لا شيء يقتحم حياتنا دون سبب، ولا ألم يداهمنا بلا حجة. ما تجرعته سابقًا من قهر منحها صلابة من نوع خاص وثبات عند الشدائد. عند زواجه بأخرى، فقدت رغبتها بالحياة، وها هي الآن تستعيد ما كان ملكًا لها. ألقت رضوى الهاتف بتحدٍ قائلة: "افتحي الفيديو وشوفي بنفسك يا سوزي. أعتقد أن الفيديو ده لو مصطفى شافه هيكون رد فعله وحش أوي." فغرت فمها بصدمة وهمست: "عملتيها يا تامر؟ يا حقير." نظرت إليها رضوى بجدية قائلة:
"أنا أكتر واحدة أتمنى أن مصطفى يعرف حقيقتك." سوزي بصدق: "بس أنا مليش دخل، ومكنتش أعرف أن ماما ممكن تعمل كده في مصطفى. أنا بحبه وعمري ما أفكر أسبب له أذى." رضوى: "والله أنتِ وأمك واحد. وهنفترض أنكِ ملكيش دخل، معرفتيش أنه عامل حادثة وبين الحياة والموت؟
ده أنتِ عملتي فرح ما حصلش وهو لسه مخرجش من المستشفى. اسمعيني كويس لأن أنا جبت آخري منك ومن أمك. ابعدي عن بيتي وجوزي. مصطفى خلاص فاق ومبقتيش فارقة معاه. بطلي تحومي حواليه لأن لو حتى لو فكر يرجعك مش هسمح له، ولو اضطريت هبعت له الفيديو عشان يعرف حقيقتك وحقيقة والدتك. أنا شفت منه الويل وظلمني ظلم ربنا عالم بيه ومع ذلك لا فكرت ولا حاولت أضره. لكن أنتم اتسببتم في إعاقة هتفضل ملازمة ليه طول عمره. أنا بطلت أتساهل في حقي يا
سوزي ومصطفى حقي. أنا عمري ما طلبت منه يطلقك وكنت راضية بعدل ربنا، لكن حتى العدل استكتروه عليا وفي الآخر ربنا رجعلي جوزي وبقى ليا لوحدي. أنتِ رفضتي وجودي على ذمته وأنا دلوقتي برفض وجودك في حياته. وبالنسبة لبناتك وقت ما تحبي تشوفيهم هتشوفيهم."
صمتت قليلاً لتهمس بسخرية: "رغم إني عارفة ومتأكدة أن بناتك من الأساس كانوا حجة عشان الدكتور يحن ويرجع، مظبوط يا حبيبتي؟ نَكَسَت سوزي رأسها بتوتر ونظرت بترقب إلى المكان من حولها هامسة بهدوء: "وأنا إيه يضمن لي أنك مش هتعرفي مصطفى؟ اعتدلت رضوى واقفة تلملم حاجاتها قائلة:
"أنا بطبعي مقدرش أبدأ بالشر يا سوزي. طول ما أنتِ بعيدة عني وعن بيتي هعتبر أن الفيديو ملوش وجود. لو عقلك بقى صور لك أني ممكن أنسى وأسكت، وقتها هتعرفي أني مبهزرش معاكي. كفاية أوي اللي حصلي بسببك. دوري على مصلحتك بعيد عن جوزي. فاهمة؟ غادرت رضوى بخطوات مسرعة إلى أن باتت بعيدة بالقدر الكافي فتنهدت بقوة تلتقط أنفاسها التي حبستها كثيرًا، تهمس بهدوء: "ده الصح يا رضوى. حافظي على بيتك وبناتك. كفاية اللي ضاع زمان." ***
بينما هو غارق في صمت استمر أسابيع عدة، جلست هي إلى جواره قائلة بصوت متعب: "وبعدين معاك؟ خلاص بقى يا فيصل. الحمد لله ربنا قدر ولطف وكل اللي فات ماضي مش هتقدر تغيره. حاول تساعد نفسك وتتخطى اللي حصل. بذمتك الولاد مش وحشينك؟ دول هيتجننوا عليك وانت رافض تجيبهم المستشفى."
نظر إليها وليته ما فعل. لقد تبدل وكأنه بلا روح. لقد فقد فيصل شيئًا محال أن يعود. فقد ثقته وقناعاته الوهمية. ما اعتنقه سنوات كشف على حقيقته، فآمن أنه باطل. ابتلع ريقه هامسًا: "عارفة يا همس؟ أنا أول ما شفتك اتمنيت أحضنك. يمكن كلامي غريب بس أنا بتمنى طول عمري حد يخبيني عن الناس كلها. معاكي أنتِ وبس اتمنيت أنسى فيصل." ترقرقَت في عينيها دموع عجزت عن حجبها فتحدثت قاصدة ألا يستمر في حديثه: "إيه رأيك نروح البيت؟
مش أحسن من المستشفى." نَكَسَ رأسه بيأس: "أنا عارف أنه صعب تنسى. لو النسيان سهل كنت ارتحت." شردت همس وتحدثت إليه بصدق: "أنا كنت بالنسبة ليك مسكن. مسكن قوي قدر ينسيك الألم سنين، لكن للأسف مقدرتش أداويك يا فيصل. عشان كده دورت على بديل. أنت حاولت تلاقي مع غيري مسكن يخفف وجعك وحيرتك." فيصل: "محصلش. أنا مشاعري عمرها ما اتحركت مع أي ست. اللي حصل كان وهم." همس: "اللي حصل كان درس. وجع صعب حد يفهمه يا فيصل. أنت... فيصل بصدق:
"أنا بحبك. عارف إني غلطان بس بحبك. متأكد أنك مستحيل تنسي ورغم ده بحبك. أنا مديون ليكي بالكلام ده. اعتراف إني غلطت." ترددت همس قليلاً لتسأله بترقب: "ومحمود، أخوك؟ على فكرة من يوم ما انت دخلت المستشفى وهو جنبك مش بيروح بيته نهائي. أغمض عيناه قائلاً: قولتلك ياريتنا ننسى يا همس. يوم ما احس إنك قدرتي تنسي صدقيني وقتها هيبقى عندي أمل امدله إيدي وأتقبل حقيقة إنه أخويا.
....................................................................... وتبقى بعض الآثام مرهونة بعفو صاحبيها مهما أعربنا عن توبتنا وتغنينا بها. منذ عودته إلى مسكنه وهو قابع بغرفته، يكتفي بصوت أطفاله وهمسها الذي يعشقه. أنقذته من موت محقق، وليست المرة الأولى التي تهبه فيها همس حياة جديدة.
تنهد بمشقة فقد كان يصارع الموت وحيداً. وأتت هي إليه، يتذكر لحظات استيقاظه داخل المشفى وهي واقفة في ركن بعيد تنتحب في صمت، وإلى جواره مصطفى وبعض الأطباء. أصابته جلطة قوية لكن الله ساق همس إليه ليجعل لعمره بقية. يعلم أن الحب الذي كان بينهما بلغ أشده وصار صرحاً مشيداً بيديهما لا يسوءه شيء. كان آمناً، فهدمه هو دون تريث وبقيت روحه وروحها وطفليهما عالقين تحت أنقاضه.
بينما همس في عالمها تدعو في صمت أن تنقشع غيوم الانكسار وترجع إلى سابق عهدها، قوية، محبة، واثقة في الحياة. ونظرت بعيداً حيث السماء الصافية وتخيلت حالها هناك وتساءلت: هل جرحها عميق بهذا القدر كونها كانت عاشقة حد الثمالة؟ أكلما ارتفعنا إلى عنان السماء كانت سقطتنا مميتة والنجاة منها محالة! أيبقى فيصل على الهامش بعدما كان محور الكون وسر جماله؟ وبعض النهايات تبقى هكذا تؤرجحها الأيام إلى أن تصل إلى مصيرها المحتوم.
لا أحد رماه الدهر بأسهم العشق راغب في الفراق لكنها خطوات نخطوها في سبيلنا منا من يصل إلى عالمه ومنا من يضل سبيله وبقضي أيامه في تيه. بينما هو حائر لم يعد بداخله ذاك الغضب القديم، كان أشبه ببركان نشط يشتعل بلا توقف وها هو الآن خامل، صمته مهيب، لن يعود كما كان ولن ينسى ما قاله محمود. عليه أن يتعايش مع عالمه الجديد إلى أن يتعافى. اقتربت منه قائلة بزهو وسعادة ممزوجة بشجن لن تفلح السنوات في محوه وقالت:
بسم الله يا حبيبي، شوف ابنك ماشاء الله تبارك الله جميل إزاي. تراجع فارس عدة خطوات قائلاً بفزع: ابني؟ إزاي وإمتى؟ معقول يا أمي تسمعي كلامها؟ تخبي عني إنها حامل؟ المفروض دلوقتي أفرح وأنسى بقى إن الهانم كانت شايلة ابني. حتة مني تسع شهور كاملين ومفيش مرة واحدة فيهم حاولتي حتى تلمحي ولو من بعيد إنها حامل. جميلة بحدة: وهو انت كنت سألت؟ انت سافرت من غير حتى ما تعرفني السبب؟
طلعت تجري وسبت بنت خالك لوحدها يا فارس احترم نفسك بقى وصلح القرف اللي انت عملته. خانته عيناه ونظر بلهفة إلى الطفل الباكي بين يدي والدته فغمره شعور رائع جعله يبتسم قائلاً: هو ولد ولا بنت؟ استنشقت عبيره بحب هامسة: ولد، يتربى في عزك انت وأمه ياقلبي. حمله فارس بلهفة يشوبها الخوف من إيذائه وضمه إلى صدره في صمت، صمت امتد طويلاً، انتهى بتنهيدة قوية من فارس أعقبها بقوله:
أنا هستني لما نطمن عليها هي والبيبي وهاخدكم معايا. أنا شغلي بره كويس ومش هقدر أسيبه وأنزله. جميلة: لما كاميليا تفوق وتقدر تقرر نبقى نشوف. وإياك يا فارس تزعلها. والله العظيم أنا اللي هتصرف معاك. كفاية اللي حصل منك. بلع ريقه بتوتر قائلاً: حضرتك تقصدي إيه؟ هي كاميليا قالتلك حاجة؟ جلست جميلة إلى جواره واحاطته بذراعيها بحنو وحب وهمست إليه بصوت خافت:
كاميليا مقالتش حاجة، بس لما هي تعبت ورحنا للدكتور وقال إنها حامل صدمتها وحزنها خلاني أفهم اللي انت عملته. ولما طلبت مني مقولكش حاجة مقدرتش أرفض طلبها لأنك تستاهل. قوم يا ابني ادخل اطمن عليها واتفاهم معاها وبلاش عصبية يا فارس. انت الراجل يعني مفروض يبقى عندك عقل أكتر من كده. ٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠
جاهد فارس نفسه قدر استطاعته كي يبقى هادئاً كما طلبت إليه والدته لكن ثورتها العارمة جعلته يجيبها بغضب هو الآخر قائلاً: مش من حقك. انت كنت عارفة إنك حامل وخبيتِ عني وأنا هسكت واعدي الموضوع فياريت انتِ كمان تنسي اللي فات ونبدأ من جديد. عادت إليها شراستها وعنفوانها فأعلنت عصيانها قائلة: بتحلم؟ انت أكيد مش في وعيك. عاوزني أنسى عملتك السودة وأكمل معاك عادي؟ ليه وعلشان مين؟ فارس: علشان ابننا. إيه هتربيه لوحدك!
كاميليا: آه طبعاً. ده ابني أنا تعبت فيه وهربيه لوحدي. هعلمه يبقى راجل يعتمد عليه، مش عيل يهرب في أول مشكلة تقابله. فارس بغيظ: بذمتك كلامك ده يترد عليه بإيه؟ كاميليا بمكايدة: امممم إيه رأيك تغتصبني تاني وتهرب؟ جحظت عيناه ونظر إليها بخجل قائلاً: أنا معملتش كده. انتِ مراتي ومن حقي… قاطعته قائلة بحدة: من حقك إيه؟ تغصبني على حاجة مش عاوزاها؟ وتاني يوم تسافر وتسيبني؟ من حقك تشكك في أخلاقي وشرفي؟
على فكرة أنا يمكن سمحتلك تقرب مني واستسلمت للأمر الواقع. عارف ليه؟ علشان تبعد عني للأبد. بس للأسف متوقعتش إنه يحصل حمل ويفضل بيني وبينك رابط جديد. فارس بمهادنة: والحمد لله ربنا كرمنا بولد زي القمر يبقى ليه العناد والمشاكل؟ كاميليا: بص بقى علشان أنا مش طايقة نفسي أساساً. انت تروح مطرح ما كنت وملكش دعوة بيا خالص وبالنسبة لابني فأنا كفيلة بيه. تمام؟ فارس بسخرية: في المشمش. أنا قاعدلك ياحبيبتي ومفيش سفر غير وانتوا معايا.
كاميليا بجنون: يا عمتو، عمتوووو تعالي ارجوكِ. هرولت جميلة إلى الغرفة قائلة بقلق: مالك يا بنتي؟ حصل إيه؟ عملت فيها إيه يا فارس؟ كاميليا بتعب وضيق حقيقي: أرجوكِ، خليه يخرج ويسبني. مش قادرة أشوفه قدامي علشان خاطري خليه يمشي. أومأت إليها جميلة في هدوء قائلة: حاضر. تعالي يا فارس وسيب مراتك ترتاح. فارس بغيظ: يووة يا ماما. دي بتدلع ورافضة تسمعني للآخر. جميلة بجدية:
بعدين ابقى أتكلم. قولتلك اطلع معايا خليها تنام شوية قبل طاهر ما يصحى. أضاء وجه كاميليا وعادت إليه الحياة وغامت عيناها بدموع الحنين إلى والدها وهمست بضعف: طاهر! حضرتك قولتي طاهر؟ جميلة بحب وامتنان وجهته إلى فارس: فارس قالي نسميه طاهر وأنا ملقتش اسم أجمل من اسمه الله يرحمه. وبعدين أنا سألتك كام مرة هتسمي البيبي إيه وتقوليلي بعدين. لما أولد ربنا يحلها.
ابتسمت كاميليا بعدما ملأ فؤادها ذاك الاسم سعادة فارقتها كثيراً. واستغل فارس سكونها فاقترب منها بخفة قائلاً بصوت هامس: أنا فعلاً غبي وجبان واتعودت أهرب من المواجهة بس صدقيني مستحيل أبعد تاني حتى لو هموت على إيدك. بحبك يا أم طاهر. غادر مهرولاً بصورة تمثيلية ساخرة جعلتها تبتسم مرغمة تاركة ما بينها وبينه للأيام علها تداوي جراحها وترمم تلك الصدوع العالقة بينهما.
تهادت في مشيتها بزهو، تلتقط بعض النظرات من زملائها فتزداد ثقة بنفسها. لقد أصرت على الخروج إلى عالم جديد، لن تبقى مهمشة ستبدأ من جديد. هكذا كانت تظن، لكننا لا نبدأ من جديد إلا بعدما نتصالح مع ما مضى، نتحدث إليه ويمنحنا صك غفرانه فتهدأ صراعاتنا ونبتعد عن تلك الحفر المليئة بسوء أفعالنا.
لقد ملت سوزي سريعاً من استيقاظها المبكر واجتهادها في العمل. ليس لديها تلك الإرادة ولا ذاك الشغف لذا عادت سريعاً إلى حل بديل وكان كعادتها رجل يمنحها حياة ترجوها. وضعت ما بيدها من أوراق وابتسمت بنعومة مدروسة إلى صاحب الشركة الوسيم، يكبرها بما يزيد عن العشرين عاماً، لكنه جذاب للغاية ولديه من الأموال ما يزيد جاذبيته. ربما كان متزوجاً ولديه أبناء وربما لا. لن يشكل ذلك فارقاً معها. تحدث هو إليها برغبة قائلاً:
كنتي فين امبارح؟ إزاي تغيبي من غير ما تقوليلي؟ أسدلت عينيها بحزن مصطنع واستدعت القليل من الدموع الزائفة ونظرت إليه بإعجاب حقيقي قائلة: ماما عايزاني أسيب الشغل. أجابها هو بلهفة قائلاً: انتي بتقولي إيه؟ مستحيل اسمحلك تبعدي عني. ابتسمت هي بدلال قائلة: مش فاهمه قصدك. وحضرتك عاوز مني إيه بالظبط؟ أجابها بجدية: عاوز اتجوزك. وقبل ما تقولي أه أو لأ صدقيني هحققلك كل اللي بتتمنيه ومش هتحسي بفرق السن أبداً.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!