بعد مرور وقت ليس بقصير، ترجلت من السيارة بعد أن دفعت النقود للسائق، ولجت المحطة وسألت عن موعد أول قطار يعود إلى القاهرة. علمت أنه سيأتي بعد نصف ساعة تقريبًا، جلست على الأريكة الرخامية تنتظره. على الجانب الآخر من نفس المدينة، كان "عمران" يبحث عنها في كل مكان. جلس على حافة السرير متسائلاً بنبرة متعجبة: -راحت فين ديه دلوجه؟
التقط هاتفه من على الكومود، تراقصت أنامله على لوحة المفاتيح، ثم رفعه على أذنه. سرعان ما أتاه الرد، قاطعها بلهفة: -فينك يا جنه؟ ردي عليّ، مصر ودلوجه كيف ديه، جنه عاودي اللي بتعملي ديه غلط، ماشي يا جنه اللي يعجبك اعمليه سلام.
ألقى هاتفه بغضب وغيظ شديدين. للمرة الثانية تتركه دون أن تتحدث. كيف لها أن تفعل ما يحلو لها. كاد أن يهاتفها لكنه عدل عن الفكرة في آخر لحظة. نهض عن الفراش بخطواته الواسعة والسريعة، لا يعرف إلى أين، لكن من المؤكد أنها أتت بباله هذه اللحظة تحديدًا. قاد سيارته في الطرقات يبحث عنها بين المارة. نسى تمامًا أنها أخبرته بعودتها إلى القاهرة. غير مساره وذهب إلى محطة القطار، ود لو يصل قبل رحيلها، لكن كما يقولون دائمًا: "ليس كل ما يتمناه المرء يدركه".
وصل أخيرًا إلى المحطة. ولج بخطوات أشبه بالركض وسأل عن القطار المنشود. هرول سريعًا قبل أن يتحرك، لكنه تحرك بالفعل. كانت تقف على بابه تراه ويرآها. أشار بيده لتقف ولوحت هي بيدها لتبتعد عنه. هنا فقط أطلقت العنان لدموعها. هنا فقط انشطر قلبها لنصفين. ولجت وجلست على المقعد في انتظار قرارات جديدة لكلاهما. عاد إلى بيته بدونها وعادت إلى القاهرة تاركة قلبها له. الندم وحده لا يكفي حتى تمحى أخطاؤها.
وبعد مرور عدة ساعات، كانت تقرع ناقوس شقتها. فتحت لها "بدور". استقبلتها فاتحة ذراعيها لها، ضمتها لحضنها ومسحت على ظهرها. كفكفت دموعها وتجاوزتها لتلج الشقة. جلست على الأريكة. أتت لها بقدح من الليمون وضعته بين راحتيها وقالت بحنو وحب: -خُدي يا حبيبتي اشربي وهدي نفسك. أومأت بالنفي قائلة بنبرة محشرجة: -مش عاوزة حاجة يا بدور. -عشان خاطري خُدي خلي يهديكي شوية. ارتشفت منه رشفات ثم وضعته على سطح المنضدة. سألتها "بدور" بلهفة:
-إيه اللي حصل وإيه اللي وصل الموضوع للطلاق؟ بدأت تسرد لها ما حدث. كانت "بدور" تتفاجأ بما فعلته حتى توقفت فجأة وراحت تقول بمرارة: -أنا اللي تعبني إن واخد عني فكرة وحشة، أنا عمري ما كنت وحشة يا بدور، أنا مظلومة، أنا عملت كدا من قلة حيلتي. سحبتها "بدور" لحضنها مربتة على رأسها وقالت بعتاب قائلة: -ليه يا جنه ليه تخلي ياخد عنك فكرة وحشة؟ ليه محاولتيش تحلي الموضوع وتعرفي إن جدك نعمان السبب؟ ردت بصراخ قائلة: -أقول له إيه؟
أقول له إن جدي ناوي يقتلك مجرد ما سليم يتجوز اختك؟ ولا أقل له إن كان لازم أعمل كل دا عشان أطلق وأرجع لجدي نعمان وأحافظ على حياتك؟ ردت "بدور" بحنو قائلة: -بس أنتي كدا في نظره واحدة مش كويسة، حرام عليكي تظلمي نفسك. ردت بمرارة في حلقها: -أنا مش مهم عندي، أنا المهم هو يفضل عايش. قاطعتها "بدور" بنبرة متعجبة قائلة: -اللي مش فاهمه لحد دلوقتي ليه جدك أيوب يقول كدا، وإنتي معملتيش حاجة من دي. كفكفت "جنه" دموعها وقالت:
-عشان فعلاً طلب مني كدا، بس أنا معملتش كدا. حسيت نفسي هبقى رخيصة قوي في نظري نفسي. خليته يصدق إن فعلاً بعت رسالة لسليم ولحسن الحظ كان في عين لجدي نعمان بترصد بيت جدي أيوب وهي وصلت لهم كل دا وهو صدق إن أنا اللي عملت كدا. بعدها بدأت أنقل أخبار بالغلط مش هتفيده في حاجة. بلعت غصتها وراحت تقول بقهر: -لحد ما جدي هددني يا إما أطلق من عمران وأرجع له، يا إما أبقى أرملة. فقررت أعيش مطلقة بدل ما أعيش أرملة. تابعت بمرارة قائلة:
-وبعد ما اخترت راح طلب نرجس لسليم. أنا مش عارفة هو بيعمل كدا، قلبي موجوع قوي. ضمتها لحضنها مرة ثانية وراحت تقول بحنو: -ربك مش هيسيب حقك كدا أبدًا، ربنا ينتقم منهم الاتنين. -قلبي موجوع قوي يا بدور، أنا ماشفتش منه حاجة وحشة وهو اتوجع بسببي. -أنا هكلم عمران وهاحكي له كل حاجة. -لأ، أوعي تعملي كدا، خلي عايش بعيد عني وواخد فكرة وحشة عني أحسن ما يروح مني خالص. -يعني عجبك قلبك الموجوع دا؟
-أنا مش مهم، المهم هو يفضل عايش، أبوس إيدك يا بدور أوعي تعملي كدا، ماتدمريش اللي عملته. ردت "بدور" باستسلام: -حاضر يا جنه وربنا يعينك على اللي أنتي فيه. وقفت عن الأريكة وقالت بإنهاك: -أنا تعبانة ومحتاجة أرتاح شوية. أومأت برأسها علامة الموافقة ثم قالت بهدوء: -روحي يا حبيبتي ارتاحي. تنهدت بعمق وهي تحدث نفسها بعتاب ولوم: -ليه بس يا جنه ليه توجعي قلبك بنفسك. قاطعها صدح رنين هاتفها. نظرت إليه وجدت "حذيفة". ضغطت على
زر الإجابة وقالت بخفوت: -الو. وعليكم السلام، أنا الحمد لله، إنت إيه أخبارك وخورشيد عامل إيه؟ طب الحمد لله. لأ معلش مش هينفع نخرج النهاردة، جنه جت النهاردة ولازم أكون معاها الفترة دي، في شوية مشاكل كدا بينها وبين عمران وربنا يعديها على خير. لالا يا حذيفة متتكلموش معلش دلوقتي، سيبهم يمكن يحلوها هما مع بعض. تمام، مع السلام وإنت كمان خلي بالك من نفسك.
انتهت من مكالمتها اليومية مع "حذيفة". بدأ يتقرب منها منذ ذلك اليوم، دائماً تجده بجانبها. بدأ يلمح لها بطريقة غير مباشرة عن اعتياده على وجودها في حياته. تمنت أن يكن صادقاً في مشاعره تجاهها وأن ما تفكر فيه يكن بعيداً تمام البعد عنه.
وفي الصعيد، كان الأمر يختلف تماماً، كان يدمر كل ما يقابله. انقلبت الغرفة رأساً على عقب. حاول جده ووالده معرفة السبب الذي تسبب في حالته تلك، لكن قرر الاحتفاظ به. خرج من البيت ونيران الغيظ والغضب تملئ صدره وقلبه. قاد سيارته إلى بيت "نعمان السيوفي". وقف وسط البهو وهدر بصوته مرتفع قائلاً: -نعمــــــان يا سيوفـــي. اتدلى اهني. هبط "نعمان" بهيبته ووقاره وهو يقول بسخرية: -كن نعمان السيوفي ديه واطي صغير معاك يا واد الهواري.
رد مقاطعاً بغضب شديد وهو يُلقي بمصوغات أخته أرضاً: -خد دهاباتك واد ولدك اهي، معندناش بنات للچواز. جلس "نعمان" على الأريكة ثم وضع يده المعقودتان على عكازه. رفع بصره إلى "عمران" وقال بهدوء حد الاستفزاز: -تعرف يا عمران لو حد غيرك اللي عمل المهرجان ديه كان زمانه دلوقت مدفون مطرحك، بس كرامة لعيونها هعديها. تابعت بتذكر قائلاً: -إلا هي فين صُح؟ اتوحشتها جوي. ولج "سليم" وهو يفتح ذراعه وقال بترحاب شديد:
-ياهلا ياهلا الداكتور عمران عندنا بنفسه. تابع بنبرة متعجبة: -اومال فينها جنه؟ -بت عمك طالق يا سليم. أردف "عمران" جملته دون أدنى تفكير منه، ضرب بكل ذكرياتهم ووعوده عرض الحائط. بينما اتسعت حدقتا "سليم" و"جميلة". قاطعه وقال بغضب: -ليه كِده يا واد الحلال؟ كانت عملت لك إيه بس؟ لا إله إلا الله، اهدأ كِده. رد الجد بهدوء حد الاستفزاز ممزوج بسعادة:
-المركب اللي تودي، والله البت هي الكسبانة. تلت شهور وهجوزها سيد سيدك، قمان هي متستاهلش واحد زيك جليل ربايه. احتضن "سليم" "عمران" محاولاً دفعه للخارج ليتحدث معه بهدوء. أجبره على الخروج من البيت بسيارته. قادها إلى مكانهم المفضل منذ الصغر. صف سيارته وقال بجدية: -إيه جلب حالك كِده؟ وطلاق إيه بس اللي إنت طلقته ديه؟ ذنبها إيه البت؟ رد "عمران" بحدة وهو يضرب بكفه على السيارة:
-ذنبها إنها ملعونة، كيف الحية بتتلون بميت لون. مش هو ديه اللي جدك عاوزاه؟ اهي عنده يشبع بيها. -إنت كِده فتحت بحور دم ملهاش آخر، يا أخي بتفكر إزاي؟ عقلك كان فين وجتها؟ -سليم خلاص خلصنا، بتكم عندكم وبتنا عندنا ومافيش جواز وخلينا زي ما إحنا كِده. -أني مش هرد عليك دلوقت عشان عصبيتك ديه. تابع بحزن: -فين جنه دلوقت؟ خلينا نصلحوا اللي خربته ديه.
دس "سليم" يده في جيب سترته ليخرج هاتفه. تراقصت أنامله على لوحة المفاتيح ثم رفعه على أذنه في انتظار رد الجهة الأخرى. رد بلهفة قائلاً: -أيوه يا جنه، فينك؟ مصر. جذب "عمران" منه الهاتف ودمر ما تبقى بينه وبينها قائلاً بحدة وغضب: -أني طلجتك يا جنه واللي بيني وبينك خلاص. ورقتك هتوصل خلال أيام. وشك ديه عاوزة حتى أتخيله. جذب "سليم" منه الهاتف وراح يقول بحزن: -جنه، اجفلي دلوقت، الو الو يا جنه ردي عليّ. نظر
إلى هاتفه وراح يقول بحزن: -لا إله إلا الله، البت وجعت من طولها. رد "عمران" بغضب: -ولا تطلع روحها حتى، جليلة. -ليه الحقد ديه؟ عملت إيه لديه كلتاه؟ تركه قبل أن يجيب على سؤاله. عاد لبيته وعلم الجميع بما حدث. وقف "الجد" عن مقعده قائلاً بحده: -إنت خابر عملت إيه؟ رد بجمود دون أن ينظر إليه: -خابر زين. دب الجد بعصاه الأرض في حدة وغضب وهو يقول: -تبجى اتجننت يا دكتور. قاطعه "عمران" لأول مرة بذاته بصوته الغاضب قائلاً
بنبرة لا تقبل النقاش: -لو فاهم إن أني عمران الأهبل اللي هيضحك عليه بكلمتين، تبجى غلطان يا جدي، أني اللي هتجوز جميلة مش كرم. -وجنة مرتك مش هتردها؟ -طلجتها خلاص. -متى ديه حصل؟ -من ساعة. -وه كن جلبك مش في صدرك يا واطي وأنت داير تجوز وتطلق على هواك كِده. رد "عمران" ساخراً: -زي ماكنش عجلكم في دماغكم لما خليتوها تلعب بيا. بكرا هتجوز جميلة.
لم يكتراث الجد لقرار "عمران" الذي انتابه حالة من الغضب الواضح، وبدلًا من أن يهدأ من غضبه ابتسم بداخله ما أن علم أن حفيده لن يبقى وحيداً. رأى ما فعله هو الصواب، لابد من الزواج من إحدى أحفاد السيوفي "جنه أو جميلة"، لا فرق. الفرق الوحيد الذي سيشعر به هو بقاء حفيده وحيداً وهذا سيجعل "عائلة الهواري" مهددة دائماً، فقرر أن يكمل زيجة "نرجس" رغم أنف "عمران". أما "كرم وجميلة" فنجح كلاهما في فرض قراراتهم وعدم الزواج.
كان الجد "نعمان" يرى أن لا مانع في الرضوخ لرغبتها طالما حقق هدفه الأول. بقى "سليم" إذا وافق على أمره فقد فاز بكل شيء في جولة واحدة. لم يفكر أحداهم في تلك المسكينة التي تركت كل شيء وبقت وحيدة كسابق عهدها، لكن مع جرح غائر بقلبها. *** في مساء اليوم التالي. كان الجد "نعمان" يخبر "جميلة" بطلب عمران المفاجئ. كانت تستمع له وكأنها أعجوبة من عجائب الزمن. ابتسمت وهي تتساءل بنرة متعجبة:
-يا جدي إني رايدك تجول الحج عمران جال لك بعظمة لسانه إنه رايدني في داره قبل الشهر ما يهل؟ أجابها الجد بجدية وهو يستند بذقنه على ظهر يده المعقودة: -أومال يعني إني اللي رحت وحبيت على يده؟ ردت متسائلة بفضول: -طب وجنة؟ رد على سؤالها بسؤال آخر: -مالها؟ -هتجول إيه؟ رد بإبتسامة ماكرة: -جالت مبروك. -هي عرفت؟ رد بوعيد: -أيوه عرفت وجاية بس مش دلوقت. تابع بجدية وهو يتنحنح: -اطلعي يلا وجهزي حالك عشان عمران هايجي يتقدم. -جاي متى؟
-قمان ساعة. -اجهزى. -أنا خلاص جاهزة يا جدي. صعدت "جميلة" إلى حجرتها استعداداً لمقابلة "عمران". كانت تنظر إلى صورتها المنعكسة في المرآة برضاء تام. انتشلتها الخادمة من بئر أفكارها ما إن أخبرتها بأن جدها يريدها لتقابل زوجها المستقبلي. تنهدت بعمق ثم قالت بإبتسامة خفيفة: -حاضر جاية أهو. هبطت الدرج بثقة حد الغرور. كلما اقتربت من غرفة الضيوف زادت خفقات قلبها.
طرقات خفيفة ثم ولجت بعدها. صافحته وجلست جوار جدها الذي جلس يستمع إلى "عمران" بصدر رحب على عكس عادته. وقف عن مقعده ما إن أتته الخادمة تخبره بوصول شخص ما. اتسعت إبتسامته لسماعه اسمه. غادر وترك حفيدته تأجج نيران الغيظ والغضب داخل ذاك الأبله الذي نعتته ما إن قال لها: -إني رايد أتزوجك يا جنه. ردت باسمة: -وإيه قمان؟ تنحنح وهو يقول بكذب: -خابر يا جنه إنك بتحبيني وخابر قمان إن جلبك متشعلج فيا وأني رايد. ردت مقاطعة بمرارة:
-إني موافقة يا عمران بس عندي شرط واحد وبعدها هوافق فعلاً. -إيه هو؟ -تنسى إن اللي قاعدة جنبك ديه إنها مش جنه. رد بسرعة قائلاً موضحاً: -لاه لاه، إني خابر إنك جنه. صمت برهة بعد أن نطق بإسمها بالخطأ. ابتسمت بمرارة: -إني جميلة مش جنه. كاد أن يتحدث لكنها قاطعته قائلة بجدية: -قبل ما تفكر في الانتظام، فكر مين هو جدي وجدك. وفكر زين ليه جنه جالت كِده؟ سألها بعدم فهم قائلاً: -قصدك إيه؟ أجابته بجدية:
-قصدي إن مافيش دخان من غير نار، وإن جنه مستحيل تبيعك عشان فلوس ولا أرض. هي كِده ولا كِده هتاخدهم. وحتى لو ماخدتش حاجة واصل، كان كفاية عليها إنت. وقفت عن مقعدها وقالت بحزن شديد:
-مقانك مش هنا يا عمران، مقانك المفروضِ عندك هناك. تفهم منها ليه عملت كِده. إنت لسه بتحبها بس مصدوم مش قادر تصدق. غدرها مش إني اللي آخد واحد مدبوح هيفوق بين يومين ولا تلاته وأبقى بالنسبة له نزوة، ويبجى قدامه حل من اتنين، يا إما يتجوز وهو مضطر عشان شكله، يا إما أجهر واحدة ماعملتش حاجة ليا غير إنها اتظلمت بين جدي وجدك.
جوم يا عمران دور على الحقيقة وأعرف مراتك عملت كِده ليه، وخليك متأكد إن جدي نعمان من مصلحته إنكم تسيبوا بعض، وجدك أيوب مصلحته إنك تتجوز أي مننا سوى أنا ولا جنه، المهم بحور الدم ما تفتحش تاني واصل. ياخسارة يا عمران طلعت غبي عكس ما كنت أتخيل. يمكن لو جيتني قبل كل اللي حصل ديه كنت هبقى أسعد واحدة في الدنيا. أما دلوقت إني أسعد واحدة في الدنيا. امشي يا عمران امشي ودور مراتك. يتبع
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!