بعض النساء مدائن فاضلة ما كان ليسكن أراضيها ويعمرها إلا صفوة الفرسان والنبلاء الصادقين في عشقهم لترابها، يرونها أجمل المدن وإن لم تكن كذلك. ارتدت مريلة المطبخ وشرعت في جلي ما أمامها من أطباق وملاعق، لكن ملامحها عابسة بطفولية وغيظ. اقترب منها بخطوات متلهفة، فقد اشتاق إلى مشاكستها ويعلم أنها لن تمرر الأمر هكذا دون جدال. نظرت إليه بغيظ قائلة: "ايه اللي جابك هنا؟ خليك مع ضيوفك."
احتضنها برغبة، لكنها لم تتركه يقترب، بل باغتته بدلو من الماء البارد ألقت به فوق ملابسه. شهق فيصل بصدمة قائلاً: "همس، ايه اللي عملتيه ده؟ صاحت بوجهه وقد فاضت ملامحها بغيرة واضحة وحزن زين مقلتيها قائلة: "قولتلك مليون مرة أنا مبحبش الستات الوقحة دي، يعني ايه نبقى في مكان وتيجي واحدة تكلمك بوقاحة وتتجاهل وجودي؟ لو انت مش عامل حساب ليا اعمل حساب لولادك." نظر إليها باستمتاع وهمس بصوت متلاعب قائلاً بالقرب من أذنيها:
"ولادي مالهم! تعلقت عيناها بخاصته وكأنها تشكو إليه ألمًا تعجز عن تحمله ناتج عن عشق يزداد كل لحظة تقضيها في كنفه، فاقترب هو إلى أن باتت بين ثنايا قلبه وتحدث بصدق: "أنا لو هعمل حساب لحد هيكون لهمس، ميهمنيش حد تاني." أزال برفق دموعها المنهمرة وقبل وجنتيها بحب وأوضح لها حقيقة الأمر قائلاً: "دي قريبة دكتور مصطفى، وتقدر تقولي كده بتخطط تبقى حماته." شهقت همس بفزع قائلة: "ازاي يا فيصل؟ حماته ازاي؟ طب ورضوى؟! فيصل:
"أنا بكلمك ومتأكد إنك مستحيل تجيبي سيرة لرضوى، الحقيقة إن مصطفى ماشي ورا كلام والدته بشكل غريب وشكله هيضيع نفسه." همس بجدية: "بس انت صديقه وواجب عليك تنصحه وتقفله." فيصل: "أنصحه أه طبعًا، لكن أقفل معتقدش، مصطفى عنيد وأنا بطبعي مبحبش أدخل نفسي في حياته الشخصية." همس: "حيوان! أنا من البداية مبحبوش، رضوى مسكينة والله ومتستاهلش كده أبدًا، دي بتموت فيه، فعلاً، الرجالة كلهم…" قهقه فيصل، لكنها وكزته بقوة طفيفة
وأشارت إليه تحذره قائلة: "بتضحك على ايه؟ تلاقيك عاجبه الفكرة؟ احتضنها بقوة إلى أن تأوهت بدلال قائلة: "اوعى كده أنا أصلاً مش بحبك، وبرضه مليش دعوة بكل الكلام ده والله يا فيصل لو شفتك بتكلم الست دي تاني وبتاخد وتدي معاها بالشكل ده هخاصمك بجد، ناس مؤذية ربنا يبعدهم عننا، حبيبتي يا رضوى بقى، إنت مبسوطة إنه رجع مصر واستقر جنبك ومتعرفيش إنه بيلعب بديله." فيصل بجدية:
"اوعي يا همس، أنا قولتلك أهو، إياك تقولي حاجة لرضوى، احنا مش عاوزين نبقى سبب في مشاكل بينهم، يمكن ربنا يهديه ويبعد عن دماغه الفكرة دي، لكن لو رضوى عرفت أكيد هيتخانقوا وهو هيصمم أكتر على رأيه." همس بحزن: "أكيد مش هقولها حاجة، بس هحاول أتكلم معاها تهتم بنفسها شوية، يمكن يحترم نفسه ويراعي بيته وبناته." فيصل: "إن شاء الله، المهم بقى هنتغدى ايه؟ أنا جعان." همس بمكايدة ومشاكسة: "مفيش أكل ايه يا قلبي؟
أنا أعصابي تعبانه وهدخل أنام." لثم شفتيها بحب وازاح تلك الخصلات الهائمة فوق عينيها قائلاً: "أنا بحبك، بحبك لدرجة إني مبقدرش أشوف غيرك." همس: "يا سلام، وعلشان كده بتتعمد تضايقني وانت عارف إني بغير عليك." ابتسم فيصل وتنهد بقوة، فنظرت إليه بترقب وحذر متسائلة: "مالك ياقلبي؟ انت مخبي عني ايه؟ فيصل: "أمي يا همس، أمي حالتها كل يوم بتسوء وأنا عاجز إني أعملها حاجة، خايف تسبني، مرعوب أتحرم منها وأبقى لوحدي."
شبت فوق أطراف أصابعها تسعى لتقليل المسافة الفارقة بينهما وهمست إليه بحب، بينما يداها تعبث بملابسه التي باتت مبتلة بأكملها، فابتسم رغماً عنه قائلاً: "انتي قصيرة كده ليه؟ بعدين بتعملي ايه في هدومي؟ دلقتي عليا ماية باردة وجاية دلوقتي تصلحي غلطتك؟ أنا لا يمكن أضعف قدام عيونك الحلوة دي أبدًا." ابتسمت بغرور وتحركت أمامه بخفة قائلة: "أنا مش قصيرة، انت مش فاهم حاجة أبدًا، ده أنا كنت بلعب سلة." فيصل: "سلة!
يمكن كنتِ الكورة، لكن غير كده مستحيل. نظرت إليه بشرّ، فأسرع يبتعد عن دربها قائلاً بسخرية: "قال سلة قال، ده أنا أوقات بحس إنك طفلة صغيرة. الله يسامحه اللي اخترع الكعب العالي، خدعتيني يا هموس." انتهى فيصل من كلماته وأسرع إلى غرفة نومهما مبتسماً بانتشاء، وهو على يقين أنها ستلحق به كي يكملا مشاكستهما التي يعشقها ولا يمل منها مطلقاً. ***
وبعض الكلمات حروفها أفعال، ليس إلا. عندما أخبرك أنني سند لك، لا أنتظر منك سوى يد تحملني بعدما تفقدني الحياة قوتي، فلا أقوى على السير. أدمعت عينا جميلة، وتعففت بخجل وسعادة من فعلة شقيقها، الذي كان وما زال جداراً لا يميل، وظل يقيها شمس الحياة الحارقة. ابتسم طاهر بحب واحتواء قائلاً: "بتردّي إيدي يا ست جميلة، كبرتي عليا يا أم فارس؟ لم تفلح جميلة في كبح دموعها، لتنهمر دون توقف، وتعلو شهقاتها الباكية لتقول بصعوبة:
"طول عمرك شايل همي يا طاهر، أنت أبويا مش أخويا. وبعد موت حسين بقيت سند وأب لفارس، مش هقدر آخد الفلوس دي كلها." طاهر: "دي مش عشانك، دي هدية مني لخطوبة فارس." جميلة بقهر: "ميستاهلش يا طاهر." طاهر بجدية: "فارس ابني زي كاميليا بالظبط، وكل شيء نصيب. مش هنكر إني كنت بتمنى يبقى ليهم نصيب مع بعض، بس في الأول والآخر ربنا مش رايد." جميلة: "هو اللي مصبرش."
طاهر: "الحب أوقات بيأذي يا جميلة. وبعدين ملكيش دعوة، سيبيه يختار ويتحمل نتيجة اختياره. كاميليا مشوارها طويل، لسه هتشتغل وتحضر ماجستير ودكتوراه، والعمر قدامها إن شاء الله." جميلة بحب: "إن شاء الله تعيش وتفرح بيها وبولادها." طاهر برجاء: "ياريت، نفسي أشوفها عروسة." ابتسم طاهر، وآثر الصمت. فرغم سعادته لابن شقيقته، إلا أنه يتألم لوجع ابنته العنيدة. وتنهدت جملة، فهي لم تتمنى عروساً أخرى لوحيدها.
التفت كلاهما عندما اقتربت كاميليا، التي عادت للتو من المشفى المكلف بها، تبحث بعينيها عن والدها، وملامحها الجميلة تفشي أسرارها، تسعى هي باستماتة لإخفائها. تحدثت بصوت عابس، غافلة عن تواجد عمتها، قائلة: "بابا، طاهر باشا، أنت فين؟ أنا جعانة جداً! لبّى نداء طفلته دون تردد، قائلاً بحب: "أنا هنا يا قلب بابا، قاعد مع عمتك، تعالي."
توقفت كاميليا دون إرادتها، تلتقط أنفاسها قليلاً، فهي تبذل قصارى جهدها لكي تبتعد. تقضي ساعاتها بالمشفى، ربما تفلح في نسيانه. لم تلتق به هو ووالدته قرابة الثلاثة شهور. رغم حبها وقربها من عمتها، إلا أنها باتت كارهة لرؤيتها. تحترق روحها عند اللقاء، ولم تفلح في مواصلة الادعاء بأن كل شيء على ما يرام.
وفي لحظات نغفل ونتناسى، إلى أن نصحو فجأة، فنغدو مجبرين على المضي قدماً. فقد بات الرجوع ثقيلاً، وباتت لذة السعادة الخادعة قاب قوسين من أرواحنا الطامعة. تنهد بضعف وتردد، وابتعد عن أنفاسها المتشبثة بامتلاكه. نظر إليها بترقب وإعجاب يزداد رغماً عنه، إلى أن قال: "أنتِ كويسة جداً، مفيش داعي للقلق." سوزي بدلال: "لأ يا دكتور، أنا مش بنام خالص، ودايماً قلبي بيدق بسرعة، ومش قادرة أعمل أي مجهود."
مصطفى بتوتر، وقد تغضن جبينه عرقاً، وازدادت حيرته: "هكتبلك فيتامينات تاخديها، وممكن أحولك على دكتور متخصص. أنا جراح، وأنتِ عارفة." نظرت إليه بثقة وإصرار، ولم تمنحه مجالاً للهرب، بل باغتته بجرأة قائلة: "أنا عاوزاك أنت! مصطفى: "اسمعي يا سوزي، أنا متجوز ومخلف، ومقدرش أظلمك معايا. أمي لما طلبت إيدك مكنش عندي خبر. وحتى لما أصرت وطلبت مني أروح معاها وأشوفك، توقعت إني هقابل عروسة سنها مناسب. أنا أكبر منك بأكثر من ١٥ سنة."
سوزي: "وأنا موافقة وعاجبني." مدت شفتيها بحزن، وتحدثت بلهجة يشوبها العتب: "وبعدين أنا مش فاهمة، أنت بتتهرب مني ليه؟ مش عاجباك مثلاً؟ نفى ما قالته دون انتظار، وكأنه يخشى إغضابها، وربما فقدانها: "بالعكس، أنا شايف إنك تستاهلي شاب قريب من سنك، وتكوني الأولى في حياته." اقتربت إلى حد خطر، حد لا يحق لها، وهمست بتأكيد:
"صدقني، اللي يهمني إني أكون الأخيرة. أنا بيتقدملي ناس كتير جداً، وكل واحد بيكون مواصفاته أحسن من اللي قبله، لكن انت غيرهم كلهم." منحته كلماتها ما يحتاجه أي رجل يهفو إلى التغيير، واستعادة سنواته المفقودة بين طيات الكتب والركض خلف قطار الحياة، فاستمع إليها بنشوة ورغبة في المزيد. احتضنت كفه بكفها، ومنحته شعوراً جعله يلقي بزوجته الغافلة عن نيته، وبناته اللائي لم ينعمن بعد بقربه، فتحدث بتلهف قائلاً:
"بس أنا مش هقدر أطلق مراتي." سوزي: "طنط سوسن قالت لي إنك متمسك بيها عشان بناتك، وأنا موافقة واحترمت قرارك جداً. صدقني أنا بحبك." مصطفى بدهشة: "بتحبيني! سوزي: "أيوة." مصطفى: "طيب يلا قدامي، خليني أكلم ماما ونتفق على معاد الفرح." سوزي بسعادة وتوق إلى وصاله: "بجد! فرح على طول، مش هنعمل خطوبة؟ مرر بصره فوق ملامحها الرقيقة، وأعرب عن رغبته دون مواربة قائلاً: "لأ، إحنا نتجوز على طول، ولا إيه رأيك؟
ابتسمت إليه، تعلن عن موافقتها، وسارا معاً في طريق ممهد بالكثير من العثرات. *** وعندما اشتدت رياح الغدر، هرولت منها إليك، لكنك جردتني من ثياب الثقة والأمان، وألقيت بي إلى وسط العاصفة. كان ياسين مستلقياً، يتطلع إلى بعض الأخبار والمنشورات التي تتجدد في لحظات، وكأنها لمحات خاطفة لحياة الآخرين. لمحات اكتفى بها عن تفاصيل لم يعد يرغبها.
فبين صفحات التواصل الاجتماعي، استطاع أن يجعل لروحه الضالة ملاذاً جديداً، وأصدقاء لا يربط بينهم سوى كلمات. تمكن من خلق عالم فشل مراراً في إنجاح بنيانه بواقعه. ربما كانت أسوار الماضي هي العائق أمامه، وربما كان هو العائق دون سواه. تحدث بصوت يغلفه الحنين إلى تلك الصورة التي أرسلتها إليه زوجته وبداخلها أطفاله الثلاث ووالدته، قائلاً: "وحشتوني أوي، نفسي أشوفكم وأخبّي نفسي بينكم، بس خايف قربي يهد البيت ويضيع فرحتكم."
اقترب منه أحد زملاء السكن المقيم به، قائلاً: "هتتعشى معانا يا أبو إسلام؟ ابتسم إليه ياسين قائلاً بلطف: "لأ، بالعافية عليكم، أنا لسه شبعان." تحرك الآخر من أمامه دون تعقيب، وعاود ياسين تصفح هاتفه. مرت لحظات قليلة، ووصل إلى مسامعه أصوات لشجار حاد بين زملائه بالسكن. هرول إلى خارج غرفته، فأصابه شيء من الصدمة عند رؤيته لعادل ومحمود، وهما في الأصل أبناء عمومة ويربطهما نسب، ولكن شجارهما الآن يوحي بأمر جلل.
سارع ياسين إلى الحول بينهما، فتقدم الحج سعيد، وهو أكبر الأفراد سناً، لمساندة ياسين. دفعهما عادل قائلاً بصوت حاد يغلفه الذهول والبغض: "سيبوني عليه، ابن... عاوز يتجوز على أختي." ياسين: "يابني طول بالك، الأمور متتحلش كده. اسمع منه الأول وشوف السبب." محمود بسماجة: "مفيش سبب، أنا حر يا عم، حقي أتجاوز غيرها تلاتة. محدش له عندي حاجة." لكمه عادل بغتة، فأطاح به أرضاً، ولم يكترث، بل وجه حديثه إلى ياسين قائلاً:
"السبب يا أبو إسلام إنه راجل ناقص. اتقدم لأختي، ووقتها مكنش حيلته مليم أحمر، ولأنه من أهلنا مقدرناش نقول لأ. إحنا عندنا البنت مبتطلعش برة العيلة، بتاخد حد من ولاد عمها. وبعد جوازه بشهرين سافر. قولنا بركة الحمد لله، هيعوض أختي بقى وربنا هيفتح عليه." صاح عادل بقوة، مستكملاً حديثه: "متجوزها بقاله سبع سنين، منزلش فيهم إجازة غير مرة واحدة. أنت فاهم؟
مرة واحدة لأختي العروسة، ولما بتشتكي بنقولها اعقلي كده، هو يعني بيتعب وبيشقى لمين." محمود بجدية: "اسمع يا عادل، اللي انت عملته هتدفع تمنه غالي. وضربك ليا أختك اللي هتشيله، وجوازي يخصني أنا لوحدي. بعف نفسي يا أخي، ملكش فيه." عادل: "تعف نفسك! وهي مين يعفها؟ " أراد أن يفتك به، لكن ياسين حال بينهما من جديد، إلى أن تحدث الحج سعيد قائلاً: "إن جيت للحق يا محمود، أنت يابني محتاج تتربى من أول وجديد. وانت شرحه يا عادل."
عادل بذهول: "وأنا غلطت في إيه يا عم سعيد؟ سعيد: "غلطت إنك جوزت أختك لنطع زي ده." تحدث إلى محمود، ونظراته مسلطة عليه بمزيج بين الازدراء والرفض لسلوكه، قائلاً: "أنت اللي زيك محسوبين عالرجالة غلط. بقالك أربع سنين منزلتش إجازة، وكل ما نقولك سافر لمراتك تقول السنة الجاية، وإحنا كلنا عارفين إنك رافض تنزل بسبب حرصك عالفلوس. وبعدين حتى لو هتتجوز، يبقى بالحسنى والأدب عالقليل، عشان خاطر ابنك."
ترددت الكلمة برأس ياسين دون غيره كثيراً، من لزوجته سواه كي يعفها ويغنيها.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!