تحميل رواية لتحيا نيران العشق بقلم هدى زايد pdf
بقلم هدى زايد
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
عائلة الهواري أيوب الهواري: كبير عائلة الهواري، تجاوز السبعين عامًا. نرجس الهواري: زوجة أيوب، تجاوزت الستين عامًا. عاشت أميرة في بيت أبيها وملكة في بيتها. فضل الهواري: ابن أيوب الأكبر، يبلغ من العمر خمسين عامًا. متزوج ولديه ثلاث أبناء. عمران الهواري: شاب يبلغ من العمر 30 عامًا، يعمل طبيب أطفال. لم يتزوج حتى الآن. كرم الهواري: شاب في 28 من عمره، تخرج من كلية الهندسة. خطب ابنة خاله. نرجس الهواري: أصغر أبناء فضل، تبلغ من العمر 25 عامًا. تخرجت من كلية التجارة. عائلة السيوفي نعمان السيوفي: كبير عائلة...
رواية لتحيا نيران العشق الفصل الأول 1 - بقلم هدى زايد
عائلة الهواري
أيوب الهواري: كبير عائلة الهواري، تجاوز السبعين عامًا.
نرجس الهواري: زوجة أيوب، تجاوزت الستين عامًا. عاشت أميرة في بيت أبيها وملكة في بيتها.
فضل الهواري: ابن أيوب الأكبر، يبلغ من العمر خمسين عامًا. متزوج ولديه ثلاث أبناء.
عمران الهواري: شاب يبلغ من العمر 30 عامًا، يعمل طبيب أطفال. لم يتزوج حتى الآن.
كرم الهواري: شاب في 28 من عمره، تخرج من كلية الهندسة. خطب ابنة خاله.
نرجس الهواري: أصغر أبناء فضل، تبلغ من العمر 25 عامًا. تخرجت من كلية التجارة.
عائلة السيوفي
نعمان السيوفي: كبير عائلة السيوفي وعمدة البلدة، تجاوز السبعون.
جلال: الابن الأكبر لنعمان، متزوج من امرأتين.
سليم السيوفي: شاب يبلغ 30 عامًا، يعمل طبيب جراحة.
جميلة السيوفي: ابنة جلال الوحيدة، تبلغ الثلاثون من عمرها، تعمل طبيبة نساء وتوليد.
جنة السيوفي: فتاة تبلغ من العمر الخامسة والعشرون، تعيش في مكان لا يعلمه أحد.
الفصل الأول
قام بإشعال قدحته وحرقه، وما إن تأكد أنه تحول لرماد، خرج من غرفة المكتب متكئًا على عكازه. صعد إلى غرفة نومه ليخرج ثوبًا طال انتظاره في الخزانة.
خرج من غرفته وهو يهتف باسم حفيده. صوته يجلجل المكان.
"يا عمران."
"أوامر يا جدي."
"عاوز البلد كلها تفرح وياي بكرا، هتيجي عروسة البلد."
لطمت زوجته بيدها على صدرها وصرخت:
"تتچوز!! إنت بتقول إيه يا أيوب هتتچوز عليّ؟"
تجاهل سؤالها وتابع حديثه:
"عمران كلم الطباخ ياجي من دلوقتي، وإنت يا كرم ادبح خمس عجول وعرف البلد كلها إن الكبير هيتچوز بكرا."
رد كرم ممازحًا:
"يا جدي هتتچوز جبلي، طب جوزني الأول، ولا العروسة الجديدة هتاخدك مننا؟"
بتر حديثه بحدة:
"اِقفل خشمك وإنت بتتكلم معايا، متنساش إني جدك، واللي بتتكلم عليها دي مرات الكبير، واللي يحترمها كانه احترمني."
سقطت الجدة أرضًا ما إن ختم الجد حديثه.
"أنا هروح أجيب عروستي وراجع."
"دلوقتي يا أيوب!! فجأة كده؟ طب ليه بعد العمر ده؟"
للمرة الثانية تجاهل حديثها وتابع بجدية:
"عاوز لما أرجع، الأوضة اللي جار أوضتي تكون جاهزة للعروسة."
قاطعته الحاجة نرجس:
"عاوز تتچوز إنت حر، بس متتچوزش على فرشة بتي، حد الله لا يحصل ولا يكون."
احتضن عمران جدته:
"اهدي يا ستي اهدي، صحتك مش كده."
"عمران تعال هنا خلينا نتحركوا قبل الشمس ما تطلع."
غادر الجد البيت، استقل سيارة عمران.
"اطلع يا دكتور، المشوار ده بقاله كتير جوي ناطرته."
"يا جدي، أنا مفهمش حاجة واصل، فهمني ينوبك فيا ثواب."
"هتفهم بس مش دلوقتي، بعدين أبقى أفهمك. المهم، دلوقتي خلي عينك وسط راسك، وأوعاك تتكلم مع حد في اللي هيحصل في المشوار ده. عاوزك أعمى وأخرس وأطرش، ينفع ولا لأ؟"
قام عمران بتشغيل سيارته.
في القاهرة الكبرى، حيث المناطق العشوائية، تقطن فتاة تُدعى "جنة السيوفي".
كانت جالسة بين النسوة ترتدي ثيابًا سوداء.
"بكرة أول أيام عيد الفطر المبارك، لكنه عيد الحزن بالنسبة لها."
بدأت النساء تغادر المكان. بقيت معها صديقتها "بدور".
افترشت الفراش بجسدها ثم أرخت جفنيها لتغوص في نوم عميق.
ولجت صديقتها لتخبرها بإتمام عملية التنظيف. وجدتها في عالم آخر.
مازالت تخبر الجميع أنها لا تعرف كيف مات.
مرت السويعات الأخيرة من الليل. أشرقت الشمس بنورها.
"جنة اصحي، شكل في ناس جاية تعزي."
"مين ده اللي هيجي أول يوم العيد يا بدور؟ شكلك بتحلمي، نامي نامي."
"شفتي؟ أديني مكنتش بحلم أهو. أنا هقوم أفتح لهم وأدخلهم، وإنتي ابقي تعالي ورايا."
نهضت بدور عن الفراش متجه نحو باب المنزل. وجدت رجلاً مسنًا وشابًا.
"إنتي جنة السيوفي؟"
"لأ، مش أنا. جنة جوه."
"طب ينفع ندخلوا ولا لأ يا بنتي؟"
"طبعًا طبعًا، أنا آسفة. نسيت نفسي، اتفضلوا."
ولج الجد وخلفه الحفيد.
"الدكتور عمران، حفيدي الكبير وولد خالك يا جنة."
"أهلًا وسهلًا، تشرفت يا دكتور عمران."
"المرسال اللي بعتيه لي قال إنك عاوزة تعاودي البلد، صح الكلام ده؟"
"أيوه صح يا جدي، أنا خلاص مبقاش ليا حد هنا. لو حضرتك مش عاوزني أرجع البلد..."
"إيه يا جنتي ده كلام؟ إزاي يعني ما عاوزش بت بنتي تنور داري وبلدي وبلدها كمان."
"خلاص يا جدي، خدني معاك."
"طب يا بنتي اسمعيني زين."
"عشان تدخلي البلد، ما تدخلِيش عادي كده."
"امال هدخل إزاي يا جدي؟"
"هتدخلي عروسة الدكتور عمران."
"عمران مين؟"
"عمران حفيدي وولد خالك."
"جدي، مش وقت هزار دلوقتي. بقول لحضرتك عاوزة أرجع البلد."
"وأنا بقول لك عشان تدخلي البلد، لازمنا نكوني مرات عمران."
"خط الصعيد هو، وهايحميني مثلا؟"
"لأ، بس لو رحتي البلد، هنقول لهم إيه ده؟ جنة بنت ولدك يا حاج نعمان. وساعتها هيقولوا إننا قتلنا أبوكي صح. وجدي، من فضلك كلمني بصراحة ووضوح. إيه اللي هيخلي جدي نعمان يفكر كده، وبابا ميت في حادثة عربية زي ما بتقول؟"
"والله العظيم يا بنتي، أبوكي ميت في حادثة صح، بس جدك دماغه أنشف من الحجر الصلب. إزاي هيتقبل إن ولده ميت صح، مش مقتول؟ لو رجعتي على إنك جنة السيوفي، هتبقى بحور دم مالهاش نهاية. إنما لو رجعتي على إنك عروسة الكبير اللي هو أنا قدام الناس، محدش هيعرف."
"ولو حد عرف؟"
"ساعتها هنقول إنك مرات الدكتور. اعتبري نفسك الصخرة اللي بتمنع نقطة الدم المركونة تتحول لبحر."
"وليه ما نعملش تمثيلية لحد ما ندخل البلد، إني عروستك فعلًا، وبعدها أعيش معاك براحتي ومن غير جواز ولا غيره؟"
"هفرض معاكي إن ده حصل، تفتكري جدك مش حاطط عيون جوه بيتي؟"
"جدي بيراقبك؟"
"من زمان وأنا قافل خشمي عشان مش هيعرف يوصل لك. إنما دلوقتي إنتي لوحدك، وأنا مش هفوتك لوحدك تاني واصل. فكري يا بنتي وردي عليّ. أنا مش عاوز أضغط عليكي، بس المضطر يركب الصعب، هنعمل إيه؟"
"هو حضرتك ملكش دور في الحوار ده؟"
"حوار إيه؟"
"الجواز والطلاق اللي شغال ده، ولا إنت مكنتش معانا ولا إيه؟"
"لأ، كنت معاكم وسمعت كل حاجة، بس جدي قال خليك أعمى وأخرس وأطرش. أيوه، وإنت إيه رأيك؟"
"معلش يا جدي، متزعليش مني. بس كلام جدي صح، هو عاوز ينفي التهمة عنينا، وجدك نعمان ما بيديش فرصة لحد واصل. أول ما هياخدك هيفتح بحر دم جديد، إحنا في غنى عنه."
"يعني إنت موافق على كلامه وعلى موضوع جوازنا كده بكل سهولة عادي؟"
"اسمعيني زين، كل اللي هنعمله هو هنكتبوا الكتاب، ورقة بس، هنحطها في وش جدك لو طلبها. صح يا جدي؟"
"ها يا جنة، موافقة يا بنتي على الجواز؟"
"أنا آسفة، مش هقدر أوافق على الهبل ده."
"كده، معلش يا بنتي، حجك ترفضي وتوافقي وتخافي كمان. ربنا يشهد، حسن النية من ناحية الموضوع ده."
"يلا يا عمران يا ولدي، عشان نسيبها ترتاح وتفكر على مهلها."
"يلا يا جدي."
"هفوت عليكي تاني، تكوني فكرتي مليح."
"هتتچوزي خلاص يا جنة؟ يعني أزغرط دلوقتي ولا أبكي؟"
"ابوس إيدك يا بدور، سيبيني في حالي دلوقتي، كفاية اللي فيا."
"بقى عشان أرجع بلدي لازم أتچوز؟ إيه الجنان ده؟"
"طب ليه ما رفضتيش؟"
"ولما أرفض، إيه اللي يضمن لي إنه مش هيبطل يبعت الشهرية اللي بيبعتها، يا فالح؟"
"يعني إنتي دلوقتي همك الشهرية، ولا همك ترجعي وسط أهلك الحقيقيين؟"
"العقل بيقول إن مخسرش كل حاجة مرة واحدة، وإن لازم أحافظ على كل حاجة اتوفرت لي عشان ما أرجعش شحاتة تاني."
"جنة، أنا مش فاهماكي بجد. بقى عاوزة تتجوزي واحد لا شفتيه قبل كده ولا تعرفي عنه، لمجرد إن الخير اللي بيجي لك أول كل شهر؟"
"طب لو إنتي مكاني هتعملي إيه؟"
"مش محتاجة تفكير، هرفض طبعًا."
"بس أنا مش مستعدة أرجع للذل اللي كنت عايشة فيه تاني. أنا هوافق وهروح البلد، وهناك هبقى في أرض المعركة، وهعرف مين بيكذب ومين صادق."
"حقيقي، أنا تعبت من طريقة تفكيرك واللي بتعمليه ده. أكيد نهايته مش زي ما إنتي متخيلة أبدًا، وبكرة تقولي بدور قالت."
"أصلك مجربتيش يعني إيه تبقي جعانة وتنامي عادي عشان مافيش لقمة في البيت، ولا جربتي يعني إيه تشتغل شغلتين مع بعض عشان تقدري توفري مصاريف أكل وشرب وعلاج كمان. إنتي مجربتيش يبقى نفسك تكملي تعليمك زيك زي أي بنت وتبقى مضطرة تدوسي على نفسك عشان تخلصي من أهم سنة في كليتك."
"أنا هقبل بالجوازة دي، وهناك هقدر آخد حقي، وبعدها هطلب الطلاق."
"إنتي حرة يا جنة، بس اللي بتعمليه ده أنا مش راضية عنه، وقلبي بيقولي إن الموضوع مش سهل زي ما إنتي متخيلة."
"لأ، طمني قلبك وعرفي إن جنة ما بتقعش غير وهي واقفة."
"اسمعني زين يا ولدي، جنة بنت عمتك لو وافقت، هيكون مجرد ورقة زي ما قلت لها. وليك الحق تتجوز غيرها. الموضوع وما فيه، إننا هنمنع بحر الدم اللي ناوي عليه نعمان، مجرد ما يشوف حفيدته وياخدها."
"وإنت خابر زين يا جدي؟"
"حجج عليّ يا ولدي، حجج تزعل، بس خليك مقنع. هتعمل إيه؟ خابر إن جميلة بنت عمها."
"متعتذرش يا جدي، أنا وجميلة خلصت حكايتنا، وإن كان عليها فهي حرة في جلبها، لكن أنا ملهاش مكان في قلبي، وأنا بحاول أفهمك كده، بس إنت مش راضي. صدقني يا ولدي، فترة وهتعدي، ولو ربنا كتب لك جميلة، هتاخدها غصب عننا كلنا، بس على يدك اهو. روحنا بدل المرة ألف. وجدها عاوز مهرها، بنت عمها. ولو قالوا على مكانها، يبقى فعلًا إحنا اللي قتلنا ولده، ويبجى معاه حق يدور على القتل فينا كلنا."
"متزعلش يا جدي مني، إنتعودتني الصراحة، بس أنا كل مرة بروح فيها وياك بيبقى عشانك إنت، وحتى لما جيت القاهرة جيت عشانك، زي الحمار، عشان كده خرجت اللي في قلبي."
"خابر يا ولدي وجعك، وبدعي لك ربنا يقويك على اللي جاي."
"كل اللي هنعمله هو هنكتبوا الكتاب ورجة بس هنحطها في وش چدك لو طلبها."
"صح يا ولدي."
"ها يا جنة، موافقة يا بنتي على الجواز؟"
"أنا آسفة، مش هقدر أوافق على الهبل ده."
"كده، معلش يا بنتي، حجك ترفضي وتوافقي وتخافي كمان. ربنا يشهد، حسن النية من ناحية الموضوع ده."
"يلا يا عمران يا ولدي، عشان نسيبها ترتاح وتفكر على مهلها."
"يلا يا جدي."
"هفوت عليكي تاني، تكوني فكرتي مليح."
"هتتچوز خلاص يا جنة، يعني أزغرط دلوقتي ولا أبكي؟"
"ابوس إيدك يا بدور، سيبيني في حالي دلوقتي، كفاية اللي فيا."
"بقى عشان أرجع بلدي لازم أتچوز؟ إيه الجنان ده؟"
"طب ليه ما رفضتيش؟"
"ولما أرفض، إيه اللي يضمن لي إنه مش هيبطل يبعت الشهرية اللي بيبعتها، يا فالح؟"
"يعني إنتي دلوقتي همك الشهرية، ولا همك ترجعي وسط أهلك الحقيقيين؟"
"العقل بيقول إن مخسرش كل حاجة مرة واحدة، وإن لازم أحافظ على كل حاجة اتوفرت لي عشان ما أرجعش شحاتة تاني."
"جنة، أنا مش فاهماكي بجد. بقى عاوزة تتجوزي واحد لا شفتيه قبل كده ولا تعرفي عنه، لمجرد إن الخير اللي بيجي لك أول كل شهر؟"
"طب لو إنتي مكاني هتعملي إيه؟"
"مش محتاجة تفكير، هرفض طبعًا."
"بس أنا مش مستعدة أرجع للذل اللي كنت عايشة فيه تاني. أنا هوافق وهروح البلد، وهناك هبقى في أرض المعركة، وهعرف مين بيكذب ومين صادق."
"حقيقي، أنا تعبت من طريقة تفكيرك واللي بتعمليه ده. أكيد نهايته مش زي ما إنتي متخيلة أبدًا، وبكرة تقولي بدور قالت."
"أصلك مجربتيش يعني إيه تبقي جعانة وتنامي عادي عشان مافيش لقمة في البيت، ولا جربتي يعني إيه تشتغل شغلتين مع بعض عشان تقدري توفري مصاريف أكل وشرب وعلاج كمان. إنتي مجربتيش يبقى نفسك تكملي تعليمك زيك زي أي بنت وتبقى مضطرة تدوسي على نفسك عشان تخلصي من أهم سنة في كليتك."
"أنا هقبل بالجوازة دي، وهناك هقدر آخد حقي، وبعدها هطلب الطلاق."
"إنتي حرة يا جنة، بس اللي بتعمليه ده أنا مش راضية عنه، وقلبي بيقولي إن الموضوع مش سهل زي ما إنتي متخيلة."
"لأ، طمني قلبك وعرفي إن جنة ما بتقعش غير وهي واقفة."
"اسمعني زين يا ولدي، جنة بنت عمتك لو وافقت، هيكون مجرد ورقة زي ما قلت لها. وليك الحق تتجوز غيرها. الموضوع وما فيه، إننا هنمنع بحر الدم اللي ناوي عليه نعمان، مجرد ما يشوف حفيدته وياخدها."
"وإنت خابر زين يا جدي؟"
"حجج عليّ يا ولدي، حجج تزعل، بس خليك مقنع. هتعمل إيه؟ خابر إن جميلة بنت عمها."
"متعتذرش يا جدي، أنا وجميلة خلصت حكايتنا، وإن كان عليها فهي حرة في جلبها، لكن أنا ملهاش مكان في قلبي، وأنا بحاول أفهمك كده، بس إنت مش راضي. صدقني يا ولدي، فترة وهتعدي، ولو ربنا كتب لك جميلة، هتاخدها غصب عننا كلنا، بس على يدك اهو. روحنا بدل المرة ألف. وجدها عاوز مهرها، بنت عمها. ولو قالوا على مكانها، يبقى فعلًا إحنا اللي قتلنا ولده، ويبجى معاه حق يدور على القتل فينا كلنا."
"متزعلش يا جدي مني، إنتعودتني الصراحة، بس أنا كل مرة بروح فيها وياك بيبقى عشانك إنت، وحتى لما جيت القاهرة جيت عشانك، زي الحمار، عشان كده خرجت اللي في قلبي."
"خابر يا ولدي وجعك، وبدعي لك ربنا يقويك على اللي جاي."
"كل اللي هنعمله هو هنكتبوا الكتاب ورجة بس هنحطها في وش چدك لو طلبها."
"صح يا ولدي."
"ها يا جنة، موافقة يا بنتي على الجواز؟"
"أنا آسفة، مش هقدر أوافق على الهبل ده."
"كده، معلش يا بنتي، حجك ترفضي وتوافقي وتخافي كمان. ربنا يشهد، حسن النية من ناحية الموضوع ده."
"يلا يا عمران يا ولدي، عشان نسيبها ترتاح وتفكر على مهلها."
"يلا يا جدي."
"هفوت عليكي تاني، تكوني فكرتي مليح."
"هتتچوز خلاص يا جنة، يعني أزغرط دلوقتي ولا أبكي؟"
"ابوس إيدك يا بدور، سيبيني في حالي دلوقتي، كفاية اللي فيا."
"بقى عشان أرجع بلدي لازم أتچوز؟ إيه الجنان ده؟"
"طب ليه ما رفضتيش؟"
"ولما أرفض، إيه اللي يضمن لي إنه مش هيبطل يبعت الشهرية اللي بيبعتها، يا فالح؟"
"يعني إنتي دلوقتي همك الشهرية، ولا همك ترجعي وسط أهلك الحقيقيين؟"
"العقل بيقول إن مخسرش كل حاجة مرة واحدة، وإن لازم أحافظ على كل حاجة اتوفرت لي عشان ما أرجعش شحاتة تاني."
"جنة، أنا مش فاهماكي بجد. بقى عاوزة تتجوزي واحد لا شفتيه قبل كده ولا تعرفي عنه، لمجرد إن الخير اللي بيجي لك أول كل شهر؟"
"طب لو إنتي مكاني هتعملي إيه؟"
"مش محتاجة تفكير، هرفض طبعًا."
"بس أنا مش مستعدة أرجع للذل اللي كنت عايشة فيه تاني. أنا هوافق وهروح البلد، وهناك هبقى في أرض المعركة، وهعرف مين بيكذب ومين صادق."
"حقيقي، أنا تعبت من طريقة تفكيرك واللي بتعمليه ده. أكيد نهايته مش زي ما إنتي متخيلة أبدًا، وبكرة تقولي بدور قالت."
"أصلك مجربتيش يعني إيه تبقي جعانة وتنامي عادي عشان مافيش لقمة في البيت، ولا جربتي يعني إيه تشتغل شغلتين مع بعض عشان تقدري توفري مصاريف أكل وشرب وعلاج كمان. إنتي مجربتيش يبقى نفسك تكملي تعليمك زيك زي أي بنت وتبقى مضطرة تدوسي على نفسك عشان تخلصي من أهم سنة في كليتك."
"أنا هقبل بالجوازة دي، وهناك هقدر آخد حقي، وبعدها هطلب الطلاق."
"إنتي حرة يا جنة، بس اللي بتعمليه ده أنا مش راضية عنه، وقلبي بيقولي إن الموضوع مش سهل زي ما إنتي متخيلة."
"لأ، طمني قلبك وعرفي إن جنة ما بتقعش غير وهي واقفة."
"بت عمي رجعت يا جدي، كيف عاوزني أفضل في البيت كيف الحريم كده؟"
"ومين قال إني عاوزك كيف الحريم؟ الصبر يا ولدي، الصبر. أخد الحج حرفة بنت عمك هتجي، بس بالعجل مش بالجنون."
"وساعتها محدش هيلومني على اللي هعمله وياك يا عمران يا ولد الهواري."
رواية لتحيا نيران العشق الفصل الثاني 2 - بقلم هدى زايد
الصمت لا يعني الضعف، فالبركان صامت وعندما يتحدث يرتعد الجميع من حديثه.
هبط الجد نعمان على سلالم الدرج بهدوء وهو يتحدث ببساطة شديدة وقال باسماً:
- اهدأ يا ولدي وكل شيء له آخر. صبرنا كثيراً على اليوم ده، متجيش انت بغضبك ده تهدم الدنيا زي الطوفان.
كانت كل كلمة يتحدث بها الجد بمثابة قنبلة موقوتة. هبط سلالم الدرج بهدوء شديد حتى توقف عند الدرجة الأخيرة منه. ضرب بعصاه على الأرض طرقات خفيفة وقال بعينين شرستين تشعان وميض نيران الانتقام:
- جالك جبل سابك، مسير الحج يرجع لأصحابه. خليك عاجل، وانت بترد حقك. بت عمك هترجع بس نسيب جدها يفرح بيها. وبكرة نفرح البلد كلها ويانا.
تحرك سليم بعد أن أطلق تنهيدة قوية كادت أن تشق صدره. سار نحو الجد بخطوات واسعة، وقف مقابلته وقال على مضض:
- حاضر يا جدي وياك لآخر نفس.
خارج مني. ابتسم ملء شدقيه وهو يربت على كتف حفيده. لم تختفِ هذه الابتسامة ما إن ولجت جميلة من باب البيت. ألقت التحية كعادتها بسرعة قبل أن تصعد إلى حجرتها. استوقفها جدها وهو يقول بنبرته الماكرة:
- مش هتروحي تباركي للدكتور؟
قبضت مابين حاجبيها متسائلة بدهشة ممزوجة بفضول:
- دكتور مين يا جدي؟
نظر الجد لسليم ثم عاد ببصره لها وقال ساخراً:
- الدكتور عمران اتجوز بت عمته.
تسمرت مكانها كالتمثال، حيث رفض المخ ترجمة هذه الكلمات التي ذبحتها وقضت على آخر ومضة أمل بينها وبين عمران. بلعت غصتها بمرارة. أوزعت نظراتها بين جدها وابن عمها. كم تمنت أن لا تسقط أرضاً ويفتضح أمرها أكثر من ذلك. كم تمنت أن يتوقف جدها عن المزاح ويخبرها أنه ما زال ينتظرها كما تنتظره.
كما يقولون دائماً: ليس كل ما يتمناه المرء يدركه.
سألته بمرارة وهي تضغط على حقيبتها الجلدية:
- بت عمي رجعت ميتة يا جدي؟
ابتسم لذكائها الشديد وصمودها رغم انكسارها من الداخل. بسط كفه وقال بحنو:
- تعالي يا حبة جلب جدك، تعالي في حضني.
جرت قدماها جرّاً. أوشكت قوتها على النفاذ. كفى، لم تعد تتحمل تلك النظرات المشفقة عليها. ضمها جدها لثوانٍ ثم خرجت منه سريعاً. اعتذرت منهم وصعدت غرفتها بخطوات أشبه بالركض.
أوصدت الباب خلفها. هوت على الأرض وأطلقت العنان لدموعها وصرخات قلبها. كادت أن تخرج معلنة للجميع بأنها فشل الحب في جمع حبيبان فرقهما القدر.
لم تيأس ولن تتركه بهذه البساطة. كفكفت دموعها وهي تبحث في حقيبتها لتخرج هاتفها المحمول. تراقصت أناملها برجفة شديدة إثر غضبها. ضغطت على زر الاتصال ولم تتردد في مهاتفته.
رفعت الهاتف على أذنها في انتظار رده. طال انتظارها ولم يجب عليها، ربما لأنه يتراقص أمام جده بالعصا أو يرى رقمها الذي حذفه ولكنه يحفظه عن ظهر قلب.
لن تيأس، حتماً سيجيب عليها ويهدأ من غضبها بتوسله ورجائه. هكذا ظنت، لكنها ما زالت لا تعرفه جيداً، فهو الرجل الذي يقتلع قلبه بيده ولا يجعل امرأة تتحكم فيه.
عودة إلى حفل الزفاف المقام حتى الآن.
كانت جالسة بين النسوة بثوبها الأبيض، شاردة، لا تعرف ما الذي تخفيه الأيام لها. كانت ممثلة بالدرجة الأولى. أصبح الأمر يفوق قدرتها. اليوم من البداية كان عصيباً. تريد أن تجلس مع نفسها بعض الوقت. نظرت لجدتها وقالت بهدوء:
- عايزة جدي.
التفت الجدة لها متسائلة بعدم فهم قائلة:
- بتقولي إيه يا عروسة؟ مش سامعة من الدوشة.
تنحنحت جنة بعد أن أدركت خطأها وراحت تقول بجدية:
- عايزة الحاج.
- بس الحاج مينفعش يدخلوا هنا في وسط الحريم. اصبري لما تطلعوا فوق، يبقى أنا اللي هروح له. ودلوقتي كمان.
أردفت جنة جملتها وهي تمسك بذيل فستانها الأبيض، ضاربة بحديث جدتها عرض الحائط. فرغ أفواه النسوة على فعلتها الجريئة تلك وانسحابها من جلستهن. تابعتها الأعين وسط دهشة وذهول شديدان. توقفت عند باب المنزل الداخلي. وجدت الجد يتابع مراسم الحفل التي لن تنتهي اليوم. ربت على كتفه بخفة. استدار لها وقال بدهشة:
- وإزاي تيجي لحد هنا وحدك وإزاي تسيبي الحريم لحالهم؟
- جدي، أنا تعبانة والفرح مش بيخلص وأنا محتاجة أفهم.
ومحتاجة... قاطعها بحنو وحب قائلاً:
- كل حاجة في وقتها حلوة يا بتي. اصبري وهتفهمي كل شيء. بس بالصبر. أنا دلوقتي هخلي عمران ياخدك وتطلعوا فوق.
ردت مقاطعة بفزع:
- فوق فين؟ انت ما اتفقتش معايا على كده. جدي خليك واضح معايا من الأول. أنا كده مبقتش فاهمة حاجة.
هدأ من روعها وهو يقول بهدوء:
- اهدي يا بنتي، مفيش حاجة هتحصل غصب عن عينك. عمران اتجوزك على سنة الله ورسوله والفرح اتعمل اهو. يبقى ناقص إيه؟
- ناقص إني أفهم الموضوع بدل ما أرجع مكان ما جيت.
خير، مالكم واقفين كده ليه؟ قالها عمران وهو يضع عباءته السوداء على كتفه. نظر لجده ليعرف ما سر غضبها الواضح عليها. وقف الجد يفسر لهما حقيقة ما نوى فعله والآن يجب عليهما التنفيذ.
- بيننا حد غريب بينقل أخبارنا وأسرارنا لجدك نعمان. عشان كده رايد أوصله إنك اتجوزت صح.
- قصدك إيه يا جدي؟
- قصدي هتاخد مراتك دلوقتي وهتطلعوا فوق أوضتكم. وبكرة هيحلها المولى.
- بس ده مش اتفاقنا. أنا هدخل وهعرف الدنيا كلها الحقيقة وزي ما يحصل يحصل.
بنظرة من الجد، نفذ عمران أمره. حملها عنوة، محاولاً تثبيت ذراعيها بقبضته. كانت ترفس بقدميها حتى تفلت من إحاطته لجسدها الضعيف مقارنة بجسده. ابتسم لها ابتسامة مزيفة وقال من بين أسنانه وهو يقتادها لحجرتهما:
- بالراحة يا عروسة. هتفرجي الناس علينا.
ردت بوعيد قائلة:
- وربنا لو منزلتني يا اللي اسمك عمران، انت. لصوت وأفضح عليك الدنيا وأقولهم على الحقيقة.
بخفة وسرعة كان يصعد بها سلالم الدرج. رد ضاحكاً:
- على أساس إن كده ماحدش اتفرج لسه.
وقف الجد يوضح لهما ما حدث وأن هذه العروس هي زوجة حفيده وليست زوجته. دهشة وذهول أصابت الجميع. لم يخرجهم منها إلا صوته الجهوري وهو ينهي حديثه قائلاً:
- انتوا خرستوا ليه؟ طبلوا وزغردوا يلا.
في غرفة عمران، كانت جنة جالسة على الفراش الوثير تزفر وتمتم بكلمات غير مفهومة عن هذه الزيجة التي لم تفهم لها بداية ولا نهاية. أما هو، فكان يقف أمام الخزانة ينتقي ملابسه وهو يطلق صفيرًا عالياً. استقر عينه على منامة قطنية جديدة، التقطها ثم استدار بجسده وقال بجدية:
- خُدي البسي دي، والصبح أبقى آخدك ونشتري شوية خلجات جديدة.
قبضت على منامته ثم ألقت بها في ظهره وقالت بغيظ:
- يابن آدم يا بارد! أنا هلبس هدوم رجالي وكمان هقعد معاك في نفس الأوضة. ده انت بارد بجد.
استدار بجسده كله نحوها. سار بخطوات هادئة بسيطة. نظر لمنامته الملقاة أرضاً ثم عاد ببصره لها وقال بهدوء مريب:
- أول حاجة هتتعلميها هنا هي صوت ما يعلاش عليّ. تاني حاجة، إني جوزك بمزاجك أو غصب عن عينك. تالت حاجة، غيري خلجاتك عشان تعرفي تنامي. رابع حاجة...
قاطعته متسائلة بغيظ شديد:
- هو لسه في رابع؟
- أيوه، ودي أهم حاجة.
تنهدت بعمق قبل أن تسأله بنفاذ صبر قائلة:
- خير، اتفضل قول.
تنحنح وقال بجدية:
- لو حد قال لك مبروك، ردي وقولي أيوه.
انعقد حاجباها وهي تسأله ببلاهة عن مغزى حديثه الغامض. نظرت له بترقب في انتظار تفسيراً لكلماته تلك. بينما هو ألقى تفسير جملته دفعة واحدة وقال:
- قصدي إن الدخلة تمت ولا لأ.
ما زالت لا تفهم تفسيره الذي أصبح تعقيداً عن كلماته، وكأنه يحل شفرة وليس مجرد كلمات مبهمة. سألته ببلاهة أكثر:
- دخلة إيه؟
لا مفر، سيلقي بتفسيره الأكثر جرأة كي يتخلص من كثرة تساؤلاتها. رد وقال بسرعة دون توقف:
- يعني إني اتجوزتك رسمي وبقيتي مرتي.
رمشت بعينيها عدة مرات لتتأكد من أن ما يحدث حولها ليس أحلاماً تراها في منامها. لم تشعر بنفسها وهي تدوي الحجرة بصرخاتها، تاركة لأحبالها الصوتية الحرية كي تفرغ عن طاقة مكبوتة منذ ليلة أمس.
وقف من مكانه مبتعداً عنها وقال بهدوء حد الاستفزاز:
- اصرخي، اهو كده ثبتي الحكاية أكتر. أدخل أنا بقى أستحمى وأجي أريح شوية.
تركها قبل أن يستمع لردها. كلاهما يريد أن يتخلى بنفسه ليعيد حساباته من جديد. ياله من ممثل بارع قام بدوره على أكمل وجه. حان الآن إسدال الستار عن هذا الفيلم السخيف الذي لا يتحمله منطق أو عقل طفل لم يتجاوز الخمس سنوات. ذهب إلى القاهرة أعزب وعاد إلى الصعيد متزوج. ليس هذا فحسب، بل الأكثر غرابة في هذا اليوم العجيب هو أن يتزوجها رسمياً. لم يكن مسلوب الإرادة، لكنه يريد حقن الدماء. قرر أن يدعس على قلبه حقناً للدماء، أن يتنازل عن حبيبته حقناً للدماء والزواج بأخرى حقناً للدماء. ترى إلى متى سيظل يتنازل حقناً للدماء.
وطأة قدمه في المغطس، قام بفتح الصنبور لتتدفق المياه الدافئة فوق رأسه بغزارة. رفع رأسه لتتساقط قطرات الماء على وجهه ذي البشرة السمراء ولحيته الخفيفة. حرك رأسه يميناً ويساراً ليمحي ذكريات هذه الليلة من رأسه. ليت لم تتزوج عمته بزوجها، ويدفع هو ثمن هذا كله. يدفع ضريبة الحب بنيران العشق والفراق.
كم كان الزمان قاسياً عليه حين أمره قلبه بأن يقتلع جميلة من قلبه. يعلم أنه ليس بالهين، لكن سيستطيع فعل ذلك مع مجهود صغير من عقله وتمرد من قلبه. وبين هذا وذاك، سينتهي كل شيء يا عمران، دائماً يخبر نفسه بهذا.
بعد مرور عشر دقائق كاملة، خرج من غرفة الاستحمام وجدها ما زالت بثوبها الأبيض. يتذكر هذا الثوب جيداً، هو الذي أشار بيده نحوه. لن ينسى هذا اليوم ما حيا. خرج مع جده إلى أحد المحال التجارية المخصصة لهذه الفساتين. طلب منه أن ينتقي منهم واحداً. كان يظن حين أنه رضخ لرغبته وسيزوجه من جميلة أو ابنة عمته. أخبره بأنه لا يريد الزواج بهذه الطريقة، وأن زوجته لن تكون جميلة أو تلك المجهولة التي لا يعرفها عنها شيئاً. فعترض الجد وأخبره بأن ينصاع لأمره حقناً للدماء، وأنه لن يسمح بالزواج بأخرى مادام حياً.
لاحت ابتسامة باهتة على شفتيه الغليظتين. انتبه لسؤالها وقال باعتذار:
- بتقولي حاجة؟
ردت بجدية:
- عايزة أفهم إيه اللي بيحصل ده وعايزة...
قاطعها قائلاً بنبرة صادقة استشعرتها من حديثه حين قال:
- صدقيني يا جنة، إني نفسي مفهمش حاجة واصل، بس هصبر لبكرة عشان أفهم جدي.
ردت مقاطعة بحدة ونبرة صوتها ارتفعت قليلاً:
- انت عايز تفهمني إنك متعرفش اللي بيحصل ده مش من تخطيطك انت وجدي؟ يبقى أحب أقول لك يا دكتور إنك عيل صغير بيمشي بأمر جده.
كرة قبضته متحكماً في غضبه الشديد منها. رغم عنه، تكاد تجزم أن وصل إلى مسامعها صوت صرير أسنانه. كانت تتوقع منه صفعة قوية على وجهها، أو اقتلاع خصلات شعرها من مكانها، أو القتل، فهذه أبسط التوقعات التي توقعتها ما إن احتقن وجهه بالدماء.
اقترب خطوة، بينما هي تراجعت خطوة ثم خطوتين في محاولة منها لتفادي صفعته المنتظرة. تفاجأت بأنامله تعانق أناملها وتقتادها نحو الفراش بهدوء مريب. أجلسها على حافته. جلس بجوارها موضحاً بعض الأمور الخاصة بهذا الوضع:
- سبق وجلت صوتك ما يعلاش عليّ، بس انتِ كسرتي كلامي. مش عايز أنا يوم بينا يبدأ غلط. اسمعيني زين يا بت الناس، إني مجبور على الوضع ده وانتِ كمان مجبور. اتحمليني واتحمل الوضع لحد بكرة، ومن الفجر ماهتلمحيش طيفي. بس دلوقتي مجبور تتجملي الوضع وتنامي وياي هنا. قومي غيري الفستان ده وتعالي عشان تنامي لك شوية.
لو كانت تمثالاً لتحدثت من هول الصدمة التي لم تتوقعها. تحلى بالصبر الشديد وقابل غضبها الشديد وسبابها اللاذع برحب وسعة صدر لا مثيل لها. وقفت عن الفراش متجهة نحو غرفة الاستحمام وبيدها منامته القطنية. مر بعض الوقت حتى خرجت منه وهي ترتدي منامة أشبه بالجلباب في جسدها الضعيف. لم يمنع نفسه من الضحك على هذا المظهر. بينما هي اغتاظت منه ردت بغيظ شديد:
- انت أكيد قاصد تعمل كده عشان تضحك عليا.
رفع كفيه وقال مدافعاً عن نفسه قائلاً:
- والله أبداً، انتِ بس اللي جسمك ضعيف. تعالي عشان تتعشي.
أزاح خصلتها المتمردة على وجهها لتضعها خلف أذنها. سارت بخطوات متعثرة نظراً للبنطال الطويل مما جعلها تسقط بجانب الطعام لتنجرح يدها بسبب الصحن الزجاجي.
اقترب منها وقال بجدية:
- حصل لك حاجة؟
ردت بتأوه:
- إيدي انجرحت.
حاول نزع قطعة صغيرة من الزجاج دخلت في راحة يدها ثم نهض ليأتي بحقيبة الإسعافات الأولية. عاد سريعاً وجثا على ركبتيه، بدأ يطهر جرحها ثم ضمده وهو يتحدث معها عن حياته قائلاً:
- هو انتِ ليه كنتي بترفضى تيجي هنا؟
- أنا كنت عايزة أجي بس جدي هو اللي رفض وقال لسه مجاش أوانه.
- جدي ده عجيب وغامض. طب ما انت كمان غامض ومش مفهوم.
قالتها جنة وهي تتحسس يدها المضمضة. تابعت حديثها قائلة بفضول:
- انت فيك كتير من جدي، بعيداً عن الشبه في الملامح والجدية في التعامل، بس انت غامض، ردود أفعالك غريبة، كلك مش مفهوم.
رد باسمًا:
- دكتورة نفسية ولا إيه وأنا مخبرش.
بادلته ذات الابتسامة وقالت:
- وضيف عليهم بتعرف تهرب من المواضيع بسهولة.
- طب يلا تعالي ناكل عشان جعان جوي.
- وأنا كمان جعانة جوي جوي.
فلتت منه ضحكة رنانة على تقليدها بالحديث بلكنة صعيدية لابأس بها. تناولوا طعامهم في صمت يمتزج بالخجل لكليهما. انتهت وجبة العشاء وهم يتجاذبون أطراف الحديث، وحان موعد النوم.
وقف حائراً لا يعرف في أي مكان سيضع جسده المنهك عليه. قرر أن يجلس على المقعد المجاور لسريره. أما هي، فاستوقفته متسائلة بدهشة:
- انت هتنام هناك على الكرسي ولا إيه؟
رد بنبرة عادية:
- وفيها إيه دي؟
أجابته وهي تنهض من الفراش قائلة بجدية:
- فيها كتير. يعني تدهاني بيجامتك وأنام في أوضتك وكمان هتنام في مكان غير سريرك. لأ، كده كتير. روح انت نام في سريرك وأنا هنام هنا.
- لأ، ماهينفعش. روحي نامي في السرير وأنا هنام هنا. أنا راجل هتحمل، لكن انتِ لأ.
- انت شايف كده. طب تصبح على خير بقى.
- وانتِ من أهل الجنة.
جلس على المقعد، وقبل أن يرخي جفنيه، فاجأته بعودتها لتعطيه وسادة صغيرة ليضع عليها رأسه. شكرها وهو يبتسم لها. سرعان ما عادت له بشرشف وقالت بابتسامتها الخفيفة:
- الدنيا بتبقى برد بالليل، كده كتير عليّ والله. سلم يدك.
- تسلم.
عادت بخطواتها الهادئة تجاه الفراش، مدت جسدها الصغيرة عليه، وضعت كفها أسفل خدها، ثم أرخت جفنها. سرعان ما فتحته متسائلة بجدية:
- عمران، عايزة النور.
رد دون أن يفتح جفنيه قائلاً بصوت ناعس:
- لأ، تصبحي على خير بقى.
في صباح اليوم التالي، استيقظ عمران على صوت طرقات الخادمة لتوقظهما وهي تقول من خلف الباب:
- سيدي عايزك انت والعروسة وبيقول تتدوا تفطروا وياه.
رد بعدم اكتراث:
- قولي له نايمين يا أم السعد.
مر أكثر من ثلاث ساعات أخرى عليهما وهما في نوم سبات عميق، حتى استيقظ هو بنفسه. كانت فقراته العنقية في حالة تشنج عجيب إثر نومته ليلة أمس. وقف عن المقعد وهو يتأوه. نظر تجاه الفراش نظرة عابرة، وجده خالياً. سأل نفسه بنبرة متعجبة قائلاً:
- راحت فين دي دلوقتي؟
قبل أن يبحث عنها، وجدها تخرج من غرفة الاستحمام وغلى ثغرها ابتسامة خفيفة وقالت:
- صباح الخير.
- صباح النور. صاحية من بدري؟
- قصدك مانمتش.
- ليه كده؟
مطت شفتيها وقالت:
- لسه مستغربة الوضع وبصراحة مش متعودة أنام مع راجل غريب في مكان واحد.
رد مصححاً:
- بس أنا جوزك مش غريب.
رفعت سبابتها في وجهه وقالت بجدية:
- لسه مش جوزي والوضع ده مش هقبل بيه مهما حصل. والنهار ده تحط النقط على الحروف مع جدي.
ولج غرفة الاستحمام وهو يقول:
- ربك يسهل.
وفي أثناء دخوله، أتت الخادمة للمرة الثانية تخبره بضرورة حضورهما. قررت أن تسبقه لغرفة الصالون لتعرف ما الذي يريده جدها. تفاجأت بوجود رجلين لا تعرفهما بالطبع. لا تعرف أحداً هنا سوى عائلة أمها. قام أحدهما بتعريفها بطريقة رجل يعلم ببواطن الأمور. حركت رأسها علامة الإيجاب. جلست على المقعد بجوار جدها بعد أن صافحت الضيوف. بينما هو تبادل النظر بينه وبين صديق العمر الحاج أيوب. أومأ برأسه لحفيده. نهض حفيده ووضع الصندوق الخشبي فوق سطح المنضدة الرخامي. تنحنح الحاج نعمان وقال:
- مبروك يا عروسة، نورتي البلد.
ردت بهدوء:
- الله يبارك فيك.
تابع وهو يشير بعكازه قائلاً:
- الصندوق ده فيه دهباتك، تلبسي وتتهني بيهم.
نظرت له متسائلة بنبرة متعجبة:
- دهب إزاي؟ مش فاهمة.
رد بابتسامته المعهودة قائلاً بمكر:
- إيه يا حاج أيوب، مش تعرف العروسة مين؟ إحنا...
ورد مقاطعاً بتلعثم:
- اتفضل يا حاج نعمان، القهوة هتبرد.
- لأ، عايزين شربات حلاوة رجوع العروسة بالسلامة. وانتِ يا عروسة جهزي نفسك عشان هترجعي بيتك، بيت أبوكي، ابني رياض نعمان السيوفي.
وقفت عن المقعد وقالت بغضب مصطنع:
- انت بتقول إيه؟ أنا أول مرة أسمع الاسم ده. أنا مش هخرج من هنا وانتوا اللي هتطلعوا برا.
دس سليم يده في جيب جلبابه ليخرج سلاحه الناري. شد أجزائه ثم صوب فوهته ناحية الحاج أيوب وقال بتهديد واضح:
- كلمة واحدة زيادة وهتلاقي روحك خرجت من صدرك.
ثم تابع حديثه وهو يوجه سلاحه نحوها قائلاً:
- وانتِ يا بت البندر، اطلعي من هنا بالذوق بدل ما تطلعي على ضهرك.
هدر صوت الحاج أيوب قائلاً بغضب:
- هي حصلت يا دكتور سليم ترفع سلاحك في وش مرتي وتهددها بالقتل؟
رد مقاطعاً بغضب:
- الدكتور سليم اللي تعرفه راح خلاص. والبت دي مش مراتك، دي بت عمي. قدامي يا بت البندر وإلا أقول على روحك يا رحمن يا رحيم.
ولج عمران وهو يوجه سلاحه الناري في وجه سليم وراح يقول بغضب وغيظ شديدان:
- اللي يرفع سلاحه في وش مرات عمران الهواري يبقى حكم على نفسه بالموت.
وقف الشبان وكل واحد منهم يوجه فوهة سلاحه تجاه الآخر. هدر صوت الحاج أيوب وهو يتحدث مع صديق العمر قائلاً:
- خلي سليم ينزل سلاحه يا نعمان، عيب كده.
رد نعمان بهدوء حد الاستفزاز قائلاً:
- بت ولدي تخرج وياي. سليم ينزل سلاحه يا كده يا نفتح بحور دم ملهاش آخر. حفيتك بقت في عصمة راجل وكلمته هي اللي تمشي.
يا نعمان، وقف بحور الدم دي وكفاية لحد كده. قالها أيوب بعصبية واضحة في نبرة صوته المرتجفة إثر الضغط العصبي الذي وقع فيه. رد عمران بوعيد وهو يضغط على سلاحه الناري قائلاً:
- محدش هياخد جنة واللي هيفكر يعمل كده يعدي على جثتي الأول.
هدر عمران بصوته الجهوري قائلاً بحدة:
- جنة، تعالي هنا.
أمرها أن تقف خلف ظهره لتحتمي به. فوقفت في المنتصف بينهما قائلة:
- عشت طول عمري بعيدة عن أهلي. واليوم اللي عرفت فيه إن ليا أهل، لقيتهم هيقتلوا بعض. لو في حد لازم حياته تنتهي يبقى أنا الحد ده عشان أروح لبابا وماما.
رد سليم ساخراً:
- حلو حديث التلفزيون ده، بس مش هياكل وياي. اطلعي من الموضوع ده عشان متزعليش على عمرك.
سحبها عمران خلفه وقال بجدية:
- ولو في حد هيزعل على عمره، يبقى انت الحد ده. مش هي يا ولد السيوفي.
استغلت جنة انشغال عمران في الضغط على ابن عمها، وقامت بسرقة سلاحه الناري. ثم وضعت السلاح أسفل ذقنها وراحت تقول بتهديد مباشر للجميع:
- رصاصة واحدة هتريح الكل.
هددها سليم بأنه سينفذ تهديده، فقالت:
- وأنا كمان هنفذ تهديدي. في نفس اللحظة اللي هتخرج فيها رصاصتك، هتخرج فيها رصاصتي وأريح الدنيا مني ونخلص بقى من الحوارات دي.
وقبل أن تكمل حديثها، حاول عمران نزع سلاحه من يدها فسقطت أرضاً إثر دفعته لها. وخرجت رصاصتان، واحدة من سلاح سليم والأخرى من السلاح الذي سرقته في غفلة من عمران. دوت الصرخات في أنحاء الغرفة واختلطت الدماء بينها وبين زوجها. ولا يعرف من الذي أطلق رصاصته أولاً، لكن الشيء الوحيد الذي تعرفه هو أن دمها اختلط بدمه في ذات اللحظة.
يتبع.
رواية لتحيا نيران العشق الفصل الثالث 3 - بقلم هدى زايد
بدأ يطهر الجرح ويضمضه بتركيز عالٍ. انتهى من عمليته البسيطة ما يقارب الساعة تقريبًا. خرج من العمليات وجد جده بجوار صديق الدرب محاولًا اطمئنانه بطريقة غير مباشرة. ابتسم لهذا المشهد الذي لن يتكرر أبدًا بهذه البراعة والصدق في المشاعر.
تنحنح وهو يجيب الحاج أيوب على سؤاله قائلًا:
- خير يا ولدي، عمران عامل إيه دلوقت؟
- اطمن يا حاج، عمران بخير وخرجنا الرصاصة. هو بس هيفضل في الرعاية 24 ساعة تحت الملاحظة، وبعدها هيتنقل أوضة عادية.
تنهدت جنه بارتياح شديد، وكأن الجبل الجاثم على قلبها سقط للتو. جلست بجوار جدها وقالت بهدوء:
- الحمد لله يا جدي إنها عدت على خير. روح إنت ارتاح وأنا هفضل هنا.
قاطعها سليم بحدة وصرامة، متبادلاً في جزء من الثانية وهو يقول:
- هتجعدي فين يا بت البندر؟ فاهمة نفسك؟ في مصر إياك! أنتِ هتروحي ويانا عشان في حديث كتير عاوزينك فيه.
ردت مقاطعة بحدة لا تقل عن حدته، وهي تقف عن كرسيها لتقف مقابلته وترد على حديثه، مشيرة بسبابتها نحو غرفة العمليات قائلة:
- اللي جوا دا جوزي، وأنا ضربته بالنار وهو بين الحياة والموت، فاهم أنا بقول إيه؟ أنا مش هتحرك من هنا، وأعلى ما في خيلك اركبه.
قبض على ذراعها بقوة جعلتها تتأوه وهي تتخبط في خطواتها المتعثرة إثر سحبه، مجروراً لها كالبهائم، غير مبالٍ نظرات كل من يعمل في المشفى خاصته. خرج بها وألقى بجسدها عنوة في سيارته، ثم استقل في مقعد القيادة، متجهًا إلى بيتها الجديد. ظلت تدفعه في كتفه تارة وتضرب ظهر مقعده تارة أخرى.
- يا حاج نعمان، اللي ولد ولدك عمله ديه كبيرة جوي. كيف ياخدها كده وهو أني مش مالي عينه ولا إيه؟
أردف أيوب عبارته بصوته المرتفع وغضبه الشديد، بينما تحلى نعمان ببرودة الأعصاب وهو يقاطعه مصححًا:
- ولد ولدي أخذ بت عمه لدارها. اهدأ كده واعرف إنت بتتحدث كيف. ولو كان حد يركبه الغلط، يبقى إنت الحد ده يا أيوب.
- طول عمرك كيف لوح الثلج يا نعمان. يا بهيم افهم أني بريء من دم ولدك، متخليش الغجر تفرق بينا.
وقف عن كرسيه وقال بصوت مختنق:
- مين اللي قال إن ولدي هايجي لي في كفن وما هيفرحش ببته أصلًا؟ مش إنت؟ ومين اللي قال إن ولدي هيدفع الثمن مرتين؟ مرة على جوازه من بتك، والتانية على هروبه ببته بعيد عنيك؟ مش إنت إياك؟
رد بصراخ قائلاً:
- أيوه قلت، بس منفذتش حديدتي. كانت ساعة شيطان وراحت. لما شفت بت بتي بين يدي.
تابع بصوت مختنق وقال:
- غصب عني يا نعمان، بتي كسرتني وخرجت عن طوعي واتجوزت ولدك. جهرتني ومعرفتش أقيم راسي وسط الناس. دورت وراها في كل بلد شوي لحد ما عرفت إنه خد لها مطرح في إسكندرية. جن جناني يوم ما عرفت. رحت لها عشان أقتلها. ولما وصلت لجتها جثة وسايبة حتة لحمة حمرا، اسمها جنة، خدتها في باطي، أشم ريحة أمها فيها. بكيت كيف الحريم. خابر اللي بقوله دلوقت مافيش منه فايدة، بس ربنا يشهد إن دي هو الحج.
ساد الصمت لحظات، وكلٌ منهما يسند برأسه على عكازه. رفع نعمان رأسه وقال بمرارة في حلقه:
- ولدي مات كيف يا أيوب؟ وقال إيه قبل ما يموت؟ أتوسلك؟ ولا حب على يدك؟ ولا مات راجل؟
رد أيوب بنبرة صادقة وقال:
- والله العظيم أني بريء من دمه ومخابرش مين قتلته. منكرش إني كنت هعملها بعد دفنت بتي، بس عاودت إسكندرية لقيته طفش منها. بعد ما عرف إن جيت وخدت بتي أدفنها. بعدها بسنتين كده وصلت لمكانه، بس كان اتقتل. معرفش مين اللي قتلته. كان اللي عاوز أعرفه وقتها فين بت بتي عشان آخدها وأربيها. ولما عرفت كنت إنت بتدور عليها قريب. كانت الولية أم فتحي اللي بتخدم بتي وياها هربتهم بعيد. وكل شهر كنت ببعت لهم فلوس تعيشهم، وأعرف أخبارهم من واحد بيجي ياخد الفلوس. ولما أم فتحي ماتت، البت بعتت لي وعاوزة تعود بلدها.
سأله بحزن قائلاً:
- وهي عرفت كيف إنك جدها؟
أجابه بهدوء:
- أم فتحي قال لها المرض الخبيث بعيد عنيك. وكانت فاكرة إنها هتموت جامد. قالت لها وماتت بعدها بسنتين.
ختم حديثه وهو يستدير بجسده نصف جلسة وقال برجاء:
- نعمان تعال نوقف بحور الدم ديه ونرجعوا كيف أول.
نقر بعكازه على الأرض مفكرًا في حديثه، ثم قال بهدوء مريب يعلمه جيدًا أيوب:
- اطمن على ولد ولدك، وبعدها لينا جعدة يا أيوب.
سأله بتوجس:
- وجنة؟
رد سؤاله بسؤال آخر:
- مالها؟
- هتجيبها ميتة؟
- بت ولدي هتفضل في داري ودار أبوها لحد ربنا ما يأذن لها بالخروج منه.
قاطعه بعصبية واضحة على وجهه وقال بسبابه المعتاد عليه:
- كيف ديه يا بهيم؟ جوزها مرمي هني بين الحياة والموت، وإنت عاوزها؟
ضرب بعكازه على الأرض وقال بحدة:
- كفاياك تمثيل لحد كده يا أيوب.
رد بذات النبرة وقال بغضب:
- عليا الطلاق مرته ودخلتهم كانت امبارح. واسألها لو مش مصدقني.
وقف عن كرسيه وسار بخطواته الواسعة لرجل في عمره، كان يتحدث وهو يتابع سيره حتى وقف عند باب المصعد الذي انفتح ما إن ضغط على أحد الأزرار.
- لو جنة طلعت متجوزة عمران صح، يبقى اِترحم عليه عشان سليم هيزعلك عليه جامد قوي. ولو طلع كلامك ده كذب، يبقى حضّر كُفنين، واحد لي والتاني ليك.
ولج المصعد قبل أن يستمع إلى رد صديق عمره الذي نفذ صبره في إقناعه. مال برأسه على مقدمة العصا العاجي، وقال بخفوت:
- ربنا يعدي الأيام ديه على خير.
على الجانب الآخر من نفس المدينة وتحديدًا في منزل الحاج نعمان، كانت تترجل من سيارته الفارهة، جرها خلفه كما فعل في المشفى. كانت تحاول فك قبضته الحديدية التي كادت تبتر كفها. صعدت ثلاث درجات ثم ولجت البهو الكبير. ترك معصمها ما إن صرخت به حتى يتركها وشأنها. رفعت يدها لتصفعه، تفادى هذه الصفعة وقام بمنعها. تقابلت الأعين في مواجهة شراسة نيران داخل مقلتيه، تتقابل بتحدٍ في حدقيتها. رفع سبابته في وجهها وقال بحدة وصرامة:
- من هنا ورايح خروجك من هنا هيكون على تربتك.
رفعت سبابتها لتتحدث بذات النبرة:
- لو فاهم إن عمران هيسكت على اللي بتعمله ده تبقى بتحلم.
رد مبتسمًا بسخرية:
- عمران ولا هيقرب من هنا خلاص يا بت البندر، محدش يقدر يقرب من عرين الأسد.
ردت بثقة قائلة:
- هتشوف يا سليم، هتشوف.
زأر بصوته الجهوري حتى أتته الخادمة وجسدها ينتفض قائلة بذعر:
- أيوه يا سيدي.
- أخفيها عن وشي، وماتشوفش عتبة الدار ديه أصلًا. ولو حصل هتبقى روحك بعيدة عن جسمك.
- حاضر يا سيدي، اللي تؤمر بيه.
صعدت جنه إلى غرفتها الجديدة بالبيت الجديد مع أناس جدد وشاب غريب الأطوار. أدخلتها الخادمة عنوة. الجميع يتعامل معها بعنف عكس ما تعامل معها عائلة والدتها. جلست على حافة السرير، دفنت وجهها بين راحتيها تبكي على حالتها تلك.
رفعت رأسها وهي تتنهد بحرقة. ما الذي فعلته حتى يحدث كل هذا؟ حديث جدها ينفذ بالحرف، توقعته، كانت بمحلها. ماذا تفعل لتنقذ كل هذه الأرواح؟ لعنت حظها مرة وحالها مرتين. طرقات خفيفة، ثم ولجت الخادمة وبين راحتيها وجبة غداء خفيفة، وضعتها على سطح المنضدة الخشبية. نهضت جنه عن حافة الفراش متجه نحو الشرفة، وقالت بحدة:
- خُدي الأكل، مش هاكل حاجة. وبلغيهم تحت إن عاوزة جدي أيوب هنا وحالًا.
- بس يا ست هانم.
ردت بصراخ قائلة:
- قلت مش عاوزة أطفح. خُدي الأكل وانزلي.
نفذت الخادمة الأمر على الفور. استوقفها سليم متسائلة بجدية:
- الأكل نازل زي ما هو ليه يا بهية؟
ردت بتوجس:
- ماهو ما هو.
قاطعها بعصبية قائلاً:
- ردي يا ولية، الجط كل لسانك ولا إيه؟
ردت بقلة حيلة:
- ماهي زعجت لي ياسيدي وطردتني من عندها، وقالت ما هتأكلش غير وجدها أيوب هنا.
هز رأسه بتفهم وقال:
- طب روحي أنتِ شوفي شغلك.
هبطت جميلة على سلالم الدرج بتثاقل، وكأنها امرأة عجوز لا تستطيع الحركة. شحب وجهها بين ليلة وضحاها، دمرها الحب وما زال تكابر كي تصل لمبتغاها. توقفت أمامه وتسألت بتردد في بادئ الأمر قائلة:
- هو... هو مين اللي جه هنا؟
رد سليم بجدية وهو يشدد على كلماته، متعمدًا إيقاظها من هذا الوهم الذي تعنته بالحب:
- دي جنة، بت عمك، مرات الدكتور عمران الهواري، بت عمته.
أبلعت غصة مؤلمة بحلقها ثم قالت بجمود مصطنع:
- هو... هو اتجوز ميتًا؟
- امبارح كانت دخلته، والنهاردة دخلته في الرعاية.
- إنت كداب، عمران ما يعملش كده.
- لا، عمل كده. وأجل لك على التجيلة، عمران وقف قصادي لأجل عيونها وخدها في ضهره.
لم ينكر أنها تستحق الشفقة، بينما هي حاولت التحلي بملامحها الصارمة كما أمرت حدقتاها أن لا تفضحها أمامه. ابتلعت غصتها وعادت من حيث أتت، كي لا يتعمد قهرها بما لا تستطيع تحمله.
البكاء أصبح رفيقها هذه الأيام، لا تعرف متى ستتخلص منه، لكنه من البديهي أنه سيطول مادامت تلك الحمقاء زوجته.
في مدينة القاهرة، الساعة الآن السادسة مساءً. خيم الغسق على تلك المنطقة العشوائية التي تقطن فيها بدور الأسيوطي، ابنة الرجل الذي لا يملك في هذه الحياة سواها بعد وفاة والدتها قبل أن تكمل عامين بأيام قليلة. رجل مريض قلب وسكر وارتفاع في ضغط الدم، أمراض كثيرة يعاني منها رغم صغر سنه، لكنه رجل كثير الحمد. كانت بدور ستتزوج لولا سوء حظها أم حسن لا يعرف، لكنه إذا علم سيحمد الله على سلامتها قبل أي شيء. انتهت من أعمالها اليومية وقبل أن تلتقط أنفاسها، قرع صوت الناقوس صدح بالشقة الصغيرة المكونة من غرفة واحدة وردهة صغيرة. ذهبت لتعرف من الطارق في هذا الوقت.
وجدته شابًا يافع الطول، عريض المنكبين، يرتدي حلة سوداء أنيقة وحذاء من ذات اللون. كانت تتطلعه من رأسه حتى أخمص قدميه، متسائلة عن ذاك الشاب سليل العائلات المحترمات، كيف له بأن يأتي إلى صندوق أشبه بصندوق القمامة كما قالت جنة في إحدى ليالي... انتشلها من بئر خيالها متسائلاً بهدوء:
- هو هنا بيت عمي ناجي الأسيوطي؟
ردت بدهشة قائلة:
- هااا... أه، هو بيته.
ابتسم لها وقال بعفوية:
- يبقى أكيد أنتِ بنته.
ما زالت على حالتها تلك. طرقع بإصبعه لينتشلها من هذا البئر الذي وقعت فيه مرة أخرى وقال:
- ركزي معايا لو سمحتي، أنا حذيفة ابن عمك. لو ينفع توصليني بعمي يبقى كتر خيرك.
حركت رأسها ببلاهة وهي تسمح له بالدخول. تجاوزها تحت ابتسامة خفيفة يشكرها فيها من خلالها. وقف خلف الباب حتى تسمح له بالجلوس. أشارت له ليجلس على أحد المقاعد بعد أن نظفتها للمرة الخمسين، ليليق به. جلس وطلب منها أن تأتي بوالدها. نفذت طلبه وهي ما زالت وسط دهشتها وذهولها من ذاك الشاب الذي لا ترى مثلًا إلا في شاشات التلفاز أو المجلات والجرائد.
أتى والدها ليتأكد من ثرثرة ابنته. وقف حذيفة عن المقعد المتهالك وسار تجاه عمه مد يده ليصافحه وهو يقول بابتسامته المعهودة:
- أنا حذيفة مسعد الأسيوطي، ابن أخوك يا عمي.
حالة من الصمت سادت المكان إلا من صوت خفقات قلبه التي كادت أن تفضحه. كانت عيناه على كفه الممدودة، فجاءه بعدم المصافحة وقال بنبرة حادة:
- جاي ليه؟ أبوك عاوز مني إيه تاني؟
حاولت بدور أن تخفف من غضب أبيها لكنه قاطعها بحدة لم تعهدها منه وهو يشير بيده للداخل وقال:
- أنتِ اخرسي خالص، أنتِ مش عارفة أبوه عمل فيا إيه. أبوه هو السبب في اللي أنا فيه دلوقتي. ادخلي وملمحش طرفك برا الأوضة.
تابع بذات النبرة وقال لابن أخيه:
- وإنت اتفضل اطلع برا، وياريت ماشوفش وشك ده تاني. وقل لأبوك ينساني.
قاطعه بصوت مختنق ونبرة تملؤها الحزن:
- بابا بيموت وأمنيته قبل ما يموت إنه يشوفك.
استدار بجسده كي لا يرى ضعفه وقال بجمود:
- يبقى قل له يموت، لأني مش هشوفه.
أتت بدور وقالت برجاء:
- بابا، دي أمنية أخوك، وإنت عمرك ما رفضت لحد طلب، مابالك لما يكون الحد ده أخوك.
- قلت اخرسي.
خرجت تلك الجملة من فم والد بدور وهو يصفعها للمرة الأولى التي يفعل معها هكذا. لم تتحمل هذه الصدمة منه، هرولت تجاه حجرتها. بينما هو أطبق على جفنيه ندمًا على فعلته تلك. أما حذيفة، كانت عيناه معلقتين على حجرتها، كان يريد الاعتذار منها، لكن عمه لم يسمح له بذلك، بل فعل الأكثر جرأة وهو يدفع بجسده للخارج قائلاً:
- اتفضل مع السلامة، وياريت ماشوفش وشك تاني. وقل لأبوك يموت بعيد عني.
توقف حذيفة عند الباب الخارجي وقال برجاء:
- يا عمي، ليه نفتح الماضي؟ خليه مقفول ونرجع زي الأول. ارجوك.
تركه العم ناجي وقال بمرارة في حلقه وهو يستدير بجسده كله لداخل الشقة:
- إنت متعرفش أبوك عمل إيه عشان يذلني. متعرفش أنا عشت إزاي. أبوك ضحك عليا وأخذ ورثي مني ورماني. خلاني أعمل حاجات مستحيل كنت أفكر أعملها.
ولج حذيفة للداخل وقال بحزن:
- وأهو ربنا أخذ لك حقك منه. معاه ملايين والملايين دي فشلت إنها تعالجه من مرضه.
وضع يده على كتف عمه وقال بتوسل:
- أبوس إيدك يا عمي تحقق أمنية بابا دي، أمنيته الأخيرة. بابا بينه وبين الموت أيام، ويمكن تكون ساعات. ارجوك، أنا تعبت لحد ما وصلت لك هنا. أنا بقالي شهور بدور عليك.
ازدرد لعابه قبل أن يوافق على مضضٍ قائلاً:
- موافق، بس بشرط.
رد بسعادة قائلاً:
- كل شروطك موافق عليها من غير ما أعرفها.
رد مقاطعًا بجدية:
- لأ، الشرط نور. أنا هروح معاك، بس مرة واحدة ومش هروح تاني. لو اتقلبت قرد.
رد باسمًا:
- لا، متخافش. هي مرة واحدة وخلاص.
- اقعد هنا وأنا هخلي بدور تعمل لك حاجة تشربها على ما ألبس.
هتف عدة مرات حتى أتته ابنته وهي تكفكف دموعها بظهر يدها وقالت بنبرة متحشرجة إثر البكاء:
- نعم يا بابا.
رد بجدية مصطنعة قائلاً:
- شوفي حذيفة يشرب إيه على ما ألبس عشان هروح معاه.
أومأت برأسها علامة الإيجاب ثم قالت بصوت هادئ:
- حضرتك تشرب؟
رد باعتذار قائلاً:
- أنا آسف، أنا السبب في اللي حصل لك بجد، مكنش قصدي خالص.
اغتاظ والدها منه وقال بغيظ مكتوم:
- وهو اللي كنت أقصد يا واد إنت!! ماهو إنت السبب إنت وأبوك. قبل ما تطل علينا بطلتك البهية دي، كنت أنا وهي زي السمن على العسل.
ردت مبتسمة وهي تحتضنه:
- وهنفضل كده يا حبيبي طول العمر. ربنا يخليك ليا.
ضمها لصدره بحنو وحب، كان يشعر بشيء يقبض له قلبه، لا يعرف ما هو، لكنه يعلم أن قبضة القلب هذه لا تأتي من فراغ. حاول إخفاء هذا الشعور عنها حتى لا يزعجها. وبعد مرور عدة دقائق، كان حذيفة يرتشف قهوته التي صنعتها له بدور. انتهى منها سريعًا، شكرها في كلمات بسيطة، لكنها منمقة. اكتفت هي بالابتسامة الخفيفة. خرج والدها من حجرته وهو يغلق أزرار قميصه الأبيض، وقال بجدية:
- بدور، أنا هروح مع حذيفة وراجع تاني.
قاطعه صوت الناقوس الذي صدح بإزعاج وطرقات شديدة لا تهدأ أبدًا. هرولت نحو الباب بخطواتها السريعة، فتحت الباب وجدت شقيقة خطيبها السابق ماثلة أمامها، والشر والغضب يتطاير من عينيها كأنها حمم بركانية. وقبل أن تتحدث، قبضت على خصلات شعرها، كادت أن تقتلعها. دوت صرخات بدور، بينما حاول والدها إنقاذ ابنته من تحت يدي تلك المتوحشة. لم يستطع نظرًا لسنه، فقام حذيفة بمساعدته ونجحا سوياً في إنقاذ ابنته. سألها بغضب قائلاً:
- أنتِ مين وعاوزة إيه؟ وإزاي تمدي إيدك عليها أصلًا؟
ردت بنبرة عالية قائلة بغيظ:
- أنا يا حبيبي أبقى أخت المرحوم خطيبها، والهانم ضربت على دهبه وفلوسه اللي كان معاه. ولما مات قالت تدور على غيره.
ردت بدور وهي تنظر لوالدها:
- والله يا بابا ما أخذت حاجة، والكلام اللي بتقوله ده محصلش.
تابعت وهي تنظر لها قائلة بقهر:
- أخوكي أصلًا يا عبير مجابش دهب. ده كان دهب صيني وأنا سكت عشان بابا ميوقفش الجوازة. والفلوس اللي بتتكلمي عليها دي كانت فلوسي، فلوس شغلي، وهو اللي أخذها مني وربنا يسامحه بقى.
كادت عبير أن تجذبها مرة أخرى من شعرها المشعث وهي تقول:
- ليه؟ وفلوس شغله كانت فين؟
قبض حذيفة على معصمها وقال بتحذير واضح:
- لو فكرتي تقربي لها، مش هكسر لك إيد ولا رجل، لأ هكسر لك رقبتك. فلوسك هاخذها منك.
ردت بدور بعصبية قائلة:
- بس هي ملهاش حاجة تاخدها منك ليه يعني؟
دس يده في جيب سترته ليخرج دفتر الشيكات خاصته، دون سريعًا بياناته، ثم قام بقطع الشيك ووجهه نصب عينيها وقال بتحذير:
- جدعة، قربي منها ولا من البيت تاني، وصدقيني هنسى إنك ست.
خرجت عبير من البيت بعد أن أخذت مبلغًا لم تحصل عليه في أحلامها حتى. نظر حذيفة إلى بدور وقال بهدوء:
- أنا من رأيي تيجي معانا لأن هنا مبقاش أمان عليكي.
رد والدها مؤيدًا لحديثه:
- وأنا كمان شايف كده. ادخلي البسي وتعالي معايا، إحنا كده كده مش هنتأخر هناك، ولما نرجع لينا كلام تاني.
أومأت برأسها علامة الإيجاب ثم قالت:
- حاضر يا بابا.
وبعد مرور ساعة ونصف تقريبًا، كانت تقف جوار والدها تنظر لمنزل عمها الذي لم تراه قط، قطعة من الجنة على الأرض. تمتم والدها بخفوت قائلاً:
- كان ينفع تعيشي في مكان زي ده لو عمك ما أخذش حقي مني.
ردت بذات النبرة:
- بابا، ابنه بيقول إنه بين الحياة والموت. سامحه وارضى بنصيبك.
أومأ برأسه وقال:
- حاضر يا بنتي، أنا كمان محتاج إن ربنا يغفر لي اللي عملته.
لم تفهم مغزى حديثه، لكنها تود أن تعرف ما الذي يقصده بحديثه دائمًا. ولجوا جميعًا الفيلا وجلسوا في غرفة الصالون لدقائق. ثم جاء حذيفة بوالده القعيد على كرسي متحرك. وقف ناجي وقال بحدة:
- إنت بتضحك عليا وبتقول إن أبوك بيموت وهو زي القرد؟
رد مسعد وقال بقهر وحزن:
- وهو في أكتر من كده إيه يا خورشيد؟ أنا مشلول ومريض كانسر. جالي سرطان في المعدة، وكأن ربك أراد بيقول: ورث أخوك اللي أكلته في بطنك مش هخليك تنهي به.
رد ناجي بصراخ قائلاً:
- لأ، سرطان في حتة واحدة ماينفعش. إنت لازم تموت مليون مرة. إنت السبب في اللي أنا فيه، إنت اللي وصلتني للي وصلت له دلوقتي.
قاطعه مسعد بقهر:
- وربك بيخلص. صدقني ربنا مبيسبش حق حد أبدًا.
هوى على المقعد وقال بانهيار:
- ودا اللي خايف منه. خايف ربنا يخلص اللي عملته في بدور بنتي، خايف ياخدها مني بذنبى.
تابع بحدة:
- إنت السبب، إنت السبب. لو كنت ادتني فلوس يوم ما جيت لك واترجيتك عشان أنقذ مراتي وبنتي، مكنش حصل اللي حصل.
رد بعدم فهم:
- إيه اللي حصل؟ يمكن نقدر نصلحه.
رد بغضب:
- تصلحه؟ تصلحه إزاي ها؟ قل لي تصلحه إزاي؟ هتروح تجيبه من قبره وترد روحه؟
سأله حذيفة قائلاً بعدم فهم:
- هو مين؟
أجابه بصراخ:
- رياض عمران السيوفي. أنا اللي قتلته وسرقت فلوسه عشان أنقذ مراتي وبنتي من إنهم يموتوا.
وقع الخبر على مسامعها كالصاعقة. كاد أن يصم الأذن من هول الصدمة. ما هذا؟ أبي قاتل؟ ومن والد أعز صديقاتي والوحيدة في هذه الدنيا!! كنت لا أحتمل أن أكون قاتلة، فأصبحتُ قاتلة ابنة قاتل...!!
رواية لتحيا نيران العشق الفصل الرابع 4 - بقلم هدى زايد
صدمة، حزن، شرود، وهدوء تام ساد المكان للحظات قبل أن ينفجر "ناجي" في أخيه ليخرج ما في جعبته دفعة واحدة.
أكثر من ثلاثة وعشرون عامًا مروا على هذه الجريمة. كانوا أصدقاء وتفرقوا بسبب انشغال كل منهما عن الآخر بحياته الخاصة. وعند أول خلاف حدث بينهما، قتله "ناجي". لم ينكر أنه تعجل بقتله، كان يمكنه المحاولة في طريق آخر، لكنه اختصر كل هذا ووقع الاختيار على أن يكون قاتل وصديق العمر ورفيق الدرب هو القتيل والاستيلاء على أمواله، ضاربًا بكل هذا عرض الحائط.
كان يسرد ما حدث لهما، لم ينكر شيئًا ولن ينكر الندم الذي لا يفارقه، كما لا يفارقه أيضًا صورته وهو يغدر به، يطعنه في ظهره، يراه وهو يسقط على ركبتيه حتى افترش الأرض بجسده وسيل من الدماء يخرج من فمه. اختلطت الدماء بالأرضية التي يفترشها. والد "جنه" سرقه وفر هاربًا غير مبالٍ لحالته تلك.
عاد "ناجي" من ذكرياته وهو يطرح سؤاله لأخيه الذي نكس رأسه خجلًا وندمًا على امتناعه لمساعدة أخيه.
- كان صاحب صاحبه ولو كنت طلبت نور عيونه مكنش هيتأخر، بس يشاء القدر إننا نتحط في نفس الموقف أنا وهو في نفس الوقت. جت لك رفضت تساعدني.
قاطعه قائلًا:
- دي وصية أبوك.
هدر بصوته كله وقال:
- ملعون أبو دي وصية. ملعون أبو دي وصية تخلي الأخ يتخلى عن أخوه في أصعب الأوقات. بسببك وبسبب أبوك قتلت نفس بغير حق وعمر ربنا ما هيغفر لي أبدًا.
"قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِن رَّحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ." صدق الله العظيم.
قالها "حذيفة" مقاطعًا عمه الذي نزع يد والده عن فخذه بعنف وراح يكمل بهدوء:
- ارجع لربنا واستغفر وصلي.
رد عمه مقاطعًا بحدة وصرامة:
- اخرس يا واد إنت مش مستني واحد زيك يعلمني.
نكس "حذيفة" رأسه أرضًا وقال بهدوء:
- آسف يا عمي.
نظر والد "حذيفة" لابنة أخيه وقال بابتسامته الواهنة:
- معقول خورشيد عنده قمر كدا؟ اسمك إيه؟
ردت مبتسمة بحزن:
- بدور.
راق له الاسم وقال بإعجاب:
- اسم على مُسمى.
تابع بفضول:
- وعندك كام سنة بقى يا بدور؟
- 25 يا عم.
قاطعها والدها قائلًا بحدة:
- أنتي ملكيش أعمام. واحنا هنمشي من هنا، يلا بينا.
رد أخيه بعصبية وقال:
- هو إنت على طول كدا زي القطر بتاخد في وشك وتمشي؟ اصبر عشان تعرف جايبك ليه.
تنهد بضيق متسائلًا بحنق:
- عاوز مني إيه يا مسعد؟
رد ببساطة:
- مش عاوز حاجة. عاوزك تستلم ورثك ونرجع أحباب من تاني.
سأله بشك:
- بسهولة كدا؟ وليه بعد كل السنين دي؟
رد "مسعد" بعد أن نفذ صبره وقال:
- إنت عارف كويس إن مليش في فلوسك حاجة. أبوك الله يرحمه كان عارف إنك مجنون وبتجري يمين وشمال وكان حابب يحافظ على ثروته اللي جمعها.
رد ساخرًا وهو يصحح له قائلًا:
- قصدك يكبر ثروته بجوازي من بنت الشهاوي.
تنحنح "مسعد" وهو ينظر لابنه وقال بتلعثم:
- حذيفة خد بنت عمك وفرجها على الفيلا. وأدي خبر لدادة راضية تحضر أوضة لعمك وبدور.
رد بحزن استشفه والده من نبرة صوته ما إن سمع الأخير يتحدث عن أمه بعدم اكتراث لوجوده.
أشار بيده للخارج وقال بهدوء:
- اتفضلي يا بدور.
ما إن خرجا من غرفة الصالون، عاد "مسعد" ببصره تجاه أخيه وقال من بين أسنانه:
- يا أخي خلي عندك مخ وافتكر إن اللي بتكلم عنها دي مراتي أم ولادي.
رد بدهشة قائلًا:
- يخرب عقلك! إنت اتجوزتها إمتى وازاي! دا أنا هربت يوم الفرح.
رد بسخرية:
- إنت هربت وأنا لبست. مكنش في حل تاني غير إني اتجوزها عشان نلم الموقف.
سأله بفضول قائلًا:
- وهي كان رأيها إيه؟
أجابه بغرور:
- طلعت كانت بتحبني.
تابع بجدية:
- بس طبعًا معترفتش كدا بسهولة. أنا قلت لها لو عاوزة تنفصلي تصبر شهر ولا اتنين وبعدها كل واحد يروح لحاله. ربك بقى. قرب بنا، والمدة دي كانت تقدر تقول عليها فترة تعارف والحمد لله ربنا رزقنا بولادين زي الفل، حذيفة و خورشيد.
لاحت ابتسامة خفيفة على ثغره وراح يقول بحنو:
- سميته على اسمي يا مسعد.
بادله الابتسامة وقال:
- كنت عاوز أنطق اسمك على طول.
تابع بتذكر قائلًا:
- صحيح، هو إنت مش معاك حد غير بدور؟
رد بأسى:
- كان في غيرها ولد ومات تاني يوم الولادة. وبعدها أمها حملت فيها. ولما تعبت بعد الولادة، الدكتور منعها من الحمل بسبب قلبها. وأنا كمان منعتها. بس حملت من ورايا وماتت قبل ما تولد وسابت لي بدور.
تنحنح "مسعد" وقال بجدية:
- أنا كلمت المحامي وجاي بكرة عشان نظبط كل حاجة ويرجع لك حقك.
رد "ناجي" مقاطعًا بجدية:
- أنا مش عاوز حاجة باسمي، عاوز كل حاجة باسم بنتي.
تابع بحزن وقهر:
- اياك بس تسامحني على اللي عملته.
ربت على أخيه وقال:
- أهدأ وكل شئ هيتحل بإذن الله.
- يارب يا مسعد.
على الجانب الآخر من نفس المكان وتحديدًا في حديقة المنزل، كانت تجلس بجسدها معه وعقلها مازال لا يستوعب ما حدث منذ قليل. وكأنه رفض عقلها ترجمة حديث والدها. أيعقل هذا؟ والدها قاتل ومن والد صديقتها! كيف ستواجهها؟ كيف ستتحدث معها؟ وأين ستأتي بالجرأة لهذا؟
أما "حذيفة" كانت عيناه تسترقان النظر إليها كلما سنحت له الفرصة بذلك. لا يعرف كيف يبرر فعلة عمه أو أبيه. كلاهما السبب في مقتل رجل لم يراه، لكن يشعر بألمها. تلك النظرة يعرفها جيدًا، نظرة الخذلان. تجرعها من قبل عندما علم بما فعله والده بعمه وغدره به. حاول أن يعود بذاكرته للواقع ويتركه من ذكريات والده والتففه حول والدته وثروتها ليجمع أكثر ما يمكن جمعه ليكون ثروة طائلة، وليس كما قال لأخيه أنه تزوج بدلًا منه لينقذ الموقف. فكل شيء مرتب وبدقة عالية.
تنحنح وهو يربت بكلماته على قلبها علها تنسى ما حدث:
- كل واحد فينا لما بيتحط في موقف صعب تصرفه بيكون غير متوقع. متزعليش.
ردت مقاطعة بمرارة:
- مزعلش؟ إزاي معلش عشان آخد بالي؟ آه خلاص فهمت. أنا هروح أقول لجنه. معلش يا جنه أصل بابا قتل باباكي عشان كان معذور في قرشين.
قاطعها هذه المرة وقال:
- لو كان باباها اتحط في نفس الموقف كان...
ردت بصراخ قائلة:
- إنت بتبرر إيه! ولمين؟ هو كان في نفس الموقف فعلاً بس اتصرف بعيد عنه. لكن توقفت عند نطق لفظ (بابا) واستبدلته بلفظ: عمك اختار الطريق الأسهل.
رد بصوت هادئ وبنبرة تملؤها العتاب وقال:
- عمي ميستاهلش منك كدا ولا يستحق القسوة دي. هو غلط واحنا منكرناش ده، لكن حسابه عند ربنا.
- وجنه... أحط عيني في عينها إزاي؟ إزاي هقولها اللي طول عمرك بتقول له يا عمي هو اللي قتل أبوكي؟
- أنا يمكن ماشفتش جنه صاحبتك ولا أعرف طريقة تفكيرها، بس أكيد لو عرفت وفهمت اللي حصل وقتها هتعذره.
اكتفت بالابتسامة ولم تعقب على حديثه. ربما اعتبرتها ثرثرة لهذا لا يجب الرد عليها.
لم يختلف الأمر في الصعيد وتحديدًا في منزل الذي تُسجن فيه "جنه". كانت جالسة على طرف فراشها الوثير تنظر بعدم اكتراث لحجرتها الجديدة. أطلقت تنهيدة قوية متمتمة بخفوت:
- يارب.
هبت وواقفة من مكانها، متجهة نحو الباب. وضعت يدها على المقبض الحديدي مترددة في فتحه. حسمت أمرها وهي تضع يدها لتخرج من الغرفة. هبطت الدرج وهي تبحث عن جدها الذي كان يجلس في ديوان العائلة. هتفت عدة مرات بصوتها حتى خرج وخلفه ابنه وحفيده. توقفت عند الدرجة الثالثة وقالت بصراخ:
- أنا عاوزة أمشي من هنا. أنا مش هفضل هنا أكتر من كدا.
رد "سليم" وقال بحدة وصرامة:
- اخرسي يا بت وغوري على أوضتك دلوكه.
وجهت سبابتها نحوه وقالت بذات النبرة:
- أنا موجّهتش لك كلام. أنا كلامي مع جدك.
كاد أن يسير نحوها لكن منعه عكاز جده الذي توقف على صدره وقال جده بهدوء مريب والابتسامة تزين ثغره:
- ملكش صالح إنت يا سليم. سيباها لي.
تابع بحنو وحب:
- تعالي لي يا جلب جدك من جوه.
تسمرت مكانها ربما تعيد حساباتها أو تنتظر إشارة عقلها تترجم لها ما يحدث أمامها. حقًا لا تعرف شيئًا سوى أنه سحبها من يدها في هدوء وقادها نحو غرفته وطلب من "سليم" أن يتبعه.
وفي أقل من دقيقتين كانت تجلس جوار "سليم" وجلس هو مقابلتهما. وضع بعض الأوراق الخاصة بها وقال بهدوء:
- جولي لي يا جنه هو صح أنتي اتجوزتي عمران؟
للحظة أخذت تفكر في حديث "عمران" لها وهو يأكد مرارًا وتكرارًا. انتشلها جدها من شرودها مكررًا سؤاله لترد هي بجدية:
- أيوه أنا وهو متجوزين وحضرتك شفت القسيمة.
رد بجدية محاولًا كظم غيظه قائلًا:
- لأ ما عاوزش ورق. قصدي هو اتجوزك صح يعني بجيتي مرته؟
ردت بكذب وهي تنظر أرضًا:
- أيوه بقيت مراته.
رد قاطعًا بغضب واضح في صوته قائلًا:
- كيف ديه حصل؟ كيف مده ديه؟
ارتعدت من صوته وغضبه. رمشت بأهدابها عدة مرات متسائلة بخوف:
- هو في إيه؟
نظر "سليم" لها ثم عاد ببصره لجده وهو يضمم أنامله ليقول بخفوت:
- بالراحة مش كده يا جدي.
تنهد الجد بعمق قبل أن يمسح بيده على ظهرها وراح يقول بلهجة المعتذر:
- متزعليش يا جلب جدك.
تابع بجدية:
- اطلعي لزين وعاوزك توعي لحديدتي ديه زين.
ردت بفضول:
- كلام إيه؟
احتضن وجهها وقال بهدوء:
- هتطلقك من عمران وبعدها هاكتب لك عشرة فدان. مش بس كده لأ هجوزك أحسن راجل في الدنيا كلها وهوزنك دهب.
ردت بعدم فهم:
- قصدك إيه؟ مش فاهمة، عاوزة توصل لإيه؟
أجابها بطريقة عملية:
- الورث ده فيه كل شبر أبوكي الله يرحمه كان يملكه. مش بس كده لأ فوجيهم مليون جنيه مؤخرك من عمران ولسه مهرك من عريسك الجديد. قولي موافجه وشوفي جدك هيعمل إيه عشانك.
فرصة لن تعوض حقًا. ماذا تفعل؟ ترفضها أم تقبل بها؟ والأهم من هذا كله ما مصير عائلة والدتها؟
ردت بسرعة قائلة:
- أيوه بس عمران هتعمل معاه إيه؟
اعتبرها جدها أن هذه الجملة بمثابة موافقة مبدئية. نظر لحفيده وهما يتبادلان الابتسامة في آن واحد. وقف الجد عن مقعده وقال بجدية مصطنعة وهو يشيح بنظره نحو النافذة وقال:
- ربك هيسويها. المهم إن المبدأ موجود. الباقي سهل.
لم يفهم سؤالها لم تقصد هذا بالطبع. هي لا تريد الغدر به لأنها لم ترى منه إلا الخير. فكيف هي تفعل عكس ذلك؟
طلبت منه العودة إلى بيتها فرفض وبرر لها بأنه يتوق شوقًا لها. عادت إلى سجنها.
أما في غرفة "عمران" بالمشفى، كان يتألم من آلام رأسه الذي عصف به. كان يجبر عيناه على فتحهما وهو يضع يده على جبهته. أوزع نظراته حوله ليجد نفسه بإحدى غرف المشفى وليس غرفته. كانت جالسة على المقعد الخشبي المجاور للسرير. أيقظها بصوته المتعب وهو يقول بخفوت:
- جميلة جميلة.
رفعت وجهها له تفحصته وقالت بلهفة:
- عامل إيه دلوكه يا عمران؟ فين جنه وإيه اللي حصل؟
كان سؤاله سريعًا، سريعًا لدرجة لا تتوقعها. كيف بهذه السهولة يسأل عن غيرها؟ حاولت أن تشغله في أحاديث أخرى لكنه كرر سؤاله بحدة هذه المرة قائلًا:
- بجل لك فين جنه؟ هي زينة ولا حصل حاجة؟
لم تتحمل كل هذا. كفى لن تتحمل أكثر من ذلك. ردت بصراخ قائلة:
- جنه بخير متخافش عليها. كده هيحصل لها إيه يعني؟ للدرجة دي واكلة دماغك يا عمران؟
تابعت بمرارة قائلة:
- أني يا عمران اللي لازم تفكر فيها كده. أني ومحدش تاني.
تحامل على نفسه ليعدل من جلسته وهو يقول لها بهدوء وعقلانية:
- يا جميلة أني عمري ما وعدتك بحاجة ولا جلت لك إني هتجوزك. أني كنت صريح وياكي من أول لحظة لما جيت واتحددت وياكي في الجامعة. أرجوكي ابعدي عني وعيشي حياتك، أنتي ألف واحد يتمناكي.
- مش عاوزة من الألف دول غيرك يا عمران.
- يابت الناس عيشي مع واحد يحبك صح. واحد يشيلك جوه قلبه جبل عينه. أنا واحد متجوز وبجالي بيت ماينفعش أخربه.
- دلوكه بتجول بجى ليك بيت! وحديثك ليا في الجامعة كان إيه؟
رد مصححًا:
- لأ خلي حديثك واضح يا جميلة. يوم ما جيت لك واتحددت وياكي كان مجرد حديث عادي. جلت خلينا أصدقاء في الجامعة. ولما سألتك عن نوايا جدك جلت عاوزة تجولي جولي. جلت هجول. ولما حسيت إن قربك ليا ده اترجم غلط، عنيدك جلت ابعد يا واد وملكش دعوة بيها.
تسمرت مكانها تستمع لكلماته الذي نزلت عليها كالحمم تُشعل قلبها وتدمر نياطه دون رحمة. العجيب أنها تعلم هذا جيدًا، لكن قلبها يأبى الاعتراف بهذا ويريد تتويجه عاشقًا.
أطبقت على جفنيها وهي تبتلع غصتها بمرارة. اليوم وضع نهاية عشق لم يكتمل سوى بعقلها فقط. فتحت عيناها المصبغة بالاحمرار، رفعت سبابتها في وجهه وقالت بصوت متحشرج إثر البكاء:
- خليك واعي لحاجة واحدة يا عمران وهي إنك لو في يوم هتبقى لحد هيكون الحد ديه هو أني وبس. غير كده جول على نفسك يا رحمن يا رحيم.
خرجت من غرفته بالمشفى بخطواتها المتعثرة. وصلت إلى المصعد بصعوبة بالغة. لا تعلم كيف نجحت في أن تصل إلى سيارتها بهذا الجمود.
أما هو زفر بقوة وهو يجلس على طرف سريره وكأنه جبل جاثم على صدره، واليوم فقط تم إزالته. ربما كان ينقصه هذه المواجهة وتم على خير من وجهة نظره.
بعد مرور يومان، جلست على الأريكة الخشبية محتضنة الوسادة الصغيرة بين ذراعيها، مضطربة عن الطعام يومان. بدأت تشعر بالتعب، رغم كل هذا لم تتراجع عن طلب العودة. جلس جوارها بعد أن أشار للخادمة بالرحيل بعد أن وضعت (صينية الطعام) على سطح المنضدة. شاحت بوجهها للجهة الأخرى كي لا تتحدث معه بعد هذا اليوم العصيب. بينما هو فاجأها بحديثه قائلًا:
- لساتك زعلاني مني؟ معلش حجك برضه. بس لما تعرفي مين هو سليم السيوفي هتنسي زعلك مني.
ردت بنبرة تغلفها الحزن:
- مش عاوزة منك حاجة ولا عاوزة أعرف عنك حاجة. كل اللي عاوزاه إني أرجع بيتي.
- ماهو دي كمان بيتك!!
- لأ مش بيتي وحاسة نفسي غريبة هنا.
- طيب تعالي نتفاهم. أتفاهم كلي وكلك. كلتاه وأني أخليكِ تروحي بيت جدك بكرة.
سألته بلهفة:
- بتتكلم جد يا سليم؟
أجابها بنبرة صادقة:
- والله بتكلم جد الجد كمان.
سألته بتوجس:
- طب وجدك؟
أجابها بثقة:
- مش أني اللي جبتك يبقى أني اللي هوديكي وبعربيتي كمان.
تابع مازحًا:
- اشربي النسكافيه ديه أني اللي عامله بإيدي.
نهض عن الأريكة وقال بجدية:
- عندي شغل كتير كلي وكلك ولما نرجع هنتفاهم كتير.
ردت مقاطعة بخجل:
- ممكن طلب ومش هأخرك والله.
جلس مرة أخرى وقال باسمًا:
- اتفضلي يا جنه جولي.
- كنت عاوزة أعمل مكالمة من تليفونك لأن نسيت تليفوني هناك عند جدي.
دس يده في جيب سترته الرمادية وقال بمرح:
- اتفضلي ياستي التليفون أهو بس هاخد حق المكالمة.
تناولت الهاتف من يده وقالت بامتنان:
- متشكرة قوي يا سليم.
ضغطت على أحد أزراره ثم أعادته وقالت:
- دا له باسورد خد اكتبه.
رد بسرعة دون أن يأخذه:
- اكتبي 11 11، ديه تاريخ ميلادي.
ابتسمت له وهي تكتب بسرعة الرقم الذي تريد الاتصال به قائلة:
- سبحان الله دا نفس تاريخ ميلادها.
قطب مابين حاجبيها وقال بفضول:
- مين دي؟
وضعت الهاتف على أذنها وقالت:
- بدور صاحبتي.
وقبل أن تكمل حديثها ردت بلهفة قائلة:
- آلو، أيوا يا بدور أنا جنه. الو الو الو.
نظرت إلى الهاتف بتعجب وهي تقول بدهشة وذهول:
- غريبة دي.
- في إيه؟
- بدور ردت عليا ولما عرفت إن أنا قفلت.
- يمكن بتحسب حد بيعاكسها ولا حاجة.
- هي أصلاً مبتردش على أرقام غريبة. بتفتح وتسكت ولما تعرف إن صوت ست بترد.
تابعت بجدية وهي تعاود الاتصال بها قائلة:
- يمكن الخط فصل. أنا هكلمها تاني. أكيد هترد مش معقول تكون قاصدة.
كررت الاتصال أكثر من ثلاث مرات حتى تمكن اليأس منها فأعطته هاتفه وقالت بيأس:
- اتفضل تليفونك مافيش فايدة مش بترد. شكلها فهمت فعلاً إن رقم بيعاكس.
نهض عن الأريكة وقال بجدية:
- خلاص لما اتكلمت هبقى أفهمها الموضوع. هاسيبك دلوكه وبكرة بإذن الله هرجع من النبطشية وهنروح لجدك.
ردت بإحباط:
- لسه بكرة.
- هانت كلها ساعات. خلصي واكل وأني هرتب كل حاجة وتروحي عند جدك. سلام عليكم.
تركها في ذات اللحظة التي ولجت فيها ابنة عمه. رمقتها بنظرات غيظ وحقد شديد. عقدت ساعديها أمام صدرها وقالت بنبرة حادة:
- أنتِ مرات عمران الهواري؟
أعادت الكوب مكانه وهي تمئ برأسها علامة الإيجاب. متسائلة بفضول:
- أيوا أومال أنتِ مين؟
ردت بجدية دون تردد:
- أني اللي قاعدة في قلبه. أني اللي كان لازم تشيل اسمه. أني اللي كل نفس طالع ولا داخل من صدره بيقول بحبك يا جميلة. عرفتي أني مين يا شاطرة.
ردت بهدوء ظاهري:
- أنتِ الماضي اللي كلمني عنه. مبسوطة أني شفتك يا جميلة رغم إن بقالي يومين في البيت وأنتي متجنبة الكلام معايا. لكن دلوقتي فهمت ليه.
تركتها تلعن حظها التعيس مرة وعمران مرتين. تزوج بها ولديه حبيبة كيف هذا؟ كانت تظن أنها ستبني بيتًا جديدًا بدلًا التنقل هنا وهناك. كانت تصعد درجات السلم درجة تلو الأخرى بخطوات متثاقلة وعقلها كاد أن ينفجر. كيف هذا يحدث؟ يومًا واحد ستبدأ في حل مشاكلها بهدوء وحذر. وأولى هذه الخلافات انفصالها من "عمران".
ليه كدا يا بدور؟ ليه قفلتِ في وشها وأنتي متأكدة إنها هي؟ قائل هذه العبارة "حذيفة" الذي كان يعاتبها بكلماته. أما هي كانت شاردة في ذكرياتها معها، ضحكاتهن، أحزانهن، جنونهن، ومشكساتهن لبعضهن البعض. كل هذا تذكرته وكأنه شريط ذكريات يمر أمامها. كيف يمكنها أن تكتم ما حدث لوالدها؟ والأصعب كيف يمكنها أن تحكي لها أن القاتل هو أبوها وليس شخصًا آخر.
انتشلها من بئر ذكرياتها بصوته الهادئ وهو يطرق بأنامله على سطح المنضدة الخشبية وقال:
- بدور سرحتي في إيه؟
ردت بشرود:
- ها لأ أبدًا.
تابعت باعتذار قائلة:
- عن إذنك يا حذيفة هطلع أوضتي عشان تعبانة شوية.
- مش هتتعشي معانا بقالك يومين مبتكلميش عمي والنهاردة كمان كدا مينفعش.
- معلش حاليًا مش هقدر أتكلم معاه. عن إذنك.
بعد مرور ساعتين من التفكير الطويل قررت أن تتحدث معها وتسرد لها ما حدث. لن تتحمل هذا الجبل يجثو على قلبها أكثر من ذلك. التقطت هاتفها الموضوع على سطح الكومود ثم قامت بالاتصال على هاتفها. وجدته خارج التغطية. تنهدت بإحباط. سرعان ما وجدتها قامت بالاتصال الرقم المجهول الذي هاتفتها منه منذ قليل.
خفقات قلبها كانت تتزايد كلما طال الرد. انقطع الرد أول مرة وكأنه القدر لا يريد كشف المستور. كررت الاتصال علها تجيب هذه المرة. وقبل أن تغلق الهاتف أتاها الرد و"سليم" يتحدث بهدوء:
- سلام عليكم، الو الو، في الحقيقة ديه مش تليفون جنه ديه تليفوني أني الدكتور سليم واد عمها. وحاليًا هي مش جنبي بس هي كانت حابة تطمن عليكي. حضرتك معايا ولا جفلتِ التليفون؟ طب كويس كنت بحسب بحدد حالي. خير اتفضلي. حاجة إيه؟ ماله والد حضرتك. الو الو الو.
نظر "سليم" إلى هاتفه ليتأكد أنها أغلقت الهاتف في وجهه وليس ظنًا منه. تمتم بتعجب:
- غريبة ديه! ياترى ماله أبوها وجصدها إيه إن الصاحب مبقاش صاحب.
كاد أن يعاود الاتصال بها لكنه ترك الهاتف ما إن جاءته حالة طارئة.
وبعد مرور ساعات طويلة عليه بين مرور المرضى وقضاء بعض العمليات الجراحية، مازال يومه طويل لا يعرف متى سينتهي. قرر أن يمر ليطمئن على صديقه مبررًا له بأنه داخل إطار عمله ليس إلا.
كان "عمران" يتابع بطرف عينه حال صديقه الذي يتابع بجدية تقارير حالته. ابتسم بطرف فمه وهو يقول بسخرية:
- زي القطط بسبع أرواح يمكن تخرج بكرة ولا بعده.
رد بذات النبرة بغرور:
- هواري وولاد الهوارية مبيجوش ضعاف واصل.
رد "سليم" مقاطعًا بسخرية:
- بلاش وحياة أبوك الغرور اللي فيك ده. هو ربك بس رايدك تعيش عشان هتموت بطريقة تانية واصل.
استطرد "عمران" بجدية مصطنعة:
- بجل لك عاوز أشرب سيجارة والممرضة خدت مني السجاير وجالت لي إنه أمرك. كلمها تجبها.
استدار "سليم" بجسده له وقال، ثم وضع يده في خصره وهو يرقص حاجبيه الكثيفان باستفزاز:
- لاه مافيش أصل صدرك تعبان وأني خايف عليك يا صاحبي.
جلس على المقعد المجاور للنافذة وهو يشعل لفافة تبغ. نفث سحابة دخان كثيفة في سقف الغرفة ثم نظر لعمران وقال بجدية مصطنعة وهو يضع ساق فوق الأخرى:
- إنما لو هتتحايل عليّ شوية كده ساعتين مثلاً ولا حاجة مستعد أديك واحدة من معايا.
رد "عمران" بغيظ شديد وقال:
- بطلتها مش عاوز أشرب سجاير صدري تعباني.
شاح بوجهه تجاه الباب وهو يلعنه بسبابه اللاذع. أما "سليم" وقف عن مقعده متجهًا نحوه. جلس على طرف سريره وقال وهو يمد له بلفافة تبغ:
- خد متزعلش كيف العيال الصغير كده.
رفض "عمران" على مضض. بينما أصر "سليم" على تناولها وقال بجدية:
- خد بجى اتوحشت الحديث يا واض.
رد بتحذير قائلًا:
- بس ماتجلش اتوحشت.
ضحكا سويًا على حديثهما ثم ساد الصمت بينهما لتذكر كلًا منهما ذكرياتهما المشتركة بينهم. وفي آن واحد تبادلا العناق وربت كلًا منهما على ظهر الآخر.
تمتم "سليم" بخفوت والابتسامة تزين ثغره:
- حمد الله على سلامتك يا صاحبي.
رد "عمران" بذات الابتسامة:
- الله يسلمك يا صاحبي. اتوحشتك.
- أني كمان يا عمران. اتوحشتك واتوحشت الجعدة وياك.
خرج "سليم" من حضنه وهو يقول بنبرة حائرة:
- وبعدين يا عمران؟ وبعدين في بحر الدم اللي مش راضي يتجفل ده؟
ردت النبرة وقال:
- مخبرش والله ياسليم. كل ما بحاول أحله جدي وجدك يعقدوها أكتر وأكتر.
- هو صح اتجوزت جنه؟
- أيوه وإنت شفت بعينك الجسيمة.
- لاه قصدي...
توقف عن تفسير حديثه، بينما استشف "عمران" علمه بخبرة رجل يعلم ببواطن الأمور ماذا يريده. فرغ فاه "سليم" ليكمل حديثه لكنه منعه من ذلك قائلًا بحدة واضحة في نبرته:
- سليم أظن ديه حاجة خصوصية ومش من حقك تتدخل فيها.
- أنت فهمتني غلط يا عمران أنا كل قصدي...
- جفل على الموضوع ده يا ابن الناس وبالنسبة للخلافات اللي بين جدك وجدي هتتحل. أني حاسس إن جدك هيوافق المرة دي.
ابتسم بطرف فمه وقال بحزن:
- تبجى بتحلم يا صاحبي. عشان كده رايد أعرفك حاجة مهمة.
- حاجة إيه؟
وقف من على طرف السرير. وهو يقول بتوجس:
- ربك يستر على اللي جاي يا صاحبي. تصبح على خير.
حديث مبهم، صلح جاء بعد مرور سنوات، شرود من جديد، وتفكير طويل ليعرف ما الذي يقصده.
وفي عصر اليوم التالي، كانت تنتظره خارج المنزل بعد أن تجاهلت جدها الذي يدللها وينفذ لها كل رغباتها دون نقاش. يريد أن يكتسب ثقتها. يريد عندما يقع الاختيار يقع عليه هو.
نظرت في ساعتها للمرة المئة بعد الألف وهي تزفر بحنق متمتمة بضيق:
- كل ده تأخير يا سليم.
ما إن أنهت جملتها تلك توقف بسيارته أمامها. ترجل منها متسائلًا بفزع:
- واقفه كده ليه في حاجة حصلت؟
ردت وهي تستقل سيارته قائلة:
- لأ بس أنا نفذت وعدي وأكلت. أنت كمان نفذ وعدك ليا.
رد ممازحًا:
- وشربتي النسكافيه ولا لأ؟
أجابته بامتنان:
- أيوا شربته وكان تحفة تسلم إيدك.
تابعت بصوت مرتفع:
- يلا بقى عاوزة أروح أشوف جدي.
رد بنبرة متعجبة:
- واه مش هتروحي تشوفي جوزك؟
- مش هو عند جدو؟
- لاه في المستشفى عنيدنا محجوز بقاله كام يوم.
كان يقود سيارته وهو يستمع لها باهتمام:
- طب بص هروح الأول أزور عمران.
تابعت بمكر:
- ماهو جوزي وزيارة الزوج واجب بردو.
ثم ختمت حديثها قائلة:
- وبعدها هروح لجدي عشان واحشني.
وبعد مرور نصف ساعة، خرج "سليم" من المصعد الكهربائي وخلفه "جنه". قادها إلى غرفة "عمران" الذي كان يشاهد أحد الأفلام العربية القديمة. طرقات خفيفة ثم ولج بعدها. ابتسمت لها ابتسامة مزيفة وهي تلوح بيدها له. تعجب من مجيئها إلى هنا وقبل أن يسألها عن شيء جلست وقالت بجدية مصطنعة:
- ازيك يا عمران عامل إيه دلوقتي؟
- الحمد لله زين وأنتي كيفيك دلوكه؟
- أنا تمام.
تابعت بجدية وهي تنظر لـ سليم قائلة:
- هو عمران هيقدر يخرج إمتى؟
- يومين كده.
وقبل أن يكمل حديثه صدح رنين هاتفه معلنًا عن وصول رسالة نصية لرقم مجهول. قام بفتحها وقبل أن يخبرها أن صديقتها صمت ليكمل الرسالة: (أنا آسفة أني قفلت في وشك التليفون بس أرجوك بلاش تجيب سيرة لجنه إني كلمتها ولا تقول أي حاجة أرجوك تحتفظ بالموضوع ومتعرفهاش حاجة، أنا آسفة مرة تانية).
رواية لتحيا نيران العشق الفصل الخامس 5 - بقلم هدى زايد
ردت بحزن نظرًا لجفاء معاملة ابنة عمها:
- جميلة كل ما تشوف وشي تتخانق معايا وبتتهمني إني...
حثها على متابعة حديثها قائلاً بهدوء:
- جولي طلعي اللي في جلبك يا چنه، متخافيش مني.
- اتهتمني إني سرقتك منها، وإن خطافة رجالة. وأنا والله العظيم يا عمران أول مرة أشوفك وأشوفها لما جيت هنا.
ربت على كفها وقال بنبرة هادئة:
- متزعلش نفسك، خليها تجول زي ما تحب. المهم أني وأنتي عارفين اتعرفنا على بعض كيف.
نهضت هذه المرة متجه نحو النافذة، وقفت أمامها تشاهد المارة. ربما هذا الذي تريد أن يفهمه "عمران". أما عقلها كان في مدينة القاهرة عند تلك غريبة الأطوار. كيف تشكك في صوتها، ولِمَ لم تجيب أو تحاول الإتصال بها حتى؟
كان يتحامل على نفسه كي يذهب إلى المرحاض. شعرت بحركته، التفتت له بجسدها متسائلة:
- رايح فين؟
- الحمام.
- تحب أساعدك؟
قالتها وهي تقترب منه، فوضع كفه على كفها وقال باعتذار:
- هتعبك معايا بس مش جادر أفتح زراير الجميص، معلش تفتحيها وأني هكمل جوا في الحمام.
ترددت أناملها على صدره الذي شعر ببرودة يدها. انتهت أخيرًا من فتحه دون أن تنزعه عنه. تركها وولج بعد أن شكرها للمرة المئة بعد الألف.
كان يتألم رغم مكابرته. استدارت بجسدها متجه نحو سريره ترتبه قبل خروجه. لفت انتباهها شاشة هاتفه التي تضيء برقم مجهول. هتفت عدة مرات لتخبره لكن لم يصل لها صوتها. قررت أن تتركه حتى يخرج وتتابع مهمتها البسيطة.
وبعد أن انتهت جلست تلتقط أنفاسها في ذات اللحظة التي خرج. ابتسم لها وقال بامتنان:
- بترتبي لي فرشتي بيدك، ديه كتير عليّ والله. شكرًا.
ردت بذات الإبتسامة:
- مش كتير ولا حاجة. وبعدين هو أنا عملت إيه يعني؟
تابعت بتذكر:
- صحيح تليفونك مبطلش رن من ساعة ما دخلت الحمام. واضح إن في حد عاوزك ضروري.
- خابر إني الرقم ديه. سيبك منيه. جولي لي اتعشيتي؟
- أنا لأ مش عاوزة. تحب أطلب لك أكل؟ أو أنزل أجيب لك من برا؟
ابتسم وقال بتساؤل:
- برا فين؟
أشارت بيدها نحو النافذة شارحة:
- هناك على أول الشارع دا في محل ممكن أجيب منه أكل لو حابب.
سار بخطوات ثابتة وقال مازحًا:
- لاه أني مش معايا فلوس.
- أنا معايا. قول عاوز تأكل إيه وهابعت أجيب لك حالا.
- معاكي فلوس كتير؟
- إنت بتتريق عليا!
- حاشا لله. أني بطمن بس.
- طيب اطمن ياسيدي. قول بقى عاوز إيه.
- عاوزك تجعدي اهني عشان حابب اتحدت وياكي في كلمتين.
جلست على السرير الآخر بدلاً من حافة الفراش الذي يريد أن تجلس عليه. فطلب منها على استحياء:
- لاه معلش عاوزك اهني.
وقفت عن السرير خاصتها ثم سارت تجاه السرير المقابل وجلست بهدوء وراحت تقول بتوتر:
- نعم.
- هاجولك على حاجة من المفروض إنها متخصكيش بس رايد تعرفيها عشان متغلطيش جدام حد وتجوليها.
قطبت ما بين حاجبيها وقالت:
- حاجة إيه دي؟
- اوعديني الأول إن أي حاجة هتحصل بنا ماحدش غيرنا يعرفها حتى لو كان جدي ذات نفسه.
- حاضر أوعدك.
ورد مقاطعًا بإبتسامته المعهودة:
- نسيت أشكرك على إنك حفظتي السر اللي جلته يوم فرحنا. لأن لما جه وجته كنت كده.
تابع بدون مقدمات:
- جميلة بنت عمك مكانتش بتكدب عليكي لما جالت إنها بتحبني.
أشار بيده ليمنعها من الحديث قائلاً برجاء:
- أرچوكي يا چنه همليني أكمل حديدتي للآخر.
- طب اتفضل.
- أنا وهي وسليم كنا زملاء في الكلية عادي. أني وسليم طول عمرنا صحاب زي جدي وجدك كده. لحد اليوم اللي جرى أبوكي الله يرحمه يتجوز من عمتي اللي هي أمك الله يرحمها.
بدأ يشعر بالتعب وضع يده على كتفه وقال وهو يضغط على شفته السفلى. نهضت عن الفراش وطلبت منه أن يمدد جسده وقالت:
- عمران واضح إن الكلام بيتعبك. بلاش كلام دلوقتي وارتاح.
- ديه أنسب وجت نتحدد فيه لوحدنا يمكن الفرصة ديه مش هتتكرر تاني. واصل.
قالها "عمران" وهي تتدثره جيدًا. ثم طلب منها أن تجلس مقابلته ليتابع حديثه قائلاً:
- بحكم عاداتنا المفروض أمك تتجوز واد عمها. لكن واحد برا العيلة لاه. ديه قانون چدك وچد چدك قمان.
بلل شفتيه بلسانه وقال بوهن:
- قانون ظالم بس لازم تمشي عليه كل العيلة. اتجدم أبوكي كتير بس چدي رافضه رغم إنه واد صاحب عمره. بس كان دايما يجول لو هو مقاني هيعمل زيي كده وزيادة قمان.
تركته لتأتي له بكوبًا من العصير الطازج من البراد الصغير الموضوع في الغرفة. قامت بفتحه وساعدته في شرابها. منعها في بادئ الأمر لكن وافق أمام إصرارها.
صمت قليلًا قبل أن يتابع حديثه قائلًا:
- جرى أبوكي يجف جدام الكل ويُخطفها ويهرب بعيد بعيد جوي.
نظر لها وقال باسمًا:
- عاوزة الحج؟
أومأت برأسها علامة الإيجاب. وقالت:
- آه.
- أبوكي معاه حج يعمل كده. وجدي معاه حج. بس جدي لي حج يزعل. ديه بنته وكسرته وسط الناس. بس هو هيعمل إيه يعني ماهو شايف حبيبته هتروح من يده. جن جنون جدي وحلف ميت يمين ليجتلهم. وبعد ما وصلهم كنتي أنتي نورتي الدنيا. بس من غيرها جيتي وحدك. كان لازم حد منيكم يروح عشان التاني يفضل. حكمة ربك هي اللي تروح وأنتِ اللي تفضلي. مافيش بعدها فترة عرفنا إن أبوكي اتجتل. ومن يومها الصاحب مبقاش صاحب. وجدك زرع في جلب سليم إننا جتلنا ولده واحنا قمان اتفرجنا واتجمعنا في الكلية.
ردت "جنه" برجاء قائلة:
- ارجوك يا عمران كفاية كدا شكلك تعبت.
رد مبتسمًا:
- جايه في أهم جزء. وتجولي بزيادة حديث.
- طب حاول متتغطش على نفسك.
تنهد بعمق قبل أن يتحدث عن أهم جزء في حياته يريد أن يسدل الستار. كفى إلى هنا.
- جميلة كانت عتحبني من زمان بس كنت بعمل نفسي مش واخد بالي. لحد ما دخلت الكلية. عرف جدي إنهم معايا في نفس الكلية. طلب مني اعمل فيها كيف ما أبوكي عمل في بنته. طبعًا هو مجابهاش كده. هو جالي جرب منها واعرف جدها واهلها كيف بيفكروا. مش هكدب عليكي أني سمعت كلامه وهي زي ما يكون كانت منتظرة إني اتحدث وياها. ولما حسيت إنها هتتعلق بيا. عرفتها اللي حصل وبعدت عنها. بس جلبها رفض يصدج وفاهمه إن بعمل كده عشان بحر الدم مايتفتحش من تاني.
نظر لها وقال بهدوء:
- وهي دي كل الحكاية.
ثم ختم حديثه قائلاً بإبتسامة واهنة:
- يعني أنتي ولا سرقتيني منها ولا من غيرها.
ابتسمت ملء شدقيها وقالت:
- ربنا يريح قلبك زي ما ريحت قلبي.
تابعت وهي تقف عن حافة السرير قائلة:
- نام إنت دلوقتي وكفاية تعبتك معايا لحد كدا.
عادت إلى السرير المجاور جلست عليها. تنهدت بإرتياح بعد أن استمعت للحقيقة كاملة منه. كانت تظن أنها فرقت بينهما لكن حدث ما لم يكن في حسبانها. أين أنتِ يا بدور لتعرفي كل هذه الأحداث.
بينما هو كان ينظر لسعادتها لبرائتها من هذا الاتهام المشين في نظرها. لاحت ابتسامة خفيفة على ثغره. ما إن تقابلت نظراتهم لبعضهم البعض. أشارت بسبابتها تجاه المصباح وقالت بتلعثم:
- تحب أطفي لك النور؟
أومأ برأسه علامة النفي وقال بخفوت قبل أن يغمض عيناه:
- لاه. النور هادي مش محتاج. تصبحي على خير.
- وإنت من أهله.
وبعد مرور ساعتين من الانتظار حتى انتظمت أنفاسه قررت أن تأخذ قسطًا من الراحة.
فتح عيناه ببطء شديد إثر الألم الذي عصف برأسه، كادت أن يفتك به. مد يده ليأخذ أحد العقاقير الطبية وبعد أن تناولها في هدوء. جلس يفكر في حياته. لا يعرف لِمَ يترك مصيره بين يدي جده. هل كان مخطأ عندما تزوج بها؟ تُرى مالذي سيحدث بعد كل هذا؟ حقًا لا يعرف. ربما سيحصل على إجابة سؤاله قريبًا..!
رفع بصره تجاهها وجد خصلات شعرها الفحمي الطويل تنسدل بجانبها. تشبه والدتها كثيرًا. لاحت ابتسامة خفيفة على ثغره. قبل أن يسأل حاله إلى متى سيظل كبش الفداء. جده لن يعيره أي اهتمامًا. يريد فقط تنفيذ أوهام برأسه هو فقط. عاد بجسده مرة أخرى للخلف. ثم وضع ذراعه أمام صدره وهو يشيح بوجهه نحوها. ظل يراقبها حتى غلبه النعاس على حالته تلك.!
- كفايه من فضلك بقى كفايه لحد كدا. أنا مش عاوزة اسمع حاجة. وهمشي من هنا يعني همشي. بس همشي لوحدي مش مع حضرتك.
اردفت "بدور" عبارتها وهي تتظاهر بالجمود رغم ضعفها وحزنها الشديد. كانت تقف أمام والدها فتاه لاتعرف الرحمة. فتاه تريد أن تثأر منه قبل صديقتها. نصبت حالها القاضي والجلاد في آن واحد. خذلان وقهر يجتاح قلبها. قررت أن ترتدي قناع الصلابة ليعترف بما اقترفته يداه. بينما هو كان يحاول جاهدًا إرضائها لكنه فشل. خرج من غرفتها مطأطأ الرأس والحزن يكسو قلبه قبل وجهه. وقبل أن يغلق الباب خلفه استوقفته قائلة بحدة ممزوجة بسخرية:
- خورشيد باشا بكرا الصبح تروح تعترف للشرطة عن جريمة قتلك وتسلم نفسك. هي دي الحاجة الوحيدة اللي هتخلي جنه تغفر اللي حصل.
نظر إليه بحزن وقال:
- حاضر يا بدور هنفذ اللي قلتي عليه.
استدارت بجسدها كي لا يرى ضعفها. لو مرت دقيقة أخرى لركضت وتوسدت صدره طالبة منه الغفران على حماقتها تلك.
هوت على حافة السرير وهي تتدفن وجهها بين كفيها. خارت كل قواها في البكاء. صدح رنين هاتفها ليعلن عن وصول رسالة نصية عبر موقع التواصل الاجتماعي (واتساب). كفكفت دموعه بظهر يدها لتقرأ رسالته الأولى لها كاتبًا:
( آسف لو ازعجتك بس لو في سوء تفاهم بينك وبين جنه أنا ممكن احله. هي هتجنن عليكي)
ردت بتلقائية شديدة كعادتها وكتبت:
( مش زعلانين ولا حاجة بس أنا عاوزة ابعد لفترة. آسفة يا دكتور لو سببت لك في إزعاج بس خفت تقلها)
ارتشف رشفات سريعة من قهوته قبل أن يكتب:
( هو فعلاً كنت هتكلم معاها بس رسالتك جت في نفس اللحظة عشان كدا سكت)
تشعر بالألم يعصف في رأسها فكتبت بعتذار:
( معلش مش قادرة اتكلم أكتر من كدا وشكرًا لاهتمامك. مع السلامة)
كتب لها رسالته الأخيرة التي لم تقرأ، لانشغالها في كتابة حالتها على التطبيق:
( اصعب مراحل حياتي بمر بيها، وأقرب ناس ليا بعدوا عني. بعيش مرحلة شبيها بمرحلة الأعراض الانسحابية. بدعي من كل قلبي اعدي المرحلة دي بدون خسائر. ادعولي)
بدأت الردود بين مؤيدين ومعارضين من هذه الحالة. منهم من رد بسخرية ومرح والبعض الآخر اعتبر أن حياتها مؤلمة لدرجة لم تستطع حروف اللغة العربية بوصفها.
وضعت هاتفها على سطح الكومود. ثم مددت جسدها على الفراش ودموعها منسدلة على خديها. غلبها النعاس على هذا الوضع حتى مطلع الفجر. انتفضت على إثر حلم مفزع. تمتمت بكلماتٍ تذكر فيها اسم الله. كانت تتنفس بصعوبة وكأن أحدهم ضغط رئتيها ليمنع دخول وخروج الهواء.
نهضت عن الفراش متجه لحجرة أبيها. تريد الاعتذار منه وتطلب منه عدم الذهاب إلى قسم الشرطة. خرجت بهدوء وسارت بذات الهدوء للغرفة المجاورة. قامت بفتحها وجدته في سبات عميق. أوصدت الباب. هبطت الدرج متجه إلى حديقة الفيلا. جلست على الأريكة الخشبية ضامة ذراعيها أمام صدرها. ناظرة إلى القمر. ابتسمت ابتسامة حانية لتذكرها تلك الليالي التي جمعتها بينها وبين "جنه".
بدأ شريط الذكريات يمر أمامها، وتحديدًا قبل خطبتها بيوم حين قالت لها:
- عروستي الحلوة خلاص هتسبني.
- متقوليش كده يا بت يا عبيطة أنتي. أنا هاخدك معايا.
- شفتي مين فينا اللي عبيط بقى. في حد ياخد صاحبته معاه عش الزوجية.
- بس أنتي مش صاحبتي أنتي جنتي. ومافيش حاجة هتفرقنا أبدًا. لو الجواز هيفرق بنا يبقى بلاش منه.
- لااااا وحياة أبوكي أنا عاوزة النحس يتفك وكل واحدة تروح بيت جوزها.
ضحكاتها المكان متسائلة بدهشة:
- عاوزة تتجوزي ياجنه؟
ردت بمرح وهي تلوح بيدها في الهواء قائلة:
- لا أنا عاوزة تودوني على بيت حبيبي نعيش مع بعض فيه.
ردت "بدور" ضاحكة:
- لا تصدقي ظلمتك.
بدأت "جنه" حفلتها التي لن تنتهي لمساء اليوم التالي. قررت أن تتراقص مع صديقتها الوحيدة. اندمجت "بدور" وتعالى صوتها بإحدى الأغاني الشعبية وهي تشير إليها قائلة:
- ضحكتها بتخطف القلوب. خطوتها بتعمل حروب. على إيدها اتعلمت أدوب. دوبت فيها وحبيتها.
فردت "جنه" بذات النغمة:
- هو أنتي عملتي فيا إيه. حبك دا بحر غرقت فيه. معرفش جيت معاكي ليه. دي واخدة قلبي في سكتها.
ولج والد بدور مبتسمًا ملء شدقيه. بينما جلست "جنه" وهي تلوح بيدها على وجهها لتأتي بنسمات هواء باردة تجفف حبات العرق التي تكونت على جبينها. جلس على المقعد وقال بجدية مصطنعة:
- أنا جبت لك كل الطلبات اللي قلتي عليها يا جنة. شوفي كدا ناقص أي حاجة؟
أطلت برأسها داخل الحقائب البلاستيكية لتتأكد من كل شئ. ثم نظرت له وبيدها (خيار) وقالت:
- تمام يا كبير. كل حاجة مظبوطة بس عاوزين 5 كيلو لحمة مفرومة عشان الكفتة.
رد بغيظ شديد:
- بقى الجربوع دا يعرف أصلاً يعني إيه كفتة.
قطمت "الخيار" وراحت تقول بابتسامة مزيفة:
- إحنا هنعرفه يا خورشيد متقلقش. هات اللي عليك وسيب الباقي عليا.
- مش جايب. مشي حالك يمشي.
ردت "بدور" بحزن قائلة:
- شايفة يا جنه اهو كده من ساعة اتخطبت دا لحد دلوقتي مقالش مبروك.
قاطعتها "جنه" بجدية مصطنعة:
- لأ لأ لأ يا خورشيد بقى يا راجل متقلش لبنتك الوحيدة مبروك؟
- بت متفتحنيش عشان أنا على أخري منك أنتي وهي.
تابعت بجدية:
- روحي أنتي يا حبيبتي دخلي الحاجات دي جوا واعملي فنجان قهوة مظبوط من اللي بحبه منك.
- حاضر.
عادت ببصرها له وقالت:
- في إيه بقى أنا شايفه إنك مش راضي تلين وكل شوية تزعلها وهي اشتكت لي كذا مرة.
رد بجدية:
- ما أنتي عارفه يا جنه الواد دا مش عارف ارتاح له. تقيل على قلبي.
- ما يمكن يكون كويس ليه تظلمه؟
- أظلم مين بس دا أنا سألت عليه وطلع عليه ديون لطوب الأرض. وقلت لها هيمرمطك معاه وهي عاوزاه يابابا عاوزاه يابابا. جبتك عشان تحليها رحتي عقدتيها وقلتي نعمل خطوبة.
- أنا قلت فرصة يتعرفوا على بعض. مكنتش متوقعة إن دا اللي هيحصل.
ساد الصمت بينهما لبرهة. قبل أن تقول بهدوء:
- بص احنا نمشي الموضوع وبعد شهر نفركش عادي وأنا هحلها من عندي متقلقش. بس مشيها ونادي عليها عشان تصالحها.
- بــــــدور.
قالها "حذيفة" الذي مازال واقفًا لأكثر من خمس دقائق. عادت بذاكرتها من الماضي على صوته. كفكفت دموعها وقالت باعتذار:
- أنا آسفة بس مسمعتكش. واقف بقالك كتير؟
- بقالي خمس دقايق. واضح إني جبتك من بعيد قوي.
- يعني.
- اتفضل واقف ليه؟
- أنا سمعت صوتك أنتي وعمي بليل والحقيقة كنت حابب اتدخل بس قلت خليني بعيد.
ردت بحزن:
- كان لازم المواجهة. كان لازم يعرف إنه غلطان.
- بس هو مانكرش يا بدور عشان يعترف بالغلط.
- أنا مش عاوزاه يعترف ليا. أنا عاوزاه يسلم نفسه.
- بتهزري صح؟ عاوزة تسلمي باباكِ بنفسك للحكومة وموضوع عدى عليه سنين.
بلعت غصتها وهي تتحدث بقهرٍ واضح في صوتها:
- أصل إنت متعرفش جنه بالنسبة لي إيه؟ مش هقدر اخبي عليها حاجة زي كدا. مستحيل أصلًا تسامحني.
بدأت شهقاتها تعلو لتدخل في نوبة بكاء جديدة. أما هو قرر أن ينتشلها من بئر الحزن وقال بجدية مصطنعة:
- أنتي مبتزهقيش من العياط. بقلك إيه تعالي نجري سوا. أنا كنت خارج أجري لوحدي. تعالي يمكن تهدي شوية.
أومأت برأسها علامة النفي وقالت باعتذار:
- لأ معلش مش هقدر. روح إنت.
- أنا كل يوم بخرج لوحدي. قومي يلا.
- لأ مش هينفع صدقني. روح إنت.
- يلا بقى متبقيش بايخة.
وبين شد وجذب بينهما في الذهاب وعدم الذهاب. رضخت بالأخير "بدور" أن تمارس رياضة الركض معه حول الفيلا. كانت تتوقف بين الدقيقة والأخرى لتلتقط أنفاسها اللاهثة وهي تتحدث برجاء:
- إيه دا بجد مش قادرة. أنا مش بزعل تاني بعد كدا. دا عقاب مش رياضة.
رد ضاحكًا:
- طب كويس إنك عرفتي عقابك لو فكرتي تزعلي.
رفعت كفيها وقالت باعتذار:
- آسفين يا ريس مش هاتتكرر تاني.
رد بجدية مصطنعة وهو يوجه سبابته نصب عينيها:
- وأول ما ترجعي تصالحي عمي.
أومات برأسها بالنفي وقالت:
- مش هينفع للأسف.
- لأ هينفع وهنقفل الموضوع نهائيًا.
- طب وجنه؟
- مالها جنه؟
- افرض عرفت هقولها إيه وقتها.
- وقتها هنعرفها إن اللي حصل دا غصب عنه. وأكيد هي هتتفهم الأمر.
- ربنا يستر.
- أكيد هيستر. لأن دا اسم من أسمائه.
تابع بحماس:
- يلا نكمل جري.
ردت معارضة:
- لأ كفاية نتمشى ونرجع بقى. مش المشي رياضة برضو؟
رد باسمًا:
- ماشي يلا.
استوقفه صوت أنثوي مألوف له. تعرف إليه ما إن توقفت أمامه وقالت:
- مش معقول البشمهندس حذيفة.
- اهلا وسهلا نرمين هانم.
- نورت مصر.
- منورة بأهلها.
- رجعت إمتى؟
- من ست شهور.
- هتسافر تاني؟
- في الحقيقة لأ. بابا تعبان ومحتاجنا جنبه.
- الف سلامة.
تابعت حديثها بنغج وهي تعتذر من "بدور" قائلة:
- متأسفة يا مدام بس أصل البشمهندس كان واحشني. مراتك دي.
ردت "بدور" بسرعة:
- لأ أنا مش مراته.
- أنا.
قاطعتها بدهشة مصطنعة:
- أنا قلت كده برود. مش معقول تكوني مراته. أصل كنت خادمتك وسكت أحسن تزعلي.
كادت أن تنسحب "بدور" لكنه استوقفها وهو يقبض على معصمها موجها حديثه لنرمين:
- أحب أعرفك بدور بنت عمي. هي متواضعة جدًا وبتفتكر كل الناس زيها. الصراحة.
ختم حديثه وهو يشير بيده:
- أحب أعرفك يا بدور دي نرمين هانم جارتنا. كانت مسافرة رحلة سريعة كده لسجن القناطر بسبب شيكات بدون رصيد. بس خرجت.
- نسيت أقول لك حمد الله على السلامة. باباها بقى لسه عنده رحلة أطول شوية في السجن.
ضيق حدقتيه وقال بجدية مصطنعة:
- كان مسجون مخدرات وشيكات تقريبًا مش فاكر قوي الحقيقة. يلا يخرج بالسلامة يا نرمين هانم. نستأذن إحنا عشان عندنا شركة عاوزة تتعرف على المديرة الجديدة.
ركضا سويًا وبداخل كلًا منهما تساؤلات عدة لا يعرف أحدهم كيف سيطرح على الآخر. توقفت "بدور" فجأة وقالت من بين أنفاسها اللاهثة:
- هو إنت ليه عملت كدا؟
- عملت إيه!
- ليه قلت لي كل دا قدامها.
- مبحبش حد يشوف نفسه عليا ولا على حد يخصني. وأنا عارف تاريخه كويس.
ردت بفضول:
- وإيه حكاية المديرة دي؟
حك مؤخرة رأسه وقال بابتسامته المعهودة:
- هو المفروض كنت عملتها مفاجأة. هي السبب أعمل إيه. بصي ياستي عمي اتنازل عن كل ورثه ليكي وحاليًا أنتي بقيتي شركتي الجديدة وهتديري كل حاجة معايا.
ابتسمت ملء شدقيها سرعان ما اختفت هذه الإبتسامة وقالت:
- أنا مش عاوزة منه حاجة. روح قل له إني أصلاً هنفذ كلامي وهمشي النهاردا.
- طب ممكن نمشي عشان أنا النهاردا بالذات جعان قوي. وبعدين نبقى نتكلم في الموضوع دا.
عودة إلى غرفة "عمران" بالمشفى. استيقظ قبلها هذه المرة أيضًا. بدل ثيابه وبدأ في ضم حقيبته. قام بسحب سحابتها ووضعها على الأرض. جلس على حافة الفراش خمس دقائق أخرى ليلتقط أنفاسه. ولجت الممرضة بعد أن طرقت بخفة. بدأت في فحصه وإعطائه بعض العقاقير.
استيقظت "جنه" إثر صوتها. تساءلت عن الساعة وهي تتثاءب:
- هي الساعة كام؟
- إحنا بقينا الضهر.
- ياه أنا نمت دا كله.
غادرت الممرضة بعد أن قالت بتحذير:
- النهاردا هتخرج بس الجرح لازم له غذا وتنتظم على العلاج. الف سلامة عليك.
- الله يسلمك.
استوقفتها "جنه" قائلة بإبتسامتها الهادئة:
- لحظة واحدة.
- نعم.
- بصي أنا تعبتك معايا امبارح ومش عارفة أقدم لك إيه بس دي حاجة بسيطة.
رفضت الممرضة أن تأخذ النقود لكن إصرار "جنه" كان أكبر. نجحت في أن تضعها في جيبها. أوصدت خلفها الباب ليتساءل بفضول:
- هو في إيه؟
ردت شارحة:
- ابدًا ياسيدي كنت سخن امبارح حرارتك كانت أربعين تقريبًا. رحت جبتها ويا حرام كانت نايمة بس الشهادة لله ماسبتنيش لحد ما حرارتك نزلت.
- ولا حسيت بحاجة.
جلست على حافة السرير المقابل وقالت بشيء من المرح:
- دا إنت طلعت عيني امبارح.
ختمت حديثها بجدية:
- يلا كل أكلك عشان تاخد باقي العلاج.
رد بتأفف قائلاً:
- مش عاوز. مليش نفس.
- مافيش حاجة اسمها مليش نفس. دا اسمه دلع. يلا خلص الأكل عاوزين نروح بيتنا يا عم.
تعجب من عفويتها الشديدة. لا يعرف يشعر بشيء لا يبشر بالخير. جلست مقابلته وقالت بجدية وهي تطعمه:
- يلا عشان جرحك محتاج غذا زي ما قالت.
سألها بدون تردد:
- چنه هي معاملتك اتغيرت معايا ليه؟
أجابته بجدية:
- عشان عاوزة أخلص من اللي أنا فيه دا يا عمران.
- قصدك إيه؟
تركت الملعقة على سطح الطاولة المتحركة وقالت بصوت مختنق:
- أنا تعبت من اللي أنا فيه. كل حاجة مغصوبة عليها.
- إيه اللي أنتي مغصوبة عليه بالظبط؟
- إنت.
يتبع
رواية لتحيا نيران العشق الفصل السادس 6 - بقلم هدى زايد
ابتسمت وقالت بسخرية:
- غريبة مع إنك دكتور.
تابعت بتذكر متسائلة بفضول:
- صحيح إنت دكتور إيه؟
توقف المصعد فجأة وانفتح الباب لتظهر "جميلة" وصديقتها. تسمرت مكانها ما إن وجدته يعانق أنامله بأناملها ليبث فيها الأمان ما دامت بجانبه. يشعر برجفة يدها. ولجت صديقة "جميلة" وهي تجرها جرًا لتلج المصعد. ابتسمت ثم قالت بابتسامتها المعهودة:
- إزيك يا دكتور عمران، ألف سلامة عليك.
- الله يسلمك يا دكتورة وفاء.
- أحب أعرفك على مرتي، جنة، بت عمتي ومرتي.
- أهلاً وسهلاً.
قالتها "جنة" وهي تحاول أن تخرج نبرة عادية، بينما كانت "جميلة" تتابع حديثهما في صمت تام. حتى ختم حديثه وهو يشدد على كلماته لتصلها مغزاها جيدًا:
- جنة بت عم الدكتورة جميلة، هي صعيدية زينا برضك، بس طول عمرها عايشة في مصر. كنت في زيارة مع جدي ليها العيد الصغير وعجبتني، اتعرفنا على بعض واتجوزنا والحمد لله مبسوطين مع بعضنا.
ردت "وفاء" بخبرة سيدة تعرف ببواطن الأمور وقالت:
- ربنا يسعدكم وعقبال ما نفرح بعيالكم عن قريب.
ابتسمت "جنة" وقالت بخفوت:
- متشكرة لذوقك.
- عسل مراتك دي يا عمران.
- وتحبيها أكتر لما تقعدي وياها؟ قعدتها ما تتشبعيش منها واصل، هي أصلاً كيف البسكوت كده رقيقة مش كيف القطط الصعرانة.
توقف المصعد أخيرًا وخرج "عمران وجنة" وقال وهو يلوح بيده:
- سلام عليكم، كان نفسي أقعد معاكم بس جنة تعبت وياي وطول الليل سهرانة، خلينا نشوفك يا دكتورة وفاء.
- بإذن الله يا دكتور عمران، وألف سلامة عليك.
ثم انتقلت ببصرها لزوجته وقالت بابتسامتها العريضة:
- فرصة سعيدة إني اتعرفت عليكي يا جنة.
- أنا أسعد، تسلمي.
خرجا سويا وهو ما زال يضغط على يدها بينما كانت "جميلة" تستشيط غضبًا من حركاته تلك.
وضعت "وفاء" يدها في جيب معطفها الأبيض وقالت بعدم فهم:
- طب والله العظيم البت كيف الجمر على رأي عمران.
- أنتي بتغيظيني يا وفاء؟ تحبي أقتلها عشان ترتاحي؟
- وهو أنا اللي هرتاح يا جميلة؟ وبعدين يابت الناس البت باين عليها غلبانة ومجبش سيرة وإلا كان طربق الدنيا فوق دماغك.
- أنا حذرتها وهنشوف هتنفذ ولا لأ.
- وافرض مخافتش من تهديدك ده؟
- يبقى تقول على نفسها يا رحمن يا رحيم.
- والله اتأدبتي في عقلك، أنا همشي عندي شغل كتير ومش فاضية لقلع الحريم دي.
في سيارة "عمران" كان يجلس جوارها يستمع لها باهتمام وهي تحاول معرفة ما حدث بالداخل.
ابتسم وقال للسائق:
- اطلع يا مرعي على الدوار توصل ستك جنة، وبعدها هتطلع بينا على المندارة نشوف جدي عاوزني ليه؟
ردت معارضة بجدية:
- إنت بتهزر صح؟ ماهو مش معقول هتروح المندارة وإنت لسه خارج من المستشفى.
- بس جدي أكد عليّ إني أحضر. هروح خمس دقايق وهرجع. أنا أصلاً تعبان.
- يبقى تروح البيت واللي هو عاوزه فيك يكون هناك.
- جنة اسمعي الكلام ومتتعبيش قلبي وياكي.
- كده براحتك، هي صحتي ولا صحتك؟
- زعلتي ولا إيه؟
رفعت كتفها وقالت بجدية مصطنعة:
- وأزعل ليه وعلى مين أصلًا؟
في مدينة القاهرة،
وتحديدًا في فيلا "حذيفة" خرج من غرفته.
وجدها تهبط سلالم الدرج بخطوات هادئة.
سألها بنبرته الهادئة:
- كنتي فين؟
أجابته بذات النبرة:
- مافيش، كنت بشوف بابا بس الظاهر إنه لسه نايم. أم إبراهيم قالت لي إنه رفض يفطر وطلب يرتاح.
سار جنبًا إلى جنب حتى وصلا إلى مائدة الطعام الموضوعة وسط الحديقة.
جلس هو على رأس المائدة وجلست هي جواره. بدأت الخادمة في وضع أنواع الطعام المختلفة لهما. سألته بتذكر:
- صحيح عمي عامل إيه دلوقتي؟
كان يلوك لقيماته بهدوء وراح يقول بحزن:
- الحمد لله على كل حال.
سألته بنبرة متعاطفة:
- لسه مافيش تحسن؟
ترك الملعقة من يده وقال بحزن:
- للأسف مافيش. الدكتور قال البيت أفضل كتير من المستشفى، وده معناه إنه خلاص.
ما إن لمحته يأتي تجاهها، نزلت أسفل الطاولة تختبئ بها. سألها بنبرة متعجبة قائلاً:
- أنتي بتعملي إيه تحت الترابيزة؟ اطلعي يا بدور.
صباح الخير يا شريف حذيفة باشا، أنا جعان، اقعد ناكل وبعدين نكمل كلامنا عن محاضرة الالتزام بالمواعيد بتاعت كل يوم.
أردف "خورشيد" عبارته بسرعة وهو يجلس على أحد المقاعد. وقبل أن يجلس صرخ بصوته كله وهو يردد بفزع:
- بسم الله الرحمن الرحيم، أنتي إنس ولا جن ولا حكايتك إيه بالظبط؟
نفضت يدها عن الثرى وقالت باعتذار:
- لأ، أنا بدور، أنا آسفة مش قصدي.
ابتسم "حذيفة" وقال بجدية:
- ماهو لو حضرتك بتعبرنا حتى بالتليفون كنت عرفت إن عمي وبنته وصلوا بقالهم يومين، بس للأسف حضرتك ملكش في المواعيد المظبوطة.
- خلاص بقى يا حذيفة، هو إنت كل ما تشوفني هتقول الكلمتين دول؟
تابع حديثه قائلاً:
- خلينا نتعرف على القمر، أنتي قلتي اسمك إيه؟
ابتسمت وقالت بعفويتها:
- بدور، إنت بتنسى ولا إيه؟
- أنتي مين بقى يا بدور؟
- بنت عمك.
- عمي مين؟
- عمي ناجي، قصدي خورشيد.
- إيه دا! هو أنا ليا عم وكمان اسمه ناجي ولا خورشيد؟ الله بقى، متلخبطنيش!
- أيوا، بس مقلتليش هو أنتي مين؟
ياعم ركز معايا، أنا بنت عمك خورشيد واسمي بدور، فهمت.
ابتسم وقال بمشاكسة وكأنه يعرفها منذ زمن:
- متزعلش يابدور، بس أصل البيت دا عمره ما دخله ست. وفجأة كدا يجي واحدة زي القمر زيك، لبسة أسود في أسود، زي ما يكون راحة عزاء. وتقل لي أنا بنت عمك، يبقى ليا حق أستغرب. بس حقيقي يعني، هو تقربي لي إيه يعني بالظبط عشان آخد بالي؟
ردت بجدية وهي تقف عن مقعدها قائلة:
- طب أنا هطلع أشوف بابا لحد ما إنت تعرف أنا مين.
وقف "حذيفة" وهو يحدج أخيه وقال باعتذار:
- معلش يا بدور، هو خورشيد كدا طول عمره بيهزر، بس هزاره تقيل شوية.
- متزعليش، والله بهزر معاكي، خلاص مش هزر تاني.
- لأ مش زعلانة والله، أنا فعلاً هاشوف بابا، أهو على الأقل يتعرف عليك.
تابعت بجدية مصطنعة:
- قلت لي اسمك إيه؟
رد "خورشيد" وهو يوجه حديثه لأخيه قائلاً:
- شفت! أهي اللي بتهزر عشان ماتقلش عليا رخم.
تركته وصعدت إلى غرفة والدها، طرقت ثلاث طرقات ثم ولجت. وجدته في سبات عميق. اتجهت نحو النافذة المطلة على حديقة الفيلا، ثم استدارت بجسدها كله تجاهه وقالت بجدية مصطنعة:
- خورشيد قوم يلا عشان عاوزك في موضوع مهم.
وقفت مقابلته تتأمله قبل أن تجلس على حافة الفراش تتابع حديثها قائلة باعتذار:
- عارفة إني كنت قاسية عليك، أنا آسفة، بس والله غصب عني. أرف إن قلبك كبير وهتسامحني. قوم يلا، كفاية قعدة لحد كدا هنا، ولا إنت عجبتك العيشة الفخامة دي؟
لم يجيب على أي سؤال سألته له، بل كان الصمت هو لغته الوحيدة. وضعت يدها على كفيه، وجدتهما لوحين من الثلج لم تصلهم الدماء منذ ست ساعات على الأقل. قامت بتدليك كفيها على أمل أنه يعود لها من جديد.
دموعها اتخذت وجنتها كمجرى لتنسدل عليهما. قبلات عديدة نثرتها على كفيه ووجهها وهي تتوسل إليه أن يتحدث معها.
دوت صرخاتها الغرفة بل المكان بأكمله، وفي خلال ثوانٍ، كان "حذيفة وخورشيد" فوق رأسه.
قام بفتح جفنيه ليجدوا حدقتي عينيه واقفتين.
أتت الممرضة وخلفها الطبيب المعالج لوالدهما ليعرف إن كانت حالة وفاة أم هبوط. وبعد مرور دقائق، أعلن عن خبر وفاته المنية.
سقطت أرضًا وسقط كل شيء من حولها. حاول إفاقتها "حذيفة" لكنه فشل. هدر بصوته وأمر الطبيب أن يأتي خلفه ليفحصها.
خرج الجميع من الغرفة وبقي شقيقه، الذي كانت أمنية حياته أن يراه قبل موته، فمات هو.
سقطت رأسه على يد أخيه، يقبلها للمرة الأخيرة قبل رحيله. بكاء مرير، حزن، ودهشة أصابت جميع من في المنزل.
رفع والد "حذيفة" وجهه ليكفكف دموعه، ثم نظر لأخيه وقال لابنه "خورشيد":
- عاوز مصر كلها تشاركني حزني على أخويا. نزل نعي في كل الجرايد، عاوز الدنيا كلها تعرف إن أخويا الوحيد راح وسابني.
مسد "خورشيد" على ظهره بحنو وقال:
- حاضر يا بابا، تعال ارتاح لحد ما الدكتور والممرضين يشوفوا شغلهم.
ابتلع والد "خورشيد" مرارة حلقه وقال:
- عاوز أخدم أخويا الخدمة الأخيرة.
سقطت دمعة حانية من عينه وقال بصوت متحشرج ونبرة تملؤها الحزن:
- عاوز أقف على غسل أخويا، وقل حذيفة يجي هو كمان.
- حاضر.
خرج "خورشيد" من الحجرة باحثًا عن أخيه ليخبره ما يريده والدهما.
وجده يستند برأسه على أحد الجدران. تنحنح وقال بهدوء:
- بابا عاوزك تقف على الغسل.
رد "حذيفة" بدهشة وذهول شديدان:
- دا مكنش في أي حاجة، إزاي هو اللي يموت؟ دا أنا فكرت الصرخة دي على أبوك مش أبوها!!
تنهد بعمق وقال بخفوت:
- استغفر الله العظيم. إنا لله وإنا إليه راجعون.
ربت على كتف أخيه وقال بحزن:
- أيوا كدا، لازم تكون قوي عشان تقدر تقوي بابا.
ختم حديثه وهو ينظر على باب الحجرة وقال:
- ربنا يقويها، صدمتها كبيرة، الله يكون في عونها بصراحة.
خرج الطبيب بعد أن أعطاها مهدئًا جعلها لا تشعر بشيء، ولا بالوقت نفسه الذي يمر عليهم بصعوبة بالغة.
كانت الممرضة جالسة على المقعد تراقب حالتها، كلما استيقظت تسأل عن أبيها فلم تجده، تدوي الغرفة بصرخاتها حتى يأتي الطبيب بإبرة الدواء وتغيب عن العالم بعدها لساعات طويلة.
مر النهار عليهم ودفن الجثمان في مثواه الأخير، وبقي ثلاثتهم بعد واجب العزاء الذي كان طويلاً ومليئاً بكبار رجال الأعمال والشخصيات العامة ذو المكانة المرموقة.
كان الصمت يسود المكان، حتى كسر هذا الصمت سؤال "خورشيد":
- شد حيلك يا بابا.
- حيلي هو فين حيلي؟ دا الراجل جاي يزورني، يدخل البيت يخرج منه على ضهره.
- بابا متعملش في نفسك كدا، دي أعمار والأعمار بيد الله.
- ونعم بالله.
- هي بدور هتعمل إيه دلوقتي؟
رد "حذيفة" بعدم فهم:
- تعمل إيه في إيه؟
رد "خورشيد" موضحاً:
- أقصد هتعيش معانا ولا.
قاطعه "حذيفة" بجدية:
- وهو حضرتك شايف إن دا وقته؟ ومع ذلك أيوه طبعاً هتعيش معانا، إنت شايف ليها مكان تاني غير هنا؟
تنهد "خورشيد" بنفاذ صبر وقال:
- يا ابني افهم قصدي، إزاي هترضى تعيش هنا وباباها مش موجود.
فرغ فاه ليرد على حماقة أخيه، لكن والده منعه قائلاً بحدة:
- كفاية بقى لحد كدا واخرس إنت وهو بقى، أنا تعبان ومش عاوز كتر كلام.
ختم حديثه وهو يشدد على كل كلمة قائلاً بنبرة لا تقبل النقاش:
- البنت اللي فوق دي بنت عمكم الله يرحمه، هتعيش هنا معايا في بيتي لحد آخر يوم في عمري، واللي مش عاجبه يوريني عرض كتافه من هنا.
- بابا حضرتك.
- خلاص يا خورشيد، أنا تعبان ومش متحمل كلام حذيفة.
- نعم يا بابا.
- خدني أوضتي عاوز أرتاح.
وفي منزل "عمران" بالصعيد.
ولجت "جنة" وجدت جدتها ووالدة عمران وشقيقته في بهو المنزل، فتحت الجدة ذراعيها وقالت بترحاب:
- حبيبة قلبي چت ونورت الدنيا من چديد.
احتضنتها "جنة" ثم طبعت قبلة على يدها وقالت:
- إزيك يا تيتا.
- دلوه بجيت زينه.
تابعت بلهفة:
- عمران فين؟
ردت بغيظ:
- راح المندرة يشوف جدي.
- كده من الدار للنار، كده، طب كان يرتاح هبابة وبعدها يروح.
ردت وكأنها وضعت يدها على المعضلة التي نشبت بينهما في السيارة وقالت:
- والله قلت له كدا يا تيتا.
ثم قامت بتقليده وهي تحرك كتفيها باغتياظ:
- متتعبيش جلبي وياكي يا چنه، جلت هشوفه وراچع.
قهقه الجميع على حركاته ومحاولة تقليده، بينما ردت والدته من بين ضحكاتها وقالت:
- متتعبيش جلبك، عمران طول ما في حاجة في دماغه ينفذها، لو معملهاش لا هيعرف ياكل ولا يرب ولا حتى ينام.
- هو حر، دي صحته وهو المسؤول عنها.
ردت شقيقته مازحة:
- سيبك منه وجولي لي خدتي هديتك منه ولا لسه؟ مشتاجة أعرف.
سألتها بعدم فهم:
- هدية إيه؟ مش فاهمة.
أجابتها "نرجس" بهدوء ممزوج بحماسة شديدة:
- عندنا في العيلة لما العريس يتجوز لازمنا يجيب لمرته هدية زينة وغالية، وهل يكون ضحك عليكي ومجبش حاجة.
- لا، چبت يا مساعدة إبليس، هو أنا أقدر برضك ما أجيبش الهدية؟
ولج "عمران" بعد أن استمع إلى حديثها، صافح الجميع ثم جلس جوار زوجته بعد أن رفضت مصافحته وقال بمشاكسة:
- برضه مش هتجعديني چارك.
ردت بعدم اكتراث:
- ما إنت قعدت أهو.
نظر لجدته التي ربتت على فخذه وقالت بحنو:
- كيف يا ولدي.
- زين والحمد لله يا ستي.
- دايمًا يا ولدي.
- حمد الله على سلامتك يا عمران.
- الله يسلمك يا أمي.
- جومي يابتي مع جوزك ساعدي يغير خلجاته ويسبح على ما أبعت لكم الوكل فوج.
- هي مين دي اللي تغير لمين؟ هو بيبي؟
- لا، واخد رصاصة في دراعي عشانك.
- ما حدش قال لك تتدافع عني.
ردت "نرجس" مقاطعة بمرح لتخفيف التوتر بينهما:
- يابتي رصاص إيه اللي جوزك يتعب منه بس؟ دي لما ميلاقيش حاجة ياكلها يجل لي هاتي رصاصتين أجروشهم.
نجحت "نرجس" في رسم الابتسامة على وجهها، طال الحديث بينهن في مزاح وجدية إذا لازم الأمر.
كان "عمران" يتحدث إليها بصوت بالكاد أن يكون مسموعاً يطلب منها أن تصعد معه، لكنها ردت بصوت مرتفع ليسمعها الجميع وهي ترفض مبررة رفضها:
- لا مش هطلع معاك، أنا حبيت القعدة مع نرجس دمها خفيف وعاوزة أقعد معاها.
تنحنح بحرج من صوتها العالي وقال بصوت هادئ ونبرة تغلفها الحزن من ردة فعلها:
- طب براحتك.
هطلع أني عشان أسبح وأرتاح.
ردت بلامبالاة:
- طب ماشي.
صعد "عمران" إلى حجرته وأوصد الباب خلفه بهدوء كإنسحابه من جلستهن. بدأ ينزع عنه الحزام الذي يحمل عليه ساعده. وقبل أن ينتهي وجدها توصد خلفها الباب. التفت نحوها ثم عاد ببصره لينهي ما بدأه، وراح يقول بجدية دون أن يرفع بصره عن ساعده:
- لما نكون قدام الناس اتعاملي معايا زين.
- بص بقى أنا لا هتعامل معاك ولا هتتعامل معايا. أنا عاوزة أطلق وأرجع بيت جدي، ويادار ما دخلت جنة بنت السيوفي.
أردفت "جنه" عبارتها وهي تضرب بكلامه عرض الحائط، قررت أن تسيطر هي بدلاً منه. تخرج وجهها الغاضب عندما لم ينفذ لها أي أمر.
فجأها هو بنبرته الحادة وقال:
- بصي أنتي بقى، أنتي لو فاكرة إني هاخلع كده كتير تبقي بتحلمي. أنا واحد يوم ما يتحدد بالراحة هيخلي وشك ده كيف ألوان الطيف. طلاق مافيش، وجنانك ده طلعي على أي حد تاني غيري. ودلوقتي روحي هاتي غيار عاوز أغير خلجاتي.
ردت بعدم اكتراث:
- روح هات لنفسك، مبجبش لحد حاجة.
- ماشي يا جنة، هاعديها المرة دي. لكن المرة الجاية لو ملجتش خلجاتي موجودة في الحمام، جيبي أنتِ حرة.
ابتسمت بطرف فمها وهي تتبختر في مشيتها. جلست على حافة السرير وقال بلامبالاة:
- ماشي ماشي.
ولج المرحاض وهو يحرك رأسه بعدم رضا لمعاملتها التي تبدلت في لحظة. أما هي، قامت بفتح هاتفها لتجد رسالة نصية تخبرها بأن صديقتها "بدو" حاولت الاتصال بها أكثر من مرة.
ابتسمت لرؤية هذه الرسالة. تراقصت أناملها على لوحة المفاتيح وكأنها راقصة باليه محترفة. ثم رفعته على أذنها لسرعان ما أنزلته والاحباط يعتري ملامح وجهها البشوش عندما وجدته خارج نطاق التغطية. قامت بكتابة رسالة لترسلها عبر موقع التواصل الاجتماعي (الواتساب):
(بت يا بيبو وحشتيني، افتحي بقى عاوزة أكلمك على اللي حصل لي الفترة اللي فاتت)
كادت تغلق الهاتف لكنها كتبت رسالة أخرى:
(صحيح أنا كلمتك من تليفون سليم ده ابن عمي، واد جدع قوي يابت يا بدو، من يوم مادخلت عندهم وهو واقف معايا وهبقى أحكيلك على عمران برضه لما تفتحي)
أغلقت الهاتف ما إن وجدته يخرج من المرحاض. أما هي كانت ترتب سريرها، ولم تعره أي اهتمام.
وقف مقابلتها وقال بجدية مصطنعة:
- على فكرة واحد كان سفحك جلم.
رفعت بصرها لتتحدث لكنها صمتت ما إن رأت قلادة من الذهب الخالص تحمل اسمها. وضعت يدها على ثغرها من هول المفاجأة وتناولتها باليد الأخرى وقالت بسعادة غامرة:
- الله يا عمران دي جميلة قوي، تسلم إيدك.
تتتحنحت ثم وضعتها بين راحتيه وقالت بجدية مصطنعة:
- شكراً، مش عاوزة حاجة.
نظر لها بشك وقال:
- مش عاوزة حاجة يبقى لسه زعلانة مني صح؟
أومأت برأسها علامة الإيجاب دون أن تتحدث بكلمة واحدة:
- زعلانة ليه؟
- عشان طلبت منك تنزل وإنت مرضتش وكسفتني.
- ما هو مكنش ينفع أجل لك، رايح أجيب لك هديتك صح؟
ردت بإبتسامتها المعهودة وقالت:
- صح.
تابعت بغضب طفولي:
- بس برضه مكنش ينفع تكسفني، ده أنا أول مرة أطلب منك طلب.
رد ضاحكاً:
- خلاص تنزل المرة دي وبعدها لا يمكن أبداً. لفي خليني ألبسك هديتك.
تحامل على نفسه وهو يرفع يده ليزين عنقها بقلادته الذهبية. استدارت بجسدها نصف جلسة، وضعت يدها على اسمها الذي يلمع فوق عظمة الترقوة، وقالت بامتنان:
- حلوة قوي، تسلم إيدك.
- تلبسي وتتهني بيها يارب.
اعتدلت في جلستها ثم قالت بخجل:
- أنا آسفة على اللي حصل تحت بس.
- ششش خلاص، انسي اللي حصل، أنا كمان هنسى.
ساد الصمت بينهم لبرهة ثم سألته بفضول:
- عمران هو إنت كده طيب ولا إيه حكايتك؟
ابتسم بطرف فمه وقال بنبرة صادقة:
- ماعرفش اللي أنا فيه ده طيبة قلب ولا جنان زي ما جدي دايماً بيقول. لكن اللي متأكد منه هو إني بعمل اللي يريحني وبس. سميها زي ما تحبي، لكن هي دي راحتي.
نهضت عن حافة الفراش وقالت بجدية:
- طب تصبحي على خير، أنا تعبانة وعاوزة أنام.
- راحة فين كده؟
- هنام على الكرسي مكانك، ماهو مش معقول تنام عليه بحالتك دي.
- ولا أنتي كمان ينفع تنامي عليه.
- مش مهم، كلها سواد الليل.
- جلّي، لا يعني لا.
ختم حديثه وهو يشير على الطرف الآخر من الفراش وقال:
- تعالي هنا وانامي.
ردت بتلعثم:
- ها؟ لأ، أصل أصل.
وقف عن حافة الفراش وسار نحوها. وقف مقابلتها وقال باسماً:
- مالك فيكي إيه؟ خايفة مني ولا إيه؟
- الموضوع مش كده بس بس.
- اطلعي وأنتي بتتحدتي وياي.
رفعت بصرها وقالت بخجل:
- نعم.
سألها بهدوء:
- احنا متجوزين ولأه؟
أومأت برأسها علامة الإيجاب، لكنه رفع ذقنها بأنامله وقال بصوته الهادئ:
- لا، عاوز أسمعها.
دهشة، ذهول، وحيرة، كل هذه المشاعر اجتاحتها في آن واحد. كرر سؤاله حتى ينتشلها من بئر أفكارها. تنحنت وقالت:
- أيوا متجوزين.
- زين، وهو في بقى اتنين متجوزين يناموا بعيد عن بعضهم كده؟
عمران عاوز إيه بالظبط؟
القت "جنه" توترها وخوفها منه وسألته سؤالاً تمنت أن تطرحه في وقت لاحق وليس الآن. هو نفسه يشعر بالتشتت، لا يعرف ماذا يريد على وجه الدقة.
أجابها بهدوء البساطة:
- رايدك يا جنه، رايد نكملوا حياتنا سوا. خدي وقتك عشان تفكري في الموضوع، ولما تكوني جاهزة قولي كل طلباتك وأنا تحت أمرك.
تركها بعد ما ألقى ما في جعبته دفعة واحدة. أما هي ظلت تحدق في الفراغ الذي تركه حتى وصل إلى سريره. جلست هي على المقعد تفكر في عرضه الجديد والغريب في ذات الوقت.
غلبها النعاس حتى صباح اليوم التالي.
سقطت رأسها إثر نومتها الخطأ. اعتدلت وهي تتأواه على إثر تشنجات فقراتها العنقيه. نظرت له وجدته في سبات عميق.
وقفت عن مقعدها متجهة نحوه. كانت تشعر بالحيرة، كيف ومتى وأين تغيرت مشاعره تجاهها.
استيقظ وهو يقول بمشاكسة:
- ياترى عرفتي تنام عندك ولا كانت نومة متعبه؟
ردت بتلعثم:
- ها اه اه كانت متعبه قوي.
رفع كفه ببراءة وقال:
- عشان تعرفي إني مظلوم وياكي أنتي تنامي براحتك على السرير وأني على الكرسي.
وقبل أن ترد عليه قاطعتهم صوت الخادمة وهي تخبرهم بأن الجد يريدهما في ديوان العائلة الصغير على وجه السرعة.
بعد مرور عشر دقائق،
كانت "جنه" جالسة في ديوان العائلة تستمع إلى جدها "نعمان" وهو يقول بجدية:
- أنا جيت النهارده يا جنه عشان نحل الموضوع ده ودي زي ما قلتي.
- موضوع إيه يا جدي؟
رد ماكراً:
- طلاقك من عمران سَبَق وسألتك أنتي رايدة تكملي قلتي هتعملي إيه معاه يا جدي واديني جيت أهو وعاوز أسمع رأيك.
بلعت لعابها وقالت بتوجس:
- في الحقيقة أنا...
رد "سليم" بجدية يحثها على الفضول قائلاً:
- أنتي إيه قولي متخافيش.
- أنا عاوزاه يطلق يا عمران وعاوزة أعيش مع جدي نعمان.
ضرب الجد "نعمان" بعصاه وهو ينظر لحفيده بانتصار، ثم عاد ببصره إلى عمران وقال بسخرية:
- ها دكتور تحب تسمعها كمان مرة ولا بكفاية لحد كده وزي ما دخلت بالمعروف تخرج!!
ضم قبضت يده حتى انقطع الدم عن أنامله وهو يقول من بين أسنانه:
- اخرجي يا جنه دلوقتي رايد أتحدت مع جدك وحدنا.
ردت بهدوء قائلة:
- حاضر.
خرجت "جنه" وما إن خرجت رفع سبابته وقال بتحذير واضح:
- بلاش تلعب بالنار يا حاج نعمان إنت كده بتنفخ في النار.
- إنت يا ولد إنت هتعرفني إني بعمل ومعملش إيه.
- أني بحذرك لآخر مرة ارجع عن اللي في دماغك دي أحسن لك بلاش تضغط عليها.
- فين الضغط دي ما كله على عينك يا تاجر أهو.
أنهى حديثه قائلاً بخبث:
- بقول لك إيه ما تيجي دغري وتجول الحاج وإنك متجوزتهاش واني أجوزها لك صح.
- اللي عندي خلص يا حاج ومن زمان كمان.
أومأ برأسه علامة الإيجاب وقال بسخرية:
- ماشي يا دكتور عمران خلينا إن فعلاً اتجوزتها وإن دخالتك عليها كانت من أسبوع فات البنت مطيقاش العيشة معاك لما جيت لي جالت لي الحقني يا جدي هيضربوني كل شوية في عريس بيضرب مرته بعد جوازها بسبوع إلا إذا...
وقف عن مقعده وقال بحدة وغضب:
- تقصد إيه بكلامك ده؟
رد بهدوء حد الاستفزاز وقال:
- شوف إنت بقى أقصد.
ختم حديثه قائلاً:
- لما إنت مش قد الجواز بتمرمط بنات الناس معاك ليه يا دكتور.
رواية لتحيا نيران العشق الفصل السابع 7 - بقلم هدى زايد
اعتصر قبضته حتى انقطع عنها الدماء، ثم نظر لصديقه الذي عاتبه بملامحه وكأنه يقول له هذا ما أخبرتك عنه سابقًا.
تنفس بعمق وهو يطبق على جفنيه ليردف بثبات ظاهري قائلًا:
- چنه جالت لك كِده؟
رفع منكبيه وقال ببساطة حد الاستفزاز:
- مش مصدجني اسألها.
رد "المأذون" ليعلن عن وجوده قائلًا:
- يا چماعه كِده ماينفعش، هملوني وياهم وحدنا خلوني اعرف احكم بنتاتهم يمكن ربنا يجدرني وميحُصُلش طلاج.
انتهز الجد "ايوب" هذا العرض جيدًا وقال بصوت هادئ ونبرة تملؤها الرجاء:
- وماله يا مولانا حالًا تكون عنيدك مش كِده يا نعمان؟
ساد الصمت للحظات داخل غرفة الديون، وقف الجد وقال بأنف مرفوع:
- أني هخرچ برا أني وسليم وقمان إنت يا ايوب.
ختم حديثه قائلًا بنبرة لاتقبل النقاش:
- اشوف لاول چنه وبعدها اخرچ من الجاعه.
رد الجد "ايوب" وهو يضغط على رأس عكازه بعد أن وقف عن المقعد:
- وماله يا حاچ نخرچوا، اتفضلوا نشربوا الجهوة في المُندراة الصغيرة.
وبعد مرور عدة دقائق من خروج الثلاث رجال، جلس "عمران" في انتظار مجيئها بين اللحظه والأخرى.
أما في غرفة الجلوس المجاورة، جلست بين النسوة بجسدها وعقلها في مكانًا آخر، تهز ساقيها بسرعه شديدة، لتخفف من توترها. لا تعلم ماالذي ينوي عليه "عمران" إن كان يريد الانفصال، فهي الفائزة بهذا الانفصال، ستحصل على مليون جنيه وربما أكثر. وإن رفض الانفصال لن تخسر الكثير، ستظل معاه حتى ينفصل عنها.
كانت جدتها تردد بخفوت على حبات مسبحتها كلمات تستغفر فيها الله. هبت واقفه ما إن أتى إليها "كرم" شقيق زوجها الأوسط، وقال بهدوء:
- چدي رايدك چوا.
- ليه؟
- دلوجه هتعرفي خلصي وحطي طرحة على شعرك.
- طب ثواني.
وبعد مرور عدة دقائق، كانت تقف مقابل زوجها. نظرت له ثم نظرت لـ(المأذون). جلست على المقعد المجاور لجدها "نعمان" وقالت بهدوء:
- في إيه ياجدي؟
رد الحاج "نعمان" قائلا بجدية:
- عمران عاوز يطلجك يابتي.
وقبل أن يُكمل حديثه قاطعه مصححًا:
- اسمها غاصب عليه أني مش عاوز اطلجها، دي حاچه والحاچه التانيه. هي إن المفروض تسيبي لنا فرصه نتعرفوا فيها على بعض ولو محصلش نصيب يبجى الانفصال هو الحل وهتاخد كل حجوجها.
نظر الحاج "ايوب" لحفيدته وقال بنبرة تملؤها التوسل:
- الجرار جرارك يابتي شوفي عاوزة إيه؟
دنا الجد "نعمان" وهمس يجانب أذنها وقال:
- جولي مش عاوزك وشوفي چدك وواد عمك هيعملوا إيه.
رد "المأذون" وقال بنفاذ صبر:
- يا چماعه ماهينفعش كِده، هملوني معاهم هبابه وأني هتحدد وياهم.
خرج العائلتين وبقى ثلاثتهما في الديوان. هتف "المأذون" بجدية قائلًا:
- جل لي ياولدي معاوزش تتطلجها ليه؟
رد "عمران" بجدية:
- رايدها يا مولانا وهي كيف المچانين عليها عفريت اسمه طلجني.
ردت مقاطعه:
- وأنا مش عاوزاه يا مولانا، هو مبيحبنيش ولا عمره شافني يبقى لحق يحبني إمتى وفين وازاي وأنا يادوب لسه حاطه رجلي في البلد مبقاش لي كام يوم.
- ومين جال إني عبحبك أني رايدك تكوني مرتي وليه تسبجي الاحداث مايمكن حبوا بعضنا.
- إنت مجنون احب مين بس أنا مستحيل اكمل معاك وهرفع عليك قضيه خُلع.
- وأني هاطلبك في بيت الطاعه وريني هتعملي إيه بجى.
- شفت يا مولانا اهو مطلعش بيحبني زي ما بيقول.
- أنتي مابتفهميش بجول لك رايدك رايدك في فرج بين رايدك وعحبك.
- وإيه هو الفرق بقى؟
- أني رايدك تكوني چار چدي ومترحيش لولد السيوفي ديه هتفتحي بحور دم ملهاش آخر.
- أنا مش فاهمه حاجه.
- مشكلتي إني مبعرفش اتحدت مع حريم ولا بعرف افهمهم غرضي.
- والمطلوب إيه مني دلوقتي؟
- تصبري عليّ لحد ما النار تخمد وتتحول لرماد.
- خلصونا يا ولاد هتطلجوا ولالاه.
- ايوا.
- لاه.
- وبعدين بجى.
- أسمع يا مولانا خلاصة الجول طلاج مبطلجش جولهم كِده.
وقفت عن مقعدها وقالت بنفاذ صبر:
- طب اسمع يا عمران أنا اعصابي تعبانه ومش قادرة اخد قرار دلوقتي ايه رايك تسبني اروح مع جدي البيت وبعدين نبقى نتكلم.
- طب سبيني افكر.
- هاا فكرت.
- بجول لك إيه أنا عندي شغل هخلصه وابجى ارچع اشوف موضوعك ديه وإنت يا مولانا خدك واچبك وروح ماعندناش بنات للطلاج سلام عليكم.
- خد هنا يا مجنون إنت تعال طلقني وروح شغلك.
خرج "عمران" من الديوان. استوقفه الجد "ايوب" متسائلًا بلهفه:
- عملت إيه يا ولدي؟
أجابه بجدية:
- متخافش يا چدي سبتها چوا زي الفولة في النار ومرضتش انفذ كلامها كل اللي اتفجنا عليه حصُل.
- هو إيه اللي إنتوا اتفقتوا عليه يا جدي؟
- بتتدخلي ليه في كلام الرچالة أما أنتي ست عچيبة والله.
كبح الجد إبتسامته التي ارتسمت على ثغره ما إن غادر "عمران" المكان. استدارت له بجسدها كله وقالت بعدم استيعاب:
- أنا عاوزة افهم هو عمران دا مصنوع من إيه؟
تنحنح وراح يقول بجديه مصطنعه:
- من الچدعنه والرچولة.
تابع وهو يلج الغرفة مرة أخرى:
- همي بينا نشوف چدك.
جلس أربعتهما في ديوان العائلة. استمع الجد "نعمان" إلى حديث صديق العمر كما كان يفعل دائما، لكن هذه المرة هب واقفًا عن مقعده، وهو يضرب بعكازه فوق الأرض وقال معارضًا:
- إيه الحديت الماصخ ديه واد ولدك خرچنا عشان يحلها ولا يعجدها هو فاكر نفسه إيه عاد.
- ولدي رايد بت عمته.
رد الجد مقاطعًا:
- اجفل خشمك ياواد ايوب من ميتا الصغار بيتحتوا والكبار جعدين!
وقف مقابلته وقال بصراخ:
- اللي مش عچابك ديه داكتور راچل الف بت تتمنى ضوفر رچله وإن كان ابوي هيفضل يچر ناعم كِده كتير على حساب ولدي فأني مش هجبل بديه واصل ولدي زين الرچال ومش من حج أي حد مين ماكان يكون يجلل منيه واصل.
ضرب "نعمان" بعصاه طرقات سريعة ومتتالية ثم قال بحدة وصرامة:
- ايوب لم ولدك وجل له كِده عيببس بقى كفايه حرام عليكم إنتوا إيه مبتزهقوش من الكلام والتهديد.
- كفاية بقى تحكمات ياجدي.
آآه، كانت هذه عبارة "جنه" قبل أن يصفعها جدها "نعمان" صفعه مدوية. وضعت يدها على وجنتها. هرول نحوها والد عمران محتضن إياها وقال بحنو:
- حجك عليّ يا ضنايا.
خرجت من حضنه وقالت ببكاء مرير:
- لأ حقي مش عليك ولا على ابنك حقي على نفسي اللي بهدلتها معايا من يوم مادخلت البلد دي. إنتوا ناس مبتفكرش غير في الدم والنار والخراب.
وأنا واحدة عمرها ماشافت حتى خناقة في شارع.
رد الجد "نعمان" مقاطعًا:
- اخرسي يابت وبطلي چلع ماصخ همي بينا خلينا نروح دارنا.
هدرت بصراخ:
- لأ مش هخرج من بيتي مش هروح معاك في حته.
- أنا بجول إننا نمشي دلوجه ونيچي وجت تاني يكون چنه هديت شوي ونشوف حل يرضى چميع الأطراف.
قالها "سليم" وهو يضغط على كتفه بهدوء لينصاع لرغبته، بينما ضرب الجد حديث حفيده بعرض الحائط، وقبل يتحدث كلمة أخرى قام بتحذيرها قائلًا:
- جسمًا بالله لو ما چيت وياي دلوجه لتزعلي زعل واعر جوي.
ردت بصراخ قائلة:
- أنا مش فارق معايا زعلك او تزعلني. أنا الحاجه الوحيدة اللي قهرتني هو إن يوم ما عرفت إن ليا أهل عرفت يعني إيه وجع بجد.
هرولت من الحجرة متجه إلى غرفتها، افترشت السرير بجسدها، خارت كل قواها في البكاء. لم تستمع لنداء "نرجس" وجدتها، لكنها لم تعير إحداهن أي اهتمام.
على الجانب الآخر وتحديدًا في مدينة القاهرة، استقيظت من نومها على إثر آلالم برأسها. وضعت يدها على جبهتها وهي تغمض عينها. اعتدلت في جلستها ثم نظرت إلى هاتفها الموضوع على الكومود. ترددت، التقطته وهي تنهض من الفراش.
خرجت من الغرفة ثم هبطت سلالم الدرج بهدوء. وجدت عمها جالسًا على رأس المائدة وعلى يمينه "خورشيد" وعلى يساره "حذيفه".
توقفت أمامه وقالت بصوت متحشرج:
- اشوف وشك بخير أنا همشي.
رفع بصره تجاهها متسائلًا بنبرة متعجبه:
- هتروحي فين يا بنتي؟
حاولت تمالك نفسها قدر المستطاع والتظاهر بالقوة وهي تقول:
- هرجع بيتي أنا تقلت على حضرتك.
رد "حذيفه" مقاطعًا:
- إيه الكلام دا تروحي فين وبيت عمك موجود!!
رد "خورشيد" مؤكدا:
- خليكي يا بدور هنا بابا محتاج لك وأنتي محتاجه له. خليكي.
ابتلعت غصتها وقالت بمرارة:
- أنا محتاجه ابقى لوحدي ارجوكم بلاش تضغطوا عليا.
أومأ عمها بالإيجاب وقال:
- طب يا بدور خليني إني أنا وافقت على طلبك دا. ازاي هطمن عليكي وأنتي لوحدك يابنتي.
صمتت برهة قبل أن تتحدث بمرارة:
- ماهو أنا مش لوحدي هو معايا.
سألها "خورشيد" بعدم فهم:
- هو مين.
أجابته بقهرٍ وحزن:
- بابا هو مش هايسبني أنا عارفه إن هو معايا ووواجتاحها القهر والحزن.
حاولت السيطرة على حزنها لكنها فشلت. فتح لها عمها ذراعيه وقال بمرارة:
- تعالي يا حبيبتي تعالي في حضني.
وكأنها كانت في إنتظار هذه الإشارة، ارتمت في حضنه، ربت كليهما على قلب الآخر بكلماته. مسد على ظهرها وهو يقول بحزن:
- مش هتمشي مش هتسبيني أنا محتاج لك أنتي منه ومني أنتي من ريحة الحبايب ومش هسيبك لحد ما اروح له.
خرجت من حضنه وقالت برجاء أقرب أن يكون لتوسل:
- ارجوك يا عمي ابوس ايدك خليني امشي.
رد مقاطعًا:
- مستحيل مش هسيبك هتفضلي في حضني برضاكي او غصب عنك.
رد "حذيفه" مقاطعًا بمشاكسه:
- الحق يا خورشيد بابا خلاص باعنا بدور خلاص كلت الجو مننا.
قاطعه ممازحا:
- حبيبي محدش يعرف ياخد مكاني انا اسيبه بمزاجي بس يلا مش مشكلة خليها تأكل عيش.
احتضن وجهها وقال من بين دموعه:
- شايفه العيال البايخة دي غيرانة منك ازاي؟ يلا بقى امسحي دموعك وتعالي اقعدي جنبي هنا عشان الفطار يبقى له طعم بيكي.
أشار بإصبعه لحذيفه وقال بجدية مصطنعه:
- قوم يا ولد من هنا دا بقي مكان الهانم الصغيرة.
وقف عن مقعده وقال بجدية مصطنعه:
- علم وجاري التنفيذ ياباشا.
ثم نظر لها وقال باسمًا:
- اتفضلي يابدور هانم.
تناولوا وجبة الإفطار بين مزاح وجديه مصطنعه بين أولاد عمها لتخفيف عنها. اعتذرت منهم جميعًا وعادت إلى غرفتها. نظر عمها إلى أولاده وقال:
- ياريت يا ولاد محدش يزعلها بأي كلمة.
رد "حذيفه" متفهما حديثه وقال:
- طبعًا طبعًا يابابا من غير ماتقول.
ختم حديثه قائلًا:
- خورشيد عاوزك بخفة دمك كدا تخفف عنها حزنها وحاول تخرجها من الكأبه اللي هي فيها.
رد "خورشيد" بجدية:
- حاضر يابابا من غير ما تقول أنا بعد أذنك هاخدها وأخرج النهاردا في أي مكان قريب نغير جوا.
- ماشي مافيش مشكلة بس بلاش اماكن هاديه خليك في اماكن عامة.
- حاضر.
وبعد مرور ساعتين، كان "حذيفه" يقف يهندم حلته الأنيقه. التقط عطره قام بنثر بعض القطرات ليغمر جسده بهِ. نظر لصورته المنعكسه في المرآة. وبعد أن انتهى خرج من الحجرة متجه نحو الحديقه حيث تجلس " بدور ". جلس جوارها على الأريكه وقال:
- مساء الخير.
ردت بصوت مبحوح:
- مساء النور.
- عاملة إيه دلوقتي؟
- الحمد لله.
- إنت خارج.
- آه خارج شوية إيه رأيك تخرجي معايا؟
ردت نافيه:
- لا اخرج إنت أنا مش عاوزة ازعجك.
- فين الإزعاج دا بس قومي تعالي معايا.
قاطعته بخجل:
- ايوا بس أنا.
سأل بفضول:
- أنتي إيه؟
أجابته بخجل:
- ماعنديش لبس يليق ب-.
رفع سبابته محذرا إياها قائلا:
- إياكي تقولي كلام ملوش لازمة قومي يلا تعالي معايا.
- كدا!!
- ماله كدا؟
نهضت معه تاركة هاتفه علي سطح المنضدة الزجاجي.
وبعد مرور عشر دقائق، أتى "خورشيد" وهو يقول بعتذار:
- أتأخرت عليكي.
صمت ما إن رأى هاتفها وهي على سطح المنضدة الزجاجي. بحث بعينه عنها لم يجدها في المكان فسأل إحدى الخادمات فأجابته بما حدث منذ قليل.
ركل الأرض بقدمه وقال بغيظ:
- ماشي يا حذيفه أنا هعرف شغلي معاك.
جلس على الأريكه ثم وضع ساق فوق الأخرى. دس يده في جيب حلته الرمادية، ليخرج هاتفه تراقصت أنامله على لوحة المفاتيح ثم رفعه على أذنه في انتظار رد أخيه.
كانت في ذات الوقت "بدور" جالسه جوار "حذيفه" الذي كان يحاول جاهدًا كبح إبتسامته من غضب أخيه الذي يتحدث غيظٍ شديد. اما هو كان يتحدث بهدوء حد الاستفزاز:
- هلا بالمقدم خورشيد، ربنا يخليك يارب، اه هي معايا لأ اطمن، حبيبي خلي بالك إنت من نفسك يلا اسيبك بقى عشان وصلنا مع السلامة.
- خورشيد بيسلم عليكي.
شاحت بوجهها تجاه وقالت بإبتسامة باهته:
- الله يسلمه ويسلمك.
- يلا بينا وصلنا.
سألته بدهشه:
- وصلنا فين؟
أجابها بهدوء:
- دا مول هنجيب منه شوية لبس ليا وليكي.
ترجلت بهدوء وهي تتجه نحوه وضعت قدم وقبل أن تضع الأخرى عادت لكنه قبض على ذراعها برفق وقال بجدية:
- هندخل يعني هندخل.
ولجت أخيرًا وعيناها معلقاتان على سقف المتجر ذاهلة مما وجدته من تصميمات غايه في الجمال والروعه. هذه المرة الأولى التي تلج متجر كهذا. كل ما تشتهي الأعين يوجد هنا بأسعار خرافية. يعلم هو أحد المحال الذي يتعامل معه باستمرار. ولج هو وبقت هي تشاهد الملابس والأحذية. خرج مرة أخرى متسائلا بخفوت:
- واقفه عندك بتعملي إيه تعالي هندخل هنا نختار كام فستان.
ردت بذات الصوت قائلة بدهشه:
- كام فستان إيه بس إنت عارف الفستان بكام؟
سألها باسما:
- بكام؟
أجابته هامسه:
- معرفش بس اكيد غالي وغالي قوي كمان يمكن يكون 2000 جنيه مثلا.
كبح إبتسامته كي لا يحرجها وقال بجديه مصطنعه وهو يشير لها بالدخول:
- احنا هنشوف الأسعار بس مش هنشتري.
- غاليه.
ولجت معه تنتقل بعيناها بين هذا وذاك. وعندما نال أحدهم رضاها توقفت عنده وقالت:
- داحلو وهادي ومش ملفت.
- عجبك دا ولا هتاخدي عشان اللي اختارته كان غالي؟
ردت كاذبه:
- لأ صدقني هو جميل وأنا بعشق الأسود.
استشعر الكذب في نبرة صوتها فقال بجدية وهو يشير للعاملة:
- لوسمحتي هناخد الفستان دا.
ردت " بدور " مقاطعه بتردد:
- هو دا بكام لو سمحتي.
أجابتها العاملة بإبتسامتها المعهودة:
- 20الف يافندم.
- قلتي كام!!
- 20 الف بعد الخصم.
وقبل أن تتحدث قاطعها " حذيفه " وقال:
- هناخد اللي اختارته واللي أنا اختارته.
- تمام يا افندم تحت أمر حضرتك.
غادرت المتجر وعقلها لا يصدق ماحدث ولا يريد أن يصدق. توقفت فجأة وقالت بذهول ودهشه شديدان:
- بقى فستانين بس عاملين 50 الف جنيه ليه حرام دا ولا حلال دا لو جبت قماش وفصلته مش هيجيب ال1000 جنيه.
نظر حول ومقال بهدوء:
- هو أنتي مش واخدة بالك احنا فين؟
- للأ سف واخدة بالي وبصراحة بقى المصاريف دي كتيرة قوي.
- مش كتيرة عليكي وبعدين ياستي اعتبريها هدية.
- حتى لو هدية بردو غالية قوي.
- كل واحد ولي قيمته وأنتي قيمتك غاليه ولازم هديتك تبقى غالية.
تابع سيرهم ليبتاع مايلزمه من ملابس وأحذيه، حتى جاء دوره الشراء. كان حائر بين هذا وذاك حتى وقع الاختيار على أكثر من حلة تنوعت بين ذوقه وذوقها.
أما في الصعيد، كانت "جنه" تقف أمامه بجمود ظاهري تحاول قدر الإمكان حبس دموعها التي فضحتها ما أن رأته يسألها عن سبب حزنها. بلعت غصتها وقالت بمرارة:
- جدي اللي المفروض يكون سندي وضهري بيضرني أنا بالقلم وجدك واقف كأنه مش موجود وأبوك مقدرش عليهم وأنا عشان مليش حد يقولهم بتعملوا إيه بقوا كلهم ضدي وعاوزيني معاهم بالذوق او بالعافية.
هبطت دموعها كالشلال على وجنتها. مد أنامله ليكفكف دموعها وقال:
- ششش معاوزش اسمع كلمة تانيه جفلي على الحديت لحد كِده.
اقترب منها ثم سحبها بهدوء لحضنه وقال بحنو وهو يمسد بكفه على ظهرها:
- ماعاش ولا كان اللي يمد يده عليكي وأني عايش.
خرج من حضنه وقالت بمرارة:
- لأ عاش وموجود وللأسف الحد دا جدي.
رد باسما:
- يبجى يجول على روحه يا رحمن يا رحيم.
قاطعته بحدة قائلة:
- إنت اتجننت هتقتله ولا إيه دا جدي وهو عمل كدا وقت غضب مش أكتر.
ابتسم لها وقال بجدية مصطنعه:
- وه اومال كيف زعلانة وبتجولي مليش ومليش.
- ايوا زعلانة منه بس دا مايمنعش إن دا جدي بردو.
- يعني اطلع منيها أني عاد.
- لأ خليك مش إنت السبب في اللي حصل دا كله.
- كيف يعني؟
- عشان مرضتش تتطلقني. يلا صلح غلطتك وطلقني.
- أنا جاي ورايد اتحدت وياكي حديت مهم جوي وياريت تاخدي فرصتك في التفكير.
- كلام إيه دا؟
استجمع شجاعته وهو يُلقي بحديثه دفعة واحدة:
- أني رايدك يا چنه رايد نتچوز بچد، خُدي وجتك واللي تجولي عليه هيمشي وأي حاچة نفسك فيها ربنا يجدرني واحججها لك.
وقفت ذاهلة من حديثه لاتعرف إن كان هذا مخطط جديد من جدها أم هو جاد في طلبه. تنحنحت لتعود من بئر أفكارها متسائلة بتلعثم:
- في الحقيقه إنت فجأتني ومش قدر احدد و.
رد مقاطعًا:
- خُدي وجتك في التفكير مش مستعچل بس رايد تعرفي حاچه مهمه جوي.
سألته بفضول:
- حاجه إيه؟
أجابها بنبرة صادقة:
- يشهد الله عليّ إن طلبي ديه نابع مش چوايا وچدي ملوش دخل واصل فيه.
وكأنه قرأ أفكارها. لاتنكر أنها شعرت بالإرتياح حين قال هذا الحديث لها فقررت أن تُعطي له هُدنة للتفكير كما قال لها.
هتفت بتذكر قائلة:
- صحيح نسيت اقولك.
ابتسم وقال:
- جولي.
- عمي خورشيد مات وأنا لازم انزل مصر عشان بدور.
- هي ردت عليكي؟
- لأ مرضتش دا ابن عمها هو اللي رد عليا افتكرته هو عم ناجي وكنت بهزر معاه.
قاطعها فجأة متسائلا بغيظ:
- بتهزري وياه كيف معلش؟
ردت بتلعثم:
- لا أنا مبهزرش مع خورشيد أنا كنت بهزر مع خورشيد.
رد ساخرًا:
- لاه إذا كان كِده ماشي ماهو خورشيد مش خورشيد.
تابع بحدة:
- مين خورشيد ديه وكيف تهزري وياه ليه متچوزة سوسن حضرتك.
انتفضت على إثر صوته المرتفع وقالت بعتاب ولوم:
- إيه يا عمران خضتني ما بقولك إني كنت بهزري مع خورشيد مش خورشيد.
رواية لتحيا نيران العشق الفصل الثامن 8 - بقلم هدى زايد
تنهدت "جنه" بنفاذ صبر، ثم أجلسته على المقعد وجلست هي على ركبتيها أمامه على الأرض وراحت تقول بهدوء:
- بص ياسيدي الحكاية هو إن عم ناجي اسمه الحقيقي خورشيد، بس إحنا بننده له يا ناجي، ومتسألنيش ليه اسمه كده، أنا شخصيًا مش عارفة. أنا عرفت بالصدفة الموضوع ده من بدور.
تنهدت بعمق متسائلة بصوت هادئ:
- ها، موافق ننزل مصر؟
وقف عن مقعده وهو يقول بجدية مصطنعة:
- طب هو إني عندي سؤال كده، وهو اللي هيحدد إذا كنا هندخل مصر ولا لأ.
هبت واقفة ثم سارت نحوه وهي تقول بغيظ مكتوم:
- خير، سؤال إيه ده؟
- قلتي إيه لجدك نعمان عشان ييجي يقول اللي قاله ده؟
ردت بنبرة صادقة استشعرها في صوتها:
- ولا حاجة، هو سألني عادي وأنا رديت عليه عادي جدًا.
تابعت موضحة:
- وعلى فكرة، أنا استغربت زيك بالظبط من وجوده النهاردة وطلباته اللي طلبها.
أومأ برأسه علامة الإيجاب، وقال بجدية:
- ماشي يا جنه، وأنا هحاول أصدقك.
رفعت سبابتها نصب عينيه وقالت بتحذير:
- لأ، مش هاسمح لك تقول كده ولا تظن فيا الظن ده. أنا فعليًا مكنتش أعرف غرضه من السؤال ولا عرفت بزيارته دي زيي زيك. عاوز تصدق صدق، مش عاوز إنت حر، بس ده اللي حصل.
ولت له ظهرها عاقدة ذراعيها أمام صدرها، بينما هو احتضن ذراعها بكفيه وقال بلهجة المعتذر:
- أنتي زعلتي؟ طب خلاص، حجك عليّ.
رفعت كتفها رافضة اعتذاره عما بدر منه، أما هو سار خطوة ليقف مقابلتها مكررًا اعتذره وقال:
- خلاص، متزعليش بقى، مكنش سؤال.
ردت مقاطعة بضيق:
- سؤال عن سؤال بيفرق، ثم ده مش سؤال، ده شك واتهام مباشر وأنا مقبلش ده أبدًا.
ابتسم وقال بمشاكسة:
- وه، كل دي خلاص؟ يا ستي، أنا هجهز حالي وندخل مصر قبل ما تحكمي عليّ بالإعدام.
سأله بسعادة:
- هروح مصر أشوف بدور؟
أجابها بجدية موضحًا:
- هندخل مصر بس رجاءً نرجع تاني يوم، عندي شغل كتير.
ردت بسعادة قائلة:
- متقلقش، هنرجع. أنا بس عاوزة أطمن عليها وأعرف هتعمل إيه في دنيتها بعد وفاة عم خورشيد.
سألها بعدم فهم:
- كيف يعني؟ هي ملهاش غيره؟
أجابته بحزن:
- آه، بدور دي شافت اللي عمر ما حد شافه. الدنيا بتشيل وتحط فيها وهي بتقول بكرة أحسن. لا ليها أم ولا أخ ولا أخت، وادي أبوها مات وبقت عايشة في الدنيا لوحدها بطولها. عيني عليها.
رد "عمران" مقترحًا:
- إيه رأيك لو تخليها تيجي تعيش هنا؟
لوت شفتيها وراحت تقول بإحباط:
- ياريت ينفع، بس هجيبها فين إذا كنت أنا شخصيًا مش مستقرة في بيت.
ارتسم على ثغرها ابتسامة ساخرة وهي تتابع حديثها قائلة:
- وكأن الدنيا قررت تخلينا نعيش نفس الأحداث، بس كل واحدة في بلد.
رد مقاطعًا بتساؤل:
- ليه بتجولي كده؟ هو إني زعلتك في حاجة؟
أجابته وهي تسير تجاه خزانة الملابس لتخرج بعض الملابس:
- ياريت كل الناس زيك يا عمران، مكنش بقى فيه مشاكل.
وقف مقابلتها وقال بجدية وبدون مقدمات:
- ليه بتهربي من طلبي ليكي يا جنه؟
ضمت "جنه" كنزتها بين ذراعيها وهي تهرب من نظراته لها، تنحنحت قبل أن تتحدث باعتذار قائلة:
- أنا آسفة، بس أنا كلامي ممكن يجرحك، وأنا ما أفتش منك أي حاجة وحشة، وماينفعش أجرحك.
بإشارة من إصبعه جعلها تصمت ليكمل هو حديثه بجمود قائلاً:
- جنه، جولي ردك من غير لف ودوران.
صمت لبرهة قبل أن تلقي بحديثها دفعة واحدة:
- أنا بصراحة كده مش حابة أكمل معاك وعاوزة أطلق وأرجع لحياتي الهادية.
تنهد بعمق وهو ينظر لسقف الغرفة، ثم عاد ببصره لها وقال بجدية:
- ماشي يا جنه، بس من فضلك خلي الطلاق بعد شهرين كده.
- اشمعنى شهرين؟
- فرح أخويا، فضل تاني يوم العيد الكبير. احضري الفرح وبعدها ترجعي لحياتك الهادية.
وضعت أناملها في فمها مفكرة في حديثه، وبعد مرور عدة ثوانٍ قالت باستسلام:
- طب ماشي، والمأذون اللي يكتب لأخوك يطلقنا، اتفقنا؟
- اتفقنا.
قالها "عمران" وهو يسير بخطوات هادئة وبسيطة تجاه الفراش. كانت تتابعه في هدوء وصمت. لاتعرف إن كانت متسرعة في هذا القرار، لكنها ظنت أنها ستجد راحتها بعد هذا القرار.
أما هو، قام بسحب شرشف ووسادة ثم وضعهما على الأرض ومدد فوقهما.
سألته بحزن قائلة:
- هو إنت مش هتنزلني مصر ولا إيه؟
اعتدل في جلسته وقال بجدية:
- ليه بتجولي كده؟
- أصلك نمت!
- أيوه، أنا هنام وبكره بإذن الله هندخل مصر، عشان كده هريح ساعتين.
ردت بإمتنان:
- ربنا يخليك يارب يا عمران.
عاد بظهره وهو يرخي جفنيه وقال بابتسامته المعهودة:
- ويخليكي. ومعلش، طفي النور عشان أعرف أنعس شوية.
- حاضر.
على الجانب الآخر من نفس المدينة، كان "سليم" يعاتب جده عن طريقته الفظة في التعامل مع حفيدته.
بينما كان الجد "نعمان" يفكر في أمر هام، قاطعه فجأة وقال بهدوء مريب:
- جولي يا سليم، إنت ليه متجوزتش لحد دلوقتي؟
رد "سليم" بعدم فهم:
- قصدك إيه يا جدي؟
تنهد الجد وقال شارحًا:
- يعني إنت دكتور وكده والدنيا جاهزة من كله، إيه اللي مأخرك عن الجواز؟
أجابه بجدية وهو يعدل في جلسته ليجلس بأريحية وقال:
- مفيش، بس لسه ربنا مش رايد.
ابتسم له وقال بمكر:
- ربنا راد خلاص يا ولدي.
- قصدك إيه؟
- قصدي، تندل مصر هتروح عند عم الحاج مرجان العباسي وهتختار من عنده كل العفش اللي يعجبك.
- جدي، رسيني، هتعمل إيه؟ أنا ما أفهمش حاجة، ناوي تجوزني ولا إيه؟
- ادخل مصر بكرة واعمل اللي جلت لك عليه، وبعدها هتعرف كل حاجة.
- حاضر يا جدي.
وقف "سليم" عن مقعده وقال بتعب:
- أنا هطلع أريح لي ساعتين قبل السفر.
أومأ برأسه علامة الإيجاب وهو يقول بحنو:
- روح يا ولدي، ربنا يستر طريقك.
غادر "سليم" البهو تاركًا جده يرتب لأحداث جديدة يريد أن يدمر بها شخصًا ليس له أي ذنب سوى أنه رآه مرة واحدة فقط.
التفت برأسه تجاه باب المنزل ما إن ولجت "جميلة" هتف بحنو وهو يشير بيده تجاهها:
- تعالي يا جميلة يا جميلات، تعالي جار جدك.
وضعت حقيبتها جنباً وقالت بنبرة حزينة:
- إزيك يا جدي؟
اعتدل في جلسته وقال بجدية:
- أنا زين والحمد لله، أنتي بقى مالك؟
ردت نافية:
- مليش، أنا زينة كيف ما إنت شايف.
- دي اللي برا، أنا رايد أعرف اللي جوا.
- اللي جوا ما يهمش حد غيري يا جدي.
- لسه زعلانه، إياك؟
- هزعل ليه يا جدي؟ هو إنت عملت لي حاجة تزعل؟
- يابت، على جدك برضك؟ على العموم، أنا هراضيكي بس بطريقتي.
- كيف يعني؟
- كيف دي، سيبها لي دلوقتي واطلعي ارتاحي وجهزي حالك، بكرة ضيوف جايين عندنا.
- ضيوف مين دول يا جدي؟
- بكرة هتعرفي، قومي دلوقتي.
تركته "جميلة" وعقلها يتساءل من هو الضيف الذي سيأتي غدًا. جلس وحيداً ينفث الأرجيلة بهدوء وصمت، يضيق حدقيته بين الفينة والأخرى. أومأ برأسه علامة الرضا عن حدث يُدبره عقله. لاحت ابتسامة خفيفة وهو ينفث سحابة دخان كثيفة ثم تمتم بخفوت:
- بالشفا يا أيوب، يا متخلف! في حد يعمل اللي إنت عملته ده؟ إنت عارف عملت إيه؟ إنت جبت البنزين جنب النار.
كانت هذه عبارة "حذيفة" الذي يحاول بشتى الطرق أن يتحكم في غضبه الشديد.
أطبق على جفنيه وهو يستمع لأخيه الذي يشعر بالعتة لعدم فهم فادحة ما حدث.
رد "خورشيد" بعدم فهم:
- أنا عملت إيه لكل ده؟ ماتفهمني يا ابني بدل ما أنا زي الأطرش في الزفة كده!
حرك "حذيفة" رأسه وهو مغمض العينين متمتمًا بكلمات لاذعة يسب فيها أخيه الأبله على حماقته.
قرر أن يصعد إلى غرفته ليأخذ قسطًا من الراحة بعد قضاء يوم طويل كان بدايته حزن وتوسطه مشاعر جديدة اجتاحت قلبه وختامه مفاجأة من العيار الثقيل في نظره. يتمنى أن يمر غدًا على خير دون حدوث أي خلافات بين ابنة عمه وصديقتها التي لا يعرف عنها شيئًا سوى اسمها فقط.
صعد سلالم الدرج بهدوء. مر أمام غرفتها، توقف لثوانٍ قبل أن يطرق بابها. ترددت أنامله للحظات، أنزل يده بإحباط، سرعان ما رفعها ثانية. وقبل أن يطرق، فتحت هي الباب. تراجع خطوة للوراء وقال معتذرًا:
- آسف، بس سمعت صوتك قلت أطمن عليكي.
كفكفت دموعها وقالت بصوت متحشرج:
- لأ، ابدًا، بس أصلي.
رد "حذيفة" مقاطعًا بتساؤل:
- كنتي بتعيطي؟
ردت "بدور" نافية:
- لأ، ابدًا، بس أصل عيني دخل فيها حاجة.
سألها باسمًا:
- طب وصوتك؟
تنحنحت وقالت بتلعثم وهي تتجه نحو الدرج:
- ماله صوتي؟ ماهو عادي.
استوقفها متسائلاً بنبرة متعجبة:
- رايحة فين؟
- مافيش، هنزل أعتذر لخورشيد، هو ملوش ذنب، وأكيد ماكنش يعرف حاجة. أنا أصلاً كان حسابي اليوم والحمد لله إنه جه عن إذنك.
رد بضيق:
- اتفضلي.
هبطت الدرج بخطوات واسعة وسريعة، متجهة إلى الحديقة حيث يجلس "خورشيد" الذي كان يتابع آخر الأخبار على حسابه الخاص على موقع التواصل الاجتماعي (فيسبوك).
وقفت خلفه وقالت بجدية مصطنعة:
- هو أنا لو بعت لك add هتقبله ولا هتعمل لي بلوك؟
التفت بجسده تجاه مصدر الصوت ثم عاد مرة أخرى والتزم الصمت. بينما هي تابعت وهي تجلس على المقعد المجاور له قائلة باعتذار:
- واضح إنك زعلان مني فعلاً، على العموم أنا معرفتش أنام غير ما أعتذر لك، حقك عليا.
أشار بيده وقال بعدم اكتراث:
- لا حقك عليا ولا حقي عليكي. شكرًا ياستي لحد كده.
ردت بنبرة حزينة:
- طب مش تسأل أنا ليه زعقت لك لما رديت على جنه؟
أجابها بجدية:
- أنا أصلاً لحد دلوقتي بدور على السبب ومش عارف. أنا كنت في منتهى الذوق معاها، وتقدر تسأل.
ردت "بدور" مقاطعة بصوت ونبرة تملؤها الرجاء:
- اسمعني يا خورشيد من فضلك.
استشعر بالجدية في صوتها فعدل من جلسته على المقعد ليجلس بأريحية. استمع لها باهتمام. ما إن بدأت تتحدث عن مقتل والد "جنة" وحتى اللحظة توفى فيها والدها، اعترت ملامح الدهشة والذهول وجهه. رد بعدم استيعاب:
- مش ممكن بقى عمي يقتل صاحب عمره عشان الفلوس!!
ردت بقهر وحزن:
- عرفت ليه بقى مش عاوزة أشوفها وبتهرب منها.
رد "خورشيد" بحزن:
- أنا آسف، بس والله ما كنت عارف ده كله.
- عارفه يا خورشيد، وعشان كده أنا بجد بعتذر لك عن عصبيتي.
- طب وأنتي هتعملي إيه دلوقتي؟
رفعت كتفها وهي تفرك أناملها في بعضها البعض قائلة بمرارة:
- مش عارفة، حقيقي مش عارفة.
بلعت مرارة حلقها وقالت:
- خايفة أقولها أخسرها للأبد، وفي نفس الوقت مش قادرة أسكت وأنا عارفة مين هو القاتل.
بدأ صوت شهقاتها يعلو وهي تتحدث بقهر:
- اللي واجع قلبي إني مش عارفة عنها حاجة ولا بتعمل إيه في حياتها الجديدة. بحلم بيها ليل نهار. عارفة إنها تعبانة وبتقاوم عشان تكمل. اللي قاهرني إنها عاوزة تكلمني عشان تشكي لي وجعها، وأنا قافلة الباب في وشها. عمري ما بعدت عنها البعد ده كله. أنا قتلتها زي ما أبويا قتل أبوها.
لا يعرف كيف يداوي جرحها، تنهار ولا يعرف كيف يمنع هذا الانهيار. كل ما استطاع فعله هو التخفيف عنها بطريقته الخاصة وهو ينظر إلى شرفة أخيه وراح يقول بجدية مصطنعة:
- ماتبطلي نكد بقى، أنتي إيه؟ بطلة العالم في النكد؟ قومي نتمشى شوية.
تابع بغمزة من طرف عينه قائلاً:
- بعيد عن عيون الناس الحاقدة اللي واقفة في البلكونة دي.
كفكفت دموعها ما إن أنهى ذاك الأخيرة جملته، نظرت خلفها وجدت "حذيفة" يقف في شرفته يتابع جلستهما من البداية.
أما "خورشيد" وقف عن مقعده وقال بجدية مصطنعة وهو يرفع هاتفه ليلتقط صورة تجمعه معها:
- افرحي ياستي، قررت أتكرم وأتنازل وأضيفك عندي.
تلك الجملة جعلتها تبتسم رغمًا عنها، فكانت صورتها تخطف القلوب حقًا.
علق على صورتهما كاتباً: (مافيش حاجة أحسن من إن يطلع لك بنت عم نكدية زي بنت عمي، بنت عمي أجدد فرد انضم للعيلة).
تم نشر الصورة ولاقت استحسان الكثير من الأصدقاء والكثير من التعليقات بين الجدية والمزاح. أشار لأخيه في هذا المنشور، فضل أن يعلق عليه وكتب ساخرًا: (كان نفسي أقول إنها كده فعلاً، بس للأسف مقدرش أقول كده لأني ماشفتش النكد).
كل هذا لم تره "بدور" حتى الآن لأنها لم تقبل إضافة "خورشيد" الذي أرسلها منذ قليل.
سار جنباً إلى جنب وبدأ يتبادلون أطراف الحديث حول قضية "جنه".
وبعد مرور ساعتين تقريبًا، طلب منها أن يشاهد أحد الأفلام الأجنبية. وافقت مدعية بأنها لا تخشى الدماء والمشاهد المرعبة.
صنع لها الذرة المقرمشة وقامت هي بإعداد قدحان من القهوة. سبقها وجلس يشاهد الفيلم حتى أتت، جلست على المقعد المجاور وقبل أن تلتقط صحن الذرة المقرمشة قال بمرح:
- إزيك يا بدور، عاملة إيه؟
ردت باسمة:
- الحمد لله بخير.
سألها بجدية وهو يتابع الفيلم:
- بدور، هو انتي ليه عاوزة تقولي لصاحبتك اللي حصل؟
ابتسمت بطرف ثغرها وقالت بحزن:
- تفتكر مش هيجي يوم وتعرف زي ما أنا ما عرفت.
استدار بجسده نصف جلسة وقال بهدوء وهو يخفض صوت التلفاز:
- آه، أنتي ماشية بمبدأ تعرف مني أحسن ما تعرف من غيري.
أومأت برأسها علامة الإيجاب وهي ترتشف رشفات سريعة من القهوة الساخنة ثم قالت:
- بالظبط كده.
رد "خورشيد" مقاطعًا بجدية:
- بس ده غلط، متهديش صداقتك بقرار متسرع زي ده. خليها للظروف. ربنا لو كان عاوز يكشف عمي قدمها أو قبل كده كان كشف، لكن هو فضل لآخر لحظة ماحدش يعرف عنه حاجة. وعرفتي بمحض الصدفة. سيبها هي تعرف بالصدفة أو متعرفش، مش هتفرق كتير في نظري.
سألته بدهشة:
- مش هتفرق كتير؟!
أجابها مؤكدًا:
- أيوه، أصل حطي نفسك مكانها، هتعمل لك إيه؟ ماهو الاتنين دلوقتي في مكان تاني، هي إيه في إيدها تعمله؟
وضعت قدح القهوة على المنضدة الخشبية وراحت تقول بهدوء:
- إنت بتقول كده عشان مش عارف جنه ولا عارف طريقة تفكيرها. أنا بس اللي عارفاها. جنه أكتر حاجة تقدر تعاقبك بيها هو الصمت، وده عقاب قاسي قوي في نظري. إنك تحب حد قوي وعقابك لي هو إنك تسكت لما تشوفه. ده يوجع أكتر بكتير من اللي يضربك أو يشتمك أو حتى يبلغ عنك عشان ياخد حقه. جنه كانت دايما تقولي: "أنا لما بحب حد وبزعل منه مش بعاتبه، لأ، بسيبه لضميره هو كفيل يقتله مليون مرة". ولو جه لي تاني بنسى زعلي منه لأنه هو ما هانش عليه زعلي.
ابتسم لها وقال:
- أنتي حافظة كلامها بالحرف. حقيقي صداقتكم دي حاجة جميلة ومبهرة وخسارة تتدمر في لحظة. جربي طريقتي وصدقيني مش هتخسري.
وقفت عن المقعد وهي تنظر في ساعة معصمها، هتفت بعدم تصديق:
- يا خبر! الساعة 2 بليل، معقول! أنا هطلع أنام شوية بقى. تصبح على خير.
- مش هتكملي الفيلم؟
- لأ، معلش، سهرت كتير. مرة تانية بقى.
- تصبح على...
- وأنتي من أهل الجنة.
في مساء اليوم التالي، كانت "جنه وعمران" في القاهرة. يوم طويل وشاق لكلاهما. كانت تنظر عبر النافذة بسعادة، وكأنها هذه المرة الأولى التي ترى فيها القاهرة. كم تتوق شوقًا إلى صديقتها الوحيدة. لم تعتبرها يومًا صديقة بل شقيقة، لو شئنا الدقة، فهي تعتبرها أمها رغم صغر سنها دائمًا.
عادت برأسها وهي تسأله بحماسة شديدة:
- هي العربية دي مافيش فيها أغاني؟ عاوزة أسمع أغاني.
أشار بيده تجاه المذياع وقال:
- غالي والطلب رخيص أهو.
بدأت في تشغيله تحاول أن تجد أغنية تناسب شوقها لصديقتها فلم تجد، فقررت أن تتركه قبل أن تصاب بالإحباط. بينما هو عقد ما بين حاجبيه الكثيفان متسائلاً بدهشة:
- معقول مافيش حاجة عجبتك؟
أومأت برأسها علامة النفي وراحت تقول بإحباط:
- لأ، مافيش.
- تحبي أختار لك أنا؟
رفعت كتفها وقالت بعدم اكتراث:
- براحتك بقى.
فبدأ يبحث عن بعض الأغاني القديمة، لم يجد الرضا على وجهها. وبين هذا وذاك، توقف عند مقطع من أغنية راقت له كلماتها. بدأ يستمع لها في هدوء وصمت وهو يختلس النظر إليها كلما سنحت له الفرصة:
(قابلتك إمتى شفتك فين، ليه نحسبها ونفكر؟ في مليون حاجة تستاهل نفكر فيها بقى أكتر، نجيب بنوتة شبهك واسميها على اسمك وأنا أنسى الدنيا وأعيش لك، خياتي ودنيتي الجاية).
لم تكن تعلم إذا كان يقصدها بهذه الكلمات أم تكن هذه الصدفة ليس إلا. قررت أن لا تعيره أي اهتمام. ربما تكون هذه إشارات منه لتفكر مرة أخرى في عرضه. ليكن، لن تنصاع لهذا القرار أو رغبته أيًا كانت المسميات، لن تلتفت إليها.
فاقت من شردها على صوته بعد أن صف سيارته أمام البوابة الرئيسية للفيلا وقال:
- وصلنا يا جنه.
كاد أن يترجل من سيارته الفارهة، استوقفته وهي تقبض على ذراعه برفق قائلة ببلاهة:
- ننزل فين؟ يا عم إيه اللي جابنا هنا؟
رد "عمران" بجدية قائلاً:
- مش دي العنوان اللي جالك في التليفون. إحنا مشينا زي الخريطة ما جالت، ودي العنوان.
تابع بتعب واضح في نبرة صوته:
- ادخل يا جنه، الله يرضى عنيكي، مش قادر أتحدد.
- أنا خايفة نكون غلطنا في العنوان.
- هنسأل، مش هنخسر حاجة.
وبين شد وجذب بينها وبينه، ترجلت بعد أن أكد لهما الحارس وجود "بدور".
ولجت "جنه" وعيناها معلقتان على قطعة من الجنة على الأرض كما قالت لعمران.
توقفت أمام الباب الداخلي، قامت الخادمة بفتح لهما وعلى محياها ابتسامة صافية. أشارت لهما بالدخول. قادتهما إلى حجرة الجلوس. جلسا بعد أن أخبرتهم بأنها ستخبرها على الفور.
دقائق قليلة وأتى "خورشيد" وقال بابتسامته المعهودة:
- مساء الخير، أنا خورشيد اللي كلمتك في التليفون. أنتي جنه صح؟ وأنا جوزها.
يتبع
رواية لتحيا نيران العشق الفصل التاسع 9 - بقلم هدى زايد
قالها "عمران" مقاطعًا لحديث "خورشيد" الذي تنحنح بحرج ما أن ختم ذاك الأخير حديثه بكلمة (جوزها).
جلس وهو يشير بيده قائلاً:
- واقفين ليه؟ اتفضلوا، بدور نازلة حالاً.
حتى الآن لا يستوعب عقل "جنه" تلك الإشارات التي لا تُترجم حتى الآن.
وقبل أن تتحدث، فاجأها "خورشيد" بحديثه عنها قائلاً:
- بدور اتكلمت عنك كتير، من شفتها لحد دلوقتي وهي ما اتكلمتش عن حاجة أكتر ما اتكلمت عنك. حقيقي حبيت صداقتكم جداً، ربنا يديم المحبة بينكم.
صك "عمران" على أسنانه وهو يتمتم بخفوت:
- يارب.
تابع بصوت مرتفع:
- هي هتتأخر كتير؟
رد "خورشيد" نافياً:
- لا، هي زمانها على وصول.
دقائق معدودة وولج "حذيفة وبدور" التي ما إن رأت "جنه" هرولت نحوها، متحضنة إياها بقوة شديدة وكأن كلًا منهما تستمد قوتها من الأخرى. طال العناق، وامتزج بالبكاء على حالهن.
خرجت "بدور" من حضنها وتساءلت بحنو وحب وهي تتابع حالة صديقتها:
- عاملة إيه يا قلبي؟ خسيتي ليه كده؟ وليه تحت عينك أسود كده؟ مش بتنامي كويس؟
ردت نافية وهي تعود لحضنها مرة أخرى:
- كنت بفكر فيكي. عقلي وقلبي معاكي، مستغربة ليه بعدتي عني كده في أكتر وقت محتاجة لك فيه.
ابتسم "حذيفة" وهو يقول باعتذار:
- متأسف لحضرتك، نسيت أرحب بيك وانشغلت باللقاء الجميلة ده.
رد "عمران" بذات الابتسامة وقال:
- لا عادي، ولا يهمك.
انتبهت "بدور" لصوته، فنظرت له وقالت وهي تصافحه:
- أنا آسفة يا دكتور عمران، جنه نستني أسلم على حضرتك.
اتسعت ابتسامته الودودة وقال بمرح:
- ولا يهمك، المهم إنكم اتجابلتوا على خير.
تابعت حديثها وهي تشير بيدها تجاه "حذيفة" و"خورشيد" وقالت:
- المقدم خورشيد ابني عمي، والبشمهندس حذيفة أخو كبير وابن عمي برضه.
ثم ختمت حديثها قائلة:
- الدكتور عمران الهواري ابن خال جنة وجوزها.
وأخيرًا تم التعارف على بعضهم البعض.
غادرت "جنه" و"بدور" إلى الحديقة ليتحدثا في بعض الأمور المتعلقة بهما.
بدأ "عمران" يتبادل أطراف الحديث بينه وبين الشقيقين في عدة مواضيع مختلفة.
أما في حديقة الفيلا، كانت "جنه" تسرد لها حياتها منذ أن وطئت قدمها في الصعيد وحتى اللحظة التي عادت فيها إلى القاهرة.
حتى عرض "عمران" لها تحدثت عنه.
سألتها "بدور" بنبرة متعجبة:
- وإنتي ليه رفضتي عرضه وأنتي بتقولي عليه كويس؟
أجابتها بنبرة حائرة:
- هتصدقيني لو قلت لك مش عارفة ليه عملت كده؟ يمكن أكون اتسرعت، صح؟
- يمكن! ده أكيد يا أستاذة، بقى راجل زي البلسم معاكي ومرمطاه هنا وهناك، وفي الآخر تقولي له لأ مش عاوزة أكمل معاك.
- خايفة يكون في بينه وبين بنت عمي حاجة.
- فيه إزاي يا متخلفه؟ وهو بنفسه قالك إن مافيش أي حاجة من ناحيته.
- طب وجميلة؟
- إنتي مالك ومال جميلة؟ المهم عندك عمران، هو قال عاوزك تبقي مراتي، ليه ترفسي النعمة برجلك يا عبيطة؟
- معرفش بقى يا بدور، حسيت إن لو وافقت هكون سارقاه منها وأنا مش عاوزة أبقى حرامية.
ضربت بكفها على الآخر مرددة بتعجب:
- لا إله إلا الله! هو يابنتي قال أنا عاوزك أنتي تبقي مراتي وطلباتك أوامر، وأنا مش مرتبط بحد، ليه إيه يا فقرية ترفضي.
ردت بإحباط قائلة:
- اديكي قلتيها فقرية، أعمل إيه بقى.
- هو أنتي ماينفعش ترجعي في رأيك؟
- عاوزاني أعمل إيه يعني؟ أروح أقول له أنا موافقة أتجوزك؟ لأ طبعاً، مستحيل أعمل كده.
- طب يا أختي، خليكي فقرية زي ما أنتي.
قاطعتها بتذكر قائلة:
- سيبك مني أنا وقولي لي إيه النعمة اللي ظهرت عليكي فجأة دي؟ وإيه العيلة اللي تشرف دي؟ كانت مستخبية فين؟ وعمي اتوفى إزاي؟ احكي لي.
بلعت غصتها بمرارة وبدأت في سرد القصة قائلة:
- زمان يجي أكتر من عشرين سنة، ماما تعبت قوي. في التوقيت ده إنتي اتولدتي، وأنا كنت تعبانة قوي وماما كمان، وبابا مكنش معاه تمن العلاج.
عقدت ما بين حاجبيها متسائلة بعدم فهم:
- هو عمي خورشيد كان يعرفنا وقتها؟ مش طلعنا جيران في المكان اللي اتربينا فيه سوا؟
أومأت برأسها علامة النفي وقالت:
- لا، كانوا أصدقاء وشركاه في محل صغير كده. بابا كان محتاج لفلوس العلاج، وأبوكي عاوز يروح يدفع مصاريف الولادة اللي ماكنش مترتب لها أساساً لأنك اتولدتي قبل معادك بشهر تقريباً. وهنا كانت المشكلة، مافيش واحد راضي يتنازل عن حق التاني وينقذه. قرر بابا إنه ياخد الفلوس كلها بالذوق أو بالعافية.
ابتسمت "جنه" ساخرة وقالت:
- وخدها إزاي بقى بالعافية؟
أومأت "بدور" علامة الإيجاب وقال بحزن:
- بالظبط كده. قتله وأخد الفلوس وأنقذني أنا وماما، على حسابك إنتي ومامتك.
قاطعتها ضاحكة:
- أكيد محصلش ده! إنتي بتهزري؟ هو خورشيد يعرف يدبح فرخة لما يقتل بني آدم عادي كده؟
تنهدت بعمق وهي تنظر لحال صديقتها التي لم تستوعب ما يحدث الآن أمامها، وقالت:
- للأسف يا جنه، دي الحقيقة. ومهما خبيت عنك كان لازم تعرفيها. دلوقتي أو بعدين مش هتفرق كتير، بس بالنسبة لي كنت محتاجة أريح ضميري.
وقفت "جنه" مقعدها الذي سقط إثر وقوفها الغاضب، وقالت بصراخ:
- إنتي تخرسي خالص! إنتي اللي زيك ما يتكلمش عن الضمير! بقى تبقي صاحبتي العمر ده كله، وأبوكي قاتل أبويا وأمي!
ردت "بدور" بمرارة:
- والله العظيم ما عرفت غير لما عمي بعت لنا عشان يصالحنا. والله ما عرفت حاجة غير من كام، ومسكتش بهدلت الدنيا وطلبت منه يسلم نفسه، بس للأسف مات وأنا زعلانه منه ومسلمش نفسه.
قاطعتها بمرارة:
- هو ده كل اللي همك إنه مات وإنتي زعلانه منه؟ وأنا مفكرتيش فيا؟ أنا اللي اتحرمت من أبويا وأمي بسبب أبوكي وطمعه!
هرول "حذيفة" تجاه "بدور" بعد أن وصل إلى مسامعه صوت صرخاتهن بعد المواجهة. حاول أن يشرح لها ما حدث، فقاطعته قائلاً:
- متبررش لعمك ولا لبنت عمك. ذنب عمري ما هغفره أبداً.
إيه يا جنه؟ حصل إيه؟
قالها "عمران" وهو يقترب من زوجته التي بدأت في الانهيار نفسيًا وعصبيًا.
هرولت نحوه وقالت برجاء:
- يلا يا عمران، تعال نخرج منها. أنا مش طايقة أفضل في المكان ده لحظة واحدة.
- فهميني حصل إيه؟
ردت بصراخ قائلة:
- خلاص! أنا همشي لوحدي. مش عاوزاك ومش عاوزة حد.
غادرت المنزل كما غادر "عمران" أيضاً. خلفها استوقفه "حذيفة" قائلاً بصوت هادئ ونبرة تملؤها الحزن:
- دكتور عمران، هكلمك في التليفون.
- تمام، وأني منتظرك.
استقلت السيارة ودموعها تنسدل على وجنتيها. تركته يقودها حيث يشاء، لا يهم، لن أسوأ من هذا المنزل الذي ما أن وطئت قدماها فيه علمت ما لا تريد أن تعلمه.
صف سيارته أمام أحد الفنادق، ترجل من السيارة وولج الفندق. بدأ في ملء الاستمارة وعيناه تسترقان النظر كلما سنحت له الفرصة. وضع القلم وسار خلف أحد العاملين الذي يقوده إلى الغرفة الخاصة بهما. قام بفتح الباب ثم ولجوا وغادر بعد أن وضع له "عمران" بعض النقود.
أوصد الباب بهدوء ثم استدار لها بجسده كله. وجدها تحتضن وجهها بين كفيها. جلس جوارها وقال بصوته الهادئ:
- مالك بس؟ فيه إيه؟ حد زعلك؟ طب هي قالت لك حاجة زعلتلك؟
رفعت وجهها وقالت بصوت متحشرج وعينان مصبغتان بالإحمرار:
- هي وجعتني، قتلتني زي ما أبويا اتقتل.
ربت على ظهرها وهو يكفكف دموعها وراح يقول بهدوء:
- أهدي بس كده وصلي على النبي، دي مصارين البطن بتتعارك، اهدي، واللي اتكسر يتصلح.
ارتمت في حضنه وقالت بمرارة وهي تمئ برأسها لتخبره:
- اللي اتكسر عمره ما هيتصلح. أبويا وأبوها كانوا صاحب، وأبوها اللي كنت بعتبره أبويا، طلع هو اللي القاتل اللي حرمني من أبويا، مش بس أبويا لأ أمي كمان. آآآآه يا عمران، نار في قلبي نار قايدة مش عارفة تهدأ، آآآآه.
لن ينكر حينها أن الصدمة لجمت لسانه وعجز عن التبرير والأعذار كما يفعل دائماً. كل ما استطاع فعله هو تهدئتها حتى غلبها النعاس وهي تتوسد صدره الذي تبلل من دموعها على ما حدث لوالديها.
كان يستند بظهره على ظهر الفراش، مد يده وقام بفك حجابها الوردي المطرز بفصوص من اللؤلؤ. نظر لشاشة هاتفه، وجد اسم "حذيفة" يضيء شاشته. مد يده وضغط على زر الإجابة وقال بخفوت:
- وعليكم السلام. والله أنا زيي زيك كده يا بشمهندس. لاه، معلش، بلاش يتجابلوا تاني دلوقتي في الحقيقة. كنت ناوي أعود في نفس اليوم، لكن بالشكل ده ما أعرف هرجع امتى. طب هي زينة دلوقتي؟ معلش، كان لازم المواجهة دي، بس هي اتسرعت، كان لازم ترتب لها. خليك وياي لحظة.
وضع هاتفه على سطح الكومود، ثم بدأ يدثرها جيداً في الفراش الوثير. تقلصت ملامحها بإنزعاج وكأنها ترى شيئاً مزعجاً. مسد على رأسها برفق ثم دنا منها وطبع قبلة خفيفة. فعلها بتلقائية، لا يعرف إن كانت شفقة على حالها أم بداية لحياة بدأت ملامحها تتضح شيئاً فشيئاً.
انتبه لحاله وهو يسحب هاتفه. خرج من الغرفة متجه إلى الشرفة ليتحدث بأريحية حول هذا الأمر. انتهى الأمر على أن يتم تحديد مقابلة مدبرة لها من قبلهم وكأنها صدفة، ولكن ليس الآن.
في عصر اليوم التالي، كانت جالسة على الأريكة شاردة الذهن تفكر في ليلة الأمس، تفكر في الحماس الذي أتت به من الصعيد إلى القاهرة، وعن خيبة الأمل وكسرة القلب التي ستعود بها إلى الصعيد.
انتشلها من بئر أفكاره وهو يتمتم بصوت هادئ:
- إنا لله وإنا إليه راجعون. عارفة مين مات؟
ردت بشرود:
- مين؟
- والد البشمهندس حذيفة، عم بدور.
قاطعته بحدة:
- متجبش اسم الناس دي قدامي.
ارتشف رشفات سريعة من قدح الشاي وهو يقول بجدية:
- أني هشرب الشاي وهنزل أحضر الجنازة.
- وإنت تروح ليه؟ إحنا هنمشي النهار ده.
- لاه، عيب، إحنا نعمل الواجب ونعود بكرة.
- روح لوحدك، أنا مش رايحة لحد.
- على كيفك، أني قايم، مش هتأخر. مش عاوزة حاجة قبل ما أنزل؟
- شكرًا.
وبعد مرور ساعتين، كان "عمران" يقف في عزاء الرجال. ربت على كتفه وقال بجدية:
- البقاء لله.
رد "حذيفة" بحزن عميق:
- البقاء لله وحده.
على الرغم من أن معرفة "حذيفة" و"عمران" معرفة سطحية، لكنه قرر أن يبقى لآخر اليوم الصعب والشاق. طلب منه أن يرى "بدور" التي فاجأت الجميع، تهبط سلالم الدرج بحقيبة ملابسها في يد والأخرى ملف صغير ذا اللون الأبيض.
توقف "حذيفة" و"خورشيد" ما إن توقفت، تصافحهما بابتسامتها الودودة كسابق عهدها معهم وقالت بمرارة وهي تحاول جاهدة على أن تحافظ على حبس دموعها:
- أشوف وشكم بخير.
سألها "حذيفة" بغضب مكتوم:
- رايحة فين؟
أجابته بمرارة:
- أرض الله واسعة. هرجع بيتي وأبدأ من جديد.
رد "خورشيد" مقاطعاً باستفهام:
- أومال ده إيه؟
أجابته موضحة:
- ده بيتكم وأنا...
قاطعها "حذيفة" بحدة قائلاً:
- ده بيتك، أبوكي وعمك الله يرحمهم.
وردت مقاطعة بمرارة قائلة:
- اديك قلتها، الله يرحمهم. يعني مينفعش أعيش معاكم؟ كلام الناس هيبقى مش حلو. معلش، سيبوني على راحتي.
قاطعها "خورشيد" بحدة وصرامة:
- هو أنا بقول لك اتعشي وأنتي مش راضية؟ إنتي عاوزة تخرجي من بيتك عشان تروحي لكلاب السكك برجلك؟ اتفضلي يا هانم على فوق على أوضتك، بلا كلام الناس بلا كلام فاضي.
وضعت الظرف على سطح المنضدة الرخامي وراحت تقول باسمة:
- ده ورثي اللي بابا اتنازل عنه ليا. أنا اتنـازلت عنه ليك يا حذيفة من كام يوم. تقدر تدير الشركة وليك كامل الحرية زي الأول. الأرباح اتبرعوا بيها لدار أيتام صدقة جارية على روحه، يمكن تكون سبب في التخفيف عنه.
أنهت حديثها وهي تنظر لعمران الذي التزم الصمت طيلة هذه المدة.
- سلم لي على جنه وقل لها بدور عمرها عرفت حد جميلة زيك. أشوف وشكم على خير.
سارت بخطوات هادئة وبسيطة، تجر خلفها حقيبة الملابس. خرجت من البيت بأكمله، لا تعرف إلى أين تذهب. كذبت عليهم حين قالت لهم أنها ستعود لبيتها، فذاك البيت استعادته المالكة له بعد أن تأخر عن الدفع. استغلت غيابهم وقامت ببيع الأثاث، كل هذا كان تعلمه "بدور"، فكانت تخطط بأن تستأجر شقة أخرى، لكن وفاة عمها ومجيء "جنه" دمر جميع مخططاتها.
كانت تسير في الشارع بلا وجهة. لقد نال منها التعب، جلست على أحد الأرصفة تلتقط أنفاسها حتى تستطيع متابعة طريقها. توقفت أمامها سيارة فارهة من اللون الأسود. ضغط صاحبها على زر الزجاج وقال بتساؤل:
- نسيت أقول لك إن الناس هتتكلم عنك عشان قعدة مع ولاد عمك لوحدهم. هما هما الناس اللي هتقول إزاي ابن عمها يسيبها كده لوحدها. اركبي يا هانم.
رفعت رأسها ما أن ختمت الأخيرة بكلمة (يا هانم). ما زالت تظن أنها داخل أحد أحلامها. تأكدت من أنه حقيقة وليس خيال حين جلس جوارها وقال بحزن:
- كنت فاهم إنك أول واحدة هتقفي جنبي لما بابا يموت. طلعتي إنتي أول واحدة سبتيني ومشيتي.
- حذيفة، بجد أنا آسفة، بس حط نفسك مكاني.
- ما كنتش هسيبك وهفضل جنبك وأنـفذ وصية عمي ليكي. أنا عمي وصاني عليكي وبايا وصاك عليا وعلى خورشيد وكمان وصانا، يبقى إزاي عاوزة تسبينا كده عادي؟
- عادي، أنا أصلاً ما دخلتش حياتكم غير من كان أسبوع ولا كام يوم. يعني ما لحقتوش تتعودوا عليا، اعتبروني ما دخلتهاش أصلاً.
- لاه يا بدور، فيه فرق وفرق كبير كمان. أنا لو مكانك مش هتخلى مهما حصل. لكن إنتي ما صدقتي تخلعي أصلاً.
- متحاسبهاش كده، بس إحنا في مجتمع شرقي، نظرات الناس لينا مش هتبقى لطيفة.
- سيبيني أنا أواجه المجتمع وخليكي إنتي مكانك في بيتك.
وبين شد وجذب، استقلت "بدور" السيارة، بينما هو قال لها بجدية مصطنعة:
- أول ما نوصل، اعملي لي فنجان قهوة، أحسن دماغي هتنفجر من الصبح بسببك.
إن كان حلماً، لاتريد أن تستيقظ منه. في حقيقة الأمر، مجيء "حذيفة" في هذا الوقت تحديداً يعني لها طوق النجاة. ربما يكن معه الحق حين قال أن في كلتا الحالتين سيتحدث عنها الناس.
شاحت بوجهه نحو النافذة مستندة برأسها على زجاجها. انتبهت ما أن تحدث ذاك الأخير في هاتفه قائلاً بهدوء:
- الحمد لله يا دكتور عمران. آه، هي معايا أهي. لاه، تروح يا راجل، ما عندناش بنات تسيب بيت أهلها مهما حصل. أنا كمان محتاج أشوفك. على خير بإذن الله، مع السلامة.
كده الواحد يطمن شوية عن الأول.
قالها "عمران" وهو يضع هاتفه جنباً، ثم نظر إلى "جنه" التي كانت في عالماً آخر، لا تعرف بما يدور حولها. هتف بصوت مرتفع قليلاً وقال:
- چنه، چنه.
ردت بشرود:
- هاا، بتقول حاجة؟
- واضح إنك مش هنا أصلاً.
- معلش، كنت سرحانة شوية، كنت بتقول إيه؟
- بجول البشمهندس حذيفة لاجى بدور خلاص، ورجع بيها على البيت.
ردت بعدم اكتراث:
- ما يهمنيش أصلاً.
تابعت بتذكر:
- صحيح، عاوزين نمشي بقى عشان جدي نعمان كلمني وعاوز يصالحني.
- كلمك امتى؟
- لما كنت إنت في العزا.
- طيب، أني هرجع بعد يومين، نبقى نرجع عليه.
- وليه هنقعد يومين؟
- عندي كام حاجة كده.
- خلاص، براحتك.
تابع بحماس:
- مش ناوية تفرجيني على البلد هنا دي؟ أني حتى أول مرة أزور مصر.
ردت باسمة:
- أول مرة إزاي؟ إذا كنت فيها إنت وجدي من شهر وشوية.
رد "عمران" موضحاً:
- لاه، المرة اللي فاتت كانت زيارة كده على السريع، لكن دلوقتي وياكي على راحتنا وعاوز أشوف البلد.
ابتسمت بطرف فمها ساخرة وراحت تقول:
- ما فيهاش حاجة مختلفة كتير عن غيرها. الحاجة الوحيدة اللي هتلاقيها مختلفة هي الصحاب اللي بيغدروا ببعض ويقتلوا بعض.
رد مقاطعاً بجدية مصطنعة قائلاً:
- تعرفي؟ أول مرة أعرف إن دمك تقيل كده. قومي نتمشى شوية بدل القعدة دي.
بعد مرور ثلاث ساعات، كانت في أحد المحال التجارية الكبرى تبتاع بعض الملابس والهدايا لشقيقته. حاولت أن تتجاوز حالتها تلك. أما هو كان يتابع بعض الرسائل على هاتفه. سارت تجاهه وقالت بغيظ:
- هو إنت هتفضل بعيد كده كتير؟ سيبك من التليفون وخليك معايا شوية.
ابتسم لها وقال بجدية:
- بس كده، اتفضلي.
رفعت الفساتين وقالت بنبرة حائرة:
- إيه رأيك؟ دا ولا دا؟ هيعجب نرجس؟
مط شفتيه وقال بذات النبرة:
- للأسف، لو كنت أعرف كنت ساعدتك، بس دي حاجات بنات مليش فيها.
تنهدت بإحباط وقالت:
- وبعدين بقى، يعني هنعمل إيه دلوقتي؟
رفع منكبيه وقال ببراءة:
- ما أعرف.
ردت باسمة:
- هناخد الاتنين بالعند فيك.
اتسعت حدقيه وقال بدهشة:
- وإيه؟ وأني ذنبي إيه بس؟
أجابته بعناد وهي تتجه نحو المحاسب:
- عشان تعرف بعد كده تقول رأيك ومش خسارة فيها.
- لاه، هي خسارة ليا أنا.
دس يده في جيب بنطاله ليخرج بطاقة الائتمان. قام بدفع المبلغ المطلوب ثم خرجا من المحل. وقبل أن يكمل سيره نحو المصعد، جذبته من يده وقالت بحماس:
- أخوك هيتجوز في العيد، تعال بقى نختار هدية ليهم تبقى في شقتهم.
- هو النهار ده عيد الهدايا ليهم ويوم الغرامات ليا!!
- يلا بس تعال ندخل، مش هتخسر حاجة.
ولج المحل ووجد كل ما تشتهي له العين. كانت حائرة بين هذا وذاك، حتى وقعت عيناها على القرآن الكريم. أشارت بيده نحوه وقالت:
- بص المصحف ده شكله حلو قوي وهيبقى أحلى لما يتحط في أوضة الصالون عندهم. يلا روح ادفع تمنه.
رد باستسلام:
- حاضر.
خرج من المتجر وولجت المجاور له وهي تتحدث بجدية مصطنعة:
- مش معقول نجيب للبيت كله وننسى بركة البيت، تيتا وجدو وباباك ومامتك.
رفع كتفه وقال بصوت أشبه للبكاء:
- لاه، مش معقول دي، حتى عيب في حقك.
وقف وسط المحل يتابع اختياراتها بين هذا وذاك. تنتقي كل ما راق لها ولا تلتفت إلى أسعارهم. انتهى من شراء هدايا الأسرة. توقف في ردهة المتجر وقال بابتسامة مزيفة:
- تمت على خير ولا لسه في حد نسينا نجيب له هدية؟
وضعت سبابتها في فمها مفكرة، وقبل أن تتحدث، قاطعه هو وهو يجذبها إلى متجر جديد وقال بمرح:
- كيف نسيتي روحك؟ معقول أجيب لكل وأنتي لاه؟
توقفت وسط المتجر وقالت هامسة وهي تقترب من أذنه:
- أنا مش مهم.
أجابها بذات الحركة وهو يبتسم لها:
- إنتي أهم.
أتت العاملة وبدأت تساعدها في اختيار الفساتين حتى وقع الاختيار على أحدهم. ابتاعه لها وغادر. كان يحمل الكثير من الحقائب. كانت تسير بجانبه، تتحدث معه بين جدية ومزاح وجدية مصطنعة. تباطأت ذراعه بتلقائية شديدة. أما هو نظر ليدها المعلقة بذراعه. شعرت بالحرج فنزعتها، مبررة أنها لا تقصد هذا. منعها من التبريرات الكاذبة وطلب منها أن تتعامله معه بتلقائيتها كما يفعل معها.
وصل أخيراً إلى غرفتهما بالفندق فقالت بتذكر:
- هات يا عمران، أشيل معاك الشنط لأحسن تكون تقيلة ولا حاجة.
رواية لتحيا نيران العشق الفصل العاشر 10 - بقلم هدى زايد
- لاه ازاي متحوليش كِده احسن اتعبك معايا.
- إنت بتتريق عليا؟
- العفو، هو أني أجدر.
- طب حط الشنط وتعال نروح نتعشى احسن، هموت من الجوع.
- إيه رأيك نطلبوا الأكل اهني؟ أصل صراة ربنا مش جادر.
- خلاص مش مشكلة، اطلب إنت بقى اللي يعجبك.
ولجت غرفة الاستحمام في ذات اللحظة التي طلب فيها "عمران" وجبة العشاء.
بعد مرور عدة دقائق، طرق النادل الغرفة. فتحه وجده يمد يده بظرف صغير وعلى وجهه ابتسامة ودودة، ثم قال:
- مساء الخير يا أفندم.
- مساء النور.
- مبروك لحضرتك أسبوع مجانا شاملة الإقامة والواجبات.
رد بنبرة متعجبة:
- وإيه السبب؟
- حضرتك والمدام عرسان رقم 5000 للأوتيل، وعشان كدا قرر الأوتيل يديي لحضرتك أسبوع مجانا.
ابتسم له وقال بسعادة:
- طب ياسيدي متشكرين.
خرجت "جنه" من غرفة الاستحمام متسائلة عن سبب ابتسامته العريضة قائلة:
- خير، مبسوط ليه كدا؟
رد باسمًا:
- ربك حب يعوضني وبعت هدية أسبوع شامل الإقامة والواجبات.
جلست جواره وقالت بتعجب:
- مش فاهمه.
أجابها بسخرية قائلاً:
- إحنا العرسان رقم 5000 للفندق وعشان كِده جاله يدونا أسبوع مجانا.
ردت بتفهم:
- اهاا.
تابعت حديثها بجدية:
- أنا جعانة قوي، مش هناكل.
كادت أن تقف عن حافة الفراش، لكنه قبض على ذراعها برفق، وقال بخفوت:
- تعالي، إحنا قمان ندوا بعضنا فرصة في الأسبوع ديه، يمكن ربنا يدينا فرصة چديدة.
كان حديث "بدور" يتردد على مسامعها في ذات الوقت الذي يقترب منها "عمران" ببطء.
كانت تشعر بالدفء والأمان في حضرته، بدأ يقترب أكثر حتى لفحت أنفاسه الحارة عنقها الباردة إثر المياه الباردة.
أرخت جفنيها وهي تمتم بصوت مرتعش إثر قربه الشديد لها:
- ع م ران، عمران.
رفع وجهه لها وقال بصوت مرتعش ونبرة تغلفها الرغبة:
- عيون عمران.
حاولت أن تبتعد عنه برقة، لكنه قربها أكثر. لن تنكر أنها تحتاج هذا القرب، ربما تكن هذه هي الشرارة التي ستشعل النيران بداخلهما، لكن من المؤكد أنها لن تستسلم بهذه السرعة.
نجحت في إبعاده وقالت بعتاب ولوم:
- هي دي الحرية اللي وعدتني بيها؟
عانق أناملها بأنامله وقال بحنو:
- حاولت كتير، لكن مش جادر.
وقبل أن تتحدث، التقط شفتيها في قبلة خاطفة. فركت بجسدها حتى وقفت عن الفراش وقالت من بين أنفاسها اللاهثة:
- إحنا متفقناش على كدا، أنا بدأت أخاف منك.
رفع يده وهو يقف عن مقعده وقال باسمًا:
- خلاص، مهاكررهاش تاني. واصل، بس خلينا نجرب من بعض، يمكن ربنا يكتب لنا حياة مع بعض.
- وافرض مش كتب لنا حياة مع بعض؟
- يبجى كل واحد مننا يروح في طريج، وكل حجوجك هتوصلك وزيادة، بس ليه نجدر العفش واحنا بإيدينا نجدر الزين.
ردت بخجل وهي تنظر أرضًا:
- خلاص، يبقى تسمع شروطي ولازم توافق عليها.
وقف مقابلتها وقال بحنو:
- مواجف من جبل ما اعرف.
ردت بعناد قائلة:
- لا، تعرف الأول.
جلس على الأريكة وجلست يسار صدره وقال:
- اتفضلي يا ست البنات، أني سامع وربنا يجدرني وانفذ لك شروطك.
قالت بجدية:
- عاوزة شقة، مش مهم عندي كبيرة ولا صغيرة، المهم عندي إني أحس إن أنا الملكة في مملكتي، أنا الآمر الناهي فيها.
- إن كان على كِده ساهلة.
- تاني حاجه، نبعد عن مشاكل جدك وجدي وملناش دعوة بيهم، ولو عاوز تحل حاجة يكون بالعقل مش بالسلاح والدم.
- إني لو عليّ بتمنى ديه يحصل النهاردا جبل بكرا.
- آخر حاجة، مافيش جواز غير لما شقتي تجهز، يعني اعتبر الفترة دي فترة خطوبة.
ابتسم لها وقال بجدية مصطنعة:
- هو هيبجى أصعب شرط، بس يهون عشانك.
تابع بجدية:
- بس نسيتي أهم شرط.
سألته بفضول:
- إيه هو؟
أجابها بجدية:
- شبكتك يا عروسة، مش عاوزة شبكة زي باجي البنات.
ردت نافية:
- لا، مش مهم عندي، أنا أهم حاجة عندي إني أعيش مرتاحة وتكون حياتي مستقرة، غير كدا شكليات.
رفع كفها ثم لثم راحتها وهو يقول بحنو:
- ربنا يجدرني واحجج لك أحلامك، ويچعلني سندك في الدنيا.
ابتسم له وقالت برجاء:
- امين يارب.
كاد أن يقترب منها، لكنها ابتعدت وقالت بتحذير:
- أنا قلت إيه كدا، إنت ملكش أمان.
رفع كفه ببراءة وقال:
- العفو والسماح يا ستنا، توبة ومش هتتكرر تاني، صدجيني هغض بصري.
ابتسمت ملء شدقيها وقالت بجدية مصطنعة:
- إذا كان كدا ماشي.
حياة جديدة قررت أن تبدأ حياة جديدة. كما قالت لها "بدور". كم تتمنى بأن هذا القرار يكون القرار الصائب. ستسخر الكثير إن حدث عكس ذلك توقعاتها، ربما تكن صحيح وربما لا. في كلتا الحالات سيؤلمها قلبها، إما من العشق أو الفراق.
أما هو، يعلم جيدًا أن ما فعله كان الحل الأمثل. كل ما يريده هو بدأ حياة جديدة مع تلك الجميلة التي خطفت قلبه من النظرة الأولى.
وفي أحد المعارض الخاصة بالأثاث، كان حائرًا بين هذا وذاك. وقفت العاملة بجواره تتحدث معه عن هذه القطعة. تنهد بعمق وهو يومئ برأسه علامة النفي، وراح يقول:
- طب هو أني حاسس إني محتار، ينفع أشوف حاچه تاني غير ديه.
- الحقيقة يا أفندم، حضرتك لفيت على جميع المعارض الموجودة في القاهرة ومش عارفه أساعد حضرتك إزاي، أنا آسفة.
- إني اللي آسف إني مچننك وياي.
- لا خالص، دا شغلي، بس حضرتك مش عاوز تفهمي. حضرتك عاوز إيه بالظبط؟
- بصي يا، اسمك إيه؟
- اسمي ليلى يا أفندم.
- بصي يا ليلى، أني عاوز حاجة هادية، أني مبحبش البهرجة في الحاجة، وبعدين فين اللون الأسود؟
- أنا قلت لحضرتك اللون دا خلص من عندنا، تقدر تختار لون تاني أو أقولك على حاجة أحسن.
- جولي الله يرضي عنيكي.
- حضرتك تختار الموديل اللي تحبه وباللون اللي تحبه، ونخلي ورشتنا تنفذه لحضرتك.
- حلو ديه، ماشي، وهياخد وقت كد إيه؟
- والله مش عارفة، هما بياخدوا طلبات حضرتك وينفذوها ويعرفوك المعاد.
- بجولك إيه، أني همشي دلوجه وهعاود بكرا يكون ربنا كرمكم وجبته حاجة چديدة، سلام عليكم.
تركها تضرب بكفها على الآخر من ذاك الأبله الذي يتردد على المعرض يوميًا ويعود من حيث أتى بدون شراء لقطعة أثاث واحدة.
كان يجوب الشوارع وهو يضع يده في جيب بنطاله، يشعر بالغربة في هذه المدينة، كما قالوا عنها مزدحمة، وهذا أكثر ما يزعجه.
في مساء اليوم التالي، كان "عمران" يقف مقابلتها يستمع لها باهتمام كسابق عهده معها. ارتشف رشفات سريعة من القهوة الساخنة، ثم وضع القدح على سطح المنضدة الزجاجي. عاد ببصره لها وقال بغمزة من طرف عينه:
- عندي ليكي مفاجأة زينة.
سألته بفضول:
- مفاجأة إيه؟
أجابها بجدية مصطنعة وهو يلج دخل الغرفة:
- حزري أنتي كِده، يمكن تعرفي، ولو لمرة واحدة.
- قول بقى، أنا مش بحب المفاجآت.
- هننزلوا نتمشى شوي كِده وهنتعشى سوا.
ردت بشك بحاجب مرفوع عن الآخر:
- هي دي كل الحكاية؟
أومأ برأسه علامة الإيجاب وقال:
- أيوه، هي ديه كل الحكاية.
تنهدت بعمق وهي تطالعه بنظراتها المتفحصة له، وكأنها تخبره بأنها لا تصدق حديثه.
رضخت لرغبته بالنهاية، وخرجت معه. سار جنباً إلى جنب، كان يقرب أنامله ببطء في اختبار منه لها إن كانت تريد هذا القرب أم لا.
نظرت له ثم نظرت أرضاً خجلاً، فدفعه قلبه لعناق أناملها. رحبت بهذا بل تقربت منه لتحاوط ذراعه باليد الأخرى. تطورات جديدة في حياتهما تحب لهم. كان يناجي الله بأن لا يحدث ما يتوقعه منذ زواجه والذي لم يتحقق حتى الآن.
توقف عند معرض الأثاث وقال بإبتسامته المعهودة وهو يشير بيده للداخل:
- اتفضلي يا عروسة، نجي عفشك.
فرغ فاها وهي تتسأل بدهشة ممزوجة بسعادة:
- بقى أنا هنقي عفشي من المكان التحفة دا!!
رد بعتاب ولوم:
- ليه حاسه نفسك جليلة كِده؟ أنتي چنة السيوفي، مرت عمران الهواري. يعني عيب لما تجولي كلام زي ديه.
عانق كفها بكفه وولج المعرض، ينتقي المنقولات اللازمة لبيتهم الجديد. كانت تتوسله بأن لا يباهي في شراء أشياء باهظة الثمن، أما هو يبتاع ما يروق له. كانت هي تقف جواره حائرة بين هذا وذاك. انتهوا أخيراً من شراء الأثاث ودفع المبلغ المطلوب وتسجيل بعض البيانات اللازمة لشحن الأثاث إلى الصعيد.
خرج من المعرض وهي تتأبط ذراعه والسعادة تغمرها، بينما هو كان يحاوط كفها بكفه مربتًا عليه بحنو وراح يقول:
- عجبتك العفش؟
ردت بسعادة حقيقية:
- قوي قوي يا عمران.
تابعت بنبرة تغلفها اللوم والعتاب:
- بس مكنش له لازمة التكاليف دي كلها.
استقل سيارته وجلست جواره. ابتسمت ملء شدقيها ما إن سمعته يتحدث عنها بحنو:
- الدنيا كلها تحت رجلك، أنتي بس تشاوري وربنا يجدرني واجدر أحججها لك.
تابع بمشاكسة وهو يداعب خدها:
- ويعدي فترة الخطوبة على خير.
طأطأت رأسها خجلاً وهي تقول:
- بس بقى.
وقبل أن يكمل حديثه، قاطعه رنين هاتفه. دس يده في جيب سترته ليخرجه، وجد اسم حذيفة يضيء شاشته. قضب ما بين حاجبيه بتعجب. سألته "جنه" عن سبب تعجبه، فاجابها بجدية:
- حذيفة رن عليا عشر مرات لحد دلوجه.
سألته بتوجس:
- في حاجة يعني؟
أجابها بنبرة صادقة:
- مخابرش دلوجه، هااعرف.
رفع هاتفه على أذنه في انتظار الرد الذي جاء فور اتصاله، وكأنه كان يقف على زر الإجابة:
- الو، سلام عليكم، معلش مكنتش سامعة، ميتا ديه حصل؟ طب هي زينة دلوجه؟ لا إله إلا الله، والدكتور هيعمل إيه دلوجه؟ لاه، أني چاي لك، ابعت لي العنوان في رسالة، مع السلامة.
سألته "جنه" بتوجس:
- في إيه يا عمران؟
أجابها بجدية وهو يقود سيارته قائلاً:
- بدور تعبت، والداكتور بيقول إنها لازم تتدخل العمليات.
سألته بلهفة:
- ليه؟ إيه اللي حصل؟
أجابها بجدية قائلاً:
- اشتباه في المرارة، لسه بيعملوا شوية أشعة وتحاليل وبعدها هيحددوا.
بعد مرور نصف ساعة، كانت تلج المشفى بجانبه. لو شئنا الدقة في وصف حالتها لـ قلنا أنها تريد أن تقفز الأدوار قفزاً لتصل إليها. وصلا أخيراً إلى الطابق المنشود.
خرج من المصعد. توقف "عمران" مقابلته متسائلاً بجدية:
- خير، إيه اللي حصل؟
رد "حذيفة" بحزن وهو يشدد على كلماته الأخيرة قائلاً:
- حاولت تنتحر، ودي مش أول مرة، من يوم المقابلة وهي بتحاول.
- بس إنت جلت.
- للأسف، كنت بقول كدا لأني كنت بكلم خورشيد وهو على سفر، مكنش ينفع أقلقه وهو جاي.
- المهم دلوجه، هي كيفها؟
- الدكتور عمل لها غسيل معدة وقال هتفضل 24 ساعة تحت الملاحظة.
خرجت الممرضة من الغرفة متجهة نحوهم وراحت تقول بهدوء:
- الزيارة انتهت، ياريت تتفضلوا، والمرافق بس هو اللي يفضل.
رد "حذيفة":
- طب هي عاملة إيه دلوقتي؟
- هي حالياً نايمة، ياريت يا جماعة تتفضلوا، وجوزها بس هو اللي يفضل.
رد "حذيفة" بحرج:
- أنا ابن عمها، مش جوزها.
ردت بتفهم:
- تمام، يبقى يبقى أكيد المدام أختها، صح؟
أجابتها "جنه" بحزن:
- أيوا.
- يبقى اتفضلي حضرتك، وياريت حضراتكم تتفضلوا، لأن دا قسم حريمي، ووجودكم هنا مش حلو.
رد "عمران" بتفهم:
- حاضر، ثواني وهنمشوا.
تابع وهو يسحب "جنه" من يدها نحو النافذة، وراح يقول بهمس:
- بلاش تتحدتوا في حاجة على الأجل دلوجه.
وقبل أن يكمل حديثه، قاطعه "حذيفة" وهو يلوح بيده ليخبره أنه في انتظاره في الأسفل.
عاد ببصره وقال بخفوت:
- هاسيبك وياها وهتسناكي تحت.
ردت بذات النبرة قائلة:
- لأ، الليل طويل، روح إنت وارتاح، وأنا هكلمك في التليفون.
ابتسم وقال بحنو وهو يقبل يدها:
- خلي بالك على حالك، أني مش هعرف أنعس من غيرك.
- ما هذا الحنان كله يا عمران؟ مهلاً، قلبي الصغير لا يتحمل.
وقبل أن تتحدث، احتضن وجهها بين كفيه ثم طبع على جبينها قبلة حانية. نظر لها وقال بحنو:
- تصبحي على خير.
ردت بخجل:
- وإنت من أهله.
تركها تلج الغرفة تحت أنظاره ليطمئن عليها أولاً، ثم غادر الطابق الثالث.
توقف المصعد عند الطابق الأرضي، خرج منه متجه إلى مقهى المشفى. بحث عنه بعينه حتى أشار بيده. سار عنده وجلس على المقعد، ثم قال:
- هتعمل إيه دلوجه؟
- هفضل قاعد لحد ما نشوف الدكتور هايقول إيه؟
ساد الصمت لحظات، ثم قطعه "حذيفة" بحديثه قائلاً:
- أنا آسف أإني كلمتك وبهدلتك معايا إنت ومدام جنه.
- متجلش كِده، هما صحاب، ويمكن أكتر، ربنا يعدي الأزمة دي على خير.
- تفتكر الموضوع هيعدي؟
- هو يمكن يكون عليها، بس هي هتعذر وهتجدر.
- ربنا يهديهم، بس فعلياً بدور ملهاش ذنب.
- كلنا عارفين ديه، بس وقت الغضب محدش بياخد باله مين له ذنب ومين لاه.
تابع حديثه قائلاً:
- والله چنه كانت رايدة تاخدها معاها الصعيد.
سأله بعدم فهم ممزوجة بالغضب المكتوم:
- تاخدها فين معلش؟
أجابه بجدية:
- الصعيد!
- على أساس إنها ملهاش أهل هنا مثلاً؟
- هي مكنتش تعرف بوجودكم الصراحة، بس متزعلش مني، هي قعدتها وياك غلط.
قضب ما بين حاجبيه وقال بسخرية:
- وقعدتها معاك في الصعيد هي اللي صح مثلاً؟
رد "عمران" مصححاً:
- لاه، ماسمهاش وياي، اسمها مع صاحبتها، ومتزعلش مني، وجودها في بيتك يجيب لها سمعة عفشة، وهي كان حج لما كانت هتسيب بيتك.
اعتدل "حذيفة" في جلسته ليجلس بأريحية على المقعد وهو يحاول قدر المستطاع التحكم في نبرته وهو يقول:
- آآه، إنت عاوز تقول إن الشارع أرحم لها من بيت عمها؟
رد "عمران" بهدوء:
- معلش، فين عمها ديه؟
أجابه بحراج:
- هو أنت.
قاطعه "عمران" بجدية وهو يُلقي بحديثه دفعة واحدة:
- الموضوع لا أني ولا أنت، الموضوع إن أني مبحبش أشوف غلط وأسكت عليه. بص يا ولد الحلال، جعدتها في البيت وياك غلط، أني مش واعظ عشان أجول أحاديث وأتحدت وأجول قال الله وقال الرسول، بس ربنا ما يرضاش بكِده واصل، مهما كنت محترم، الشيطان ملعون، وهي بتوسط شابين، وعمها اللي بتجول عليه راح عند اللي أحسن مني ومنك، والبيت مافيش غيرك أنت وأخوك، الناس مش هتدور وراك وتجول لأ، ديه محترم ولالاه، الناس ليها الظاهر، والظاهر ليك أنت وبت عمك كِده ميرضيش ربنا. خلاصة جولي يا ولد الحلال، عاوز تخليها عندك، يبجى اتجوزها وتبجى مرتك وماحدش هايجولك إنت بتعمل إيه، ولو عشان صلة الرحم زي ما بتجول، يبجى وفر لها حياة كريمة، ودار قريبة منك وتبجى تتطمن عليها من وقت للتاني، إنما اللي بيحصل ديه ميرضيش الله ورسوله.
كان "حذيفة" يستمع إلى حديثه وعلامات الخجل ترتسم على وجهه مع كل فعل يفعله دون قصد ويواجهه به "عمران". ربما يكن على حق، كيف تجاهل ثرثرة الناس. تنحنح وهو ينظر إلى "عمران" وقال بحرج:
- هو أنا عارف إنه غلط، بس.
- من غير بس، حرام عليك كِده.
- أنا عارف إن مش وقته، بس خلينا، إني سمعت كلامك ورحت اتجوزها، أقول لها إيه؟ أنا عاوز أتچوزك؟ ماهو أكيد هتفهم إني بعطف عليها.
- هو في حد يتعطف على حد يقوم يتجوزا!!!
- أنا بقول افرض.
- ماشي ياسيدي، هنفرض زي ما بتجول، ليه إنت تحسسها ديه؟ فين ذكائك كراجل؟ إنت ممكن تعملوا خطوبة في الأول بس، واتعرفوا على بعض، والله ربنا وفق بنكم يبجى على خير، محصلش يبجى تسبها تختار طريقها، لكن كِده حرام عليك.
حك "حذيفة" مؤخرة رأسه في محاولة يائسة للوصول إلى قرار، حتى وصل إلى أن التفكير جيدًا قبل أن يخطو أي خطوة في هذا الأمر هو الحل.
في غرفة "بدور"، كانت تبلل شفتيها وهي تمتم بخفوت:
- عطشانة.
وصل إلى مسامعها صوتها. اقتربت منها وبيدها كوب من الماء. ساعدتها في الجلوس ثم مدت يدها بالماء وقالت بجدية:
- اتفضلي.
سألتها بوهن:
- مين قال لك إني هنا؟
أجابتها بعدم اكتراث:
- حذيفة.
جلست مقابلتها وقالت بسخرية:
- حاولت تنتحري ليه؟ مش كنتي تصبري يمكن أحقق لك أمنيتك وأقتلك أنا وآخد تار أبويا وأمي.
ردت بابتسامة باهتة:
- لو كنت أعرف كنت جيت لك من بدري، واهو أموت على ايدك أحسن ما أموت على ايد حد تاني.
تابعت بتذكر:
- تعرفي إن حذيفة دا أجدع واحد شفته في حياتي. الواد دا أنا بهدلته كتير ومع ذلك مملش لحظة رغم انشغاله.
- وانتي بتقولي لي ليه؟
- ما فيش، لأني متعودة أحكي لك كل حاجة.
- ماشي.
ساد الصمت للحظات ثم قطعته "جنه" حين قالت:
- أنا وعمران قررنا ندي لبعض فرصة ونعيش مع بعض، واشترينا عفش شقتي الجديدة من هنا.
تابعت بجدية مصطنعة:
- أنا مش بحكي لك، أنا بس بعرفك، لأني متعودة على كدا.
ابتسمت بوهن وقالت:
- ماشي يا ستي، مبروك، وكويس إنك عملتي كدا.
عادت الحياة كسابق عهدها بينهن، لكن لم تعترف أحداهن بهذا. مر الليل على الجميع، وبداخل كلاهما تساؤلات عدة. كل ما تحتاجه "جنه" هو بعض الوقت لتقبل الأمر، وهذا ما قاله "عمران" لها.
عادت معه إلى الفندق في مساء اليوم التالي. كانت تفترش السرير بجسدها المنهك، بعد أن اغتسلت وبدلت ثيابها إلى منامة حريرية من اللون الأسود، ذات الأكمام القصيرة.
كانت تسرد له ما حدث معها طوال الليل وحتى هذه اللحظة الذي يستمع فيها لها.
قام برفع الشرشف ثم مدد جسدها جوارها مستنداً بكفه على رأسه وقال بمشاكسة:
- لعلمك أني كنت حاسس إن هيحصل، عشان كِده سيبتك على راحتك.
اعتدلت في جلستها وقالت بغيظ:
- بس أنا مش هكلم حد.
رد بجدية مصطنعة:
- أيوه، ما أني خابر ديه زين.
تابع بحنو وحب:
- سيبك منهم كله، أني اتوحشتك جوي.
ردت بخجل قائلة:
- دا هو يوم بس، وإنت كنت معايا على طول.
عدل وجهها له وقال بحنو وهو يملس بأمله على خدها:
- بس عيني ما شبعتش من طلتك الجميلة على قلبي.
- عمران.
قرب وجهه من وجهها وقال بحنو:
- جلب عمران وروح عمران.
تركته هذه المرة يحتضنها لاشتياقها له بالفعل. كان ينثر قبلاته الحانية على وجهها وعنقها. رفع وجهه ليطبع بجانب شفتيها.
كانت تشعر بالخجل إثر هذا القرب الشديد.
قاطع هذه الجلسة الرومانسية، رنين هاتفه. ضغط على زر الإجابة وقال بسعادة حقيقية:
- ست البنات اتكرمت وكلمتني بنفسها. زعلانة مني ليه بس؟ عارف إني مقصر وياكي، بس غصب عني والله يا نرجس. جولي لي كيفك وكيف الجماعة؟ طب الحمد لله، هي كمان بتسلم عليكي كتير. جولي يا حبيبتي، جدي جال كِده ميتا النهاردا؟ وبعدين حصل إيه؟ خلاص، سبيي لي أني الموضوع ديه، أني هكلمه وهو أكيد هيوافق، أنتي مش عاوزة حاجة؟ طيب يا حبيبتي، سلمي على اللي عندك كلهم، مع السلامة.
سألته "جنه" بفضول:
- في إيه؟
أجابها وهو يضغط على زر الاتصال:
- جدي مش راضي يمشي جوازة لفضل، وبيجول له يفض كل حاجة.
ردت بحزن:
- ياساتر، ليه يعمل كدا؟ دا أخوك يا عيني كان بيخلص شقته.
وقبل أن يجيبها، رد بسرعة قائلاً:
- وعليكم السلام، كيفك إنت يا فضل؟ هدي حالك وكل شئ يتحل. أيوه، نرجس جالت لي. يا واد تلاقي بيضحك معاك.
انتفض في جلسته وكأنه لدغ للتو وراح يقول بحدة وغضب وهو ينهض عن الفراش:
- كيف ديه؟ هو أدب في عقلك؟ مين جالك الحديث الماصخ ديه؟ جدك يجول اللي هو عاوزه، لكن ديه مش هيحصل ولو على قطع رقبتي. طب اقفل، وأني بكرا هكون عندك.
نهضت "جنه" عن الفراش، وقفت مقابلته متسائلة بتوجس:
- في إيه يا عمران؟
أطلق زفيراً طويلاً وهو يشيح بوجهه نحو النافذة، وراح يقول بخفوت:
- جدي مش هيجيبها لبر يا جنه.
- إنت بتقول إيه يا عمران؟ أنا مش فاهمه حاجة.
بلع لعابه ثم نظر لها وقال بحزن:
- جدي نعمان.
سألته بتوتر:
- ماله؟
أجابها بحزن:
- رايد جوز سليم لنرجس.
- ياشيخ خضتني، هو دا اللي مزعلك؟ أنا كنت فاهمه إن الموضوع كبير، وبعدين مش دا سليم صاحبك؟ المفروض تفرح مش تزعل.
رد مقاطعاً بصراخ:
- جدي رايد يخرب كل حاجة. جدي هيجوز سليم لنرجس، وجدي هيجوز كرم لجميلة. جدي رايد يجيب النار جار البنزين، وديه مش هيحصل ولو على قطع رقبتي.
ردت بابتسامة مترددة على شفتيها وبداخلها بحزن وقهر يكفي عالم بأسره:
- وياترى بقى إنت زعلان على أختك ولا أخوك؟ يعني زعلان عشان سليم الدكتور المحترم صديق العمر هيتجوز أختك، ولا زعلان إن فضل أخوك ابن أمك وأبوك هيتجوز جميلة حبيبة القلب؟
رد بانفعال لأول مرة تراه وراح يقول بحدة:
- عشان التنين يا جنه، اللي بيحصل ديه أكبر غلط.
يتبع