أتدخل ولا لأ يا ساندرا. دول كلهم أهل حتتي ولازم أتدخل بينهم وأحكم بالعدل حتى لو هموت فيها. صمتت بغيظ لعدة دقائق، قبل أن تواصل: -تمام. أنا طالعة أنام. وانصرفت على ذلك. فقالت والدته بعتاب: -براحة شوية هي خايفة عليك! -سيبك منها أنا عارف هراضيها إزاي. تنهدت الأم قائلة: -ربنا يهدي سركم.

صمتت قليلا وهي تتبادل النظرات مع ابنتها رغدة. فقال حازم وقد شعر أن هناك خطب ما: -خير... في حاجة ولا إيه ياما؟ أومأت "فوزية" رأسها بإيجاب وتابعت: -في عريس عاوز يتقدم لرغدة. تهللت أسارير وجه حازم وراح ينظر إلى شقيقته متابعا ببسمة واسعة: -بجد؟ مين؟ ابتلعت رغدة ريقها بارتباك وأخبرته بحذر: -صاحب المحل اللي بشتغل فيه. عقد حازم ما بين حاجباه وسألها بحزم هادئ: -صاحب محل الهدوم اللي بتشتغلي فيه؟

على حد علمي دا راجل متجوز وكبير في السن وعنده عيال قدك تقريبا. صح ولا إيه؟ أغمضت عينيها هاربة من نظراته، بينما تقول بخفوت: -صح. نظر لها متهكما وصاح: -صح في عينك يا شيخة! أنتِ اتجننت؟ ثم التفت إلى والدته: -إيه ياما الكلام دا؟ أنتِ سايباها تقول الكلام دا عادي؟ -قلبت فيها يابني وقلت نفس اللي قلته أنه متجوز ومخلف بس بتقولي أنا حرة. -حرة؟ لا منتيش حرة! تأففت رغدة بضيق: -ما أنا بس أنا راضية. ودا لا هو عيب ولا هو حرام.

أرسل لها حازم نظرة تهكمية شديدة وهو يردف بعصبية: -قولي بقى إنك راضية عشان فلوسه صح؟ راجل عنده بدل المحل عشرة. معاه فلوس كتير ما هو أنتِ طول عمرك بتحبي الفلوس ودا نفس السبب اللي خلاني وافقت إنك تشتغلي جنب دراستك عشان مش قادر أكفي طلباتك الكتيرة جدا. بس أنا اللي غلطان إن وافقت أخليكي تشتغلي. كان لازم أعرف إنك خطر. خطر على نفسك يا رغدة. أضافت رغدة بحدة: -ياااه كل دا عشان قلت إني عاوزة أتجوز. وافرض يا سيدي...

أظن من حقي ولا إيه؟ حازم وقد وثب قائما، هاتفا بغضب عارم: -كسر حقك يا قليلة الأدب. أنتِ تنسي الزفت دا خالص واللي بتقوليه دا جنان. تخاريف وقلة رباية. ثم التفت إلى والدته قبيل أن يبرح المنزل قائلا: -عقليها. *** -على فكرة أنا عندي امتحان بكرة! قالتها -ميرال -بقلق يشوبه حزن، بعد انتهت من طعامها الصحي وأخذت علاجها أيضا. ليقول علي ببساطة: -بسيطة إن شاء الله. هتقعدي دلوقتي تراجعي وأنا كمان هقعد معاك. قالت بسعادة: -بجد؟

أخيرا هتذاكر لي يا علي. -طبعاً. يلا يا بطل هات ايدك. مدت له يدها بارهاق فجذبها برفق إليه حتى وقفت على قدميها. ليحملها ويتجه بها إلى الأريكة جاعلا إياها تجلس بأريحية. ثم وضع أمامها طاولة صغيرة كما قام بجلب مذكراتها والكتب خاصتها، وجاورها قائلا بابتسامة: -يلا بينا. -يلا بينا. دا كدا أنا مش هذاكر لك يا ريمو كدا خطر. خطر خالص! ضحكت بنعومة وهي تقبل كتفه كعادتها ومنحته نظرة تحمل شكرا خاصا جدا له. ليقول بجدية مصطنعة:

-امسكي نفسك بقى يا ريمو عشان كدا أنا مش هعرف أركز. -حاضر يا علي. لكنه قال رافعا حاجبه: -وبعدين حقوق إيه ووجع قلب إيه اللي أنتِ دخلتيه دا؟ المفروض كنتِ تدخلي فنون جميلة مثلا. حاجة تليق بيكِ كدا! -لا يا علي بحب الحقوق. أنا شايفة نفسي محامية شاطرة تقدر تدافع عن المظلوم وتجيب حقه من الظالم. علي وقد نظر لها متابعا: -فعلاً. والناس بقى تستقصدك وتحاول تأذيكي والجو دا. ميرال بلا مبالاة:

-عادي مش بخاف. طول ما أنا على حق مينفعش أخاف. -ممم وإيه كمان يا ريمو... أشجيني يا حبيبي. ميرال متنهدة ومبتسمة: -وأنت هتحميني دايما. مش أنت حارس؟ -آه حارس. دا شغلي اللي بحبه أوي. بس مش بحبه أكتر منك. ضاقت عيني ميرال مع قولها: -يعني إيه مش فاهمة؟ -يعني أنا مش هوافق على شغلك يا حبيبتي. أنتِ مش للشغل يا ريمو. أنتِ للدلع. والرقة. وكل حاجة جميلة بعيداً عن أي حاجة متعبة زي الشغل والكلام دا. -لا يا علي متضحكش عليا بكلمتين!

-والله ما ضحك يا قلبي. سيبي الشغل لأصحابه وخليكي أنتِ ليا لوحدي 💜 نظرت له بتذمر: -علي.... قرص علي وجنتها بخفة مع قوله الحاني: -خلينا نتكلم بعدين في الموضوع دا ودلوقتي ركزي معايا. أومأت برأسها موافقة وقد ابتسمت قائلة: -ماشي. يا علي. *** جلست السيدة چيهان في صحبة "ملك" بعد أن حاولت تطعمها بعض اللقيمات وقد استجابت لها ملك بغير شهية. لتقول السيدة چيهان بلطف: -إن شاء الله أدهم هيبقى كويس وكل الأمور بينكم هتتصلح يا ملك.

هزت ملك رأسها بيأس. لتستطرد چيهان: -أنا حاسة بيكي وبالنار اللي جواكي صدقيني. بس دا ميمنعش إنك غلطانة أوي يا ملك. غلطانة جدا. فقالت ملك مؤكدة على ذلك ببكاء مرير: -عارفة إني غلطانة. بس أنا كنت خايفة من كل حاجة. كنت بفكر ليل مع نهار. ياترى جوازنا هيفضل في السر لحد امتى؟ يا ترى والد أدهم لما يعرف هيعمل معايا إيه؟ مش جايز يجبر أدهم يطلقني ويرميني في الشارع؟ ولو أنا أم لطفل ساعتها كان مصيره هيبقى إيه؟

إزاي هجيب طفل وأنا لسه معرفش أهل جوزي! أسئلة كتير دارت جوايا. ولكل الأسئلة دي كان الجواب إني أمنع الخلفة. بس والله كان مؤقتا لحد ما ربنا ييسر لنا الأمور وحياتنا تستقر. ومن يوم ما استقرينا هنا وأنا أخدت عهد على نفسي أوقف الحبوب. لكن طبعاً الأخت تمارا دخلت أوضتي ودورت على أي حاجة تذلني بيها. يمكن مثلا بكون بخون أدهم! فتزحزحت من سكتها، لكن لسوء حظي الشريط وقع في إيديها، بس صدقيني أنا كنت بطلت آخده. چيهان وقد ردت بجدية:

-يمكن معاكي حق في كلامك، بس غلطتك إنك خبيتي على أدهم حاجة زي كده، ومش بس كده، ده أنتِ كذبتي عليه وقولتيله إنك مش بتخلفي. سنتين بحالهم يا ملك! وهو بيواسي فيكِ ويوعدك إنه عمره ما هيبص لغيرك وهيصبر ويصبرك بالكلام، وأنتِ بتسمعي عادي كده! نكَست ملك رأسها للأسفل وقد استأنفت من بين دموعها: -أنا عمري ما هُنكر إني مش غلطانة، أنا فعلاً غلطانة وقاسية. انخرطت في بكاء حار ما إن ختمت جملتها، فراحت السيدة چيهان تضمها إليها

بحنان وربتت عليها قائلة: -حاسة بيكي، يمكن لو تمارا مش في حياة أدهم مكنتيش هتزعلي بالشكل ده. اسأليني أنا، الست لما جوزها بيتجوز عليها بتتكسر وبتنطفي، بتحس إنها ملهاش قيمة، وإنها حاجة مهمشة، مش مالية عينه، وبتسأل نفسها كتير، أنا قصرت في إيه؟ طب ليه؟ زي شوقي كده الله يرحمه، راح اتجوز عليا بعد العمر الطويل، ياريته شاب صغير أقول مفتون!

لا خلاص إحنا كبرنا، بس أنا مازلت مش مقصرة. ساعتها اختارت كرامتي اللي هو داس عليها. ومع ذلك لما عرفت إنه عمل حادثة رجعت وفضلت جنبه في آخر أيامه، لأن مهما كان العشرة متهونش إلا على ولاد الحرام. بس الوضع يختلف كتير معاكي يا ملك، أدهم بيحبك وعمره ما كان هيتجوز عليكي لولا اللي حصل في فرح تمارا. هو ما اختارش يعيش معاها بإرادته، هو اختارك أنتِ بإرادته، وهي فترة وهتعدي، أنا واثقة من كده. ثم صمتت قليلاً لتستكمل بحنو:

-هحاول معاكي أرجع لك أدهم، متخافيش. نظرت لها ملك نظرة امتنان واضحة مع قولها: -أي واحدة مكانك عمرها ما كانت هتعمل معايا كده. أنتِ إنسانة جميلة أوي، ربنا يبارك في عمر حضرتك. -مر الوقت.

أصبحت الساعة الثانية صباحاً بعد منتصف الليل، جلست ساندرا بعد أن ارتدت إسدال الصلاة الخاص بها في شرفة المنزل، وأخذت تنتظر "حازم". فعندما صعد من شقة والدته كان يشعر بالاختناق ولذلك خرج، لكنه لم يعد إلى الآن. شعرت بالقلق يتسرب إليها، وكانت عيناها تتابعان الطريق بخوف. مرت لحظات أخرى فدخلت إلى غرفتها جالسة على الفراش قائلة: -يا ترى أنت فين يا حازم؟ غفت في مكانها ولم تشعر بشيء حولها إلا على لمسته -هو -بعد قليل.

ففتحت عينيها بفزعة، ثم تنفست الصعداء قائلة بعتاب: -حازم، أنت كنت فين؟ والجواب لم يخرج من شفتيه، بل كان واضحاً في عينيه الحمراوين، اللتين أخبرتها أين كان! -تاني يا حازم؟ مش وعدتني إنك هتبطل؟ ليه؟ ليه؟ تملكت منها العصبية الشديدة وتعالى صوتها قليلاً بغيظ، ليقول بمنتهى الهدوء: -ششش، وطي صوتك، إيه ما تيجي تاخديلك قلمين أحسن؟ -كلمني ورد عليا زي ما بكلمك، بلاش الطريقة المستفزة بتاعتك دي! -أنتِ عاوزة إيه؟ عاوزة نكد؟ صح؟

مش كل ما تشوفيني تسمعيني الاسطوانة المشروخة دي، أنا قلت لك هحاول مش هبطل مرة واحدة! احتد الحديث بينهما، لتكمل ساندرا بغضب ناري: -كلامي معاك مش اسطوانة مشروخة يا حازم، كلامي في منتهى العقل والمنطقية ومن حقي عليك تسمعه وتعمل بيه كمان! ضحك حازم متهكماً، ليستأنف: -يعني تمشي كلامك عليا! هو أنا مش راجل ولا إيه؟ مش واحدة ست هتقولي أعمل إيه ومعملش إيه يا ساندرا. صاحت بضيق:

-أنا مراتك، ومن حقي لما تعمل حاجة غلط أنبهك، زي لما قلتلي اتحجبي وأنا اتحجبت، وزي لما بنسى أدخل البلكونة وأنا لابسة الطرحة وبتنبهني وبسمع كلامك وبعتذر كمان، فـ sorry يا حازم كون إنك راجل ده ميدكش الحق تكلمني بالأسلوب ده لمجرد إني متضايقة من أسلوبك أنت، مش هي دي الرجولة. توسعت عيناه فجأة ثم أظلمت بقوة جراء كلمتها الأخيرة، بينما نظرته كانت كفيلة لإعلامها بأنها أخطأت الآن، لكنها ظلت على موقفها هذا منه. ليقول بصوت جهوري:

-تعرفي أنا ممكن أعمل فيكي إيه بعد الكلمة دي؟ بس أنا هنام، هنام يا ساندرا ودا أحسن ليكِ وليا! ثم صمت قليلاً ليكمل بصوت حاول أن يكون هادئ: -تعالي! نظرت له بغضب مع قولها: -ياريت تنام زي ما قلت، أنا مش تحت أمرك على فكرة ومش خدامة عندك! هو بضيق: -لا مش خدامة عندي، أنتِ مراتي! فاهمة؟ -مش فاهمة ومش كل حاجة هتقولها هتتنفذ فاهم؟ فوق بقى من دور سي السيد دا!

خرجت من الغرفة ما إن أنهت جملتها المتهكمة، أما هو فقد استلقى على الفراش قائلاً بهدوء مستفز: -نكدية.

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...