اليوم سمح لها الطبيب بمغادرة غرفتها. تستطيع زيارته لكن الطبيب حذرها من إجهاد نفسها. كان جلال يتجنب زيارته كي لا يضطر لمجابهة أسئلته التي لا تنتهي. لم يكن يعلم أنه قد أخذ إجابته يومها. لا ينفك يحدث نفسه ويقنعها بسيناريوهات عقيمة: "هي قد وجدت أخيرا حبيبها. تذكرت حياتها السابقة. لم يعد هو يشكل بالنسبة لها سوى ذكرى. لا يعرف حتى إن كانت ذكرى جميلة أو لا". أخيرا تستطيع رؤيته. ستزور حبيبها أخيرا.
رافقتها شيماء وهي تستند عليها حتى وصلت إلى غرفته. تجنبت شيماء الدخول. ترجتها كثيرا ألا تتركها بمفردها، فلم تكن تقوى على تلك المواجهة. كانت تتجنب رؤية كسرة القلب التي من المحتمل أن تراها في عينيه. كان بإمكانها مكالمته لكنها لم تكن تستطيع الكذب عليه. كانت ستنهار وتعترف بأنها تشتاق إليه بجنون. لذا تعمدت القسوة مع أن قلبها يعتصر ألما.
دخلت بهدوء وبطء. كان ينتظر زيارتها منذ الصباح فقد أخبرته شيماء بذلك. يشعر بأنه لم يرها منذ دهر. لا يصدق أنه مجرد أسبوع فقط. وقفت من بعيد قائلة: -مساء الخير. الحمد لله على سلامتك. اقتربت بهدوء. كان ينتظر منها تلك اللهفة التي تعود عليها. لكن مهلا! تبدو هادئة. أكثر من العادة. تمشي ببطء يمزق قلبه. شاحبة. وملامحها باهتة على غير عادتها. كأنها خسرت على الأقل خمسة كيلوغرامات من وزنها في أسبوع فقط!
لا تبدو بخير حتى ولو كانت تحاول أن تبدو كذلك. جلست بالقرب منه وهي لا تجرؤ على النظر في عينيه. تكلمت بتحفظ بصوت متقطع حتى لا تبكي لوعتها: -حاسس بنفسك أحسن دلوقتي؟ ياسين بسخرية موجعة: -الحمد لله. إن شاء الله تكون أعصابك بقت أحسن دلوقتي؟ ابتلعت غصة ثم أكملت: -أنا بخير. أهم حاجة إن انت قمت بالسلامة. تمتم بهمس مع نفسه لكنها سمعته: -مش باين أبدا إنها أهم حاجة. حاولت تغيير الموضوع:
-الدكتور قال هتقدر تطلع بكرة. يعني الحمد لله هتكون وسط أهلك وأحبابك مش أحسن من رقدة المستشفى؟ ابتسم بسخرية ولم يعقب. كان يفكر بداخله: "أي مكان لست فيه يكون سجني. بعدك عني غربتي. لم أعد أجد راحة بدون عينيك. حكمتِ عليّ بالغربة وسط أحبتي بغيابك". نظر إلى يدها بوجع وهو يراها خالية. ياسين: -أومال فين الإسورة اللي ادتهالك؟
ضغطت على يدها بوجع. تذكرت مروان القذر الذي اقتلعها بقوة من يدها وأتلفها. لم يتسن لها أن تصلحها بسبب كل هذه الأحداث. لكن كل ما كان يربط على قلبها هو تلك الإسورة التي كانت تحتضنها بحب بجوار قلبها كل يوم حتى تستطيع النوم. تستشعر من خلالها قربه. ورِيحه ودفئه. وعدته بأنها لن تنزعها من يدها مهما حدث. لا يعرف أنها تحملها بجوار قلبها. أجابت بهدوء لا يعكس أبدا ألمها الداخلي: -اتقطعت مني. ولسة ما صلحتهاش.
"لهذه الدرجة قد نسيته!! لم يعد لأي شيء منه قيمة عندها؟ الهذه الدرجة قد قست عليه؟ حاولت طي هذه الزيارة التي باتت موجعة لكليهما. ونقصد الوجعين النفسي والجسدي. -طب أسيبك ترتاح دلوقتي. بكرة هيكتب لك الدكتور على إذن الخروج. هأبقى أرجع بكرة مع شيماء وماما عشان نساعدك. ياسين: -مفيش داعي تتعبي نفسك. قامت تجر الخطى. خرجت من تلك الغرفة وهي تجاهد لكتم دموعها التي تهدد بالانهمار.
خرجت أخيرا وتحطمت كل الحصون وسقطت كل أقنعة القوة والبرود التي كانت تضعها. انهارت على أقرب كرسي وهي تبكي بوجع. بصوت يكاد يكون مسموعا. هرعت إليها شيماء التي لم تكن بعيدة. أسندتها وطلبت من الممرضة كرسيا متحركا وأوصلتها إلى غرفتها مسرعة. ساعدتها على التمدد وهي تفك طرحتها بأسف على حالها: -ما تعمليش في نفسك أكده يا روحي. انتي كمان عتطلعي بكرة. المفروض تكوني أقوى من أكده عشان ما يشكش. وكل اللي عملناه يروح هدر. روز ببكاء:
-مش بإيدي يا شيماء. كل كلمة كانت بتطلع منه عاملة زي سكينة بتغرز في قلبي. كل تلميح بيضغط على السكينة دي أكتر. مش هاقدر أتحمل كده. نظرة الخيبة والوجع اللي شفتها النهارده كسرتني يا شيماء 😭💔 شيماء: -هوني عليكي يا قلبي. تبات نار تصبح رماد. رن هاتف شيماء: -دي حامد ابن خالي. أكيد وصل. أنا لازم أروح بكرة عنك بدري. مش عايزة أشوفك بالحالة دي. روز: -هأحاول يا شيماء. -تصبحي على خير يا قلبي.
بالكاد انقضت تلك الليلة على خير. بالنسبة إليه كانت أشبه بآخر ليلة في حياة سجين ينتظر حكم الإعدام في اليوم الموالي. في ذلك المنزل المهجور الذي يقع في أطراف المدينة. دخل أشرف يحمل الأكياس بيده بينما يتفقد مروان الجوار بترقب. -محدش شافك وانت جاي؟ أشرف: -ما تخافش يا مروان بيه. اهو الكباب اللي طلبته ودي الإزازة اللي طلبتها كمان. أفخر أنواع الويسكي. بس انت ما قلتليش حضرتك كنت عايز تحتفل بإيه؟ أمسكها
مروان وهو يتأملها بمتعة: -بكرة هتعرف يا أشرف. بكرة هتعرف. هات لي كاس من جوه وروح انت دلوقتي. أشرف: -حاضر يا بيه. مروان لنفسه: -لسة هتحلو أكتر معاك يا مروان. لما تسمع بكرة خبر موتهم. ساعتها بس يحقلك تحتفل بجد. استيقظ مصطفى في وقت مبكر وهو يستعد للخروج من المنزل مكلما فريقه عبر اللاسلكي: -ها يا وائل كل حاجة جاهزة؟ وائل: -أيوه يا حضرة الضابط. مصطفى: -مش عايز أي تهاون. أي غلطة ممكن تكلفنا حياتهم هما الاتنين. عماد:
-ما تخافش يا حضرة الضابط أنا فهمت كل واحد منهم هيعمل إيه. أحمد: -زي ما اتفقنا قبل كده. كل القوات هتتمركز في مكانها من غير ما تلفت انتباه حد. وائل: -بس متأكدين إن التنفيذ النهارده يا حضرة الضابط؟ مصطفى: -أيوه يا وائل متأكد إن التنفيذ النهارده. روز وياسين هيطلعوا من المستشفى النهارده. يعني ده أنسب وقت للي بعت الرسالة عشان ينفذ تهديده. عشان كده مش عايز عصفور يطير حوالين المستشفى من غير ما تتبعوه فاهمين؟
-فاهمين يا حضرة الضابط. -تهديد إيه ورسالة إيه يا مصطفى؟ التفت خلفه بصدمة ليجد سيف يقف بتوجس مكررا: -سألتك سؤال يا مصطفى!؟ رسالة إيه دي؟! اتكلم!!! لم يجد مصطفى بدا من إخفاء الأمر فأجاب بإستسلام: -فيه حد باعث رسالة تهديد لياسين. مش هو بس. وروَز كمان. سيف بهلع: -يعني روز في خطر؟! مصطفى: -ما تقلقش انت. احنا مسيطرين على الوضع. أنا طالع دلوقتي. خرج مصطفى مسرعا وبقي سيف متوجسا: "يكونش مروان؟ لا...
مروان مش غبي عشان يروح المستشفى". تذكر مكالمة طارق: -قال معقولة كلامه صح؟! يبقى مروان هو اللي اتصل بطارق وقاله!!! عارف إن طارق متهور وممكن يعمل أي حاجة!!! أنا لازم أتصرف. في الصباح. كان يقف أمام تلك العمارة من بعيد يبتسم بإستمتاع وهو يرى النيران المندفعة من ذلك البيت ويتذكر ما حدث. فلاش. -زي ما فهمتك يا أشرف. مش عايزاه يحس بحاجة. انت عارف إنه ثعلب حويط. أشرف:
-ما تقلقش يا بيه. أنا حقنت المنوم في الإزازة زي ما اتفقنا وهأرجع المفتاح لمكانه من غير ما يلاحظ. دخل أشرف الشقة. وبينما انشغل مروان بفتح زجاجة الخمر التي كانت تحتوي على المنوم. دلف إلى المطبخ بعدما أخذ المفاتيح الموضوعة فوق الكومودين. أخذ نسخة منها باستعمال العجينة التي كان يخفيها ثم خرج مسرعا بالكأس بعدما أعاد المفاتيح بخفة في مكانها.
بعد مدة دلف ذلك المبتسم إلى الشقة باستعمال المفتاح الذي حصل عليه عن طريق أشرف. كان مروان يغط في نوم عميق. ربطه بإحكام مع ذلك السرير. فتح كل منافذ الغاز بعدما أغلق كل النوافذ والأبواب بإحكام. أشعل شمعة ووضعها بجواره وخرج وهو يبتسم بانتصار. ابتسم طارق بشماتة: -يعني فكرك هما هيموتوا سوا وأروح أنا في داهية لوحدي. وأنت تطلع منها كسبان؟
لا يا مروان. المرة دي ما حسبتهاش صح. المرة دي انت اللي طلعت غبي لأنك وثقت في أشرف وهو أخلص الناس ليا. أصلا انت سبب كل اللي بيحصل ده. لولاك كان زمان روز معايا دلوقتي. عشان كده كان لازم تسبقهم انت الأول. سبق وقلتلك إن موتك هيبقى على إيدي. يا ابن عمي. غادر المكان بعدما رأى بعينيه تلك الجثة المتفحمة التي أخرجها رجال الإطفاء بعدما تمكنوا أخيرا من إخماد ذلك الحريق المهول. وهكذا كانت نهاية مروان. انطلق
وشرار الحقد يشع من عينيه: -ودلوقتي جي دوركم يا أستاذ. انطلق وهو يتصل: -جاهز؟ مجهول: -من زمان يا بيه. مستني الإشارة بس. طارق: -وأهي وصلت. استعد. هأبعثلك الإحداثيات. مجهول: -تمام يا بيه. اعتبر الموضوع خلص. كان يستعد للخروج. تساعده شيماء بينما يحمل حامد تلك الحقيبة. ومن خلفهم سعدية وطاهر وجلال. كانت تمشي بجوار شيماء تحاول ألا تظهر ألمها كي لا يلاحظ. أوصت شيماء مسبقا أن تأخذ حقيبتها قبل خروجهما بمدة. تلقى مصطفى اتصالا:
-الووو. بتقول إيه؟ يعني لقيتوا جثته؟ -مش متأكدين لسه إنه هو. مشتبهين بس. -حالا تبعث للمعمل الجنائي يعمل تحليل DNA. وأول ما تظهر نتيجة التحاليل تبلغني فوراً. أحمد: -فيه إيه يا حضرة الضابط؟ -الظاهر إن مروان اتحرق جوه بيت مهجور. بس مش متأكدين لسه. أحمد: -يعني أفهم من كده إن الهدف بأمان؟ نقدر ننسحب؟ مصطفى: -لا خليكم. إحنا إيش عرفنا إن هو اللي بعت الرسالة أصلا!
كل شيء كان على ما يرام. عدا ذلك السكوت القاتل الذي طغى على الموقف. ركبا في السيارة معا ومن خلفهما سيارة جلال ومعه سعدية وطاهر. انطلقوا جميعا. في سيارة حامد. لا أحد منهما يجرؤ على النظر في اتجاه الآخر. كانت شيماء تجلس في الأمام بجوار حامد. غير مدركة لتلك العيون التي كانت تلاحقها بغضب. مصطفى: -هو أنا كل ما أشوفها بيكون اللزقة ده معاها؟ أحمد: -حضرة الضابط؟ -الظاهر مفيش أي خطر. مصطفى بشرود: -هااا!! ...
آآآه. بس خلي عربية تتبعهم والباقي أول ما يروحوا تقدروا تاخذوا وضع الراحة. ولا أقولك؟ أنا وانت هنتبعهم. قل للباقي ينسحبوا بهدوء. -أوامرك يا حضرة الضابط. وصلت السيارتين. ترجل كل منهما يجاهد وجعه. وبينما انشغل حامد بركن السيارة وشيماء بحمل الحقيبة. أسرعت نحوه تسنده وتستند عليه في آن واحد. حاول الرفض لكنها تمسكت به بقوة. -أنا أقدر أمشي لوحدي. متشكر. -ما تعاندش يا ياسين. يالا بينا.
خطيا أول خطوتين لقطع الطريق نحو العمارة. قبل أن تأتي سيارة مسرعة لم يعرفا حتى من أين ظهرت. فجأة وقبل أن تصل إليهما بثانية. سمعا صرخة عالية: -ررررووووووز!!! ركض بكل جهده من الاتجاه المعاكس ودفعهم معا نحو الرصيف بسرعة شديدة ليقعا معا ويستقر هو فوق الرصيف بعدما صدمته السيارة بشدة وفرت مسرعة. ارتطم رأسه بقوة مع الرصيف وصرخت روز بقوة: -سيييييف!!!! لم تكن سوى ثوان فقط. وانتهى كل شيء!!!
نهضت بألم واتجهت نحوه وتبعها ياسين والباقين بخوف على حالتهما. وصل مصطفى في تلك اللحظة واندفع برعب وهو يرى شقيقه الغارق في دمائه: -سييييييف!!!! هرع مرتميا على الطريق يحتضنه وهو يبكي بحرقة: -ليه بس يا سيف لييييه يا قلب أخووك!!! ليه عملت كده! روز ببكاء ممتزج برعب: -سيف!!! إيه اللي انت عملته ده يا سيف!! رد عليا... يا سيف! سرعان ما تجمع حولهما جمع من الناس بعد أن اتصل أحدهم بالإسعاف فور رؤية الحادثة.
كان مضرجا بالدماء. رأسه ينزف بشدة ومع ذلك يبتسم بوجع: -الحيااااه... ما له... هاش أي... مع... نى.. من غي... رك... يا... رو... ز... مصطفى: -قاوم يا قلب أخوك عشان خاطري قاوم لحد ما توصل الإسعاف. سيف لمصطفى: -ط. طااارق. ... اللي عم.. ملها.. مش ..مر..وااان. نظر إلى ياسين وهو يحاول التقاط أنفاسه وتجميع الحروف بصعوبة بالغة: -اا... او... عه... تت... خلى... عنها... لو ما كاا. نتش بتح.... بببك... ما تت... برعش... ب...
حتتة ممنها... ع... عشااان تن... تن قذك... من... المو... للأسف فارق الحياة قبل أن يكملها. انهار مصطفى يضمه إليه وهو يبكي بحرقة وصرخت روز بشدة بينما صعق ياسين لما سمعه للتو. كان ينظر بجمود إلى جلال وشيماء وسعدية الذين لم يستطيعوا التفوه بكلمة. روز بانهيار: -لالاااا.... سيف!!!!! أوْعة تموووووت لااااا ارجوووك أفتح عينيك!!
وصلت الإسعاف بسرعة على غير العادة وبعدما تأكدوا من عدم وجود أي نبض حملوه في كيس للجثث تحت أنظار الجميع وصدمتهم وخصوصا ياسين الذي لم يتحرك من مكانه ينظر بجمود لا يستطيع الحركة أو النطق. بقيت روز مكانها قابعة وسط تلك الدماء. ترفض تصديق ذلك. تهز رأسها بجنون. -لااااا سيبوووه واخذينه على فين؟ سيف ما ماتش لالا مش ممكن يموووت. ما تعمل حاجة يا مصطفى!!
تبع مصطفى وأحمد سيارة الإسعاف. بينما أمسكتها شيماء وسعدية تحاولان تهدئتها وقد أسنداها كي تقف بصعوبة. لم يعد هناك داع للكذب أكثر فقد انكشف كل شيء. فردفت سعدية بحزن: -بس يا ضناي ما تعمليش في نفسك أكده انتي لسه عيانة جرحك عيتفتح!! وهو ربنا يرحمه. شيماء: -أمي عندها حق يالا يا حبيبتي تطلعي ترتاحي. روز بانهيار: -مش عايزة أرتاح. سيبووني اموووت. ضحى بنفسه عشاننا يا شيمااااااء!!
مات عشان احنا نعييييش. أنا السبب في كل ده أنا... أنااااا... يا ريتني أنا اللي متت. أنا مش بجيب غير الوجع لكل اللي بيحبني. مش عايزة ارتااااح. مش عااا.... في لحظة فقدت كل قوتها وقدرتها على تحمل الموقف. فسقطت مغشي عليها.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!