تذرف دمعات القهر كعادتها كل ليلة منذ رحيل والدها. تجلس في ركن بعيد داخل حديقة المنزل الواسعة منعزلة عن البقية، تحيا حزنها الدفين لوحدها بعيدًا عنهم. انتفضت بفزع وهي تراه يجاورها دون مقدمات. "ماذا تفعل أنت؟! هدرت به وهي تكفكف عبراتها بسرعة خشية أن يراها، لكنه رآها بالفعل. "متى ستتوقفين عن البكاء؟! "لا شأن لك... صاحت به بنزق، ليهتف بضيق: "توقفي يا يُسر... تنهدت قبلما تتساءل بصوت متعب: "ماذا تريد يا مؤيد؟! رد بجدية:
"مرت ثلاثة أشهر على رحيل عمي وأنت كما أنتِ، تعتزلين الجميع ولا تتوقفين عن البكاء، متجاهلة كل شيء يدور حولك، متناسية أن دراستك بدأت منذ عشرة أيام... قاطعته بضيق: "أنا أذاكر دروسي و... قاطعها معترضًا: "أنتِ كاذبة يا يُسر... أضاف بجدية: "عمي لن يكون سعيدًا وهو يراكِ على هذا الحال، ووالدتك لا تستحق منك هذا... عادت العبرات تملأ عينيها عندما هتفت بصعوبة: "ليس بيدي... أنا لا أستطيع تقبل رحيله...
اشتقت له كثيرًا ولا أعرف كيف سأحيا بدونه... تنهد بصمت، ثم قبض على كفها يخبرها بصدق: "لا بأس يا يُسر... أعلم مدى صعوبة تقبل رحيله عنكِ... أساسًا جميعنا لم نستوعب رحيله عنا بعد، ولكن الحياة لا تتوقف هنا... نحن مجبرون على الاستمرار وتجاوز أحزاننا لأجلنا أولًا ولأجل من حولنا... "معك حق... تمتمت بها بخفوت، ليشدد من قبضته على كفها وهو يخبرها بجدية: "عديني أن تتوقفي عما تفعلينه وتنتبهي لدراستك ومستقبلك...
لم تتفاعل مع حديثه، فصاح بنبرة محذرة: "عديني يا يُسر... "أعدك... همست بها بخفوت، عندما نهض من مكانه ومد كفه نحوها يخبرها: "والآن تعالي معي لنتناول العشاء ثم ندرس امتحان الكيمياء سويًا... نهضت من مكانها تردد بدهشة: "وأنت أيضًا لديك امتحان كيمياء الأحد القادم؟! جاورها في سيرها وهو يجيب: "يوم الأربعاء، لكنني أود مذاكرته معك... "حسنًا...
تمتمت بها وهي تدلف إلى المنزل، يتبعها هو، حيث اجتمعت العائلة بأكملها لتناول العشاء، وقد جاورها مؤيد في جلستها، وكان حريصًا أن يجبرها على تناول الكثير من الطعام، حيث يضع الطعام في صحنها بين الحين والآخر. *** بعد مرور عامين... يقف مستندًا بظهره على حائط المدرسة ينتظر خروجها، فهو كعادته خرج مبكرًا من الامتحان، بينما هي كالعادة لا تخرج قبلما ينتهي الوقت المحدد للامتحان. تابع زميلاتها وهن يخرجن من المدرسة، ليتأفف
بضيق وهو ينظر إلى ساعته: "هيا يا يُسر... سأموت من الحر... بعد حوالي عشر دقائق غادرت بملامحها المرهقة نتيجة سهرهما سويًا طوال الليل يذاكران مادة الامتحان سويًا. "تأخرت كالعادة... قالها بتذمر، وهو يضيف بتهكم: "ألا يمكنكِ أن تتنازلي قليلًا وترضي بدرجة ٩٩ بدلاً من المئة؟! "توقف عن سخريتك... قالتها وهي ترمي بالمحاضرات عليه، ليلتقطها بسرعة، بينما تضيف بوجوم: "على الأقل أظهر القليل من الاهتمام بمعرفة كيف كان جوابي...
"الأسئلة كانت صعبة جدًا... لن تتجاوز درجتي السبعين... قالها بخفة، لتهتف بدورها بضيق: "وأنا لدي فرع كامل خطأ عليه أربع درجات... طالعها بدهشة وهو يردد بعدم تصديق: "تتذمرين لأجل أربع درجات بينما أنا سأطير فرحًا لأن درجتي لن تقل عن سبعين درجة... هزت كتفيها تخبره ببساطة: "أنا أطمح لمجموع عالٍ بينما أنت لا تريد سوى النجاح... "نعم، فأنت تريدين أن تكوني طبيبة... قالها ساخرًا، لترفع حاجبها مرددة: "ألا يليق بي أن أكون طبيبة؟!
"بل وحدكِ من يليق بها هذا... قالها بصدق، وهو يضيف بينما يحاوط كتفيها بذراعه: "والآن دعنا نتناول المثلجات قبل عودتنا للمنزل... تنهدت وهي تردد ببسمة رائقة: "تبقى امتحان واحد ونتحرر من هم الدراسة... وافقها بسعادة: "ونغادر المدرسة بلا رجعة... *** بعد مرور أربعة أعوام... تقدمت نحوهما وهي تردد بمرح: "عصفورا الحب، ماذا تفعلان؟! ضحكت الفتاة وهي تنهض من مكانها مرحبة بها، تعانقها بمحبة، بينما هتف هو بتجهم مصطنع:
"أهلًا بالآنسة يُسر... سارعت تجلس بينهما، ليهتف هو متذمرًا: "ماذا تفعلين هنا؟! أضاف وهو يدفعها عن قصد: "ابتعدي عني... جواري في البيت وفي الجامعة وفي كل مكان... ضربته على كتفه وهي تردد: "سأبقى جوارك وأنت لن تعترض... أضافت تشير للفتاة التي تضحك على مشاغبتهما: "ما رأيك أنتِ يا هويدا... هل ترين بنفسك كيف يضايقه وجودي؟! أضافت تطالعه بحنق: "أيها المغرور... كيف تنسى المعروف بهذه السرعة...
لم تمر أربعة وعشرون ساعة على طبق المعكرونة الذي أعددته لك وتناولته كاملًا أيها المفجوع... ضحكت هويدا وهي تخبره: "لا أصدق كم أنك ناكر للمعروف يا مؤيد... قالت يُسر تصطنع التذمر: "لا يتركني وشأني يا هويدا... إنه متطلب للغاية... طلباته لا تنتهي... لا يراعي حتى انشغالي في الدراسة... تخيلي الأسبوع السابق أيقظني من نومي يطلب مني إعداد الشاي له... هل تصدقين ذلك؟! "ماذا كنت سأفعل وأنا أشتهي الشاي... لا يمكنني إيقاظ غيرك...
قالها ببساطة، لتهدر بحنق: "لديك والدتك وشقيقتك، لكنك كالعادة لا يحلو لكَ الشيء إلا من يدي... "ألا يكفي إنه كان محروقًا؟! "ومالذي أجبرك على تناوله؟! سألته بخفة، ليهتف ببرود: "لم أشأ إحراجك... هتفت هويدا وهي تبتسم بخفة: "حسنًا توقفا عن الشجار... لا يمكن أن تجتمعا دون أن تتشاجرا... "كان الله في عونك يا هويدا... كيف ستتزوجين منه لا أعلم..؟! هتف مؤيد وهو يبتسم بحب لهويدا: "هل تعتقدين إنني سأعامل هويدا مثلك...
أقسم لكِ إنني سأدَلِّلُها بل وأصنع لها الشاي بنفسي... ضربته يُسر على كتفه وهي تصيح به: "منافق... تأوه بصمت، لتنهض يُسر مرددة: "هل نغادر... سنتأخر على موعد الغداء... "سأوصل هويدا أولًا... قالها مؤيد لها، لتتقدم أمامهما وهي تردد: "لنذهب بسرعة إذا، فأنا سأموت من الجوع... *** اجتمعت العائلة بأكملها على مائدة الطعام.
يجلس والد مؤيد مترأسًا المائدة كعادته، تجاوره زوجته، وقبالها تجلس زوجة شقيقه الراحل، والدة يُسر، تحاورها ابنتها ومؤيد. بينما تجلس قبالهما بجانب والدته شقيقته مؤيد، نهى. بدأ الجميع يتناول طعامه بصمت، قطعته والدة مؤيد السيدة هناء وهي تخبر زوجها والبقية: "لقد اتصلت بي اليوم هدى ابنة عمك يا عاصم... "حقًا..؟! وماذا أرادت..؟! سألها عاصم باهتمام، لتجيبه وهي تبتسم: "تريد خطبة يُسر لولدها...
كادت أن تغص يُسر في لقمَتها، عندما سارع مؤيد يمد يده بقدح الماء لها، لتتناوله منه سريعًا، بينما سيطرت الدهشة على البقية.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!