ترجلت من سيارتها مسرعة، توجهت بخطوات متلهفة إلى شقته، استخدمت زر الجرس مرات متتالية بانتظار إجابة من فيصل ولكن دون فائدة. لم تيأس وربما لا تريد الاستسلام ليأسها، صاحت برجاء وتمني قائلة: فيصل، لو أنت جوه الشقة ارجوك رد عليا، علشان خاطري. أغمضت عيناها من فرط إجهادها، لكن شيء بداخلها جعلها تمسك مقبض الباب وتحركه بخفة، لتشهق بفزع عندما فتح الباب. هرولت إلى داخل الشقة قائلة بصوت مهزوز: فيصل، أنت هنا، ارجوك رد عليا بقى.
استمعت إلى صوت خافت وأنين متواصل، تتبعت مصدر الصوت إلى أن توقفت أمام جسده الملقى أرضاً، جلست إلى جواره تتحسس ملامحه برهبة وخوف من الفقد. هدأت قليلاً بعدما تأكدت من بقائه على قيد الحياة. حاولت إفاقته قائلة بحنو: فيصل، حبيبي، أنا جنبك، قوم ورد عليا، علشاني أنا وولادك قوم، أنا عارفه إنك سامعني، صح! تهدجت أنفاسها عندما فتح عينيه ونظر إليها بانكسار أدمى روحها. ضمته إلى صدرها قائلة: أنا جنبك، كل حاجة هتعدي.
همس إليها بخفوت: ضميني أوي يا همس وخليك جنبي، ارجوك. ضمته إلى صدرها وانسابت دموعها حزناً عليه وألماً منه، تخشى فراقه لكنها تائهة. تحدثت إليه برجاء وشرود: خلينا نروح بيتنا، إياد ومؤيد بيسألوا عنك. لم يجيبها، فتابعت بتوتر: فيصل علشان خاطري قوم أنا خايفة وانت عارف إني بخاف لما بشوفك ضعيف بالشكل ده. هدأت أنفاسه إلى حد العدم لتشعر بالهلع وتفقد السيطرة على مخاوفها.
ابتعدت عنه قليلاً، وبحثت عن هاتفه، وجدته ملقى إلى جواره لكنه مغلق. أعادت تشغيله وانتظرت على مضض إلى أن أضاءت شاشته. لحظات واستمعت إلى صوت مصطفى يتحدث بلهفة: انت فين يا فيصل؟ صاحت باكية وصوتها يغلبه الهلع: الحقني يا دكتور مصطفى، فيصل مش عارفه ماله، الحقني بسرعة!
أرسلت إلى مصطفى موقع البيت ومددت جسدها إلى جوار فيصل تبكيه وتبكي حالها، فرغم كل شيء يبقى فيصل أمان الماضي وزوجها الأول ولا ترغب أن يحل مكانه آخر، والد طفليها وعشق لن يتكرر. مضى ثلاثة أشهر، اختلف الكثير وتبدلت النفوس. اقتربت رضوى مسرعة لتلبية نداء ذاك الشخص الذي لم يكف عن طرق بابها تارة بيديه وتارة أخرى باستخدام الجرس مما جعلها تتأفف بضيق قائلة: يووه، اصبر يلي عالباب جايه حالا.
لحق بها مصطفى الذي قام من نومه فزعا، تصنم كلاهما عندما شاهدا أمامهما تلك العابسة المترقبة. ورغماً عن رضوى مدت يدها وعانقت كف زوجها وكأنها تعلن استعادته وامتلاكه من جديد، بينما كانت سوزي متعبة تنظر إلى مصطفى باشتياق وندم. اكتفى هو بقوله الهادئ: خير يا مدام سوزي، جاية ليه؟ تحدثت إليه برجاء: ممكن نتكلم لوحدنا. ارتعدت رضوى واستشعر مصطفى توترها، فقد تعرقت يدها بقوة وكأنها تنازع الغرق. أجاب طليقته بجدية قائلاً:
اتفضلي اتكلمي، اعتقد إن مفيش بيني وبينك أسرار ولا مواضيع شخصية. سوزي بغيظ: لأ فيه، اختنق صوتها قليلاً وحاولت ادعاء الثبات فاستدركت قائلة: في بينا أهم حاجة، بناتنا يا مصطفى. مصطفى بسخرية لاذعة: انتي لسه فكراهم، تصدقي إنك وقحة فعلاً. سوزي: علشان خاطري خلينا نتكلم، وبعدها اعمل اللي انت عاوزه، مش معقول تكون قاسي بالشكل ده وترفض حتى تسمعني. رضوى وقد بدأت في الاختناق من رؤيتها لسوزي وتواجدها:
أنا داخلة جوة يامصطفى، لو تحب تتكلم معاها اتفضل وخلصني من القرف ده. سوزي بكره: سامع بتقول ايه، على فكرة بقى أنا عارفه إنك رافض تسمعني بسببها علشان كده بطلب منك نتكلم بعيد عنها. أدارت لها رضوى ظهرها متجاهلة إياها، لكنها تحدثت بصوت مسموع تعمدت أن يصل إليها قائلة: الواطي بيشوف كل الناس واطيين زيه. كان منصتاً باهتمام جم وهبها أملاً خادعاً أن قلبه قد يميل. ابتسمت بنعومة وتمني قائلة:
أنا موافقة إن رضوى تفضل على ذمتك، هعتبر إنها مش موجودة من الأساس ونعيش زي زمان، أنا وانت وبناتنا، الأيام اللي هتقضيها هنا هعتبر إنك مسافر أو عندك شغل. أنا بحبك ومقدرتش أنساك يا مصطفى، وعارفه إنك لسه بتحبني. ابتسم مصطفى بتلاعب وهمس بصوت يشوبه النفور: قولتلك وهقولها تاني، انتي جميلة يا سوزي، ست أي راجل يقابلها هيتمناها، بس صدقيني مش حب، رغبة مش أكتر.
اهتزت ثقتها بنفسها وترقرقت بعينيها دموع أجبرت مصطفى على الحديث بطريقة مختلفة محاولاً أن يقطع أمامها كل السبل دون تجريح. صدقيني أنا بحب رضوى، رغم إني ظلمتها وجرحتها سنين بس محبتش ست غيرها، يمكن مشكلتي إني ضعيف قدام أمي وقدام رغباتي وحبي لنفسي. سوزي: بس انت قولت إنك بتحبني، قضيت معايا أيام صعب تنساها. مصطفى:
الراجل لما بيكون عجبه ست بيحاول ياخد منها كل اللي نفسه فيه، كلمة بحبك سهل نقولها وعلى فكرة أنا مظلمتكيش، بالعكس أنا فضلتك على مراتي وبناتي، كنت بحاول أعوضك عن فرق السن والظروف، عمري ما قللت منك ولا حرمتك من حاجة، لكن إنت اخترتي تدمري كل ده. سوزي: وأنا معترفه، وجيت لحد عندك وبطلب منك ترجعني. مصطفى: تفتكري ممكن أثق فيك تاني، ده إنت رميتي بناتك، حته منك، توقعت إنك تقلبي الدنيا، تاخديهم مني بالقوة، عملتي إيه يا سوزي؟
رحتي اتجوزتي وعملتي فرح ونسيتي بناتك ودلوقتي جاية تقوليلي بناتنا! سوزي برجاء ومحاولة بائسة لاستعادته: علشان خاطري، اديني فرصة ومش هتندم. مصطفى بشراسة: تمام، هنفترض إني تغاضيت عن كل حاجة، تفتكري ممكن أتغاضى عن جوازك؟ هقبل أرجعك بعد ما راجل غيري لمسك، ولا كنتي عايشة معاه زي الأخوات؟ سوزي بغضب: انت بتتكلم في إيه، أنا كنت متجوزة مش بعمل حاجة حرام، وبعدين ما أنا وافقت اتجوزك وانت متجوز قبل مني يعني لمست واحدة غيري.
مصطفى ببرود: عندك حق، بس نقول إيه، أنا راجل شرقي تقدري تقولي رجعي مقبلش حد يشاركني في الست بتاعتي. سوزي: يعني ده آخر كلام عندك! أومأ إليها في صمت ولم يتحدث. تبدلت لهجة حديثها: خلاص أنا هاخد بناتي. مصطفى: قدامك المحكمة، روحي ارفعي قضية وخديهم بالقانون، أنا مستحيل أمنعك عنهم بس للأسف اللي ترمي بناتها بالشكل ده ملهاش أمان تربيهم ومع ذلك لو مصممة أنا مش همنعك بس بالقانون.
ربما منحت الأنثى الكثير من العطايا دون الذكر، فضعفها هبة وجمالها ميزة وسكونها صخب وصخبها حياة، لكن يبقى دورها في منح جنينها حياة من داخلها شيء لا يوازيه ما بالكون جميعه، إحساس لن يدركه سواها ونعيم لن يدلف إلى جناته غيرها، أمان تستمده من نبض مجهول ورباط يقويها دون أن تراه بعينها، لكن روحها تألفه. تحدثت كاميليا بصوت خافت قائلة: أنا حامل ياعمتو. استدركت ما قالته وكأنها مذنبة تسعى لإثبات براءتها، فهمست بخزي وخجل:
أنا حامل من فارس والله العظيم مافيش حد غيره لمسني وهو عارف... وممكن... لم تستطع كاميليا استكمال حديثها دون أن تغلبها عبرات العجز، بينما كانت جميلة حائرة، لا تجد تفسيراً لانهيار كاميليا وكلماتها الصادمة.
احتضنتها جميلة بقوة واحتواء بعدما تجسدت أمامها أمنيات شيدتها قديماً هي وشقيقها الراحل. كم مازحته قائلة أن احفادهما سيكونوا غرساً مشتركاً لابنها وابنته، وكم شاكسها طاهر برفضه قائلاً بتأكيد أن طفلته لن تتزوج وتتركه، لكنه غادر وتركها أمانة بين يديها ولن تضيعها. تحدثت جميلة باكية بقوة إلى كاميليا: ألف مبروك يابنتي، أنا مش عارفه أقولك إيه، ده أجمل خبر سمعته من سنين. كاميليا بتردد: ممكن أطلب من حضرتك طلب؟ جميلة بترقب:
إنت تؤمري ياقلبي. كاميليا: الأمر لله، أنا مش عاوزة فارس يعرف دلوقتي، عالأقل الفترة دي. جميلة: ليه كده يابنتي، ده ما هيصدق ومش بعيد تلاقيه نزل من السفر. كاميليا بحزن: صدقيني ياعمتو ده لمصلحته ومصلحتي. جميلة بحب: حاضر، رغم إنه حرام نخبي عليه بس علشان خاطرك مش هقوله، صدقيني فارس بيحبك وعمره ما حب غيرك بس هو عصبي حبتين. كاميليا:
أنا خايفة أوي، حاسه الدنيا كلها فوق دماغي، بابا كان مانع عني الخوف والقلق، أنا عمري ما حسيت بالضعف وهو عايش، كان نفسي فارس يعوضني غيابه لكن مفيش حد بيعوض غياب الأب. وكيف لنا أن نجمل الواقع وقد بات مشوهاً، دميم الهيئة لا تفلح معه ريشة فنان ولا كلمات شاعر. من يمتلك بين يديه تلك الألوان الزاهية التي تهزم سواد الكون. انتهى من حزم حقائبه والتي مازالت تفوح من داخلها أحضان الغربة التي تمكنت من نفسه.
لقد أفلح في التجديف فوصل بمركبه إلى وسط البحر، وها هو الآن يقاتل الموج بضراوة لعله يحظى بشاطيء له ولهم. ربما لم ينسى كل ما مضى ولن يفعل، لكنه بات راضياً، لن تغادر فرح قلبه فقد نقشت ببراعة مكانتها بداخله، لكنه يخطو رويداً رويداً إلى أمانه فيمسي كل ما سواها سراباً. ودع أهله واستودعهم جزءاً من روحه الحائرة وغادر من جديد واختار ياسين أن يترك مصيره وباقي أيامه كما هي إلى أن تنتهي.
تأوه مصطفى في خفوت محاولاً ألا يبدي ضعفه أمامها لكنه لم يفلح في كبح تألمه. اقتربت منه بلهفة قائلة: مالك يا مصطفى، رجلك وجعاك؟ امتعض وجهه قليلاً، فقد أصابه الحزن بعدما عادت إلى عملها وصار يومها مشحوناً بين أطفالهم، وربما كان النصيب الأكبر لذاك الصغير الذي استحوذ على اهتمامها بل واهتمام كافة نساء البيت بداية من والدته وانتهاءً بفتياته. كررت سؤالها فاجابها باختصار: مفيش حاجة، أنا كويس.
اقتربت منه وطوقته بيديها فنظر إليها قائلاً بصوت لائم: يا سلام، هو لازم تشوفيني بتألم علشان تقربي مني؟ ابتسمت بهدوء يحمل بين طياته مشاعر أصابها بعض الأذى لكنها مازالت تسعى للحياة: كل سنة وانت طيب. نظر إليها متعجباً، فاجابته بحب قائلة: النهاردة عيد ميلادك، وعيد ميلاد مرام، معقول تنسى. مصطفى باشتياق: وياترى بقى افتكرتي علشان مرام ولا علشاني. رضوى بمشاكسة: وانت ايه وبنتك ايه؟ قبّلها بشغف قائلاً:
أنا من غيرك ولا حاجة يا رضوى، تعرفي كده. ابتسمت بسعادة قائلة: لا والله محصليش الشرف ولا حد قالي. اعتذر بنظراته عن أيام وسنوات ارتوت فيها زوجته بغدره واهماله، تركها مهمشة فتهشمت روحها واظلمت، لكنه عاد نادماً، فهل يجدي ندمه أم أن النسيان رزق لا يناله إلا من كان ذو حظ وفير. لم يترك سباباً إلا ورمى به طليقته، لقد قدمت سوزي دعوى لضم طفلتيها إليها. لقد ظن مصطفى أن ما قالته سابقاً لم يكن إلا تهديداً لاستمالته وعودته إليها.
اقتربت منه رضوى قائلة بغضب: إيه الألفاظ دي، البنات زمانهم راجعين من المدرسة، يسمعوك وانت بتشتم بالكلام الصعب ده إزاي. نهرها بحدة قائلاً: الحيوانة عاوزة تاخد بناتي. رضوى بتعقل: وبناتها لو انت ناسي. مصطفى بجنون: شوفي لو وصلت إني هقتلها هعملها ومش هخليها تاخدهم، دي واحدة رخيصة بتعمل كل ده علشان أردها لعصمتي. رضوى: رجعها، لو فعلاً دي المشكلة ردها علشان البنات. ضرب الحائط من خلفها بقسوة فتأوهت هي برعب هامسة:
إيدك يا مصطفى، انت اتجننت. أنا تعبت يا رضوى، سوزي دي بتحسسني بقيمتي الحقيقية، أنا راجل ندل فعلاً ومش عارف رجوعك ليا ووقوفك جنبي نعمة ولا عقاب علشان أتأكد إني ندل، أنا مش عاوزها كرهتها وبقيت بقرف منها بس مستحيل أسيبها تاخد البنات هيربوهم بنفس تربيتها ويطلعوا زيها. صمتت رضوى قليلاً وتذكرت ما دار منذ أشهر.
لم تقصد أن تطلع إلى هاتفه، بل كان حدساً يدعوها إلى رؤية تلك الرسالة التي تلقاها زوجها من رقم مجهول. ترددت قليلاً قبل أن يدفعها الفضول لرؤية الفيديو الذي يحتوي على مقابلة لوالدة سوزي وبصحبتها رجل تطلب إليه تلقين مصطفى درساً قاسياً تأديباً له لما فعله بابنتها من قبل عقب طلاقها.
استمعت إلى انقطاع صوت المياه المتدفقة فقد انتهى من الاستحمام. أرسلت المقطع إلى هاتفها وقامت بحذفه سريعاً من هاتف زوجها وتأكدت من حظر الرقم المجهول. تركت الهاتف بنفس موضعه وجلست من جديد تواصل طي ملابسهم وعقلها شارد لا تصدق ما رأته منذ لحظات والحيرة تتسرب إليها دون هوادة. عادت رضوى إلى واقعها وهمست بينها وبين نفسها:
لازم نتواجه يا سوزي ونلاقي حل، مش معقول هسيبك تخربي حياتي تاني، المرة دي أنا اللي هنهي القصة البايخة دي بأيدي.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!