تحميل رواية لتحيا نيران العشق بقلم هدى زايد pdf
بقلم هدى زايد
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
عائلة الهواري أيوب الهواري: كبير عائلة الهواري، تجاوز السبعين عامًا. نرجس الهواري: زوجة أيوب، تجاوزت الستين عامًا. عاشت أميرة في بيت أبيها وملكة في بيتها. فضل الهواري: ابن أيوب الأكبر، يبلغ من العمر خمسين عامًا. متزوج ولديه ثلاث أبناء. عمران الهواري: شاب يبلغ من العمر 30 عامًا، يعمل طبيب أطفال. لم يتزوج حتى الآن. كرم الهواري: شاب في 28 من عمره، تخرج من كلية الهندسة. خطب ابنة خاله. نرجس الهواري: أصغر أبناء فضل، تبلغ من العمر 25 عامًا. تخرجت من كلية التجارة. عائلة السيوفي نعمان السيوفي: كبير عائلة...
رواية لتحيا نيران العشق الفصل الحادي عشر 11 - بقلم هدى زايد
الفصل ال11
سحبها لحضنه وقال بذات الابتسامة وهو مغمض العينين
- مافيش خير وأنتي بعيدة عن حضني
هذا ما تريده الاحتواء والحُب، وكان هو خير من يفعل ذلك، قرر أن يكون لها السند والعون والصدر الذي تضع عليه رأسها حين تحزن وتشكو منه إليه، أما هي كل ماتريده توقف الزمن عند هذه اللحظه . لاتريد أن تفكر في الغد يكفي أن تسعد باحداث اليوم تاركة الغد لله يدبره كيفما يشاء هو اعلم به منها .
في عصر اليوم التالي
كان " عمران " يقود سيارته عائدا، إلى البلدة
ويتابع بين الحين للآخر " حذيفه " الذي استيقظ على رسالة ورقية تركتها " بدور " له مع الخادمة تخبره فيه برحيلها .
حاول أن يجدها هو و"خورشيد " باءت جميع محاولتهم بالفشل، اغلق معه الهاتف وقال بنبرة ماكرة
- الغريب إنك مش جلجانه عليها
ردت بجدية مصطنعه
- أنا وأنا اقلق ليه
ردت بسخرية قائلا
- على رأيك تجلجي ليه هي يادوبك صاحبتك
تابع بجدية قائلا
- بدور في شجتك الجديمة صُح
اجابته دون تردد
- صح
ابتسم وقال بثقه وغرور
- عيبك أنتي مش عارفة جيمة چوزك وميزتك ملكيش في الكذب
ردت بغيظ
- طب يا اخويا ارتاحت دلوقتي، مترحش تقول له بقى عشان هي عاوزة تبعد عنهم عشان كلام الناس وطلبت مني تقعد في الشقه بتاعتي وأنا اديتها المفتاح
- صاحبتك دي چدعه بتفهم في الأصول وديه اللي اني جلته لحذيفه
- قلت له إيه ؟
بدأ يسرد لها ماحدث حتى قاطعته متسائلة بدهشه
- وإنت ازاي تقول له روح اتجوزها
- وفيها إيه ؟
- فيها كتير يا عمران عيب و
قاطعها متسائلا بدهشه
- وأنتي اللي العيب ولا الحرام !!
- ياحبيبي أنا
قاطعها بسعادة قائلا
- حبيبك !
ردت بسرعه قائلة بخجل
- لا إنت فهمت غلط أنا اقصد اقل لك ياحبيبي اف
قاطعها للمرة الثانيه قائلًا
- اهو اعترفتي لتاني مرة إني حبيبك
ردت بغيظٍ شديد قائلة
- انا اقصد اقل لك ياحبيبي افه
قاطعها للمرة الثالثه قائل بين ضحكاته
- وه بت السيوفي طلعت واجعه فيا وأني مخابرش
تابع بمشاكسه
- ولما أنتي واجعه كِده ليه ماچيتش وطلبتي يدي للچواز جولي ماتختيش مني أني كيف چوزك تمام
ردت بغيظ قائلة
- اطلب من مين الجواز منك إنت إنت واخد في نفسك مقلب على فكرة واقل على حاجه كمان سوق من غير كلام عشان أنا صدعت منك
- ماشي ياستي شكرًا
كان يقود سيارته دون توقف إلا إذا تطلب الأمر لذلك عرض أكثرمن مرة أن يتوقف عند الإستراحة لكنها رفضت لتعبها من طول المسافه كانت تتحدث معه بين جديه ومزاح كان حديثه لا يخلو من المشاكسه، عانق أناملها بأنامله وبالأخرى يقود السيارة .
وبعد مرور عدة ساعات طويلة وصل أخيرًا
إلى البلدة بسلام .
ولج البيت وجد العائلة بأكملها في انتظارهم، صافحوا الجميع ووجلسوا لدقائق معدودة ثم صعدوا بعد أن قامت "جنه" بتوزيع الهدايا على الجميع، ما إن ولجت الحجرة تنفست الصعداء حمد لله على وصولها إلى حجرتها نظرت إليه وقالت بسعادة
- أنا مبسوطة قوي إني رجعت اوضتي من تاني
- كان عندك شك ترچعي ولا إيه ؟
- لأ بس كنت بحس بغربه لما انام برا السرير دا وكأنه كان سريري من زمان
-لاه هو عشان سريري وأنتي بتحبيني فـ بتعشجي أي حاچه من ريحتي
ردت بغيظ شديد
- بطل الغرور اللي فيك دا
اجابها بغرور
- ديه مش غرور ديه ثقه بالنفس ليس إلا
ردت ساخرة
- ياعم الواثق إنت
هذا هو حالهم دائما مشاكسات في ابسط الآحاديث مر الليل عليهم وهم في مشاكسات لا تنتهي حتى غفت " جنه" في حضنه متخذة صدرة وسادتها الجديدة، يقترب منها وقت مايشعر بأنها تحتاجه لو كان الأمر بيده لاقترب طيلة الوقت لكنها ترفض تارة وتوافق تارة أخرى وبين هذا وذاك لا يمكنه فعل أي شئ سوى الرضوخ لرغبتها والانصياع لطلبها في الانتظار حتى يغلق عليهما بابًا جديدًا
في مساء اليوم التالي
كانت " جميله " جالسه على حافة الفراش تبكي في صمت قرارت جديدة اتخذها جدها دون الرجوع إلى رأيها، رفضت الزواج من كرم واعلنت عن سبب رفضها فقابله جدها بالرفض والغضب امرها بأن تتدعس على قلبها وتنصاع لأمره وإلا سيسقط عليها غضبه الشديد وبين شد وجذب بينها وبين الجد التزمت الصمت لحين إشعار آخر .
أما والدها فكان لديه رأيًا آخر، قرر أن يتحدث مع " عمران " للمرة الأخيرة قبل أن يأمر ابنته بموافقه الزواج من أخيه، ذهب إلى منزله و طلب منه بأن لايخبر أحدًا بهذا الحديث .
-اتچوز چميله وخليها هي وچنه في البيت
قاطعه بنبرة متعجبه قائلا
-عاوز تتدخل بتك ضُرة على بت عمها إنت چنس ملتك إيه يا راچل إنت ؟
طب خلاص اتچوزها في بيت وحديها المهم تتچوزها البت رايدك وعتحبك
تصدج وتؤمن بالله لولا إنك كبير في السن وكد ابوي لكنت طردتك من بيتي لكن أني هكون ارچل منيك وهيسيب لك الدار وهمشي جبل ما ارتكب چريمه اهني
رد بعتاب ولوم
- كِده ياولدي مكنش العشم برضك
استدار " عمران " بجسده كله وقال بجديه
- العشم ديه لما تكون طالب مني اسلفك فلوس اجضي مُصلحة إنت مش عارف تجضيها لكن تطلب مني اتچوز بتك على بت اخوك اهو ديه اللي عجلي مش جادر يستوعبه لحد دلوجه روح جبل ما اجول لأبوك ووجتها ماهتعرفش تجف جصاده وعينك جوية كِده
غادر " عمران " قبل أن يستمع إلى رده حتى
كان يقضي نهاره بين المشفى والبحث عن شقه تصلح أن تكون ع الزوجية الجديد وقع الإختيار أخيرًا على واحدة في موقع متميز راقت له وتمنى أن تنال رضا زوجته أيضًا،
طلب منها أن تحضر حالها ليأخذها إلى هناك
كانت السعادة هي عنوانها بهذه السرعه وجد عش الزوجية .
بعد مرور عدة ساعه تقريبًا
كانت "جنه" تقف في ردهة شقتها الجديدة في سعادة لاتوصف، تجوب بين الغرف وتسحبه خلفها. تشرح له ماذا ستفعل في كل غرفة حتى توقفت عند غرفة النوم والدموع تنهمر من عيناها تشعر بأن لن تحصل على كل هذه السعادة دون مقابل، تخشى أن يكون هو المقابل تخشى الفراق اعترفت له بهذا احتوا قلقها وهو يضمها إليه برفق، يمسد على ظهرها يخفف عنها توترها علي الرغم من أن بداخله قلق يفوق الاحتمال لكنه قرر أن يخفي ذلك لأجلها .
عاد إلى البيت في انتظار وصول جده حتى يتحدث معه، كان جده في الديوان يتحدث معها لم يكن يعلم أن ما حدث حتى هذه اللحظه مُدبر له كانت تُرمي بشباكها حوله ليقع في الحُب وقف يستمع حديثها وهي تردف بغضبٍ جما
- لا كفايه حرام عليك مش قادرة اكدب عليه اكتر من كدا لحد دلوقتي ما شفتش منه أي حاجه وحشه ازاي عاوزني اضحك عليه تاني
رد جدها بحنو
- ياحبيبتي فين الضحك ديه انتي اتچوزتي عمران عشان توجفي بحور دم
ردت بصراخ
- دا اللي هو فاهمه واللي إنت ضحكت عليه بيه لكن الحقيقه غير كدا الحقيقه رجعتني الصعيد عشان ابقى عين ليك في بيت جدي انقل لك كل اخبارهم
رد مقاطعا بجديه
-ومتنيسش إنك أنتي اللي طلبتي ديه بنفسك
- حتى لو طلبت دا بنفسي فأنا طلبت ارجع لوحدي مش ارجع متجوزة إنت ضحكت عليا ياجدي جوزتني واحد عمري ما فكرت فيه ولا هو فكر فيا وبتخليني انقل لك اخباره زي ما اكون جاسوسة ليه كل دا ليه
رفعت سبابتها محذرة إياه قائلة
- انا بحذرك يا جدي لو وافقت على جواز سليم ونرجس ودمرت حياة كرم هنسى تمامًا إنك جدي وهاقول لعمران الحقيقه
سألها ساخرًا
- هتجولي له إيه بجى
أجابته بمرارة
- هاقل له إني عارفه من قبل ما اشوفه وإن أنا اللي بلغت سليم إن الحفيدة اللي بقالهم سنين بيدورا عليها هتيجي عروسه في فرح عمران هحكي له كل حاجه مش هخبي عليه حاجه هاقل له اتفاقي مع جدي نعمان يوم جه هنا ومعاه المأذون كان من تخطيطي وإن أنا اللي عملت كدا عشان الفلوس
- هدمري كل حاچه يعني في لحظة غضب
- مش مهم أنا، المهم نرجس وكرم ميدمروش بسببكم
رفع سبابته نصب عيناها وقال بحدة وصرامه
- لو فاهمه إنك لو عملتي كِده هتكتم واجعد محلي كيف الحريم تبجي غلطانة، اليوم اللي هتعملي في كِده هچوزه چميله وهتبجى ضرتك وخليها تجهرك قمان فوجي اعرفي أنتي بتحدتي مع مين دا أني ايوب الهواري
ختم حديثه قائلا بغضب
- همليني لحالي دلوجه يلا غوري
غادرت الديوان وصعدت حجرتها تبكي على ما آلت إليه، أما " عمران" كان يختبئ خلف الجدار والصدمة تلجم لسانه، وقف حائرًا لايعرف ماذا يفعل يعود أم يواجه جده وزوجته بما سمعه .
قرر أن يلتزم الصمت حتى إشعار آخر
أما "جنه" فكان قرارها أن تعترف له ويحدث ما يحدث لايهم الأمر اصبح لايعنيها
انتظرته ساعه تلو الأخرى حتى شروق شمس اليوم التالي، ولج بهدوء واوصد الباب خلفه
اقبلت عليه والإبتسامة تزين ثغرها، سألته عن سبب تأخيره فقال بنبرة مقتبضه
- كان عندي حالات كاتير
بدأت تتحدث معه بهدوء قائلة
- وياترى بتعمل كدا مع الكل
- ايوه
تابع بحزن
- تفتكري حد منيهم هيفتكر إني عالچته من وجعه
- كفايه إنه يفتكر إنك أنت السبب بعد ربنا في إنك انقذت حياته
تابعت ضاحكة
- وبعدين اطفال هيفتكروا إيه دول بس
أومأ برأسه علامة الإيجاب وقال
- عندك حج مش لازمنا يفتكر كل حاچه كفايه عليه حاچه واحدة
استدار بجسده كله تجاه خزانة الملابس، اخرج منها منامته ثم وضعها على كتفه وولج غرفة الاستحمام، وبعد عدة دقائق خرج منها ليجد " جنه" جالسه على الفراش في انتظاره
سار بخطوات هادئة ومدد جوارها، نقرت بأناملها على كتفه وقال بخفوت
- هو إنت زعلان مني ؟
صمت لبرهة ثم قال بحزن عميق
- هزعل منك ليه ؟
ردت موضحة
- اصل سبتني من امبارح والنهاردا جاي متأخر و
قاطعها بنبرة مقتضبه
- أنا محتاچ ارتاح مش اكتر
ولاها ظهره وحاول يوصد عيناها وقبل أن يتحدث نقرة مرة أخرى على ظهره وقالت
- عمران محتاجه اتكلم معاك
سألها بجديه
- خير ؟
اجابته بدون تردد
- أنا ها حكي لك على كل حاجه بس محتاجه منك الأمان
رد مقاطعًا بجديه وهو يعتدل في جلسته
- متتعبش روحك أني خابر هتجولي إيه
- عارف !! عرفت منين ؟
- كنت رايح لچدي وسمعت حديتكم
- عمران انا
- من غير تبرير لأي حاچه ورجة هتوصلك يابت الحلال بعد شهر من دلوجه أني ميرضنيش إني اظلمك معايا تصبح على خير رايد اريح چسمي هبابه
تركها تلعن حظها مرة ونفسها مرتين على ما آلت إليه كل هذا بسبب غبائها،
قررت أن تغفو جواره وعندما تستيقظ هناك حديث آخر .
ما إن انتظمت أنفاسها، نهض هو وقام بضب حقيبته مغادرًا البيت إلى مدينة جديدة وعمل جديد وحياة جديدة .
لا تعرف إلى أين ذهب بحثت عنه في كل مكان تعرفه، حاولت مرارا وتكرارا الاتصال به وفي كل مرة تجد هاتفه خارج نطاق التغطيه
وصلتها رسالة بأن الهاتف متاح الآن، عاودت الإتصال به وجدته مع مكالمة أخرى، انتظرت لدقائق ثم عاودت الإتصال رد هذه المرة برسالة نصية بما لا تستطع تحمله أبدًا
( ارجوكي متحاوليش الاتصال بيا تاني أنا قلت لك ورقتك هتوصلك بعد شهر، ودا لأن اخويا هيتجوز بعد شهر، اتمنى لك حياة سعيدة وآسف لو كنت سبب في مضايقتك في يوم)
دمرت كل شئ بيدها كانت تسعى للانفصال وعندما أتى تمنت لو يعود الزمن بها إلى الوراء لتصلح ما افسدته لكن تأتي الرياح بما لا تشتهي السفن .!
كما يُقال دائمًا هدوء ماقبل العاصفة، تُرى متى ستأتي العاصفة ..!!
يتبع
رواية لتحيا نيران العشق الفصل الثاني عشر 12 - بقلم هدى زايد
بعد مرور وقت ليس بقصير، ترجلت من السيارة بعد أن دفعت النقود للسائق، ولجت المحطة وسألت عن موعد أول قطار يعود إلى القاهرة. علمت أنه سيأتي بعد نصف ساعة تقريبًا، جلست على الأريكة الرخامية تنتظره.
على الجانب الآخر من نفس المدينة، كان "عمران" يبحث عنها في كل مكان. جلس على حافة السرير متسائلاً بنبرة متعجبة:
- راحت فين ديه دلوجه؟
التقط هاتفه من على الكومود، تراقصت أنامله على لوحة المفاتيح، ثم رفعه على أذنه. سرعان ما أتاه الرد، قاطعها بلهفة:
- فينك يا جنه؟ ردي عليّ، مصر ودلوجه كيف ديه، جنه عاودي اللي بتعملي ديه غلط، ماشي يا جنه اللي يعجبك اعمليه سلام.
ألقى هاتفه بغضب وغيظ شديدين. للمرة الثانية تتركه دون أن تتحدث. كيف لها أن تفعل ما يحلو لها. كاد أن يهاتفها لكنه عدل عن الفكرة في آخر لحظة. نهض عن الفراش بخطواته الواسعة والسريعة، لا يعرف إلى أين، لكن من المؤكد أنها أتت بباله هذه اللحظة تحديدًا. قاد سيارته في الطرقات يبحث عنها بين المارة. نسى تمامًا أنها أخبرته بعودتها إلى القاهرة. غير مساره وذهب إلى محطة القطار، ود لو يصل قبل رحيلها، لكن كما يقولون دائمًا: "ليس كل ما يتمناه المرء يدركه".
وصل أخيرًا إلى المحطة. ولج بخطوات أشبه بالركض وسأل عن القطار المنشود. هرول سريعًا قبل أن يتحرك، لكنه تحرك بالفعل. كانت تقف على بابه تراه ويرآها. أشار بيده لتقف ولوحت هي بيدها لتبتعد عنه. هنا فقط أطلقت العنان لدموعها. هنا فقط انشطر قلبها لنصفين. ولجت وجلست على المقعد في انتظار قرارات جديدة لكلاهما. عاد إلى بيته بدونها وعادت إلى القاهرة تاركة قلبها له. الندم وحده لا يكفي حتى تمحى أخطاؤها.
وبعد مرور عدة ساعات، كانت تقرع ناقوس شقتها. فتحت لها "بدور". استقبلتها فاتحة ذراعيها لها، ضمتها لحضنها ومسحت على ظهرها. كفكفت دموعها وتجاوزتها لتلج الشقة. جلست على الأريكة. أتت لها بقدح من الليمون وضعته بين راحتيها وقالت بحنو وحب:
- خُدي يا حبيبتي اشربي وهدي نفسك.
أومأت بالنفي قائلة بنبرة محشرجة:
- مش عاوزة حاجة يا بدور.
- عشان خاطري خُدي خلي يهديكي شوية.
ارتشفت منه رشفات ثم وضعته على سطح المنضدة. سألتها "بدور" بلهفة:
- إيه اللي حصل وإيه اللي وصل الموضوع للطلاق؟
بدأت تسرد لها ما حدث. كانت "بدور" تتفاجأ بما فعلته حتى توقفت فجأة وراحت تقول بمرارة:
- أنا اللي تعبني إن واخد عني فكرة وحشة، أنا عمري ما كنت وحشة يا بدور، أنا مظلومة، أنا عملت كدا من قلة حيلتي.
سحبتها "بدور" لحضنها مربتة على رأسها وقالت بعتاب قائلة:
- ليه يا جنه ليه تخلي ياخد عنك فكرة وحشة؟ ليه محاولتيش تحلي الموضوع وتعرفي إن جدك نعمان السبب؟
ردت بصراخ قائلة:
- أقول له إيه؟ أقول له إن جدي ناوي يقتلك مجرد ما سليم يتجوز اختك؟ ولا أقل له إن كان لازم أعمل كل دا عشان أطلق وأرجع لجدي نعمان وأحافظ على حياتك؟
ردت "بدور" بحنو قائلة:
- بس أنتي كدا في نظره واحدة مش كويسة، حرام عليكي تظلمي نفسك.
ردت بمرارة في حلقها:
- أنا مش مهم عندي، أنا المهم هو يفضل عايش.
قاطعتها "بدور" بنبرة متعجبة قائلة:
- اللي مش فاهمه لحد دلوقتي ليه جدك أيوب يقول كدا، وإنتي معملتيش حاجة من دي.
كفكفت "جنه" دموعها وقالت:
- عشان فعلاً طلب مني كدا، بس أنا معملتش كدا. حسيت نفسي هبقى رخيصة قوي في نظري نفسي. خليته يصدق إن فعلاً بعت رسالة لسليم ولحسن الحظ كان في عين لجدي نعمان بترصد بيت جدي أيوب وهي وصلت لهم كل دا وهو صدق إن أنا اللي عملت كدا. بعدها بدأت أنقل أخبار بالغلط مش هتفيده في حاجة.
بلعت غصتها وراحت تقول بقهر:
- لحد ما جدي هددني يا إما أطلق من عمران وأرجع له، يا إما أبقى أرملة. فقررت أعيش مطلقة بدل ما أعيش أرملة.
تابعت بمرارة قائلة:
- وبعد ما اخترت راح طلب نرجس لسليم. أنا مش عارفة هو بيعمل كدا، قلبي موجوع قوي.
ضمتها لحضنها مرة ثانية وراحت تقول بحنو:
- ربك مش هيسيب حقك كدا أبدًا، ربنا ينتقم منهم الاتنين.
- قلبي موجوع قوي يا بدور، أنا ماشفتش منه حاجة وحشة وهو اتوجع بسببي.
- أنا هكلم عمران وهاحكي له كل حاجة.
- لأ، أوعي تعملي كدا، خلي عايش بعيد عني وواخد فكرة وحشة عني أحسن ما يروح مني خالص.
- يعني عجبك قلبك الموجوع دا؟
- أنا مش مهم، المهم هو يفضل عايش، أبوس إيدك يا بدور أوعي تعملي كدا، ماتدمريش اللي عملته.
ردت "بدور" باستسلام:
- حاضر يا جنه وربنا يعينك على اللي أنتي فيه.
وقفت عن الأريكة وقالت بإنهاك:
- أنا تعبانة ومحتاجة أرتاح شوية.
أومأت برأسها علامة الموافقة ثم قالت بهدوء:
- روحي يا حبيبتي ارتاحي.
تنهدت بعمق وهي تحدث نفسها بعتاب ولوم:
- ليه بس يا جنه ليه توجعي قلبك بنفسك.
قاطعها صدح رنين هاتفها. نظرت إليه وجدت "حذيفة". ضغطت على زر الإجابة وقالت بخفوت:
- الو. وعليكم السلام، أنا الحمد لله، إنت إيه أخبارك وخورشيد عامل إيه؟ طب الحمد لله. لأ معلش مش هينفع نخرج النهاردة، جنه جت النهاردة ولازم أكون معاها الفترة دي، في شوية مشاكل كدا بينها وبين عمران وربنا يعديها على خير. لالا يا حذيفة متتكلموش معلش دلوقتي، سيبهم يمكن يحلوها هما مع بعض. تمام، مع السلام وإنت كمان خلي بالك من نفسك.
انتهت من مكالمتها اليومية مع "حذيفة". بدأ يتقرب منها منذ ذلك اليوم، دائماً تجده بجانبها. بدأ يلمح لها بطريقة غير مباشرة عن اعتياده على وجودها في حياته. تمنت أن يكن صادقاً في مشاعره تجاهها وأن ما تفكر فيه يكن بعيداً تمام البعد عنه.
وفي الصعيد، كان الأمر يختلف تماماً، كان يدمر كل ما يقابله. انقلبت الغرفة رأساً على عقب. حاول جده ووالده معرفة السبب الذي تسبب في حالته تلك، لكن قرر الاحتفاظ به. خرج من البيت ونيران الغيظ والغضب تملئ صدره وقلبه.
قاد سيارته إلى بيت "نعمان السيوفي". وقف وسط البهو وهدر بصوته مرتفع قائلاً:
- نعمــــــان يا سيوفـــي.
اتدلى اهني.
هبط "نعمان" بهيبته ووقاره وهو يقول بسخرية:
- كن نعمان السيوفي ديه واطي صغير معاك يا واد الهواري.
رد مقاطعاً بغضب شديد وهو يُلقي بمصوغات أخته أرضاً:
- خد دهاباتك واد ولدك اهي، معندناش بنات للچواز.
جلس "نعمان" على الأريكة ثم وضع يده المعقودتان على عكازه. رفع بصره إلى "عمران" وقال بهدوء حد الاستفزاز:
- تعرف يا عمران لو حد غيرك اللي عمل المهرجان ديه كان زمانه دلوقت مدفون مطرحك، بس كرامة لعيونها هعديها.
تابعت بتذكر قائلاً:
- إلا هي فين صُح؟ اتوحشتها جوي.
ولج "سليم" وهو يفتح ذراعه وقال بترحاب شديد:
- ياهلا ياهلا الداكتور عمران عندنا بنفسه.
تابع بنبرة متعجبة:
- اومال فينها جنه؟
- بت عمك طالق يا سليم.
أردف "عمران" جملته دون أدنى تفكير منه، ضرب بكل ذكرياتهم ووعوده عرض الحائط.
بينما اتسعت حدقتا "سليم" و"جميلة". قاطعه وقال بغضب:
- ليه كِده يا واد الحلال؟ كانت عملت لك إيه بس؟ لا إله إلا الله، اهدأ كِده.
رد الجد بهدوء حد الاستفزاز ممزوج بسعادة:
- المركب اللي تودي، والله البت هي الكسبانة. تلت شهور وهجوزها سيد سيدك، قمان هي متستاهلش واحد زيك جليل ربايه.
احتضن "سليم" "عمران" محاولاً دفعه للخارج ليتحدث معه بهدوء. أجبره على الخروج من البيت بسيارته. قادها إلى مكانهم المفضل منذ الصغر. صف سيارته وقال بجدية:
- إيه جلب حالك كِده؟ وطلاق إيه بس اللي إنت طلقته ديه؟ ذنبها إيه البت؟
رد "عمران" بحدة وهو يضرب بكفه على السيارة:
- ذنبها إنها ملعونة، كيف الحية بتتلون بميت لون. مش هو ديه اللي جدك عاوزاه؟ اهي عنده يشبع بيها.
- إنت كِده فتحت بحور دم ملهاش آخر، يا أخي بتفكر إزاي؟ عقلك كان فين وجتها؟
- سليم خلاص خلصنا، بتكم عندكم وبتنا عندنا ومافيش جواز وخلينا زي ما إحنا كِده.
- أني مش هرد عليك دلوقت عشان عصبيتك ديه.
تابع بحزن:
- فين جنه دلوقت؟ خلينا نصلحوا اللي خربته ديه.
دس "سليم" يده في جيب سترته ليخرج هاتفه. تراقصت أنامله على لوحة المفاتيح ثم رفعه على أذنه في انتظار رد الجهة الأخرى. رد بلهفة قائلاً:
- أيوه يا جنه، فينك؟
مصر.
جذب "عمران" منه الهاتف ودمر ما تبقى بينه وبينها قائلاً بحدة وغضب:
- أني طلجتك يا جنه واللي بيني وبينك خلاص. ورقتك هتوصل خلال أيام. وشك ديه عاوزة حتى أتخيله.
جذب "سليم" منه الهاتف وراح يقول بحزن:
- جنه، اجفلي دلوقت، الو الو يا جنه ردي عليّ.
نظر إلى هاتفه وراح يقول بحزن:
- لا إله إلا الله، البت وجعت من طولها.
رد "عمران" بغضب:
- ولا تطلع روحها حتى، جليلة.
- ليه الحقد ديه؟ عملت إيه لديه كلتاه؟
تركه قبل أن يجيب على سؤاله. عاد لبيته وعلم الجميع بما حدث. وقف "الجد" عن مقعده قائلاً بحده:
- إنت خابر عملت إيه؟
رد بجمود دون أن ينظر إليه:
- خابر زين.
دب الجد بعصاه الأرض في حدة وغضب وهو يقول:
- تبجى اتجننت يا دكتور.
قاطعه "عمران" لأول مرة بذاته بصوته الغاضب قائلاً بنبرة لا تقبل النقاش:
- لو فاهم إن أني عمران الأهبل اللي هيضحك عليه بكلمتين، تبجى غلطان يا جدي، أني اللي هتجوز جميلة مش كرم.
- وجنة مرتك مش هتردها؟
- طلجتها خلاص.
- متى ديه حصل؟
- من ساعة.
- وه كن جلبك مش في صدرك يا واطي وأنت داير تجوز وتطلق على هواك كِده.
رد "عمران" ساخراً:
- زي ماكنش عجلكم في دماغكم لما خليتوها تلعب بيا. بكرا هتجوز جميلة.
لم يكتراث الجد لقرار "عمران" الذي انتابه حالة من الغضب الواضح، وبدلًا من أن يهدأ من غضبه ابتسم بداخله ما أن علم أن حفيده لن يبقى وحيداً. رأى ما فعله هو الصواب، لابد من الزواج من إحدى أحفاد السيوفي "جنه أو جميلة"، لا فرق. الفرق الوحيد الذي سيشعر به هو بقاء حفيده وحيداً وهذا سيجعل "عائلة الهواري" مهددة دائماً، فقرر أن يكمل زيجة "نرجس" رغم أنف "عمران". أما "كرم وجميلة" فنجح كلاهما في فرض قراراتهم وعدم الزواج.
كان الجد "نعمان" يرى أن لا مانع في الرضوخ لرغبتها طالما حقق هدفه الأول.
بقى "سليم" إذا وافق على أمره فقد فاز بكل شيء في جولة واحدة.
لم يفكر أحداهم في تلك المسكينة التي تركت كل شيء وبقت وحيدة كسابق عهدها، لكن مع جرح غائر بقلبها.
***
في مساء اليوم التالي.
كان الجد "نعمان" يخبر "جميلة" بطلب عمران المفاجئ. كانت تستمع له وكأنها أعجوبة من عجائب الزمن. ابتسمت وهي تتساءل بنرة متعجبة:
- يا جدي إني رايدك تجول الحج عمران جال لك بعظمة لسانه إنه رايدني في داره قبل الشهر ما يهل؟
أجابها الجد بجدية وهو يستند بذقنه على ظهر يده المعقودة:
- أومال يعني إني اللي رحت وحبيت على يده؟
ردت متسائلة بفضول:
- طب وجنة؟
رد على سؤالها بسؤال آخر:
- مالها؟
- هتجول إيه؟
رد بإبتسامة ماكرة:
- جالت مبروك.
- هي عرفت؟
رد بوعيد:
- أيوه عرفت وجاية بس مش دلوقت.
تابع بجدية وهو يتنحنح:
- اطلعي يلا وجهزي حالك عشان عمران هايجي يتقدم.
- جاي متى؟
- قمان ساعة.
- اجهزى.
- أنا خلاص جاهزة يا جدي.
صعدت "جميلة" إلى حجرتها استعداداً لمقابلة "عمران". كانت تنظر إلى صورتها المنعكسة في المرآة برضاء تام.
انتشلتها الخادمة من بئر أفكارها ما إن أخبرتها بأن جدها يريدها لتقابل زوجها المستقبلي.
تنهدت بعمق ثم قالت بإبتسامة خفيفة:
- حاضر جاية أهو.
هبطت الدرج بثقة حد الغرور. كلما اقتربت من غرفة الضيوف زادت خفقات قلبها.
طرقات خفيفة ثم ولجت بعدها. صافحته وجلست جوار جدها الذي جلس يستمع إلى "عمران" بصدر رحب على عكس عادته.
وقف عن مقعده ما إن أتته الخادمة تخبره بوصول شخص ما. اتسعت إبتسامته لسماعه اسمه. غادر وترك حفيدته تأجج نيران الغيظ والغضب داخل ذاك الأبله الذي نعتته ما إن قال لها:
- إني رايد أتزوجك يا جنه.
ردت باسمة:
- وإيه قمان؟
تنحنح وهو يقول بكذب:
- خابر يا جنه إنك بتحبيني وخابر قمان إن جلبك متشعلج فيا وأني رايد.
ردت مقاطعة بمرارة:
- إني موافقة يا عمران بس عندي شرط واحد وبعدها هوافق فعلاً.
- إيه هو؟
- تنسى إن اللي قاعدة جنبك ديه إنها مش جنه.
رد بسرعة قائلاً موضحاً:
- لاه لاه، إني خابر إنك جنه.
صمت برهة بعد أن نطق بإسمها بالخطأ.
ابتسمت بمرارة:
- إني جميلة مش جنه.
كاد أن يتحدث لكنها قاطعته قائلة بجدية:
- قبل ما تفكر في الانتظام، فكر مين هو جدي وجدك. وفكر زين ليه جنه جالت كِده؟
سألها بعدم فهم قائلاً:
- قصدك إيه؟
أجابته بجدية:
- قصدي إن مافيش دخان من غير نار، وإن جنه مستحيل تبيعك عشان فلوس ولا أرض. هي كِده ولا كِده هتاخدهم. وحتى لو ماخدتش حاجة واصل، كان كفاية عليها إنت.
وقفت عن مقعدها وقالت بحزن شديد:
- مقانك مش هنا يا عمران، مقانك المفروضِ عندك هناك. تفهم منها ليه عملت كِده. إنت لسه بتحبها بس مصدوم مش قادر تصدق. غدرها مش إني اللي آخد واحد مدبوح هيفوق بين يومين ولا تلاته وأبقى بالنسبة له نزوة، ويبجى قدامه حل من اتنين، يا إما يتجوز وهو مضطر عشان شكله، يا إما أجهر واحدة ماعملتش حاجة ليا غير إنها اتظلمت بين جدي وجدك.
جوم يا عمران دور على الحقيقة وأعرف مراتك عملت كِده ليه، وخليك متأكد إن جدي نعمان من مصلحته إنكم تسيبوا بعض، وجدك أيوب مصلحته إنك تتجوز أي مننا سوى أنا ولا جنه، المهم بحور الدم ما تفتحش تاني واصل. ياخسارة يا عمران طلعت غبي عكس ما كنت أتخيل. يمكن لو جيتني قبل كل اللي حصل ديه كنت هبقى أسعد واحدة في الدنيا. أما دلوقت إني أسعد واحدة في الدنيا. امشي يا عمران امشي ودور مراتك.
يتبع
رواية لتحيا نيران العشق الفصل الثالث عشر 13 - بقلم هدى زايد
الفصل ال13
في عصر اليوم التالي
كان يقف على اعتاب شقتها في انتظار من يفتح له الباب، فتحت له وهي تكفكف دمعة كانت على مشارف السقوط لم ترفع رأسها لترى من الماثل امامها حتى كفكفت دمعتها، ابتلعت. غصتها وقالت
- عمران !!
ولج الشقة باحثًا بعينه عن صديقتها فلم يجدها، تأكد بأنها بمفردها، بينما هي أشارت بيدها نحو المقعد وقالت بنبرة متحشرجة
- اتفضل ياعمران اقعد
تابعت متسائلة وهي تكاد ان تغادر ردهة الشقة
- انا كنت بعمل قهوة اعمل لك معايا ؟!
استوقفها بصوته المرتفع قليلًا قائلا
- چنه
ردت دون أن تستدار له قائلة بجمود
- عاوز إيه يا عمران ؟
اقترب منها شيئًا فشيئًا وهو يجيبها
-رايد اعرف ليه ؟
-هو إيه اللي ليه ؟!
-ليه كِده ليه أني وليه يچي منك أنتِ !!
-وهيفيد بإيه ؟
وقف مقابلتها وقال بقهرٍ وهو يشير بيده على يسار صدره
- نار جلبي هتبرُد ياچنه
ولاته ظهرها لتمنع دموعها من الهروب، زفرت بقوة ثم قالت بمرارة
- ماعنديش كلام تاني ياعمران أنا وأنت مبقاش لينا رجوع أنا خرجت من حياتك كأني مدخلتهاش
لفها له وقال بصراخ وهو يحاوط ذراعيها بكفيه
- الحديت ديه تجولي لما تتدخلي بيت بالغلط مش لما تتدخلي حياة وجلب واحد كان كل ذنبه في الدنيا إنه كان طيب وياكِ بس أنتِ كنتي كيف الحية لدغتك چت وجت ما عطيتك الأمان
نزعت يدها من بين قضبتاه. وقالت بجمود
- عاوز إيه مني جاي ورايا ليه سبت لك الصعيدي والدنيا كلها. جاي ورايا تاني ليه امشي من هنا
صك على أسنانه وهو يتابع غضبها الشديد منه وكأنهرهو المذنب بحقها وليس هي، هناك دمعه لامعة في حدقتها يرأها واضحة وضوح الشمس كاد أن يفقد عقله هي النقيض لكل شئ تغضب ويرى ضعفها تلعنه ويرى حزنها
تتدعي الكره ويشعر بنضات قلبها تكاد تخرج من صدرها، لا لن تضعف مرة أخرى ياعمران حان الآن موعد الإنتقام .
أومأ برأسه ثم قال بنبرة مجردة من المشاعر ليعرف تأثيرها عليها
- أني هتچوز چميلة بت عمك
ليتفاجئ بردها دون أدنى تفكير وهي تبتلع غصة مؤلمة
- مبروك ياعريس ربنا يسعدك
تابعت بسخرية
- ابقى عرفني معاد الفرح عشان اعمل معاكم الواجب يادكتور
رد مقاطعًا بوعيد
- الواچب ديه عليّ أني يا چنه
لم تفهم مغزى حديثه إلا بعد فوات الاوان لو تعلم أن مافعلته سيشعل النيران بلالًا من أن يخمدها لما فعلت هذا
غادر المنزل بعد أن صفع الباب خلفه فانتفضت علي إثره وهي تطبق عيناها بقوة شديدة
مرت ثوانٍ قبل تهرول تجاهه فتحت الباب لتستوقفه وتخبره ماحدث فلم تجد حتى طيفه
لم تحافظ على توازن جسدها على الدرج فشعرت بقدماها تتأرجح فسقطت عليه تالمت وصرخت ما إن سمعت طرقعة قدمها، لحُسن حظها وصلت إلى "بدور" إلى المنزل في ذات اللحظه التي سقطت فيها،ساعدتها في النهوض بمساعدة إحدى جيرانها تم نقلها إلى المشفى بسرعة شديدة
وفي أثناء ذهابها اخبرت " حذيفه " وفي أقل من نصف ساعه كان جالسًا جوارها على المقعد في انتظار خروج طيب العظام .
ظن أنها علمت ماحدث فقال لها دون قصد عن رسالته لعمران. قاطعته بغيظٍ شديد قائلة
بقي ياحذيفة اقولك عمران طلق جنه. وعاوز بتجوز عليها تقوم تجيبه القاهرة وتقوله اسمعها وتسمعك
وهو أنا غلطان في إيه يعني
عجبك اللي خصل للبت اهي بين الحيا والموت
رد بجدية
- الله وهو يعني أنا كنت عارف إن دا كله هيحصل
تابع ببلاهه
- هي جنة بتعمل إيه قسم العظام يا بدور
كادت تقفز من مكانها لتقوم بنخنقه
- قومرمن جنبي قوم من هنا يلا مش عايزك
-
رد و قال لها بإبتسامة حانيه
- خلاص بقى بهزر معاكِ
- وقته دا !! هااا
في مساء ذات اليوم التالي
كان الجد " ايوب" يضع يده في يد " سليم "
ليعقد قران حفيدته، وما إن إنتهى تعالت الزغاريد في البيت، وقف "سليم" عن مقعده متجه نحو زوجته ثم مد يده بجنيهًا ورقيًا دون عليه بعض الكلمات البسيطة ثم جلس جوارها وقال هامس
- مبروك يا عروسة
ردت " نرجس " بخجل
- الله يبارك فيك
تابعت بعتذار
- معلش كان نفسي اعرف اكتب اكتر من كِده بس أني في الحاچات ديه على كدي
وقبل أن تتحدث تفاجأت بدخول " عمران " والغضب يعتري ملامحه هدر بصوته كله قائلا
- إنت بتعمل اهني إيه ياچدع إنت ؟
رد "نعمان " بشماته
- مش تجول لصاحب عمرك مبروك كتبنا الكتاب من دجايج
تابع بسخرية
- والله كان ناجصك بس يلا مش مشكلة لسه جدمنا وجت للفرح ابجي تعالي بدري شوي يا راچل
وختم حديثه بوعيد قائلا
- والفرح الكبيرة بعد تلت شهور بس إنت جول إن شاء الله
طحن " عمران" على أسنانه ليكظم غضبه الشديد منه، وقف الجد " نعمان " وهو يضع عبائته على كتفه ثم قال بعتذار
- معلش يا چماعه اجوم أني بجى عشان ورايا مشوار مهم
سار بخطوات هادئة واثقه، توقف فجاة أمام
" عمران " ووجه حديثه لسليم قائلا
- متتأخرش يا سليم عشان هندلى مصر نچيب بت عمك هتعيش ويانا خلاص بجت حرة
يشدد على كلماته قاصدًا بها " عمران " بينما كان " عمران " ينظر لصديقه بغضب وغيظ شديدان ونسى تمامًا سعادة أخته التي باتت واضحة على وجهها وضوح الشمس، ترك البيت وهو يلعن ذاك الحظ الذي اوقع شقيقته في هذه العائلة .
أما " سليم " كان يتحدث معها بصوته الهادئ قائلا
- شوفي يا بت الناس يمكن چوازنا مش عن حب زي معظم الشباب بس يشهد عليّ ربنا إن أني هاعاملك كيف معامله الإسلام وكل اللي ربنا أمرني بيه هعمل في المجابل رايدك تتعاملي معايا كيف ما بتاعمل معاكي، ولو في يوم لاجدر الله محصلش بينتنا تفاهم ورايدة تبعدي هيبجى حجك وهحترمك وهحطك علي راسي كيف ما هتحطيني
تنحنحت بخجلا وراحت تقول بتعلثم ممزوج بحزن
- ربنا يجدرني واجدر أكون الزوچة اللي بتحلم بيها طول عمرك
رد باسما وقال بخفوت
- ربنا يديم المودة والحب بنا
تابع بمرح
- واوعدك يا ستي إني هكون چوزك قرة عينك كيف ما البنات بتجول
ابتسمت له ابتسامة باهتة ثم طأطأت رأسها حزنا فرفع وجهها بأنامله متسائلا بنبرة حانيه
- فيكي إيه ؟
فرت دمعة حزينه من محبسها، كفكفها "سليم"
بسرعة وقال بدهشه
-وه ديه الموضوع كابير بجى ؟
بيد مرتعشه كفكفت دموعها قائلة بكذب
-لاه ولا كابير ولا حاچه أني بس مش واخدة الميك اب وكِده فتلاجي واجعني
ابتسم وقال بشك
- متوكدة ؟
تابع بجدية مصطنعه
- اني خابر ليه حزينه عشان عمران مش كِده
أومأت برأسها علامة الإيجاب وهي تحاول جاهدة منوع هبوط دموعها، احتضن يدها بين كفيه وقال بحنو
- خلاص امسحي دموعك ديه واني هخلي عمران ياچي بنفسه ويجل لك إنك احلى عروسة هتنور بيت السيوفي
تابع برجاء قائلا
- امسحي دموعك الله يرضى عنيكي احسن يفهموا إني عملت فيكي حاچه
ابتسمت من بين ضحكاتها وراحت تقول بجدية مصطنعه
- أني بت الهوراية يعني متجدرش تعمل معايا حاچه
- وه الغرور فيكي أنتي قمان كيف اخوكي
- وماله اخوي مش عچبك في إيه
- اخوكي ديه نسمه ديه كيف مرهم الحروج يوم ما يتحط على الچرح يولعه بزيادة
ابتسمت على حديثه، احتوى حزنها في أقل من ثانية غادر البيت على وعد بالعودة قريبًا
بعد أن يُصلح كل شئ.
جلست " نرجس " على حافة الفراش بعد أن بدلت ثيابها تنظر إلى خاتم الزواج، تتنهد بعمق وهي تتذكر حديثه معه هديته الأولى لها بعد الزواج قرأتها أكثر من مرة بعيناها حتى قررت أن تلتقط لهديتها صورة ثم تقوم بنشرها معلقه عليها ماكتبته هو على العملة الورقية
(جمعتنا الصدفة ولن يفرقنا إلا الموت )
بدأت الصورة تنال اعجاب الكثير والكثير، انهالت عليها المباركات من هنا وهناك .
حتى كتب هو تعليقًا راق لها كثيرًا
( ربنا يخليكي ليا يا ست البنات ويديم المحبه )
تعلم أن الوقت الذي تعرف فيه على بعضهم البعض كان قصيرًا لكنه كافيًا أن تشعر بالراحة في حضرته.
وبعدمرور اسبوعًا كاملا
كانت " جنه " تحسنت حالتها الصحيه بشكل كبير بعد أن طمنئها الطبيب أنها مجرد تمزق في الأربطه كما تجاوزت مرحلة الحزن والدموع وتظاهرت بالجمود أمام الجميع، رفضت أن تعود إلى الصعيد مع جدها وسليم
طلب " سليم " منه أن يتركها حتى تهدأ تمامًا وتعود هي برغبتها، وافق على مضض، جفاء معاملتها له كان يؤلم قلبه، وهذا اكثر ما كان يثلج صدرها، أن يشعر بما تشعر به هي،
عادت الحياة لطبيعتها نوعًا ما، خلال هذا الأسبوع توقف الزمن فقط عند " عمران " الذي قرر أن يعتزل العالم كله ويشغل حاله في عمله .
أما " بدور وحذيفه " فتتطورت علاقتهما من الإرتياح ثم إلى الإعجاب حتى وصلت إلى الحب، عرض عليه الزواج فوافقت وقبل أن
يتخذ خطوة في حياتهم سردت له عن خطيبها السابق الذي حاول اغتصابها فقتلته دون قصد وهي تتدافع عن حالها وفرت هاربة من الورشة محل العمل الذي كان يعمل فيها وينام إذا تأخر الوقت، استتدركها ثم بدأ الاقتراب منها وعند إصرارها بالرفض مزق ثيابها وحاول اغتصابها ولولا ستر الله لكانت في خبر كان .
امتلت عين " بدور" بالدموع، رفعت بصرها له متسائلة بتوجس قائلة
- هو دا كل اللي حصل يا حذيفه
كان يحتضن يدها بين كفيه وهو يستمع لها
سألته بخوف .
- هو إنت ممكن تسبني يا حذيفه ؟
رد باسما وهو يقول بحنو وحب
- اسيبك !! دا أنا ما صدقت لقيتك
ابتسمت ملء شدقيها وراحت تقول بخفوت
- ربنا يخليك ليا يا حبيبي
تنهدت بإرتياح وهي تضع يدها على قائلة بإبتسامتها المعهودة
- أنا كدا ارتاحت إن الهم اللي على قلبي اتشال خلاص
تابعت بأسى
-لسه فاضل همي الأكبر
سألها بفضول قائلا
- وإيه هو بقى همك الكبير
أجابته بحزن
- جنه يا حذيفه جنه تعبانه قوي بتتظاهر إنها كويسه بس جواها وجع محدش عارفاه غيري
أنا عارفاها لما بتكون حزينه
رد مقاطعًا بجديه
- ما أنا قلت لك اتكلم مع عمران واحاول احل سوء التفاهم
ردت مقاطعه بحزنٍ
- أنا للأسف مش هعرف اقول أنا حالفة إني ما اتكلمش
تابعت بتحذير قائلة
- وإنت كمان إياك تكلم معاه في حاجه حاكم أنا عارفاك وعارفة لسانك مبيبطلش لوك لوك
رد بجدية مصطنعه
- أنا لأ متخافيش انا بحافظ على السر جدًا يا بنتي صدقيني مش عارف ليه واخدة عني فكرة غلط !!
ردت متسائلة بنبرة حائرة قائلة
- حذيفه أنا عاوزة اسلم نفسي للحكومه عشان
قاطعها بحدة قائلا
- أنتي مجنونه صح ؟ تسلمي نفسك للحكومه عشان واحد حقير زي دا، اسكتي انا كل ما اتخيل الموقف يجن جنوني وبعدين حكومه إيه اللي عاوزة ترمي نفسك حضنها، أنا الحكومه وخلاص حكمت عليكي
تابعت باسمة
- وحكمت بإيه بقى ؟
طبع قبله خفيفه على كفيها وقال بحنو
- قررنا سجنك مدى الحياة في حضن حذيفه المحمدي وعلى بدور المحمدي عدم الإعتراض او نقد العهد مهما حدث .
ارتسمت إبتسامة حانيه على ثغرها، رفع إبهامه ومسح دمعه كادت أن تنسدل من عيناها، حرك رأسها وقال بحنووحب
- حتى لو دموع فرح مش عاوز أشوفها
على الجانب الآخر من نفس المدينه
كانت " جنه " تنظف غرفة الطعام بشرودٍ، انتبهت إلى صوت الناقوس الذي دوى المكان، كفكفت يدها في المنشفه الصغيرة، سارت بخطواتها السريعة تجاهه ظنًا منها أن الطارق صديقتها، فتحت الباب لتجد الماثل أمامها رجلًا في الأربعين من عمره يحمل بعض الأوراق على يده، بلعت لعابها متسائلة بتوجس
- خير مين حضرتك ؟
رد الرجل بجدية وعمليه
- دا بيت جنه رياض السيوفي ؟
اومأت برأسها علامة الإيجاب وراحت تقول بقلق
- ايوا أنا جنه خير ؟
مد يده لها بورقه وقال بجديه وهو يشير بيده الأخرى
- اتفضلي امضي
- على إيه ؟
- دي ورقة طلاقك من عمران الهواري اتفضلي ياست خلينا نمشي
توقف العقل عن ترجمة أي إشارة تصل إليه بعد حديث ذاك الأخير، انتشلها من صدمتها وراح يقول بتأفف
- ياست خلينا نمشي وبعدين اتصدمي براحتك اتفضلي امضي
بلعت غصتها وبيد مرتعشه وقعت على صك قهرها وحزنها منه، ألهذه الدرجة اصبحت لا تعنيه ألهذه الدرجة لايريد حتى سماعها .
ليته يأتي مرة أخرى ليستمع إليها لن تتردد هذه المرة هي تشتاق إليه ليته سألها قبل التسرع في الحكم .
هوت بجسدها على حافة الفراش وبين يدها وثيقة الطلاق، ضمتها لصدرها وتركت العنان لدموعها، رفعت بصرها لسقف الحجرة ثم قالت بمرارة
- أنا عارفه إنه معذور يارب عارفه إن لو عرف الحقيقة مكنش هيبقى دا قراره، عوضك يارب محتاجة عوضك عن كل دقه قلب دقة لي، وفقه يارب في حياته وعوضه عني بالأحسن يارب
لم تستطع أن تفعل أكثر من ذلك اكتفت بالدعاء له بدلًا من عليه، تعلم جيدًا أنه إذا علم الحقيقه سيتحول إلى " عمران " الذي تعرفه جيدًا لذلك لا تفعل شيئًا سوى الدعاء له، التحلي بالصبر لها .
في مساء ذات اليوم
وبعد أن علم الجميع خبر انفصالهم رسميًا، قرر أن يغمر نفسه في العمل كما قرر الجد إتمام زواج " كرم " وبعد مرور أسبوعين زواج شقيقته .
تواصل " سليم " طيلة الأيام الماضية بها، حتى علم بخبر الانفصال طلب منها أن يتدخل في حل هذا الأمر لكنها رفضت باتًا، الجميع يتواصل معها لطلب العودة إلى الصعيد لحضور حفل زفاف " كرم " لكنها تحججت بإنشغالها في حفل خطبه " بدور وحذيفه"
التي وبالصدفة البحته في ذات الأسبوع المحدد لزفاف ابن خالها .
تبدل حالها بين ليلة وضحاها، أصبح البكاء هو صديقها الدائم الذي يزورها في كل ليل وحتى صباح اليوم التالي .
استمر هذا الحال مدة لا تقل عن عشرة أيام تقريبًا حتى قررت أن تخرج من حالتها تلك والبدء من جديد.
اليوم مميز لها اليوم حفل خطبه اعز صديقاتها
قررت أن تقف جوارها وبعدها ستسافر لتقف جوار "سليم " بعد أن بدء يوضح لها ما يشعر به من تخطيطات من جده تجاه زوجته المستقبليه لايفصح جده عن أي شئ إلا أنه اقترب وقت الانتقام لحفيدته .
كانت في كامله أناقتها قررت أن تُعد لها مفاجاة بعد أن قالت لها أنها لن تستطيع حضور حفل الخطبه لمرض جدها .
اليوم جميل لا ينقصه سوى إبتسامة "بدور" وحضور " جنه " حاول بشتى الطرق إخرجها من حالتها تلك لكن باءت جميع محاولته بالفشل، حتى اطفئت الاضواء فجأة وبدأت الموسيقي الصاخب في الإرتفاع بإحدى الاغاني الشعبيه بصوت أنثوي جميل الجميع يبحث عن صاحبة الصوت حتى نظروا إلى سقف القاعه وهي تقف على درج كهربائي يهبط بهدوء، فرغ فاها " بدور " من هول المفاجأة وعندما توقف الدرج تمامًا، هرولت نحوها محتضنه إياها، بدأت تتراقص حتى انتهت الأغنيه، خطفت الأنظار بهذه الفقرة الجميله التي ميزت الحفل، كان " خورشيد " يتابعها عن كثب
بإعجاب شديد، أتى جواره أحد أصدقائه متسائلا بنظراته الواقحة وهو يتابع حركاتها
- مين القمر دي اللي جنب عروسة اخوك يا خورشيد
رد باسمًا
-دي صاحبتها
-دي جامدة قوي متعرفش هي مخطوبة ولالأ ؟
لأ مش مخطوبة كانت متجوزة واطلقت
مين المغفل اللي يسيب قمر ماشي على الارض كدا
رد بنصف إبتسامة
- هو فعلًا مغفل
تنحنح وهو يتابع بتحذير واضحًا
- ولم عينك بقى كفايه كدا
رفع هاتفها ليبدأ في تصوير ما يحدث أولًا بأول عن طريق البث المباشر قام بعمل إشارة إلى " حذيفه وبدور "
كاتبًا
( مافيش أحلى من الصداقه، ربنا يسعدك ياجنه زي ما اسعدتيها، ويعوضك خير عن قريب )
انتهى البث المباشر لكنه تركه ليشاهده الجميع فيما بعد .
واندمج هو في الحفل مع المدعوين، مرت ساعة ثم اثنان ثم ثلاثه حتى انتهت الحفل على خير، ودعتها وهي تضب حقيبة السفر وراحت تقول بجدية مصطنعه
- انا هاسيبك لوحدك اه بس أنا سايبه أسد في البيت يعني حذيفه يجي ويقولي مراتي وكتاب الكتاب وو اوعي اقطع رقابتك
ردت باسمة
- لا متخافيش صاحبك راجل لما بيكون مع حذيفه
تابعت بتردد
- هو هو أنتي لو قابلتي عمران هتعملي إيه
جلست على حافة الفراش وقالت بنبرة حائرة
- مش عارغه ممكن اعمل معاه مش عارفه اضربه ولا اخده في حضني واحكي له كل حاجه واخلص ولا افضل زي ما انا ادوس علي قلبي مقابل حياته جوايا حيرة مش عارفه اوصل لحل ولا قرار خايفة اضعف
تابعت بدهشه قائلة
- تتصوري أن بحاول ادور له على حاجه واحدة اكرهه بيها مش لاقيه أنا مش عارفه في وفيا كدا ليه
ربتت"بدور" على فخذها بحنو وقالت
- متعرفيش النصيب فين ربنا يمكن ربنا كاتب إنكم ترجعوا لبعض محدش عارف .
ردت بإحباط
- مظنش يا بدور على ادعموم أنا لازم امشي دلوقتي عشان فاضل ساعه على معاد القطر ويادوب اوصل المحطة
- بردو مش عاوزة تخليني اجاي معاكي
- ملوش لازمة ارتاحي بقى أنتي طول النهار علي رجلك وطول الليل في الفرح هاسيبك واول ما اوصل هكلمك
- خلي بالك من نفسك
- وانتي كمان
غادر "جنه" للمرة الثانيه القاهرك لاتعرف المرة القادمة إلى أين ستذهب، استقلت القطار ثم اخبرت " سليم " بتحركها من القاهرة فأخبرها بإنه ينتظرها في المشفى وعندما تصل تخبره .
وضعت رأسها مستندة على زجاج النافذة، شرود طويل وقع فيها للمرة المئة بعد الالف، تساؤلات عدة تدور في رأسها، قررت أن تنفض تلك الأفكار وتوصد عيناها لتأخذ بعض الراحة قبل مواجهة المجهول .
ساعات طويل مرت عليها وهي تقضي نصفها في قراءة بعض الجرائد والمجلات، وصلت أخيرًا إلى مدينة الأقصر في تمام الساعه الخامسة فجرًا ترجلت من القطار وهي تضع هاتفها على أذنها في انتظار ردًا من الجهة الأخرى
أما على الجهة الأخرى كان " عمران " يرى اسمها يضئ شاشة هاتف " سليم " تردد في بادئ الأمر أن يرد عليها، حاول إشغال نفسه في شيئًا آخر لم يستطع منع نفسه من هذا الفضول القاتل الذي قاده ليرد ويعرف لِمَ تهاتفه في هذا الوقت المتأخر من الليل، وقبل أن يجيب ولج " سليم " وربت على كتفه قائلا بعتذار
- معلش يا عمران كان عندي عملية ولسه مخلص
رد بجدية
- مش مشكلة هو
صدح رنين هاتفه مرة أخرى فأشار بيده وقام بالرد عليها وهو يضغط على سماعة الهاتف، ثم ذهب تجاه خزانته ليبدل ملابس وهو يقول بعتذار
- معلش ياچنه اتأ خرت عليكي صُح
ردت بجدية
- لأ أنا لسه واصلة قل لي هتيجي إنت ولا اركب تاكسي واجاي أنا
كان " عمران " يحاول تجاهل هذه المكالمة لكن أذنيه رفضت هذا التجاهل، انتبه لها بكل حواسه ما إن وصل إلى مسامعه مشاجرتها مع أحد المارة وهي تقول
- ماتفتح يا بني آدم إنت
- ماخدتش بالي وبعدين لمي لسانك شوية
- تصدق إنك قليل الذوق
- لأ واضح إنك الذوق نفسه
رد "سليم " بسرعه وهو يغلق حزم بنطاله قائلا بمزح
- من أولها يابت السيوفي هتعملي في خناجه خليكي چوا المحطة وأني چاي لك اهو وبطلي خناج
ردت مازحة وقالت
- بيحاولوا يستقوا عليا يبشه فاهمين إني مش صعيديه واقدر اجيب حقي من عين الأسد
وقبل أن يتحدث ولجت الممرضه وهي تقول بجدية
- في حالة طارئة يا دكتور سليم وطالبين حضرتك ضروري
- طب روحي أنتي دلوجه هغير واچاي
نظر إلى هاتفه وراح يقول بعتذار وهو ينزع عنه كنزته
- معلش يا چنه هتفضلي في المحطة لحد ما اچاي او اجولك هابعت لك كرم ياچي ياخدك
- ياعم متتعبش روحك انا هاخد تاكس وامشي شوف شغلك وانا لما اوصل هكلمك مع السلامة
چنه چنه يابت اس
أردف " سليم " عبارته وهو يركض نحو هاتفه ليمنعها مما تنوي فعله لكنها اغلقت الهاتف، نظر إلى " عمران " وقال بجدية مصطنعه
- نسيتك والله ياعمران معلش زي ما إنت شايف كده الشغل هنتحدتوا إيه رأيك نتجابل النهاردا بعد العصاري في المكان بتاعنا
- يكون احسن أني لحد دلوجه صاحي وعاوز انعس هبابه أني هجوم دلوجه وابجى نتكملوا بعدين
يتبع
رواية لتحيا نيران العشق الفصل الرابع عشر 14 - بقلم هدى زايد
كان "عمران" يتظاهر باللامبالاة، لكن قلبه يريده أن يذهب إلى محطة القطار. كيف لها تلك المجذوبة أن تأتي في هذا الوقت؟ ولماذا تأخذ من عقلك كل هذا التفكير؟ تفعل ما يحلو لها، أصبح الأمر لا يعنيه.
عاد إلى بيته، وجد شقيقته تدفع أخاه وهي تتحدث برجاء:
- بسرعة الله يرضى عنيك.
وقف مقابلهم متسائلاً بقلق:
- في إيه مالكم؟
رد "كرم" بجدية:
- چنه يا سيدي چت البلد. ولما ركبت التاكسي معرفتش تجول إيه للسواق، جامت جالت على عنوان غلط وتاهت. ولما افتكرت تجوله على بيت چدها نعمان، العربية عطلت من الراجل.
رد بحدة واضحة في نبرة صوته قائلاً:
- وإنت قاعد أهني بتعمل إيه؟ فز جوم دور عليها وهاتها.
نظر "كرم" لأخته، ثم غمز لها وراح يقول بجدية مصطنعة:
- وه ديه مش أنتي وحدك اللي خايفه عنها.
تابع بجدية وهو يضع ساقاً فوق الأخرى:
- متقلقش ياسيدي، إني كلمت السواق وجلت له يجيبها على هني. وجدامه نص ساعة ويوصل.
وقبل أن يتحدث، هبط جده وجواره زوجته متسائلاً بسخرية:
- متجمعين على كِده يا ولاد فضل؟
ردت "نرجس" بسعادة:
- چنه يا چدي جايه تحضر فرحي أنا وكرم.
اتسعت عيناه فرحاً وراح يقول بلهفة:
- جد يا بت يا نرجس الحديت ديه صح؟
ردت بنبرة صادقة قائلة بسعادة:
- والله صح. سليم لسه مكلمني وجالي إن جده هيخليها تقعد لحد بعد فرحه. وجال إن هو هياخدها ويسافر كمان بعد الفرح.
رد "أيوب" بجدية:
- هيسافروا فين يا نرجس؟
رفعت منكبيها وراحت تقول:
- ماعرفش يا چدي والله، بس هو جال إن چنه محتاجة تغير حياتها والسفرية ديه هتغير كل حاجة فيها.
نظر "أيوب" إلى زوجته، ثم تبادل النظر إلى "عمران" وراح يقول بخفوت:
- إيه اللي في راسك يا نعمان؟
تابع بجدية وهو يأمر الخادمات بإعداد وجبة الإفطار قبل مجيء حفيدته:
- كاد أن ينسحب "عمران" من الجلسة، لكن أمره جده بالجلوس معهم حتى يتناول الطعام معهم.
التف الجميع حول المائدة، تبادلوا أطراف الحديث حتى أطلت عليهم برأسها وهي تُغني بصوتها العذب وهي تقول:
(حبيبي والله لسه حبيبي والله، مهما تنسى حبيبي، عمري ما أنسى حبيبي.)
ردًا منهما على سؤال جدها حين قال بحزن:
- ياترى لسه بتحبني زي لولا؟
هرولت نحوها "نرجس"، عناقتها ثم غمرتها بقبلاتها، ثم احتضنت وجهها بين كفيها وقالت بسعادة:
- مبروك يا أحلى نرجس في الدنيا.
تابعت بغرور:
- هتنوري عيلة السيوفي.
رد جدها قائلاً بجدية مصطنعة:
- وه وهما الهواريات كانوا مظلمين يا بت السيوفي؟
سارت تجاهه وراحت تقول بذات النبرة بعد أن لثمت يده المجعدة:
- طول عمرهم منورين يا باشا ومحدش يقدر يقول غير كدا.
تابعت وهي تحتضنه قائلة بحنو وحب:
- وحشتني يا حبيبي.
رد بدموع وهو يربت على ظهرها:
- كنت فاكرك ما هتيجي في وشي تاني واصل.
خرجت من حضنه وهي تكفكف دموعه قائلة بجدية وهي تشدد على الكلمة:
- ليه بتقول كدا؟ إنت خيرك عليا ولحم كتافي من خيرك، واللي ينكر دا يبقى ناكر للجميل.
تابعت بمرارة:
- صحيح حصل خلافات، بس دا ما يمنعش إنك قاصد مصلحتي.
ختمت حديثها الموجه "لعمران" قبل أي فرد من أفراد العائلة:
- وبعدين ياسيدي، الدنيا ياما بتعلم، وأنا اتعلمت كتير ولسه هتعلم. اللي فات مات خلاص، وإحنا ولاد النهاردا.
ردت جدتها بحنو وحب:
- كُل يا ابنتي وكُلي تلاقيها على لحم بطنك من امبارح.
ردت بذات النبرة وراحت تقول بمرح:
- آه والله يا تيتة، ومين سمعك. وبصراحة بقى الأكل هنا طعمه تاني خالص. تصوري كل ما أعمل أكلة من اللي أكلتهم هنا مش بتطلع نفس الطعم، ومبقتش عارفة آكل خالص أكل هناك.
- حبيبتي يا بنتي، خلاص اقعدي اهني وأنتي تشبعي من أكلنا.
- تصدقي يا طنط، فكرة بردو. أنا شخصياً موافقة جداً.
كانت تتحدث لهذا وذاك وهي تتناول وجبتها، قاطعها رنين هاتفها، فقامت بالضغط على زر الإجابة وراحت تقول بابتسامتها العريضة:
- والله يا دكتور سليم، أنا نزلت محطة كدا، وهما جابوا لي أكل، وحاليًا محتاجة حد يقولي كفاية عليكي كدا، قومي روحي. لا، فوت، خدني أنا هشرب القهوة عشان أصحصح، لأني شوية وهنام على نفسي خلاص. ماشي.
رد جدها قائلاً بجدية:
- هاتي التلفون ديه. أيوه يا واد يا سليم، إيه هي مش بنتي زي ما هي بنتكم؟ ليا فيها النص. روح إنت بيتك بالسلامة، وهي هتقعد اهني يومين ولا حاجة. ناس مين دول اللي جايين يشوفوها؟ أهلكم كانوا مسافرين؟ طب خلاص يا خوي، لما يبقوا يجوا تبقي تيجي تاخدها. يلا، مع السلامة.
أعطى لها الهاتف وهو يتساءل بفضول قائلاً:
- ناس مين دول يا جنه اللي جايين؟
رفعت كتفها وقالت بجدية:
- مش عارفة والله يا جدي، بس سليم بقاله فترة طالب مني أجاي، وأنا كنت مشغولة في فرح صاحبتي، لكن اللي فهمته منه إن جدي عاوز يعرف الناس بيا على إن رجعت وكده يعني.
رد "عمران" لاول مرة ليعلن عن وجوده، وهو يقف عن المقعد وراح يقول:
- أنا هطلع أوضتي شوية.
- مش هتشرب القهوة يا ولدي؟
- لاه، ياما، هرتاح شوية.
- طب يا حبيبي.
لم تتأثر لصوته أو هيئته الجديدة، لن تسأله عن إطالة لحيته لهذا الحد، ولا حتى تنتبه إلى خسارة الوزن التي أصابته فجأة. لم تنتبه لأي شيء يتغير فيه. هذا ما قالته لنفسها. لعنة الله على ذاك القلب الذي أخذ يراقبه حتى علم كل تفاصيله الجديدة.
انتهت من احتساء القهوة مع العائلة، وصعدت إلى غرفتها حاليًا، وغرفة والدتها سابقًا. جلست على حافة الفراش بعد أن بدلت ثيابها ورفعت شعرها الطويل الذي يصل إلى خصرها.
كانت تقلب في قنوات التلفاز ولم تستقر على شيء معين. ألقت بالريموت جنباً، ثم سارت تجاه الشرفة. وقفت فيها مستندة بكلتا يديها على السور. تنفست بعمق، ثم نظرت جانباً، وجدته يجلس على المقعد ينفث سحابة دخان كثيفة. تجاهلته تماماً كأنه سراب. بينما هو كان يراقبها بنظراته المعاتبة لها. مرت دقيقتين كاملتين، ثم ولجت بعدها الغرفة.
هدوء شديد يسود بين علاقتهما. كان يظن أنها ستغضب أو تثور أو حتى تصفعه، لكنها خيبت ظنه كما فعلت به أول مرة وعاملته بلطف.
كلاهما يتقلبان في فراشه. النوم أصبح حلماً بعيداً يصعب تحقيقه. اعتدلت في جلستها وهي تتنفس بقوة وراحت تقول:
- حاولي تعدي الأيام دي على خير وماتحتكيش بيه نهائي.
ألقت بالشرشف عن جسدها، ثم نهضت عن الفراش، ثم خرجت من غرفتها متجهة إلى غرفة "نرجس". وأثناء سيرها في الردهة، تلامس كتفها في كتفه فقالت دون النظر إليه:
- آسفة.
فرد بحزن قائلاً:
- على إيه بالظبط يا چنه؟
تابعت طريقها متجاهلة سؤاله، بينما هو اغتاظ منها ومن تجاهلها له، فسار بخطوات سريعة ليلحق بها. وقبل أن تطرق على باب غرفة أخته، قبض على ذراعها وولج بها غرفته، أوصد الباب وقال بمرارة:
- عملت فيكي إيه لديه كله؟
بلعت غصتها بمرارة وراحت تقول بحزن:
- ارجوك يا عمران، كل واحد راح لحاله، ياريت تحترم دا.
- هحترمه، لما تقوليلي سبب واحد يبرر اللي عملتيه فيّ. مش زعلانة من اللي حصل ديه؟ للدرجة ديه مش فارقة معاكي؟
ردت وهي مطأطئة الرأس خوفاً من أن يرى دموعها قائلة:
- أنا مش زعلانة منك، أنا زعلانة من نفسي إنها بقت رخيصة في نظرك. أنا عمري ما كنت رخيصة. إنت هتبدأ من جديد وأنا هبدأ من جديد، بس جوايا شرخ كبير معرفش الأيام هتعمل فيه إيه. بس اللي متأكدة منه إن لو رجع بيا الزمن عشان أختار الاختيار دا، كنت رفضت. ربنا مابيحطناش في طريق بعض صدفة يا عمران، وأكيد له حكمة في دا.
- ارفعي عينك في عيني، عاوز أشوف عينك وهي بتقول الكلام ده. كدبي قلبي اللي مش راضي يصدق حديثك ده.
ردت بحزن:
- عيني مكسوفة تبص لعينك، وقلبي مكسور من اللي عملته فيك، وعقلي بيلعني وبيحرم عليا حتى التفكير فيك. أنا همشي ومش عارفة شكلك هيبقى إيه، أو حتى قلبك هيقول عليا إيه، بس ارجوك متدعيلش عليا، أنا مش حمل دعوة مظلوم. كفاية عقاب ربنا ليا يوم ما طلقتني.
قبض على ذراعيها وهزها بعنف وراح يقول بغضب:
- طلي في عيني وأنتي بتتكلمي. جولي إن اللي واقفة قدامي ديه مش چنه اللي أنا أعرفها وقلبي اتشعلق فيها.
بلعت غصتها وقالت بمرارة:
- كان نفسي أقول إن أنا چنه اللي تعرفها، بس چنه اللي إنت تعرفها ملهاش وجود غير في خيالك وبس. واللي قدام دي واحدة باعتك عشان الفلوس ومستعدة تعمل أكتر من كدا بكتير طالما فيها فلوس.
لجمت الصدمة لسانه. تركها وهو يتوسل لعقله أن لا يترجم هذه الإشارات حتى لا يصاب بالجنون.
تحامل على نفسه وراح يقول بجمود:
- لو كان الأمر بيدي كنت طلقتك مليون مرة، بس الحمد لله إن ربنا كشفك ليا في الوقت المناسب.
تابع بغضب مكتوم وهو يكور قبضة يده وراح يقول:
- اخرجي برا الأوضة وبرا حياتي. وأوعاكي تجربي مني مهما حصل.
تابع بصوت مرتفع:
- اخرجي برا.
انتفضت على إثر صوته. خرجت فور طرده لها. هذا ما كانت تريده. عفواً، هذا ما كان يريده جدها.
وبعد مرور ثلاثة أيام، اليوم تحديداً هو يوم زفاف "كرم"، ويوم المفاجآت كما يقولون. انتهت هي من تحضير نفسها لهذا الحفل. كانت عروساً وليست شقيقة العريس كما ظن البعض. ثوبها الأسود زادها جمالاً وأناقة. مساحيق التجميل البسيطة أظهرت جمال ملامحها حقاً. هبطت الدرج بخطوات هادئة واثقة. الجميع في انتظارها. تعالت الزغاريد من جدتها ما إن وجدتها حفيدتها تشبه ابنتها. أشارت بيدها لتأتي إليها. تجاوزت "عمران" ثم جلست بجانبها قائلة بابتسامتها المعهودة:
- نعم يا تيتة.
- مد يدك.
تابعت بمرح:
- إيه هاتديني أروح؟
قهقهت الجدة على حديث حفيدتها متسائلة بجدية مصطنعة:
- مين اللي جالك الكلمة دي؟ أكيد نرجس.
ردت بحزن لتذكرها أن قائل هذه الكلمة هو (عمران). نظرت لها وقالت بجدية مصطنعة:
- ها هاتديني إيه؟
لبستها خاتماً من الذهب الخالص وهي تقول بحزن:
- ده خاتم أمك الله يرحمها، كانت جايباه لي في عيد الأم، وبعدها ماتت. الخاتم ده حقك يا بتي، خُدي.
تابعت وهي تضع على عنقها قلادة من الذهب أيضاً وقالت:
- أما ديه فهي مني هدية، خلي بالك منها زين وحطيها في عينك.
وضعت قلادة "عمران" على سطح المنضدة الرخامي وقالت:
- في عيوني يا تيتة.
- وه مش هتلبسي السلسلة اللي عليها اسمك؟
ردت بعدم اكتراث:
- لأ، مبقتش تلزمني.
وقبل أن تسألها "نرجس"، ولجت الخادمة تقول بسرعة:
- سيدي يا سيدي.
- في إيه يا أم جوهر؟
- سيدي العمدة نعمان واقف برا ورايدك.
- وه واقف ليه يا حزينة؟ ادخلي بسرعة، همي.
- حاضر ياسيدي.
أشار بيده للنساء قائلاً بجدية:
- الحريم تقوم.
ثم نظر إلى "جنه" وقال بدهشة:
- قاعدة ليه؟
ردت مازحة:
- لأ، ماهو أنا مش حريم.
تابعت بجدية قائلة:
- ده جدي يا جدي، هقوم ليه يعني؟
ولج الحاج "نعمان" وخلفه "سليم" وهو يلقي التحية على الجميع. جلس على المقعد بعد أن صافح الجميع وقال بدون مقدمات:
- زين إن الكل أهني. أنا عارف إن عندكم فرح ومستعجلين، وعشان كِده هتكلم دغري. ربنا يكتر الأفراح دايماً.
ثم نظر لحفيدته وقال بسعادة:
- مبروك يا چنه.
ردت بنبرة متعجبة قائلة:
- مبروك على إيه يا جدي؟
أجابها بدون مقدمات:
- جالك عريس زين.
رد جدها مقاطعاً بدهشة:
- من غير ما توفي عدتها كيف ديه؟
أجابه بجدية:
- العريس مكنش يعرف إنها متزوجة، ولما عرف متغيرش كتير عنده، وجال إني هستنى لما توفي العدة وأجي أتقدم. إني بعت الحريم يشوفوها في كتب كتاب كرم، وهي عجبتهم. باجي هو ييجي يشوفها وتشوفه.
ردت "جنه" بمرارة في حلقها:
- خلي يجي بعد العدة يا جدو، أنا موافقة.
رد الجد "أيوب" بدهشة قائلاً بصوت مرتفع:
- وه كِده من غير حتى ما تعرفي هو شغال إيه؟ ديه أنتي متعرفيش اسمه إيه؟
رد الجد "نعمان" وقال بحدية وهو ينظر لعمران بشماتة واضحة وضوح الشمس:
- اسمه مهران محمد الجبالي، مهندس بترول، شغال طول عمره في البحرين. رجع مصر من يومين كِده، شاف چنه مع سليم وهما بيشتروا حاجات من عند الصايغ، هو صاحب سليم أصلاً وطلبها منه. وسليم حكى له كل حاجة والراجل مرحب بيها.
ختم حديثه وهو يشدد على كلماته الأخيرة قائلاً:
- جالك مهم، مش مهم عندي اللي فات، المهم عندي إنها تتنازل وتتكرم عليّ وتكون مرتي. أنا جيت بنفسي أقول لكم عشان متزعلش مني يا أيوب وتجول مجاليش ليه.
رد "أيوب" بنبرة حزينة قائلاً:
- كتر خيرك يا نعمان.
تابع بتساؤل:
- هو هياخدها وياه ولا هتفضل أهني؟
- لأ، جال هياخدها يوم فرحها ويسيب البلد. وجال كمان لو هي مش حابة ديه ممكن يسيب شغله ويعيش اهني.
انتهت المفاجأة الأولى على خير وذهبت "جنه" إلى حفل الزفاف. حاولت أن تتأقلم وتندمج في أجواء الحفل، لكنها فشلت. غادرت الحفل ووقفت في حديقة القاعة. سردت لصديقتها ما حدث تلك الفترة الماضية. كانت مؤيدة في بعض الأمور ومعارضة في البعض الآخر. انتهت أخيراً من المكالمة الطويلة. استدارت بجسدها، وجدته ماثلاً أمامها، الغضب والشر يتطاير من عينيه. قام بجرها من معصمها خلفه. حاولت إيقافه عدة مرات، لكنه لا يبالي لثرثرتها. ابتعد كثيراً عن الضوضاء. وقف مقابلتها وقال بجدية:
- بتعملي فيا كِده ليه؟ جولي، بتخلي النار قايدة في قلبي ليه؟
- عمران، إنت بقت مريض وشكلك محتاج علاج.
- علاجي رد واحد منك يا چنه، ليه عملتي كِده؟
- ليه مش عاوز تقتنع إن أنا وإنت خلاص مبقاش يجمعنا؟
وضع يده على فمها وراح يقول برجاء وهو يستند بجبهته على جبينها:
- بلاش تكملي، مش قادر أصدق حديثك ده. قلبي بيقول مظلومة، وعقلي بيقول خلي عنيدك. دمك وسيبها، ليه سايباني في الحرب ديه وحدي؟
نظرت له بأعين دامعة. أزاحت يده من على فمها ثم قالت بمرارة:
- يبقى تسمع كلام عقلك وتبعد عني.
طحن أسنانه وهو يستمع لها، ود لو يفصل رأسها عن جسدها كي لا يقهر أكثر من ذلك.
وجه سبابته نحو عينيها وقال بوعيد وهو يضرب بيده على قلبه:
- يحرم عليه يدك لك، ولو فكر يبقى ربنا يلعنه. يحرم عليه يسألك عنك، ولو كان عليّ هدوس عليه بجزمتي، ولا أتذل لك تاني.
تابع "عمران" بتذكر قائلاً:
- بس صح، نسيت إنك كيف بنات الليل بتروحي للي يدفع لك أكتر. إني كيف ماخدتش بالي إنك رخيصة قوي كِده.
صفعته قبل أن يتمادى في حقها أكثر من ذلك. قررت أن ترد على إهانته دفعة واحدة في جملة واحدة:
- اللي واقفة قصادك دي مش ممكن تبيع نفسها لحد، وكلامك دا إنت هتندم عليه وقريب قوي. أنا هبقى حسرتك في الدنيا يا عمران، هبقى الحلم اللي نفسك تحققه، وهتعيش وتموت وبردو مش هتعرف تحققه.
يتبع
رواية لتحيا نيران العشق الفصل الخامس عشر 15 - بقلم هدى زايد
- كِده يا چدي! تُشكر على كل حال.
- دوسي يابت هني. أيوه اهني. وإنت ياسليم روح شوف وراك إيه، عشان عندنا فرح يا واض عاوزين نفرحوا. وابجي تعال وياي عشان نزور عمك كامل. تعبان من جبل فرحك ونفسه يشوفك ببدلة الفرح.
- مايرحش، خلي بت البندر تروح وياك.
- وفيها إيه لما أروح؟ الست زي الراجل وبقت ليها مناصب في كل مكان في الدولة. ومش جديد علينا الانفراد والتميز.
رد مقاطعا بغيظ:
- چدي رايح يزور واحد تعبان، مش رايح يحل مشكلة. ثم إني وجدي بنتحدت، بتدخلي إنتِ ليه؟ المحامية اللي عينها وأني مخابرش. ماتتلمي واجعدي في مقانك.
- شايف يا جدو كلامه اللي زي الدبش دا. أنا مش عارفه نرجس وقعة في إيه. ثم هي دي أهلًا وسهلًا بتاعته؟ لا شكرًا، كفاية تهزيق لحد كدا. أنا همشي.
اتسعت حدقتي "سليم" حين رأى جده ينقلب عليه في أقل من ثانية. وقبل أن يتحدث، لكزه جده بعكازه وقال:
- غور يا واض إنت من اهني. وملكش دعوة ببت عمك واصل. بت عمك تچول وتعمل اللي يلد عليها.
- ربنا يخليك ليا يا حبيبي يا ناصر الغلابة.
رد "سليم" وقال بدهشة وذهول شديدان وهو يخرج من البيت:
- شيطانة. والله العظيم شيطانة على هيئة إنسانة. حكمة يارب.
وما إن خرج من البيت، قام الجد بقرص شحمة أذنها وهو يقول بجدية مصطنعة:
- اللي عملتي ديه ميتكررش تاني واصل. سليم معاه حق. حريم إيه دي اللي تجعد مع الرچالة.
تأواهت وهي تحاول أن تفك أنامله الضاغطة على أذنها وقالت:
- آآه، آآه. إيه يا جدو؟ بهزر معاه. هي يعني أول مرة. خلاص، خلينا اقوم اجهز بقى.
ولجت "جميلة"، وجدت جدها يمازح ابنة عمها. تجاهلتهما وتابعت سيرها بعد أن ألقت التحية دون أن تقف. بينما نظر الجد لجنته وقال بجدية:
- لينا جعدة بعد الفرح.
ردت بعدم اكتراث:
- ربنا يسهل يا جدو. نبقى نشوف الموضوع دا بعدين.
تابعت بجدية:
- أنا هقوم اغير هدومي والحق اظبط نفسي للفرح.
صعدت الدرج بهدوء متجه إلى حجرتها. ولجت المرحاض، لتغتسل. كانت تقف داخل حوض الاستحمام والمياه تتدفق فوق رأسها. حاولت أن تصل إلى حل بديل بدلًا مما ينوي فعله جدها. أنارت فوق رأسها مصابيح الأفكار.
وأخيرًا وصلت إلى حل الذي يرضي جميع الأطراف.
انتهت من الاغتسال وخرجت من غرفة الاستحمام. بدأت في تبديل ثيابها، ثم بدأت في وضع بعض مساحيق التجميل.
طرقات خفيفة على بابها. نهضت عن المقعد متجه نحو الباب. فتحته لتعرف من الطارق. وجدته "جميلة". رفعت يدها بإبرة وقالت باعتذار:
- معلش تجفلي لي الفستان بيها أحسن مش عارفه.
أشارت لها بالدخول وهي تقول بجدية:
- اتفضلي.
ولجت "جميلة". ثم استدارت لها بجسدها كله. بدأت "جنه" في غلق سحابه الفستان كما شرحت لها ابنة عمها.
كان الصمت يسود الغرفة حتى تحدثت متسائلة بجدية:
- هو أنتي هتجعدي اهنه كتير؟
ردت بجدية وعيناها مصوبتان على الفستان:
- لا متقلقيش، كلها يومين وهمشي.
- فهمتيني غلط، كان قصدي.
- لا قصدك ولا مش قصدك. أنا خلاص خلصت لك الفستان.
- متشكرة يا چنه.
- العفو. حاجة تاني؟
- لاه، بس بس.
- قولي من غير تردد. أنا متعودة اخدم الغريب.
- لاه شكرًا. خلاص، معاوزش حاجة. عن إذنك.
غادرت "جميلة" الغرفة وعادت "جنه" تنهي ما تبقى من لمسات أخيرة قبل الذهاب مع "سليم" في سيارته.
هبطت الدرج بخطواتها الثابتة. نظر لها جدها بتباهي وفخر. ارتسمت على ثغره ابتسامة حانية وراح يقول:
- الچنه في أجمل صورها.
ردت باسمة:
- دي عيونك الأجمل.
وقف "سليم" عن المقعد وهو يغلق أزرار حلته متسائلا بجدية:
- چاهزة يا چنه؟
أومأت له برأسها علامة الإيجاب ثم قالت بجدية مصطنعة:
- جاهزة، يكش بعد دا كله تحفظ الجميل وتسمي بنتك على اسمي.
ردت باسمة:
- واحنا نطول. اتفضلي ياستي.
غادر "سليم وجنه" البيت. استوقفته ما إن خرجت قائلة بجدية:
- خد دا.
- إيه ديه؟
- دا مفتاح بيت أبويا القديم. خلي معاك عشان لو احتاجته.
- هحتاجه في إيه بس؟
- اسمع كلامي. إنت هتحتاجه عشان كدا خلي معاك. ريحني وخدّه. مش هتخسر حاجة.
- حاضر ياستي.
قاد سيارته الفارهة متجه بها إلى منزل "أيوب الهواري" ليتسلم حرمه المصون. كانت لا تريد أن تفسد عليه فرحته. قررت أن اليوم ستضع النقاط على الحروف. يمر الحفل على خير وبعدها يسدل الستار على هذه القضية.
وصلنا يا چنه.
كررها "سليم" عدة مرات حتى ينتشلها من بئر أفكارها. ترجلت ما أن فتح لها باب السيارة بيد وبالأخرى يحمل باقة أنيقة من الورد الچوري الأحمر.
ولجوا سويا البيت في ذات الوقت الذي تهبط العروس متأبطة ذراع جدها عن يمينها وعن شمالها والدها. اهتز قلب "جنه" لروعة المشهد. كم تمنت أن تحظى بهذا المشهد في حفل زفافها. فرت دمعة هاربة. الوحيد الذي رآها "عمران". كانت عيناهما معلقتان على العروس وعيناه هو معلقة عليها هي. يعلم ما تشعر به دون أن تفصح. العجيب أن قلبه يرفض صدق حديثها. انتبه لمشاكستها مع ابن عمها وهي تقف بينه وبين زوجته قائلة بمرح:
- بص يا ابني، بما إن أنا الشئ المشترك في البيت هنا وبينك. هتكلم مرة ليك ومرة ليها. إنت هتحطها في قلبك قبل عينك واوعى تزعلها. ولو فكرت هتلاقيني فوق راسك.
اتجهت نحو "نرجس" وقالت بجدية مصطنعة:
- بصي يا بنتي، هو هيبقى جوزك وحبيبك وكل حاجة ليكي في الدنيا. يعني لو زعلتي.
تابعت وهي تنظر له بوعيد قائلة بمرح:
- هتبقى ليلتك مش معدية.
قهقه الجميع على حديثها. فسألها "سليم" بجدية مصطنعة قائلا:
- وه إني ذنبي إيه؟
ردت شارحة:
- اصل يا ابني، احنا مش نكدين خالص. فأكيد هتكون إنت السبب.
وضع باقة الورود وراح يقول بجدية مصطنعة:
- طب خمس هدوء بجى عشان اخد مرتي وامشي.
ضمت "نرجس" الورود وقالت بمشاكسة وهي تنظر لجنه:
- أنتي مش بيجي لك ورد چوري زي ما قرة عيني بيجيب لي ليه يا چنه؟
اغتاظت "جنه" من حديثها فردت بغيظٍ:
- ماعنديش قرة عين عشان يجيب لي يا عسل. هو بس يجي وأنا هخلي يدفع دم قلبه في الورد والهدايا والخروجات لحد ما يقول حقي برقبتي.
انتهت المشاكسة بضمة من جدها وجدتها، داعين المولى أن يجمعها بزوجها من جديد.
بدأت مراسم الاحتفال. وقبل انتهاء الحفل، أتى المهندس "مهران الجبالي" بدعوة من جدها "نعمان".
وقف عن مقعده. ثم سار خطوتين تجاهها وقال بتردد:
- تسمحي لي اتحدث وياكِ شوية؟
نظرت لجدها الذي أومأ برأسه علامة الإيجاب لتعود ببصرها له ثم قالت باسمة:
- اتفضل.
رد "مهران" معتذرًا:
- لاه معلاش، ياريت برا بعيد عن الدوشة.
وقفت عن المقعد وقالت بتوتر واضح على ملامحها:
- تمام.
سار جنبا إلى جنب والصمت يسود المكان. توقف بعيدًا عن الموسيقى الصاخبة وقال بتوتر:
- أني مش عارفه أنتِ تعرفي عني إيه؟ بس كل اللي هقدر أقوله إني أسعد واحد في الدنيا دلوكه.
ترددت الابتسامة على شفتيها وهي تقول:
- شكرًا.
تنحنح وقال:
- كلميني عن نفسك، ولا تحبي أكلمك إني الأول؟
وتكلمك عن نفسها. ليه؟ معلش مفاهمش؟ قالها "عمران" وهو يقف بالقرب منها. حرك رأسه متسائلا بعدم فهم وهو يوجه سؤاله لمهران قائلا بهدوء مريب:
- سيبني إني اكلمك عننا شوي. دي مدام چنه مرتي.
رد "مهران" بعدم فهم قائلا:
- بس أني سمعت إنها اتطلجت!!
قاطعه "عمران" موضحًا:
- كانت ساعة شيطان وراحت لحالها. الحمد لله. وإني هردها بس أنت قول إن شاء الله.
لجمت الصدمة لسان "مهران". لم يعد يدري ما تحدثه ذاك الأخير إن كان حقيقة أم مجرد ثرثرة. بينما هي كانت في حيرة واضحة تسأل نفسها أن ما يحدث الآن هو حقيقة واضحة وضوح الشمس وليست أضغاث أحلام.
انتشلها من بئر أفكارها أنامل "عمران" وهي تعانق أناملها بقوة شديدة وكأنه يخبرها بأنه لن يتركها ماحيا. تذكرت جدها وتحذيراته. غدره بشقيقته ووعوده بالدمار لعائلة الهواري. فتحطمت أحلامها على صخرة الواقع. تنحنحت وهي تفك يدها من يده بحدة واضحة. ثم غادرت المكان تاركة كلاهما يقفان أمام بعضهما البعض وكلاهما ينظر للآخر نظرات ثاقبة وكأنهما تماثيل برع الفنان في نحتها.
رفع "عمران" سبابته وقال بتحذير:
- لو حابب تكون كيف الشيطان اللي بيدخل عشان يفرق بين الراجل ومرته خليك. أنت عرفت إنه سوء تفاهم وهيتحل إن شاء الله. فمن المفروض تبعد عننا.
رد "مهران" ساخرًا:
- سوء تفاهم إيه؟ وهي سابتك كيف ماتكون عدوها مش چوزها!!
طحن أسنانه وهو يقول بجدية:
- حاجة ماتخصكش. اطلع أنت بس منها.
غادر "عمران" الحديقة ليبحث عنها من جديد. ولج القاعة وهو يبحث عنها في كل مكان حتى وقعت عينه عليه. سار تجاهها والشر والغضب يتطاير من عيناه. بحث عنها في كل مكان وما إن وجدها جوار جدها. كاد أن يذهب إليهم. لكن سرعان ما وجد "سليم" يحتضنه مانعًا إياه من كارثة. دفعه للخارج وقال بجدية:
- بعد عن طريجي لا طربق الفرح على دماغك دلوكه.
- فهمني، عاوز منها إيه؟
رد "عمران" بصراخ:
- هتدخل تجيبها ولا أدخل أجيبها من شعرها دلوكه؟
رد "سليم" ساخرًا:
- إياك تكون فاهم إن إني دكتور ومحترم.
تابع بغضب قائلا:
- فوج ديه إني أجرح عضمك. هي ومبقتش مرتك واللي بنيتكم خلاص خلص. عاوز إيه تاني؟
تجاوزه بخطواته الواسعة بينما لحق به "سليم" وراح يقول بنبرة أهدأ من ذي قبل:
- طب خلاص متزعلش. هاجيبها بس فهمني في إيه.
رد "عمران" بصوت مرتفع:
- بعدين يا سليم الله يرضى عنيك. إني عفاريت الدنيا كلها بتنطط جدامي دلوكه.
- طب خليك اهنه وأني هاجيبها.
تابع بتحذير:
- بس اوعاك تجرب لها فاهم ولالاه؟
- خلللللص يا سليم.
- خلاص اباه يابوي عليك وعلى عصبيتك.
وبعد مرور عدة دقائق. وصلت "جنه" إلى ركن هادئ. عقدت ما بين حاجبيها متسائلة بدهشة:
- في إيه يا عم؟ قلقتني. عمال تقول عاوزك في موضوع مهم. فبتُرك جملتها "عمران" يدفع "سليم" وهو يقول بغضب مكتوم:
- بالسلامة إنت يا سليم. روح لفرحك دلوكه.
رد بغيظٍ وهو يعود لحفل الزفاف:
- هو بجى فرح منك لله يا عمران. كاسر فرحتي دايمًا.
بينما "عمران" كان يقف مقابلتها وبداخله نيران لوخرجت لدمرت المكان بأكمله. رفع سبابته محذرًا إياها وهو يقول:
- جسمًا بالله العظيم لو كدبتي في حرف لاجتلك بيدي يا چنه.
تابع بحزنٍ عميق:
- أنتي اتطلجتي عشان چدك هددك بيا.
ردت بتلعثم:
- أنا.
اهدر بصوته كله وقال بصرخة:
- ردي عليّ صُح. الحديت ديه.
ردت كاذبه:
- لأ غلط.
قبض على ذراعيها بقوة جعلتها تتأواه وراح يقول:
- لاه جوليها وأنتي بتطلي في عيني. ومن يوم فراقنا وأنتي بتستحي تتطلي في عيني. جولي لي إنه صُح.
اختلطت عيناها بالدموع الحبيسة وهي تلعنه مباشرةً. بلعت غصتها ثم قالت بكذب:
- محدش هددني بحاجة. أنا اللي زهقت من التمثيلية البايخة دي وقررت أبطل لعب.
رد بغضبٍ واضح وهو ينظر لعيناها مباشرةً:
- كدابة. چدك هددك إنه يقتلني لو فضلتِ مرتي وعشان كده جولتي إنك متفقة وياه.
حاولت فك ذراعه من قبضته وهي تقول بجدية:
- إنت بتوجعني كدا. سيب إيدي.
- وأني ليه محستيش بوجعي؟
- أنا في حكم المخطوبة وخطيبي بيحبني وبيحترمني. وأنا كمان ب.
كمم فمها وهو يقول بوعيد:
- متجوليش حاجة عمرها ماهتحصل. أنتي ملكي إني. جلبك ديه عشاني. أنتي ليا من قبل ما تتولدي. كل حتة في جسمك عاوزاني إني. ومحدش هياخدك مني. فاهمه؟ أنتي ليا وبس.
بلعت غصة مؤلمة ثم قالت وهي تنظر إليه:
- أنا مش جارية يا عمران عشان أكون ليك. أنا حرة واتولدت حرة ومحدش لي حكم عليا. وزي ما قلت لك قبل كده هفضل حسرتك في الدنيا. أنا الحلم اللي مش هتعرف تحققه أبدًا.
كادت أن تذهب لكن استوقفها بيده. نزعت قبضته من رسغها دون أن تنظر له. ولجت القاعة لتندمج مع الحفل من جديد. حاولت أن تتظاهر بالجمود، بينما بداخلها انهيار وكأنه إعصار أصاب قلبها. من الذي أخبره بالحقيقة؟ من المؤكد أنها "بدر".
انتبهت ليد جدها "نعمان" الذي ربت على يدها المرتجفة. سألها بحنو:
- أنتي زينة؟
ردت بإبتسامة عريضة كاذبة على نفسها قبلها:
- أيوا يا جدي كويسة.
قررت أن تندمج مع العروس. تراقصت معها الرقصة الأخيرة قبل العودة إلى عش الزوجية.
عاد الجميع إلى منازلهم وبقت هي في غرفتها لم تبدل ملابسها بعد. وكأنها تنتظر غدر جدها تجاه تلك المسكينة (نرجس).
مرت ساعة ثم اثنان ثم ثلاث ساعات كاملة على "نعمان" وهو يجلس في بهو المنزل. بينما كان "سليم" يحتضن كف "نرجس" وهي تتوسد صدره العاري. طبع قبلة حانية ثم رفع ذقنها بأنامله وقال:
- مبروك يا أجمل نرچس.
دفنت رأسها خجلا من جملته تلك. رددت بخجل:
- الله يبارك فيك.
رد باسمًا وهو يحاوط خصرها قائلا:
- وه الچميل بيتسحى. ما خلاص بجى.
دفعته في صدره بخفة بينما قال هو بتأوه مصطنع:
- آآه يدك تجيل صدري آآه.
خرجت من حضنه متسائلة بلهفة قائلة:
- فيك يا سليم؟
مال بجسده وقال باسمًا:
- سليم اتجن بيكي خلاص.
دفعته في صدره مرة أخرى قائلة بغيظ:
- دمك تقيل. بعد عني بجى.
سليــــم يا سليــــم.
ناده جده بصوته الجهوري. لم يهدأ حتى يقف أمامه. انتبه "سليم" نداء جده المتواصل. كان يقترب منها بشدة. ابتعد قليلا وهو يقول بقلق:
- ياساتر استر. چدي بينادي كِده ليه؟
ردت بذات النبرة وهي تعتدل في جلستها:
- جوم شوف في إيه.
خرج على عجل دون أن يرتدي كنزته. كانت "جنه" في ذات اللحظة تخرج غرفتها. استدارت بجسدها ما أن رأته عاري الصدر. عاد هو إلى غرفته بعد اكتشف ما هو عليه. بينما تسألت "جنه" جدها قائلة بجدية:
- عاوز إيه يا جدي؟
- سليم رايد سليم.
- خلي يفرح بعروسته. وسيبك من اللي في دماغك دا.
- اطلعي منيها يا بت يا رياض.
هبطت الدرج بخطواتها الواسعة وهي تقول:
- لو عملت اللي في دماغك مش هتشوف وشي تاني.
رد بعدم اكتراث:
- مع السلامة.
هبط "سليم" الدرج وهو يغلق أزرار منامته وراح يقول بقلق:
- في إيه يا چدي؟ حُصُل إيه؟
رد جده بهدوء حد الاستفزاز ينظر لعروس حفيده الواقفة في الطابق الأعلى:
- طلق بت الهواري. واكرشها برا الدار.
رواية لتحيا نيران العشق الفصل السادس عشر 16 - بقلم هدى زايد
اتسعت عيناه من هول المفاجأة، بينما كانت "نرجس" تتسأل بنبرة مرتعشة:
- وأني عملت إيه يا جدي؟
رد "نعمان" بجدية:
- ابجي اسألي أخوكي عمل إيه في جنه.
تابع بحدة وهو ينظر لحفيده:
- طلجها واكرشها برا الدار. وعهد ربنا ورسوله أعمل في إيه؟ أني حالفت جدام الكل إني هتسترها، أجوم أني بيدي أفضحها.
أردف "سليم" عبارته وهو يقترب من جده، بينما وقف جدّه وقال باستجهان:
- ابجى صوم وكفر عن ذنبك.
رد "سليم" بصراخ:
- وليه أعمله من الأساس؟ عملت لي إيه عشان أكسرها كده؟
قاطعه بذات النبرة:
- أخوها كسر بت عمك وفضحها بعد شهر جواز.
- أه يعني إنت هتردها في بتهم بس أنا مهعملش كده.
استدار بجسده ما أن أنهى الأخير حديثه فقال بهدوء:
- يبجى تخرُج برا الدار، وعشان إنت راجل جدع هسيبك لحد الفجر، يا تطلجها يا تخرُج برا الدار.
ردت "جنه" لتعلن عن وجودها قائلة بغضب:
- أقسم بجلال الله لو فكرت تعملها يا سليم لافضحك في كل مكان وهتكون فتحت على نفسك نار ملهاش آخر.
تركها "سليم" وصعد الدرج، بينما نظرت إليه "نرجس"، ملامحه لا تبشر بالخير. صفع الباب خلفه بعنف، جلس على حافة الفراش يستجمع شتات نفسه. تفاجأ بها تجثو على ركبتيها، كادت تنحني على قدماه لتقبلها وهي تتوسل إليه قائلة:
- أحب على يدك يا سليم، استرني. أحب على تسترني.
لم يرد، مقاطعًا بحدة وهو يرفعها عن الأرض وراح يقول بصوت مرتفع:
- أسترك دي لما تكوني معيوبة، لكن إنتي أشرف من الشرف، وأني أشهد.
ثم ختم حديثه وهو يشير بيده نحو الفراش قائلاً:
- والسرير ده يشهد، جهزي حالك هنمشي من اهني، ملناش مكان اهني.
وبعد مرور ساعة تقريبًا، كان "سليم ونرجس" في بهو المنزل بحقائب سفرهم. حرك الجد رأسه وهو يقول بهدوء حد الاستفزاز:
- اخترت بت الهوارية، ماشي يا دكتور، يبجى تسيب كل حاجة تملكها من بيت السيوفي.
رد "سليم" بإشمئزاز:
- وهي متلزمنيش في حاجة، أني خدت اللي يخصني.
تنهدت "جنه" بارتياح وهي تنظر لهما وراحت تقول:
- راجل يا سليم وهتفضل طول عمرك راجل.
رد جدها بصفعة قوية على وجهها جعلت الدماء تنزف من فمها. أشار بيده لحفيده وزوجته بالخروج من البيت، ثم نظر إلى حفيدته التي أفسدت عليه مخططاته وقال بغضب:
- كله منكِ يا وش المصايب. كيف أبوكِ مدلوجة على اللي رماكِ ولا سأل فيكِ. بتجري على اللي ميساواش.
ردت بصراخ قائلة:
- بس بقى حرام عليك، كفاية حرب وخطط. كفاية. أنا كرهتك وكرهت اليوم اللي جيت فيه هنا. أنا مش هقعد هنا، أنا هاسيب لك البلد وهمشي.
رد بصفعة قوية أسقطتها أرضًا ثم قال بوعيد:
- أني هعرفك كيف تكرهني صح.
قبض على خصلات شعرها، كادت أن تقتلع في يده، بينما هو لا يبالي لصرخاتها. هدر بصوت للخدمات أمرًا بجرّها في الغرفة الخلفية للمنزل، كما منع عنها الطعام والماء نهائيًا.
كانت صفعته قوية تركت أثرًا على وجهها، كما سقوطها أدى إلى جرح في جبينها. جلس يفكر في خطة جديدة تعيد له حفيده.
أما "جنه" كانت تجلس على الأرض الترابية وهي تتألم من جروحها تلك. وبعد مرور ساعتين، كانت تسير بخطوات هادئة وهي تنظر خلفها حتى وصلت إلى الغرفة المنشودة. فتحت المزلاج، ثم أضاءت مصباح الهاتف باحثة عنها، ووجدتها تجلس القرفصاء في إحدى الزوايا.
هزتها برفق وقالت بخفوت:
- جنه، جومي يا جنه.
- جميلة مش خايفة من جدك.
- جومي تعالي ورايا، اتحملي عليّ.
ساعدتها في الهروب من البيت، أخذتها إلى المشفى لتضمض جرحها. طلبت منها أن ترحل من البلدة هذه الفترة. ردت بسخرية:
- هروح فين يعني؟ ماهو هيعرف يوصل لي. أنا مش ههرب، أنا لازم أقف في وشه. جدك بقى زي الإعصار بياخد أي حد بيقف قصاده.
- اديكي قولتيها، يبجى هتجفي كيف؟
- لو سبت البلد هبقى مش عارفة هو بيفكر إزاي ولا ناوي على إيه، وأنا لازم أعرف هو ناوي على إيه.
- يا بت الحلال انفدي بجلدك من اهني، وأني هبلغك بكل حاجة.
ردت بنبرة متعجبة:
- هو إنتي بتساعديني ليه؟
- بت عمي كيف سليم، واد عمي.
تجاهلت "جنه" هذه النبرة قائلة بعدم اكتراث:
- بصي يا جميلة، عاوزة تساعديني بجد، خليني في مكان محدش يعرفه بس يكون هنا، ويكون قريب من جدك.
وضعت "جميله" أناملها في فمها مفكرة في مكان آمن كما طلبت "جنه". ردت بتذكر قائلة:
- اسمعي، روحي لجدك أيوب. هو الوحيد اللي هيحميكي منه.
ردت بعفوية وهي تعدل يدها المضمضة:
- إنتي هبلة يا بنتي؟ أروح أقولهم اتكسرت كده ليه؟
تنحنحت وراحت تقول باعتذار:
- آسفة بس أصل واخدة أقول كده لأصحابي، متزعليش.
- مش زعلانة. بصي، إنتي مسمعتيش للآخر.
- طب قولي.
- إنتي هتجولي إنك وقعتي من على السلم وإنتي نازلة عادي، وهتخليكي هناك وأني هنجل لك أخبار جدي.
- وافرض جدك جه وعرفهم اللي حصل، هنعمل إيه ساعتها؟
- أيوه صح. خلاص بجى مافيش غير إنك تتدلي مصر، واني هبجى هعرفك كل حاجة.
- طب وسليم؟
- متجلجيش، أني هروح له الصبح بيتكم القديم وهشوفوا محتاج إيه. المهم دلوقتِ قبل طلوع الشمس تكوني في القطر.
- طب ساعديني بقى، الف طرحتي والبس جزمتي عشان مافيش عظمة فيا سليمة. جدك كسرني. آآه يا عضمي يا رضا.
- معلش، هو لما بيتعصب بيبجى كيف الفولة في النار، اتحملي.
- أنا من يوم ما جيت الصعيد وأنا مبقاش اسمي جنه، بقى اسمي جهنم. أتاري الفقر حلو يا جدع والواحد مش حاسس.
ردت ضاحكة:
- وليكي نفس تضحكي يا فجرية وإنتي مفشفشة كده؟ يلا خلينا نتحركوا.
خرجتا من المشفى وهي تستند على يدها. ساعدتها في الجلوس، ثم جلست هي على مقعد القيادة. أقل من ساعة تقريبًا ووصلتا إلى محطة القطار. صعدت معها إلى العربة، تحدثت معها قليلًا ثم غادرت المحطة بعد أن غادر القطار.
عادت "جنه" برأسها للخلف بتعب، أرخت جفنيها وهي تناجي ربها بأن لا يقتحم جدها أحلامها ويدمرها كما دمرها هي شخصيًا.
- عارف يا حذيفة لو جنه قاطعتني بسببك هعمل فيك إيه.
أردفت "بدور" جُملتها بتحذير واضح وصريح ومباشر، وهي توجه سبابتها في وجهه، بينما هو احتضن إصبعها وقال برجاء:
- لأ بالله عليكي يا بدور، بلاش عقابك أحسن، أنتي عقابك قاسي قوي.
- ادعي من قلبك إنها تعدي اللي هببته ده على خير.
- والله حاولت أمسك لساني مقدرتش، وهو التاني متخلف. أنا عمال أقول له بطريقة غير مباشرة ولما مافهمش، قمت رامي الكلام في وشه بدل ما تروح منه وهي مظلومة.
- أنا غلطانة إني اتسحبت من لساني وقلت لك على الحقيقة.
رد بمشاكسة قائلاً:
- خلاص بقى يا ديدو، هما هيرجعوا لبعض، واهو نبقى كسبنا ثواب، يا بخت من وفق راسين في الحلال.
ابتسمت ملء شدقيها على مزاحه رغم صعوبة الموقف الذي وقعت فيه. تابعت بجدية مصطنعة وهي تضربه على ظهر يده وراحت تقول:
- إيدك.
كرر محاولته في احتضان يدها بين كفيه وهو يتوسل:
- ديدو خلاص بقى عشان خاطري، أوعدك همسك لساني بعد كده.
ردت بتحذير قائلة:
- هاديك آخر فرصة، بعدها إنت حر.
رفع كفيه وقال بجدية مصطنعة:
- خلاص يا باشا، والله همسك لساني وربنا يقدرني بقى.
- والله العظيم يا نرجس ما حصل حاجة من اللي في بالك دي. أنا متفاجئ كيف ما إنتي اتفاجأت تمام.
أردف "سليم" عبارته وهو يقترب من زوجته، لكنها رفضت هذا القرب، بل واتخذت إحدى الغرف غرفتها، ظناً منها أنه شارك جده في هذه الكذبة. هوت على أحد المقاعد المتهالكة وهي تدفن وجهها بين كفيها. ليلة العمر التي باتت تحلم بها انتهت بكابوس مفزع. كم تمنت لو تلقي بنفسها في حضن أمها، تشكي همها لأخيها ويربت على رأسها جدها، ويمحي دمعها أبوها، عائلتها التي كانت العون والسند طيلة الخمس والعشرين عام الماضية، علمت قيمتهما في هذه الليلة.
انتفضت على إثر ولوج "سليم". كانت تتراجع أمام كل خطوة يخطوها هو. أصبحت تخشاه. اقترب منها احتضن وجهها بين كفيه وقال بحنو:
- طلي في عيني، خايفة مني؟ مش واثقة فيّ؟ أني لو رايد الغدر خرّجت ليه من الدار.
- أنا مش خايفة منك، أنا خايفة تضربني، خايفة حدّك جدك يجصر فيك.
ووضع سبابته على شفتيها وقال بعتاب بحزنٍ عميق وهو يستند بجبهته على جبينها:
- شششش. معاوزش أسمع حديدك الماسخ ده. أنتي مرتي حبيبتي ويشهد عليّ ربنا ما هاجرحك بكلمة طول ما فيّ نفس.
ارتمت في حضنه وخارت كل قواها في البكاء. مسح على ظهرها بحنو وحب:
- بس يا حبيبتي، حقك عليّ. والله ما كنت أعرف إن في نيته كده واصل.
أخرجها من حضنه وقال بنبرة صادقة:
- ويمين الله لأخلي جدي يجول حقك عليّ يا ست البنات.
كفكف دموعها وراح يقول بمزاح:
- يدي في يدك ننضفوا الدار عشان ننعسوا هبابة. أموت وأعرف مين اللي حاطط عينه في جوازتي منكِ.
ابتسمت من بين دموعها ثم قالت بنبرة محشرجة:
- عمران عاوز ما يجوزنيش لك واصل.
- أخوكي ده ثقيل ثقيل بشكل ملوش ملامح.
- هزعل منك، ده أخوي الكبير.
- وه، وأني أبجى إيه؟
- إنت سند وضهري، ربنا يخليك ليا.
رد بصوت هادئ ونبرة تملؤها الرغبة:
- بجول إيه، بلاها ترويج دلوقتِ وتعالي ننعسوا هبابة.
ابتعدت عنه وقالت بخجل:
- لاه، مش هعرف أنعس كده. روح الدار لأول.
- أمري لله.
في عصر اليوم التالي، كانت "جنه" تجلس على حافة الفراش مقابل "بدور" وراحت تقول بتعب واضح عليها:
- بهدلوني يا بت يا بدور. كلمة كسر عضمي دي قليلة. آآآه براحة يا بدور.
- معلش ياحبيبتي. ربنا ينتقم منه. أنتي إزاي مترحتيش تحكي لجدك أيوب وعمران يهدوا الدنيا على دماغه؟
- أقول لهم إيه بس؟ أنا لو رحت هناك الدنيا هتولع زيادة. آآآه براحة يا بدور.
- معلش معلش.
- أنا من كتر الضرب حاسة إني طلع لي عين تالتة. أنا كنت رايحة، كان رجعت جهنم الحمرا في عيني يا بت يا بدور.
ضربتها على فخذها قائلة بغيظٍ:
- وليكي نفس تهزري وإنتي زي البلياتشوا كده؟ نامي يا أختي نامي وارتاحي على ما أعمل لك لقمة تأكليها.
مددت جسدها وهي تقول بتأوه:
- آآآه يا عضمي يا رضا، كسروني ولاد اللذين. أنا جنه يتعمل فيها كل ده. إما أوريك يا جدي. آآه يا رجلي ويا إيدي. آآآه يا كلي.
أرخت جفنيها لتغط في نومٍ عميق، بينما كانت تقف "بدور" في غرفة الطعام، تُعد حساء الخضروات. صدح رنين هاتفها، نظرت تجاهه ووجدته "حذيفة". قامت بالرد عليه، معتذرة عن غيابها عنه منذ الصباح الباكر بسبب وصول صديقتها. سردت له ما حدث، وما إن انتهت قالت بتحذير:
- حذيفة امسك لسانك أحسن. المرة دي لو عمران عرف هيبهدل الدنيا. أنا قلت لك عشان إنت مصمم نتجوز آخر الأسبوع، وبالشكل ده مش هينفع أبدًا.
- اتجوزي يا أختي اتجوزي، متعملنيش حجتك.
قالتها "جنه" وهي تشير بيدها أسفل ذقنها ثم همست بوعيد:
- إما أوريكِ ما إنتي مسحوبة اللسان، ماشي.
ردت "بدور" وهي تغلق الهاتف قائلة برجاء:
- والله يا جنه أنا قلت عشان.
اقتربت منها وقالت بجدية مصطنعة وهي تحدقها بعينيها:
- بقى أنا أحكي لك عشان تروحي تحكي لحذيفة يقوم يحكي لعمران؟
مدت يدها لتلتقط السكين وراحت بجدية:
- حافظة الشهادتين ولا أقولهم لك؟
- استني بس يامجنونة، والله ما كنت هاقول له. أنا قلت له عشان كان عاوزك تتجوزي خورشيد.
- خورشيد مين؟ الواد الملازق بتاع البنات ده.
ردت "بدور" قائلة باعتراض:
- لأاا، مش هاسمح لك تقولي على ابن عمي كده. ترضيها على ابن عمك؟
- ابن راجل جدع، إنما ابن عمك واد ملازق.
ردت "بدور" بجدية:
- يا عبيطة، كنت عاوزاكي تبقي صاحبتي وسلفتي ونبقى مع بعض على طول.
تركت "جنه" السكين وقالت بجدية:
- لأ يا بدور، أنا خلاص مش هتجوز تاني. وبصراحة بقى مافيش راجل زي عمران ملى عيني.
غمزت لها بطرف عينها وقالت بنبرة ماكرة:
- عينك بس، مافيش حاجة تاني ملاها.
- حتى لو في، خلاص مبقاش ينفع.
- ليه بس كده يا جنه؟ هو عرف اللي حصل ليه مترجعوش لبعض؟
ردت "جنه" بشرود وصوت مختنق:
- أنا بحبه وعشان بحبه لازم أحافظ عليه، وعمران طول ما هو بعيد عني هو بخير.
- يا خسارة يا جنه، كان نفسي ترجعوا لبعض.
- محدش بياخد أكتر من نصيبه، وأنا مليش نصيب، ربنا يعوضه بالأحسن مني.
مر يوم ثم يومان ثم ثلاثة أيام حتى مر أسبوع كامل على الجميع. لم يتغير الكثير عند البعض وتبدل حال البعض الآخر. هاتفت "نرجس" عائلتها قبل أن يأتون لزيارتها، لتخبرهم بأنها مسافرة إلى مدينة الإسكندرية. وبالفعل في مساء اليوم كانت تسير مع زوجها على الشاطئ جنبًا إلى جنب.
كما علم الجد "نعمان" أن "جميلة" هي من ساعدت "جنه" في الهروب من المنزل. حالة من الغضب والغيظ انتابته. تعمد جرحها بعد مساعدتها لابنة عمها. أما هي تحاملت على نفسها وخرجت لعملها لتغمر حالها فيه.
جلس على المقعد وأعاد حساباته من جديد. تفرقت العائلة لأول مرة. حفيدته التي كانت بعيدة عنه كل هذه السنوات، صفعها بدلًا من احتضانها واحتوائها. وماذا عن حفيده الذي كان كظله في كل خطوة يخطوها؟ عُد إلى رشدك يا نعمان واجمع عائلتك من جديد. لن تجتمع العائلة بدون "جنه".
عودة إلى القاهرة. اليوم مميز، تتمنى أن ينتهي على خير كما بدأ. صديقتها أصبحت عروس، يالها من حسناء. ضمتها لحضنها وقالت بصوت مبحوح:
- مبروك يا قلبي، ربنا يكمل فرحتك على خير.
- يارب يا جنه، يارب. خايفة قوي.
عقدت حاجبيها وقالت بدهشة:
- ليه بقى يافقرية؟
- معرفش، خايفة وخلاص.
- يا أختي افرحي بقى وبطلي نكد شوية.
- على رأيك.
جاء "حذيفة" وتسلم عروسته بعد الوصايا العشر التي ألقتهم على عاتقه "جنه". ابتسم لها وقال بامتنان:
- ربنا يبارك فيكي ويسعدك زي ما أسعدتيها النهاردة.
تابع بخبث:
- هاسيبك وآخد عروستي عشان الفرح ناقصه عريس وعروسة.
تابع هامسًا وهو يتجه نحو المصعد الكهربائي:
- يلا بسرعة من هنا.
- عملت إيه تاني يا آخرة صبري؟
- جبت لها عمران.
رواية لتحيا نيران العشق الفصل السابع عشر 17 - بقلم هدى زايد
- هو إنت يا ابني مستغني عني مش كفاية المرة اللي فاتت عدت على خير؟
رفع منكبيه وقال ببراءة:
- معرفتش أمسك لساني، هو سألني عاملين فرح ولا لأ.
ردت مقاطعة:
- قمت إنت متتوصاش، قلت كل حاجة تعرفها.
رد بسرعة:
- لأ متخافيش، مش كله، ربنا سترها ومقلتش جدها ضربها ليه.
- بس قلت إنها اتضربت.
- بس مقلتش إنها اتضربت ليه، هناك فرق، خليكي ناصحة.
- كتر خيرك يا حبيبي، الفرح اتقلب عزا والحمد لله.
في الطابق الأعلى كانت تحاول فتح باب الغرفة، لكن باءت جميع محاولاتها بالفشل.
بينما هو نظر لها ببرود استفزاز قائلاً:
- متتعبيش روحك، إني قافل الباب بالمفتاح.
سارت تجاهه ومالت بنصف جسدها وهي تقول من بين أسنانها:
- هات المفتاح وخليني أخرج يا بني آدم، الناس هتقول علينا إيه؟
قبض على رسغها وهو يجلسها عنوة مقابلته وقال بصوت هادئ ونبرة تملؤها العتاب واللوم:
- محدش فينا هيخرج من هنا غير لما نفهموا اللي حصل.
ردت بتلعثم وهي تتلاشى النظر إليه قائلة:
- عمران أنا...
قاطعها بصوت هادئ ونبرة عاشق أرهقه العشق وهو يستند برأسه على رأسها:
- يااااه يا چنه، بقالي زمن مسمعتش اسمي حلو كده منكِ.
- ارجوك يا عمران ابعد.
- بكفاية بعد يا چنه، أنا رايدك وإنتي رايداني، يبقى ليه البعد؟
رفع ذقنها بأنامله وقال بحنو وحب:
- بصي في عيني وجولي إنك بتحبيني، جولي إن اللي حصل ديه غصب عنيكي.
ردت بعتاب ولوم:
- وها يفيد بإيه وأنا هنت عليك؟
وضع سبابته على ثغرها وراح يقول:
- شششش، متقوليش حاجة تاني واصل، إني معاوزش أسمع حاجة تاني، جولي حاجة واحدة بس، جولي لي بحبك، نفسي أسمعها وإن شاء الله أموت بعدها.
ردت مقاطعة بلهفة:
- بعد الشر عليك يا حبيبي.
سحبها لحضنه وقال بنبرة عاشق:
- ياااه يا چنه، وأخيرًا رجعتي لي، ديه إني كنت كيف المجنون.
- بعد الشر عليك يا حبيبي.
انتفضت وهي تخرج من حضنه. تنحنحت ثم قالت بجدية مصطنعة:
- إحنا مش متجوزين، إزاي تعمل كدا؟
- معذور يا ناس، مراتي قدامي ومش من حقي أحضنها، والله حرام.
ردت بشماتة:
- أحسن، تستاهل، كان حد قالك تتسرع.
قاطعها قائلاً بصوت هادئ ونبرة تملؤها الرجاء:
- أحب على يدك، متفتحيش في القديم.
مدت ظهر يدها وقالت بجدية مصطنعة:
- حب.
تناولها بين راحتيه ثم لثمها.
سرعان ما سحبتها وهي تقول بجدية:
- بتعمل إيه يا مجنون؟ أنا بهزر.
- وإني بتكلم جد، تعالي نرجعوا لبعض ونخلي الفرحة اتنين، فرح صاحبتك وفرحك.
استدارت بجسدها وهي تعقد ذراعيها أمام صدرها ثم قالت بحزن:
- هو كل مرة كدا يا ربي، فرحتي تبقى ناقصة.
لفها له وقال بحنو:
- شاوري وأوامرك تتنفذ.
ابتسمت وقالت بجدية وهي تعد على إصبع يدها:
- عاوزة فرح وفستان وليلة كبيرة قوي.
تابعت بغنج بالغ وهي تتداعب رابطة عنقه:
- الناس تعرف فيها إن عمران لجنه.
رد بنبرة تملؤها الرغبة:
- نكتبوا الكتاب ونعاودوا البلد بعد أسبوع وأعمل.
ردت مقاطعة بغضب واضح:
- إيه إيه إيه، نتجوز من غير أهلي ليه؟ قالوا لك عليا إني مليش أهل ولا إيه؟
عادت تتحدث بدلال وهي تحاوط رقبته قائلة:
- وحياتي يا عمران، روح لجدي واطلبني منه.
- بسيطة، لما نعاود نتكلموا ونكتب الكتاب.
- لأ يا حبيبي، أنا أقصد جدي نعمان، مش جدك يا حبيب جدك.
رد بغيظ مكتوم:
- وإيه الفرق؟
- إن دا أبو أبويا، يعني أبويا. وبعدين عمرك شفت عروسة عريسها يطلبها من أهله هو، مش أهلها؟
- وه دلوقت أهلي وزمالك؟
ردت ضاحكة بنغج:
- مليش دعوة يا حبيبي، اطلبني من جدي نعمان.
رد بنفاذ صبر:
- وهو جدك هيطل في وشي ديه، إني بيني وبينه مصانع الحديد.
نظرت له وقالت بدلال:
- عشان جنتك يهون أي حاجة. ولا يعني خسارة تتعب عشاني؟ وخياتي وحياتي.
رد باستسلام:
- أمري لله، نحاولوا عشان خاطرك.
تابع بجدية وهو يضع علبة المصوغات الذهبية خاصتها على سطح المنضدة الزجاجي:
- البسي شبكتك اللي فوتيها ومشيتي.
البسها خاتمها ثم الأسورة التي تحمل اسمها.
استدارت بجسدها ليغلق مزلاج القلادة الموضوع على عنقها.
نظرت له وقالت باشتياق وهي تتحسسها:
- زي ما يكون روحي غابت عني ورجعت لي تاني.
رد باسمًا:
- أجول لك على سر.
- قول.
- السلسلة اللي ستي ادتهالك ديه، إني اللي جايباها لها هدية.
- بجد يا عمران؟
- جد الجد يا روح عمران، لما ادتهالك جالت لي اديتها حاجة من ريحتك ودعت ربنا يجمعكم من تاني.
كن ربنا استجاب لدعاها.
رد بغرور قائلاً:
- إني أصلاً مش ساب جمر في نفسي كده.
قاطعته بمقطع من أغنية قائلة:
(بجنون شو أنا بحبك بجنون، مين اللي ما يحبك يا ويلي من قلبك، مغرور قلبك يا حلو مغرور).
ابتسم ملء شدقيه على إثر صوتها العذب.
لثم يدها وقال بحب:
- مغرور بيكي.
مالت برأسها لتخفي ابتسامتها، لكنه رفع ذقنها بأنامله متسائلاً بفضول:
- بتضحكي ليه؟
- أصل نسيت بدور خالص، وافتكرت لما كنت بقولها ياترى العريس بيقول لعروسته إيه وهما بيرقصوا مع بعض، واتفقنا اتفاق إن اللي يتجوز الأول يقول للتاني، واديني اتجوزت قبلها ومعرفتش.
وقف عن الأريكة وراح يقول بابتسامته المعهودة:
- بس كده، تعالي أعرفك بيقولوا إيه.
حاول فك يده المحاوطة لخصرها، وقالت برجاء:
- لأ يا عمران، عاوزاها في النور والدنيا كلها شايفاك، لكن دلوقتي مش حلوة ولا ليها طعم أصلاً.
- قلبك قوي عليّ قوي يا چنتير.
ردت ببراءة ممزوجة بالغنج:
- چنتك بتتدلع عليك، إيه ممنوع؟
- لأ، مفيش ممنوع في وجودك، بس الرحمة خفِ عني شوية، إني لحد دلوقتي بحاول أدور على طريقة أكلم بيها جدك.
- فكر براحتك يا بيبي، بس دلوقتي تعال نفرح إحنا كمان.
جذبها من خصرها مقربًا إياها إليه وهو يقول برجاء:
- الرحمة يا بنت السيوفي.
خرجا من الغرفة سوياً متجهين إلى المصعد الكهربائي.
ضغط على زر الطابق الأرضي بيده، وبالأخرى عانق أنامله بأناملها.
كانت "بدور" تتراقص مع "حذيفة" وعيناها معلقتان على باب القاعة في انتظار مجيئها.
مال على أذنها وقال بحنو وحب:
- ممكن حبيبي يخلي باله معايا؟
ردت بذات النبرة قائلة:
- حبيبك معاك على طول، بس اعذرني قلقانة.
ضاق حدقتيه وراح بنبرة خبيثة قائلاً:
- قلقانة لصاحبتك تنسى الفرح وتفضل مع عمران؟
قاطعته بنبرة حادة معارضة حديثه المبطن وراحت بجدية:
- أنا يمكن معرفش عمران كويس، لكن أعرف چنه أكتر، وجنه أكيد مش هتسيب نفسها وتعمل حاجة حرام.
رد بجدية قائلاً بلهجة المعتذر:
- أنا آسف، أنا كنت بهزر، بس حقيقي مش قصدي خالص اللي جه في بالك.
ردت بنبرة مقتضبة:
- خلاص، حصل خير.
لثم خدها وقال بحنو:
- من قلبك.
نظرت له وقالت بتلعثم:
- إنت بتستغل الظروف وعشان إحنا وسط الناس قدرت تكون استغلالي.
- حبيبتي، إنتي مراتي والنهاردة فرحنا، وأنا أساساً شخص استغلالي، يعني إنتي دلوقتي في ملعبي.
ردت بسعادة وهي تشير بيدها تجاه باب القاعة:
- چنه وعمران نزلوا، شكلهم اتصالحوا.
- مش قلت لك عمران مستحيل يسبها بعد ما يعرف الحقيقة.
- الحمد لله، المهم جدها مايخربش الدنيا فوق دماغها.
- مظنش إن دا هيحصل، عمران واضح عليه شخصية قوية ومش هيسمح لحد يتدخل بنهم.
- يارب يعديها على خير.
انتهت الرقصة وعاد العروسان إلى المكان المخصص لهما.
أقبلت عليهم "چنه" وجوارها "عمران".
صافحوا بعضهم البعض.
ثم انفردت العروس بصديقتها وأخذتا يتناولن أطراف الحديث عن قصتها.
- احكي لي اللي حصل، كل حاجة ومتخبيش عني كلمة، أنتي فاهمة.
ردت "چنه" بسعادة وهي تمد يدها بالمصوغات الذهبية:
- رجعنا لبعض وعاوز يكتب عليا من تاني يا بدور.
- وأنتي رأيك إيه؟
ردت بنبرة حائرة:
- مش عارفة، أنا إزاي ضعفت كدا قصاده.
ردت "بدور" مقاطعة بشك:
- ضعفتي إزاي يعني يا أستاذة، فاهميني.
- لأ متخافيش، مش اللي في بالك، أنا أقصد إن حاولت أبقى قدامه الشريرة اللي باعته عشان الفلوس، بس فشلت.
تنهدت بإرتياح شديد ثم قالت:
- طمنتيني، الله يطمنك. المهم دلوقتي هتعملوا إيه؟
- مش عارفة، عاوزني ارجع عشان نكتب الكتاب، وأنا قلت له لو عاوزني يطلبني من جدي نعمان.
- انتي اتجننتي؟ هيطلبك من اللي طلقك منه أصلاً!!
- ماهو أنا مش عاوزة أتچوز من وراه لتاني مرة.
- ليه؟
ردت بحزن وهي تشيح بوجهها نحوه:
- نفسي أبقى زي نرجس يا بدور، نفسي جدي يوصلني لعريسي ويوصي عليا، نفسي يقول له خلي بالك منها وحطها في عينك، نفسي يقول له لو زعلتها محدش هيقف لك غيري، مش عاوزة أحس إن من غير أهل رغم كترهم.
سألتها بفضول قائلة:
- طب لو رفض هتعملي إيه؟
رفعت كتفها وقالت بنبرة تملؤها الحزن:
- مش عارفة، حاسة إن قلبي هيتكسر لو جدي رفض عمران. مش عاوزة يبقى في صراع، عاوزة جوازتي تمر على خير.
- أفهم من كدا إنك هترجعي البلد مع عمران.
- لازم أرجع، جدي بقاله أسبوع بيحاول يصالح سليم ودا معناه إنه بيفكر في حاجة جديدة.
- طب وأنتي هتعملي له إيه يعني؟ هو سليم دا نونة!!
- أنا مش بقف جنب سليم قد ما بقف جنب نرجس، خايفة سليم يتأثر بكلام جده أو يضحك عليه بأي حاجة والبنت الغلبانة دي تروح في الرجلين.
- وافرض بقى بهدلك وطردك بسبب هروبك.
- يابنتي دا هيموت عليا وعاوزني أرجع، يقوم يطردني؟ أنا هرجع وهشوف الدنيا هتمشي إزاي، لو معرفتش أعمل حاجة هعرف جدي أيوب يحلها هو.
- بس كده هتتعقد يا فالحة، مش هتتحل، ومش بعيد إنتي وعمران تفركشوا.
- وهو دا اللي خايفة منه، خايفة يبعد بعد ما بقى قريب.
وقف "عمران" بالقرب من "چنه" ثم طلب منها الحديث على انفراد.
ذهبت معه وعلمت أنه يريد العودة إلى البلدة.
عادت معه وبداخلها أمنيات كثيرة يعجز القلب عن وصفها.
كانت تناجي ربها أن يمرر لقاءها مع جدها على خير.
كالعادة رفضت أن تتوقف في أي استراحة، وإكمال الطريق حتى تصل بأقصى سرعة.
كلما اقترب من البلدة شعرت بأنها اقتربت من نهايتها.
كم تمنت أن تخبر "عمران" بما يجول في صدرها، لعله يطمئنها ويخفف من توترها الزائد.
وبعد مرور عدة ساعات، صف "عمران" سيارته أمام منزل جدها "نعمان" وهو يقول بإبتسامته المعهودة:
- حمد لله على السلامة، وصلنا.
ردت بانتباه وهي تنظر للمنزل من الخارج:
- بالسرعة دي؟
- سرعة إيه ديه، بقالنا فوق العشر ساعات على الطريق، إنتي بس عشان كنتي نايمة محستيش بالوقت.
ردت كاذبة:
- أيوا فعلاً، أنا نمت.
تابعت وهي تتنحنح:
- مش هتدخل معايا؟
- لأ، خليها عيشة نبقى إني وأبوي وجدي.
ترددت في الترجل من السيارة.
التفتت له وقالت بتوتر:
- عمران...
عقد ما بين حاجبيه متسائلاً بنبرة متعجبة:
- مالك يا حبيبتي؟
بلعت لعابها ثم قالت بتوتر:
- مش هنزل، تعال نروح عندكم البيت.
وقبل أن يسأل عن السبب، قاطعهما خروج "جميلة" وهي تتحدث في هاتفها، توقفت فجأة متسائلة بدهشة:
- چنه، جيتي ميتا؟ ديه جدك...
ترجلت "چنه" من السيارة وهي تضغط على معصمها برفق ثم قالت:
- لسه واصلة حالًا، جدي عامل إيه؟
- جدك زين يا جلب جدك، نورتي الدار والبلد كلها.
أردف "نعمان" جملته وهو فاتح ذراعيه لها على مصرعيهما.
هبط الثلاث درجات ثم توقف عند سيارة "عمران".
عقد حاجبيه وقال بنبرة حادة:
- إنت بتعمل إيه يا واد إنت هنا؟
رد "عمران" بهدوء حد الاستفزاز وهو ينظر في ساعة معصمه:
- لولا إن رايد أفرد ضهري هبابه، كنت اتدليت واتحدت وياك.
تابع بابتسامة صفراء:
- هاجي إني وابوي وجدي نشربوا القهوة واحتمال يبقى شربات.
رد "نعمان" بغيظ مكتوم:
- نشربوا القهوة على روحك إن شاء الله، امشي يا واد الهواري من هنا، امشي، جبر يلم العفش.
لوح له بيده ثم قال باسمًا:
- سلام يا جدي دلوقت.
غادر "عمران" بسيارته الفارهة، تاركًا الجد يتسأل حفيدته عن سبب تواجده.
فبررت بجدية وبدون مقدمات:
- كان في فرح واحدة صاحبتي وعرف إني جايه هنا، أخدني معاه.
- كده، وإنتي مطلقة منه؟
- جدي، عمران عاوز...
قاطعها قائلاً بحنو وحب:
- سيبك منه وخليني فيكي يا جلب جدك، كده تسيبي دارك وتهملينا وتهربي.
رد بجدية قائلة بلوم وعتاب:
- جدي، إنت عارف كويس اللي حصل، عاوزني أقعد هنا عشان تقتلني؟ أنا أصلاً متوقعتش إنك تعمل كدا.
تابعت بمكر وهي تصطنع الحزن:
- دا لو بابا كان عايش مكنش عمل فيا كدا، حتى جدو أيوب مفكرش مرة يضربني، ولا إكمني مليش حد تعمل فيا كدا.
سحبها لحضنه وقال بحنو وحب:
- وه وهو إني مش جدك؟ كيف تجولي كده؟ حقك عليّ يا جلب جدك من جوا.
ردت "جميلة" بإعجاب شديد:
- وه ده تأثيرك قوي يا چنه، چدي عمره ما جالها لحد واصل، مين كان...
ردت "چنه" بغطرسة:
- وأنا مش أي حد يا دكتور، أنا چنه السيوفي، چنه اللي تتدخل حياته وبيلغي أي حاجة تاني من حساباته.
قهقه الجد على ثقتها الزائدة بنفسها تشوبه كثيرًا.
أما "جميلة" كانت تحاول رسم بسمتها رغم حزنها الدفين، تعلم أن عودة "عمران" وحديثه المبطن خلفه الكثير والكثير، لذلك الانسحاب في هذا التوقيت هو الحل المناسب قبل أن تطلق العنان لدموعها.
اعتذرت منهما واستقلت سيارتها لتذهب إلى عملها.
وفي داخل المنزل جلست "چنه" جوار جدها بعد أن ناولته قدحًا من القهوة الساخنة، ثم ختمت حديثها قائلة:
- وهي دي كل الحكاية.
- يعني إنتي رايدة؟
- أنا كنت مترددة أدخل البيت وخايفة منك، بس لقيت إني غلطانة، المواجهة مافيش أحسن منها. عارفة إنك ممكن تعارض، بس أنا لو متجوزتش عمران مش هتجوز غيره.
رمقها رمقة حادة ثم قال بجدية:
- أعتبر دي تهديد!
ردت نافية:
- لأ مش تهديد، بس حط نفسك مكاني، أنا مخيرة بين اتنين، واحد أعرفه ويعرفني ومرتاحة له، والتاني ولا أعرفه، هتختار مين؟ أكيد اللي مرتاحة له.
- الحب مش كل حاجة.
- بس أنا مش عاوزة حاجة غير عمران.
وضع قدح القهوة على سطح المنضدة وقال بنبرة لا تقبل النقاش:
- وإني جلت لأ؟
ردت بحزن عميق:
- عرفني لأ ليه؟ إيه هي أسبابك؟ عمل إيه عشان ترفضه؟
لما يعرفوا إنك عايشة وتتوصلوا وياكي طول السنين ديه كلها، ولما تكبري يچوزك له ويعملوا الفرح ويعزموا الجريب والغريب، الجريب والبعيد، وأني كيف الأطرش في الزفة، مش بس كده، يطلقك غيابي ويبعت لك ورقة طلاقك على يد مُحضر، وتجولي عمل إيه؟
أردف "نعمان" عبارته وهو ينظر صوب عينيها ليواجهها بما فعله "عمران وايوب" دون علمه.
طأطأت رأسها أرضًا خجلاً مما فعلوه بها، تعلم أن المواجهة ليست بهذه السهولة، فقررت أن تتخذ دور المستمع في جلسة جدها.
رفع ذقنها بأنامله وراح يقول بحنو وحب:
- ارفعي راسك فوق، مش أنتي اللي لازم تحني راسك، هما اللي المفروض يعملوا كده، إني رايد لك جوازة تليق بيكي.
ردت بحزن قائلة:
- وعمران يليق بيا.
قاطعها بعصبية قائلاً:
- لأ، واد الهواري لأ.
- ليه؟
- كيف تتچوزي اللي جتلوا أبوكي؟
ردت بحزن قائلة:
- مش هما اللي قتلوا أبويا، وأنا واثقة.
سألها بغضب:
- وإيه اللي مخليكي متأكدة كده؟
أجابته بتردد:
- عشان أنا عارفة مين اللي قتلوا.
يتبع
رواية لتحيا نيران العشق الفصل الثامن عشر 18 - بقلم هدى زايد
تابعت باعتذار.
- معلش يا جميلة محتاجة أرتاح شوية. أنا تعبانة من المشوار.
- حاضر، تصبحي على خير.
خرجت "جميلة" وجدت جدها مقابلتها. سألها بلهفة قائلاً:
- جال لك إيه؟
- مجالتش حاجة.
- طب روحي على أوضتك دلوقت.
- حاضر.
زفر بحنق وهو يقول بضيق:
- راسها كيف راس أبوها تمام. بُلغة قديمة.
عاد إلى غرفته ليحاول من جديد أن يجد حلاً يضغط به عليها. أما هي، كانت تشير بيدها لعمران حتى يرحل. كانت تتوسل له في هاتفه قائلة بهمس:
- امشي يا مجنون، جدي لو شافك هنا هتبقى مصيبة. إزاي مش مهم، امشي عشان خاطري يا عمران. بعدين نبقى نتكلم. طب امشي وبكرة نتقابل. أنا كلمت سليم وهو قالي إنه خلال ساعة هيوصل وعازمني بكرة على الغداء. هبقى أتغدى وأخرج أشوفك بعدها. طب امشي، طب.
- حاضر، امشي بقى. متعملش مشاكل أكتر ما هي موجودة.
زفرت بارتياح شديد وهي تلج الحجرة من جديد. مدت جسدها لتأخذ قسطاً من الراحة. لا تعلم ما الذي تخبئه لها الأيام، لكنها تتمنى أن تمر الأيام على خير ويجمعها بحبيبها.
في عصر اليوم التالي، كانت "جنى" في منزل "سليم ونرجس". حتى الآن لا يعرف أحد من عائلتها ما حدث لها، سوى أن "سليم" كان يعد لها مفاجأة بالانتقال إلى منزل عمه. تنهدت بإحباط وهي تقطع الخضروات معلقة على حديث "نرجس" قائلة:
- يابنتي أنا واقعة بين نارين وجدي مش هيسكت أبداً غير لما يعرف.
- يعرف إيه يا بنتي؟ أني اتجننت من حديثك ده.
- نرجس، سبيني أفضفض. مش لازم تعرفي التفاصيل. أنا مخنوقة ونفسي أصوت.
- ما تجننيها أحسن، اهو يبقى ليكي حاجة تصوتي عشانها صح.
قالها "سليم" وهو يلج غرفة الطعام. وقف جوار زوجته ثم أشار بيده قائلاً بجدية مصطنعة:
- اتفضلي اطلعي دلوقت وإحنا هنجيب الأكل لجنابك لحد عندك.
لوت شفتيها جنباً ثم قالت ساخرة:
- ما كان من الأول يا أخويا بدل ما انتوا مشغليني عندكم كده.
تابعت وهي تجفف يدها في المنشفة قائلة بجدية مصطنعة:
- متتأخروش عشان جعانة.
وصلت إلى ردهة المنزل وجدته يجلس أمام التلفاز. كادت أن تعود من حيث أتت، لكنه هرول نحوها قابضاً على رسغها برفق ثم برجاء:
- عشان يا خاطري يا جنى، اجلسي. عرفيني إيه اللي حصل.
رضخت لرغبته. جلست وهي تتحدث بحزن عميق:
- جدي خيرني بين إنه يعرف مين اللي قتل بابا أو يكمل جوازنا.
- وأنتي قولتي له إيه؟
- إنت شايف إيه، طبعاً رفضت.
- وبعدين؟
- مش عارفة يا عمران، بس حقيقي مش هينفع أقول له على بابا بدور.
- وإنتي إيه اللي سحبك من لسانك وقلتي؟
- أديك قلتها، اتسحبت من لساني. هو كان رافض جوازنا على أساس إنكم إنتوا اللي قاتلتوا بابا ولما رفعت الظلم عنكم، وقع على بدور.
- يا شيخة يوجع عليكي السعد والهنا، قولي إن شاء الله.
- الله بقى يا عمران، أعمل إيه يعني؟ قلت لك إني معرفش إزاي وقعت في الكلام.
- وبعدين يا اللي ربنا رزقني بيكي دون عن بنات حوا كلهم وخليكي نصيبي.
- إنت بتهزقني بدل ما تشوف حل.
- حل إيه بس يا شيخة، حرام اللي بتعمليه ده فيا.
- معرفش بقى، شوف لك حل. أنا مش هحارب لوحدي زي ما أنا عايزك، إنت كمان عايزني، يبقى حارب معايا.
- هو إنتي ليه حسايساني إني هحارب خط الصعيد؟ مافيش حل غير سليم يتكلم وياه.
- وافرض سليم منجحش؟
- هو إنتي يا ست حد مسلطك عليّ؟ ما تفتكري الخير، الله يرضى عنيكِ.
- أنا بقول افرض، افرض. أنا بفكر معاك بصوت عالي.
- ما تفرضييش الدماغ دي، متفكريش تاني واصل. متعبيش مخ سيادتك، خليه مطرحه، كفاية لحد كده.
جلس أربعتهم حول المائدة يتناولون وجبة الغداء. كانت "جنى" تحاول الاندماج معهم لكنها فشلت. ربت على يدها "نرجس" وقالت بحنو:
- متخافيش، سليم هيكلموا وإن شاء الله هنفرحوا بيكم عن قريب.
اكتفت بابتسامة باهتة وعادت تقلب الطعام دون أن تتذوقه. حالها كان من حال "عمران". مر اليوم ثم يومان حتى مر أسبوع كامل على الجميع. حاول "سليم" خلاله إقناع جده بالموافقة على زواج حفيدته. بدأ يستخدم حيلته بأن موافقته ستجعلها تعيد النظر في التفكير وإخباره بمن هو القاتل. بدأ الحديث يروق له، فقرر أن يقيم حفلة خطبة فقد. وافقت "جنى" وبقي "عمران" الذي يعلم بما يقصده جدها، عكس تلك البلهاء كما نعتها حين أخبرته.
اليوم هو الجلسة الثانية لعرض رغبته في الخطبة. جلس "عمران" وقال بغيظ من بين أسنانه:
- كيف دي يعني كانت مرتي ودلوقتي خطيبتي؟ كيف دي؟
رد جدها بعدم فهم قائلاً:
- وه وهو مين اللي طلقها وبعت لها ورقتها على يد مُحضر يا ولد الهوارية؟
رد بابتسامة صفراء:
- إني، وخابر إني غلطان وحقك عليّ، ارتاحت كده؟
رد جدها مقاطعاً:
- وتستاهل ضرب المركوب كمان.
- وه وليه الغلط دي يا نعمان؟ إنت جايب الواد تهزقه ولا إيه؟
- أيوه، ولو عنكوا دم مشوا من هنا. ليه كن اللي طلقها دي بت أي حد عادي كده؟
تشبثت بذراعه وقالت بهمس وهي تقبل كتفه:
- خف يا جدي، دا كدا هسيبني ويمشي.
- دي يبقى من بختك إنتي. اخرسي ومسمعش حسك واصل. إني حالف لأطرد على جُثته القديم والجديد.
وضعت يدها على ثغرها وهي تنظر له بحزن طفولي. عاد ببصره له وقال بجدية مصطنعة:
- جالي لي يا ولد يا عمران.
- نعم يا جدي.
- هو إنت هتاخد لها مطرح كيف أخوك وخيتك وإلا لأ؟
- واخد لها يا جدي، وهي اللي اختارت فرشها بنفسها واتفرش كمان.
نظر لها وقال بهمس:
- عجبك المطرح والفرش؟
ردت بسعادة حقيقية:
- قوي قوي يا جدو.
عاد ببصره وقال بجدية:
- بس إني معجبنيش.
- وهو إنت كنت شفته يا جدي؟
- لأ، بس قلبي بيقول إن الفرش عفش. هات لها غيره.
- بسيطة، تبقى تدلى تختار عفشها من تاني حاجة تاني.
- جبت لها دهباتها.
- أيوه، ولبستها كمان.
- جبت لها إيه بقى؟
رد بنفاذ صبر وهو يقول من بين أسنانه:
- كل اللي شاورت عليه بيدها جبته.
- أيوه، اللي هو إيه يعني؟ قول.
- أسورة وسلسلة وخاتمين والدبلة.
رد جدها ساخراً قائلاً:
- وشلتهم لوحدك ولا جبت حد يشيل وياك الدهب؟ أصلهم تقال قوي.
رواية لتحيا نيران العشق الفصل التاسع عشر 19 - بقلم هدى زايد
هو في إيه يا جدعان؟ هو أنا جاي هنا عشان أتهزق؟
رد جدها قائلاً:
- ماتتهزق، هي دي أول مرة يعني؟ ولا كانت أول مرة تتهزق وإنت ساكت؟
انتهت الجلسة على خير، بعد أن انتهى الجد من وضع شروطه لعمران. حاول عمران تقليل مدة الخطبة لكنه فشل، فكان الجد قال أنها ستتراوح بين الستة أشهر والعام الكامل.
لو شئنا الدقة في وصف حالة جنه حينها، لقلنا إنها كانت تحلق في السماء من فرط السعادة. وأخيرًا شعرت بأن لها عائلة تقف بجوارها وقت الحاجة. كم تمنت أن الأمور تمر على خير.
أما عمران، فقرر أن يفاجئ الجميع بـ فعلته الجنونية تلك.
وبعد مرور شهرين كاملين بين شد وجذب بين الجد وعمران، في أن تقام حفل خطبة فقط. حضر عمران ومعه القاضي الشرعي (المأذون) لمنزل جنه.
جلس الجد متسائلاً عن سبب وجوده، فأجابه ببساطة:
- هنكتبوا الكتاب دلوقتي، وبعد الشقة ما تخلصوا هنتجوز.
- وإيه يا جلبي دي قوي يا واد الهوارية؟
- اسمع يا جدي، لحد دلوقتي بنفذ لك كل حاجة ومن غير ما أفتح خشمي. هات دي هنا، اعمل كدة، وأنا بقول حاضر. بقى لي شهرين مرمط فيّ كيف الحمار في الساقية، وتقول لما تخلصوا عدتها عشان تكتبوا عليها مأذون جديد ومهر جديد، وجلت وماله.
- جه الدور عليك.
- هنلعبوا ويا بعض إحنا يا واد عشان تقولوا الدور وما دورتش؟
- أنا ممشيش من هنا غير وجنة مرتي.
- يبقى قعد سنة بحالها.
تابع بحدة ممزوجة بالغيظ:
- هتمشي كلامك عليا إياك؟
رد المأذون بجدية قائلاً:
- خلصونا يا جماعة، عنيدي جوازات وطلاقات كتير.
رد نعمان بجدية قائلاً:
- خد واجب واتوكل على الله يا مولانا، معنديش بنات هتتجوز.
رد عمران بسرعة:
- الصبر يا مولانا، الصبر، وأنا هتكتب دلوقتي.
وقف سليم عن مقعده ثم سحب جده للخارج وقال هامسا:
- خليهم يكتبوا الكتاب ويخلصوا الشقة ويتجوزوا.
- بت عمك عارف اللي قتل أبوها ومخبياه عليا.
لجمت الصدمة لسان سليم، لكنه حاول أن يتظاهر بالهدوء وهو يقول:
- خليهم يكتبوا النهار ده، وقبل الفرح خيرها بين تجولك عليه وبين إنك تتم الجوازة.
- وفكرك هي هتوافق تجول كده عادي؟
- وفيها إيه؟ لا، منا هتجول ومش بعيد كمان عمران يضغط عليها عشان يتمم الجوازة.
- وافرض يا فالح موافقتش، هعمل إيه أنا وقتها؟
- ابقى واقف الجوازة.
صمت لبرهة ليدير حديث سليم، الذي راق له نوعًا ما، ثم قال بجدية:
- وإنت مش ناوي ترجع إنت ومراتك؟
رد سليم بعدم اكتراث:
- ملكش صالح بمرتي، وأنا مش راجع هنا تاني.
قاطعه بحنو قائلاً:
- يا ولدي، أنا غلطان وحقك عليا. دي إنت عكازي.
رد سليم بجدية قائلاً:
- بص يا جدي، أنا واقف وياك كيف ما طلبت مني، لكن رجوع هنا تاني ولا تطلب مني مرتي تيجي وياي هنا، دي شيلة من حساباتك عشان مش هيحصل تاني واصل.
رد الجد باستسلام:
- على كيفك يا ولدي.
خرجا سويا إلى ديوان العائلة. وجلس الجد مقابل عمران، واضعًا يده في يد الجد، ليبدأ المأذون عقد قرانهم من جديد.
كانت تجلس جوار جميلة، تلك المسكينة التي تحاول جاهدة منع تلك الدمعة التي فاض بها الكيل وتريد الخروج من محبسها. ابتسامة باهتة ارتسمت على شدقها، مرارة في حلقها، وغصة في القلب تجعل نياط القلب يتمزق.
كان عمران يردد خلف المأذون وهو ينظر إليها، والابتسامة تكشف عن نواجزه.
ردد الجميع في آنٍ:
(بارك الله لكما وبارك عليكما وجمع بينكما في خير)
تعالت الزغاريد في المنزل ودوت طلقات الرصاص المكان، وبارك الجميع العروسان. وقف عن مقعده متجهًا إليها وهو يقول بابتسامته المعهودة:
- مبروك يا جنتي.
ردت بسعادة حقيقية:
- الله يبارك فيك يا حبيبي.
سحبها لحضنه تحت أنظار الجميع، فهمزة ولمزة الجميع على جرأته تلك. اغتاظ نعمان، فلكزه بعكازه وقال:
- لم روحك وتعال هنا.
رد عمران بابتسامة عريضة:
- وراح يقول: مرتي وببارك لها.
ردت جنه مقاطعة بهمس:
- عمران عيب، ده جدو بردو.
رد جدها ضاحكًا بسخرية:
- عمرك سمعت عن البصل يتجلب مربى؟
أجابته بجدية قائلة:
- لأ.
فقال وهو يلكزه بعكازه في كتفه:
- كيف، عاوزة من قليل الرباية دي يتربى؟
قهقه الجميع على حديث الجد، بينما جلس عمران جواره طالبًا منه الرحمة، لكنه رفض رفضًا باتًا. مر الوقت وانتهى الحفل على خير وعاد الجميع إلى منازلهم.
ولج سليم بيته، وجد زوجته تبكي بحرقة. هرول نحوها وقال بلهفة:
- فيكي إيه؟ مالك؟
- النهار ده يبقى كتب كتاب أخويا الكبير ومحضرش، وتجولي فيكي إيه.
زفر بارتياح ثم قال باعتذار:
- حقك عليا، بس والله ما كنت أعرف إن أخوكي المجنون ده هيكتب النهار ده.
حاوط ذراعيها بحنان وقال:
- خلاص بقى، متزعليش.
نفضت عنه كفيه وقالت بتذمر:
- لأ، زعلانة وجامد قوي. وبعد عني كده، متحدتتش وياي تاني واصل.
نهضت عن الأريكة وقالت بعناد:
- واقولك على حاجة تاني كمان، نام هنا واوعاك تدخل جوه الأوضة.
ولجت حجرتها وأوصدت خلفها الباب بهدوء، بينما رد معارضًا بغيظ:
- وه، وهو إني ذنبي إيه؟ هو أخوكي يتجوز وينبسط، وأنا اللي أنام هنا على الكنبة؟
لم ييأس وهرول تجاه غرفتهما، طرقها بهدوء وقال برجاء:
- افتحي يا نرجس، افتحي، الله يرضى عنيكي ويفتح لك باب الجنة.
ردت من خلف الباب قائلة بعناد:
- لأ، جلت لك لأ. وخليك بره أحسن لك.
رد بتحذير واضح:
- هكسر الباب، افتحي أحسن لك.
- جرب تكسره كده وشوف أنا هعمل إيه.
عاد ثلاث خطوات للخلف استعدادًا لكسر الباب، ثم قال بصوت مرتفع:
- هعد لحد تلاتة، وبعده هكسر الباب.
قام بالعد، وبعد أن وصل للعد رقم ثلاثة ولم يجدها فتحته، ركض نحوه بكامل قوته فانفتح الباب قبل أن يكسره، وهي تقول بخفوت:
- ده مجنون ويعملها.
سقط أرضًا على ظهره، بينما هي لطمت بيدها على صدرها وقالت بلهفة:
- فيك إيه؟ حصل لك حاجة؟
رد بتأوه وهو يقول:
- جولي، ما حصلش حاجة. منك لله، إنتي وأخوكي ده، آآآه.
- سليم، سليم.
رواية لتحيا نيران العشق الفصل العشرون 20 - بقلم هدى زايد
جلب سليم من جوا واللي ما يهونش عليه واصل زعلِك.
حجّك عليّ يا ست البنات، قالها "سليم" وهو يعتليها مثبتًا يدها فوق رأسها بيد، وبالأخرى ملس على خدها قائلاً بحنو:
- أني خابر إنك عايزة تفرحي لأخوكي، بس أني عايزكِ يا ست البنات.
كلّتها.
ردت بحزنها وهو تشيح بوجهها للجهة الأخرى قائلة:
- وهو لما أحضر فرح أخوي أبقى أجل منهم في إيه؟
لثم خدها ثم جلس جوارها وهو يضع كفيه أسفل مؤخرة رأسه وقال بجدية:
- خروجك من بيت جدي كان سهل على جدي، لكن رجوعك ليه ثاني دي اللي صعب. أني لازم أعرف الكل مين هي مرات سليم السيوفي، وإن يحترمها كنه احترمني، واللي يجل منها كنه جل مني أنا. وعشان كده رجوعك الدار أمنية صعب تتحقق بسهولة كده.
مالت عليه وقالت بابتسامتها العريضة:
- يخليك ليا وتعيش وتعرف الكل إن أني مراتك.
كادت أن تقف عن الأرض لكنه استوقفها ويحاصر خصرها قائلاً بنبرة ماكرة:
- وهو أني مليش حاجة حلوة تحلّي خشمي؟ ولا هتضحكي عليّ بكلمتين وبس.
أعادت خصلة متمردة على وجهها ووضعتها خلف أذنها ثم قالت بخفوت:
- رغم زعلي منك لكن ها أقول عشان تعرف غلاوتك عندي.
- جولي.
- جاي لنا ضيف قريب.
عقد حاجبيه وقال بفضول:
- ضيف مين ده؟
ردت باسمه:
- لو ولد هيبقى اسمه شعيب على اسم أبوك، ولو بنت هيبقى اسمها آمنة على أمك.
اعتدل في جلسته وهو يسألها بسعادة قائلاً:
- جد يا نرجس، أنتي حبلى؟
أومأت برأسها علامة الإيجاب. وقالت بسعادة وهي تتحسس بطنها قائلة:
- حبلى في شهرين. جميلة قالت لي إني حبلى من يوم الفرح.
ضمها لصدره وقال بسعادة:
- ألف مبروك يا جلبي.
ثم قال برجاء:
- يا رب يقومك بالسلامة يا رب.
ابتسمت وقالت بحنو:
- يا رب يا حبيبي. ادعي يا سليم إني خايفة جوي.
- طول ما أنا جنبك مش عاوزك تخافي من حاجة واصل.
على الجانب الآخر من نفس المدينة، وتحديداً من منزل الجد "نعمان"، كان يجلس مقابله "جميلة". تنهد بعمق وقال:
- يعني أقول له لأ.
- أيوه يا جدي، قل له لأ. ماينفعش بعد ما كنت طالب يد جدتِك أتزوج بنتك عمها.
- يا بتي الهادة لله، هو ما طلبش يدك بس أنا اللي عرضت عليه، والراجل ما عندوش اعتراض.
ردت "جميلة" بحزنٍ عميق:
- بس أنا عنيدي يا جدي، كيف ترضها لي؟ كيف رايدني أتزوج واحد ما أعرفش حتى اسمه.
- ماهو إنتوا هتتعرفوا على بعض يا بتي.
- اسمعني زين يا جدي، أنا مبفكرش في الجواز دلوقتي. ولو فكرت مهيكونش ده جوزي.
رد الجد بسرعة دون قصد:
- يا بتي اللي في سنك دلوقتي بقى عنده ولاد. عنتك بت عمك أهي أصغر منك بخمس سنين واتجوزت وكلها شهر ولا اثنين و...
وقفت عن مقعدها وقالت ببكاء مرير:
- خلاص يا جدي، قلت لك لأ، ماعايزش. مش كل شوية تقعد تفكرني إن فاتني قطر الجواز، إن اللي أصغر مني اتجوز وخلف. أنا عارفة، ما تزدهاش إنت عليّ. مش كل مرة هاخد فضلة جدتك. بكفاية لحد كده.
أجلسها مرة أخرى وهو يضغط على رسغها برفق ثم ضمها لصدره مربتًا على رأسها وراح يقول بحنو وحب وهو يقبل رأسها:
- حجك عليّ يا ست البنات، أنا غلطان. ووعد مني ما هتكلم في موضوع الجواز ده تاني واصل. ييجي وقت ما ييجي، ولو مجاش مش مهم خلاص. مش زعلانة مني؟
ردت بمرارة:
- أنا مش زعلانة منك يا جدي، أنا زعلانة من الدنيا عشان يوم ما وجعتني وجعتني في قلبي.
- ما عاش ولا كان اللي يوجع قلبك يا حبّة جلبي. يا بتي دي إنتِ الغالية، إنتِ اللي اسمك على اسم سِتّك، إنتِ اللي واخدة أكبر حتة في قلبي. كيف تزعلي بقى من الدنيا؟ اضحكي كده واضربي اللي يزعلك بالمركوب، حتى لو أنا.
ابتسمت من بين دموعها وقالت بحنو:
- اسم الله عليك يا حبيبي من الضرب.
- أيوه كده، اضحكي ولا يهمك. قومي يا حبيبتي ارتاحي دلوقتي ومتزعليش روحك تاني واصل.
- حاضر يا جدي.
صعدت "جميلة" لحجرتها وجلس الجد على مقعده يعيد حساباته من جديد. كيف تسرع وقال لحفيدته هكذا؟ هي أنثى ويؤلمها كبرياؤها عندما يقترب منها أحدهم. ندم كثيراً وعاتب نفسه أكثر. رفع رأسه ما إن وجد "جنه" تجلس بجواره وتسأله عن حاله، فأجابها بما حدث منذ قليل. ختم حديثه ويرجوها قائلاً:
- روحي طيب خاطرها بكلمتين وحاولي تخليها توافق على مهران.
ردت "جنه" معتذرة منه وقالت بهدوء:
- متزعلش مني يا جدو، بس هي هتفهم كلامي غلط. هتفهم إن أنا بعمل كده عشان عمران، وأنا مش عاوزة أوصلها حاجة من دي لأن مش في ضميري أصلاً. خليها هي تفكر براحتها ومش شرط تتجوز مهران، خليها لما يجي لها نصيبها.
رد بإحباط قائلاً:
- نصيبها؟ وميتى هييجي النصيب ده؟
- ييجي وقت ما ييجي. مستعجل ليه يا حبيبي؟ المهم عندك تتجوز ولا المهم تكون مبسوطة؟
- الاتنين والله يا جنه، نفسي في الاتنين.
- سيبها على الله.
- ونعم بالله يا بتي.
قاطعها رنين هاتفها. نظرت لشاشته وقالت بجدية:
- أسيبك بقى، أحسن عمران جه.
رد بتأفف ما أن ختمت تلك الأخيرة حديثها باسم ذاك الأحمق:
- ما نخلصوش منه، ولد الهواري ده. تابع بتساؤل: كل يوم والتاني خروج كده، عيب يا بتي الناس هتقول عنينا إيه؟
ردت بجدية مصطنعة:
- بنخلص فرش الشقة يا جدو. الله بقى.
- الشقة يا جدو؟ طب يا ختي ربنا يسعدك. همي روحي له بدل ما هو ولا حامي ولا بارد كده.
نزلت لمستواه ولثمت خده ثم قالت بسعادة:
- مع السلامة يا حبيبي. مش هتأخر.
- خلي بالك على نفسك يا بت.
- حاضر.
خرجت "جنه" وهي تقفز بين سلالم الدرج، حتى وصلت إلى باب سيارته. وقالت بسعادة:
- هنروح فين النهارده؟
فتح لها باب السيارة ثم استقلت وهي تستمع له باهتمام شديد. بينما هو جلس في المقعد المجاور لها وقال:
- هنروح المولد.
ردت بسعادة قائلة:
- الله بقى! المولد! وهتخليني أشوف كل حاجة ومش هتقول عندي عمليات؟
ضربها على مؤخرة رأسها وهو يقول بابتسامته العريضة:
- وه! أنا بعمل كده. ماشي ستي. شكراً على العموم. أنا النهارده ليكي وبس.
ردت باسمة:
- النهاردة وبس؟
أجابها بذات النبرة:
- العمر كله.
قاد سيارته حيث المكان الذي طال انتظاره لتشاهده. فكانت تقف خلف نافذة غرفتها تشاهدهما. كم تمنت أن تحظى بهذه السعادة. قلبها يؤلمها ودموعها تتوسلها لتخرج من محبسها. لكنها أقوى من هذا الضعف الذي يريد أن يفتك بها. قررت أن ترفع راية العصيان على قلبها وتوصد على العشق الذي لم ولن ولا يتحقق مهما حاولت. قرار مؤلم حين تتنازل بكامل إرادتك عن عشقك من أجل أحدهم. والأكثر ألماً أنك تكتشف أنك تعشق من لا يعشقك ولا حتى تأتي في أفكار ليله الطويل. ويبقى التنازل عن عشقك من أجل عشقهم هو البديل.
- جول يا ولدي يا فالي. جول اللي في بالي وارمي الودع من تاني.
قالتها الغجرية الجالسة على أرض ترابية، تسرد للناس ما تراه في الصدف. البعض يصدقها والبعض الآخر يتخذ ما تقوله ما هي إلا دعابة.
رد "مهران" بصوت هادئ:
- جولي يا خالة، شايفة إيه؟ جولي ومتخبيش.
- آآه يا ولدي، جلبك متعلق بيها وهي جلبها مش شايف غيره. صح ولا مش صح؟
- صح. كملي.
- صبرها نفذ وعجلها غرز. وجلبها اتجسم. وكل ده وهو في الآخر رجع ليها. صح ولا مش صح؟ كملي. سيبها تعيش وياه. هو هيحبها. كمل نصيبك مع اللي هتيجي وتزيدك حب وحنية. والغيرة عليها من النسمة الطايرة. بس إنت جول إن شاء الله.
- إن شاء الله.
شاح بوجهه للجهة الأخرى وجدها تقف ظهرها ملاصقاً لصدره يساعدها على تصويب هدفها. وعندما أصابت هدفها قفزت للأعلى مصفقة بيدها من فرط سعادتها ثم عانقته. ابتسم لسعادتها وبادلها العناق ثم احتضن كفها بكفه وسار تجاه "ركن رجل النار". ارتعبت منه ما إن بصق النيران من فمه، فطلبت منه المغادرة على الفور. فطلب منها يلج لفقرة الراقصة. امتنعت وسحبته خلفها. فابتسم "عمران" على غيرتها الواضحة وغادر المكان كله، تاركاً "مهران" يبتسم ابتسامته الباهتة على حظه التعيس.
بعد مرور يومان كانت "جنه وعمران" يتجولان في أحد المحلات الخاصة بفساتين الزفاف. ما يعجبها لا يروق له، وما ينال إعجابه لن ترتديه. ما حيت. توقف "عمران" عند أحدهم ثم أشار بيده تجاه ثوبٍ راقٍ وقال بإعجاب شديد:
- ده حلو جوي يا جنه.
تابع بجدية مصطنعة:
- وقُمان أغلى من الثاني ها.
طأطأت رأسها خجلاً ثم قالت بنغج بالغ:
- الله بقى يا عمران، كنت حابة الفستان وقلت أضايقك عشان قلت لأ.
- أنا قلت لأ مش عشان غالي، عشان أنا مبحبش البهرجة مش أكتر. يلا يا آخرة صبري، كملي باقي جاحتك.
ردت بسعادة وهي تحتضن ثوبها الأبيض:
- لأ، هقيس الفستان الأول.
ولجت غرفة تبديل الملابس وعادت بعد وقتٍ ليس بقصير. كان يتابع بعينيه إحدى الأحذية الخاصة بالزفاف. أما هي خرج وبين يدها ثوبها. هتفت بصوت مرتفع ونبرتها مملوءة بالسعادة:
- عمران بص كدا.
استدار بجيده كله نحوها. ابتسم لها وقال بإعجاب شديد:
- آية من الجمال والله.
دارت حول نفسها بسعادة قائلة:
- أنا كمان عجبني قوي.
رد بسعادة لسعادتها:
- تتهني بيه يارب يا حبيبتي.
قاطعته منادية بصوت عالٍ وقالت:
- جميلة يا جميلة.
عادت "جميلة" بجسدها وجدتها جنة. ولجت ثم اقترب منهما والابتسامة بالكاد ترسم على شفتيها:
- مبروك يا جنه.
- الله يبارك فيكِ. أنتِ السبب بردو إني أبقى هنا.
- أنا معملتش حاجة، ديه ربنا. إني كنت سبب مش أكتر.
ردت "جنه" متسائلة بسعادة:
- إيه رأيك في الفستان؟
أجابتها بمرارة:
- زي الجمر يا حبيبتي، ربنا يكملك على خير يارب.
- قولي لي صح، أنتِ هنا بتعملي إيه؟ ده مول فساتين أفراح. إيه ناوية تتجوزي من ورانا ولا إيه؟
- لأ، متخافيش. أنتِ أول واحدة هتعرف لو ده حصل. بس مظنش إن ده هيحصل. أنا جايه مع صاحبتي. أسيبكم بقى عشان هنتأخر كده.
- ماشي يا حبيبتي. أنا كمان هدخل أغير الفستان.
استوقفها "عمران" بصوت خفيض:
- جميلة.
- نعم.
- أنا آسف.
- على إيه؟
- إني يعني يعني...
- اه، إنك جيت واتقدمت عشان تجهز جنة. لاه عادي، مش مشكلة. المهم إن ربنا جمعكم تاني.
- جميلة، يعلم ربنا أنتِ بالنسبة لي إيه.
- خلاص يا عمران، خلصنا. أنا خابرة زين إنك ما بتحبنيش، وخابرة إنك بتحب جنه، وهي كمان بتحبك. سيبك بقى أنت عملت إيه وملكش دعوة بيا. أنا هعرف ألم روحي من جديد.
- جميلة، خلينا نكون أصدقاء زملاء زي ما كنا.
قاطعته بحدة قائلة بمرارة:
- لأ يا عمران، أنا ماكنتش صديقة ولا حبيبة ولا حتى زميلة. أنا عمري ما كنت حاجة بالنسبة لك ولا هكون. وإن كان على قلبي سهلة، يومين وهيتعود. واللي اتحمل سنين يقدر يتحمل باقي عمره.
جميلة، عمران حكى لي على كل حاجة وأنا عارفة قد إيه بتحبي. وعشان كده أنا بطلب منك تتجوزي.
قالتها "جنة" وهي تقف بجوار "عمران" في محاولة منها لإقناعها بما لا تقتنع به.
ردت "جميلة" مقاطعة:
- كيف دي؟ آخد نص راجل بقلب وعقل وروح؟ طب أنا هفرض معاكي إني عملت كده، لما يجول لي بحبك هيكون قاصدني ولا قاصدك؟ لما ينام جاري هيحلم بيا ولا بيكِ؟ روحوا ربنا يسعدكم ويسعد قلوبكم وملكوش دعوة بقلبي. هو هيداوي نفسه بنفسه. سلام عليكم.
غادرت "جميلة" المكان قبل أن تترك لدموعها العنان. ابتلعت غصتها وتركتهم في سعادتهم. لم يكن "عمران" هو المخطئ، بل هي. هي من تركت لقلبها ومضة أمل بأنه سيتزوجها يوماً ما.
نظر لجنته وتسأل بعتاب ولوم:
- ليه كده يا جنه؟ ليه تجرحيها كده؟
ردت بنبرة صادقة:
- ماكنش قصدي والله، بس هي صعبانة عليا قوي.
رد باسمًا وهو يداعب خديها بعفوية:
- تجومي تجوزيها جوزك؟ للدرجة دي مش رايدني؟!
ابتسمت له وقالت بحنو وحب:
- أنا مش عايزة من الدنيا غيرك يا عمران. أنت عوضي من الدنيا. شفت فيك حنية أبويا اللي ماشفتوش، وخوف أمي عليا من الخطر. شفت فيك الأخ اللي بيقف يسند أخته في عز أزمتها. شفت فيك الزوج الحنين والحبيب اللي بيدلع حبيبته و...
ابتسم ملء شدقيه وهو يقترب منها بهدوء ثم قال بحنو:
- هو أنا لو جلت إن أنا بحبك بدل المرة مليون مرة بعد حديثك ده هتجولي عليا مجنون؟
نظرت حولها بتوجس وقالت:
- اعقل كده عشان إحنا مكان عام والشكل العام كده مش هيبقى لطيف خالص.
قاطعها هامسًا:
- جولي بحبك.
- أنا بقول نمشي أفضل.
- وأنا بأقول جولي بحبك.
- عمران.
- جنه.
- عشان وحياتي بلاش عنادك ده، بليز، وحياتي بقى.
لم يستمع لها بل زاد قربه وهو يتابع بنيتها برماديته ليجدها تتحدث بسرعة شديدة دون توقف:
- بحبك، بحبك، بحبك، بحبك.
هرولت قبل أن يطلب شيئاً آخر، بينما هو انفجر ضاحكًا على مظهرها بعد قولها لتلك الكلمة أمام عينه مباشرةً.
الوقت يمر ويتغير الكثير والكثير وعقل الجد لا يتغير نهائيا. رفض إكمال الزيجة رغم اكتمال جميع التحضيرات الخاصة بزفاف حفيدته. وضع شرطه ألا وهو لن يتم الزفاف بشكلٍ رسمي، قبل أن يعرف من هو قاتل ابنه. فرفضت "جنه" وبين هذا وذاك انفجر "عمران" غاضبًا. كان لا يعرف قيمة هذا الانفجار حتى أعلنت "جنه" خصامها وتجنبها له. اعتذر للمرة المئة بعد الألف، لكنها ما زالت ترفض رفضاً باتاً.
وفي إحدى الزيارات لجدها "أيوب" كانت تظن أنه يغط في نوم عميق. طلبت الجدة منها أن تصعد إليه لتخبرها شيئًا هام قبل رحيلها. صعدت الدرج بهدوء متجهة حيث حجرة جدتها. ولجت بعد أن طرقتها بأدب. جلست على ركبتيها أمامها متسائلة بفضول:
- خير يا تيتا.
ربتت على خدها وقالت بابتسامة صافية:
- غمضي عيونك الحلوة دي.
وضعت يدها على عينيها وهي تقول بفضول:
- ها. افتح.
نظرت إلى باب الغرفة وهي تقول بنبرة ماكرة ما إن وجدته يلج:
- عمران كان عايز يتحدث وياكي بس أنا بهدلته. خاصمته كمان عشان زعلك.
ردت "جنه" بلوم وعتاب:
- ليه بس كده يا تيتا؟ يهون عليكي؟
جلس بجوارها وقال بنبرة متعجبة:
- وه أنا هُنت عليكي؟
أزحت يدها عن عينيها وقالت بحزن:
- كده يا تيتا؟ بتخليني أجاي وأشوفه؟ طب أنا زعلانة منك.
ثم نظرت إليه وقالت بعناد:
- ومنك أنت كمان.
كادت أن تقف عن الأرض، سرعان ما قبض على معصمها برفق قائلاً برجاء:
- اسمعيني عشان خاطري.
- لأ.
- خلاص بقى يا جنه، هو كان مضايق من جدك. وبعدين يعني مين يتحمله غيرك؟
- جولي لها يا ستي بالله عليكِ. بقالي أسبوع ما عرفتش أتحدث وياه.
دس يده في جيب جلابيبه ليخرج قطعة من (الشوكولاتة) وراح يقول بحنو:
- أظن كده سماح النوبة.
ردت بعناد وهي تقف عن الأرض:
- بردو لأ. ومش أنا اللي أتصالح بشوكولاتة يا دكتور.
خرجت "جنه" من الغرفة تاركة جدتها تضحك على حال حفيدها الذي جلس متربعًا أمامها واضعًا كفه أسفل خده وقال بنبرة حائرة:
- وبعدين في بت السيوفي اللي مجنّناني وياها دي يا ستي.
ردت ضاحكة:
- جدك لو شافك كده. جليلة لو ما جاب روحك من صدرك. جوم زينة الرجالة، جوم.
خرج من غرفة الجدة في محاولة جديدة منه ليعتذر منها عن ما بدر منه. أما هي كانت تسير بخطوات هادئة وهي تحدث نفسها بطريقة ساخرة في محاولة منها لتقليده قائلة:
- أنتي مرتي أنا ومحدش هياخد مني، واللي هياخدك مني يبقى حكم على نفسه بالموت.
التفت له وقالت بصوت مرتفع:
- يا أخي طلعت روحك من صدرك قال ارجع لك قال. ده أنا ربنا نجاني ولازم أطلق منك وهخلي جدي يمرمطك بردو.
تابعت سيرها وقبل أن تلج غرفتها جذبها من يدها ودفع لغرفته ثم قال بهمس:
- جولي بقى كنتي بتقولي إيه.
ردت بتلعثم:
- أنا أنا بقول بقول جدي.
قاطعها بصوت هامس قائلاً:
- أنا بحبك يا مجنونة.
ردت بسخرية:
- بحبك يا مجنونة، وأنا بكرهك يا بارد. أنا مش هتحمل عنادك ده كتير، وجولي لجدك يخف عني شوية. رايدني في دار.
ردت بجدية مصطنعة وهي ترفع كتفيها:
- لما تلم نفسك وتبطل عصبية عليا في الفاضية والمليانة.
- لميني أنتِ في دارنا.
- لم نفسك وبطل قلة أدب.
غمز لها بطرف عينه وقال:
- طب ما تيجي تلميني أنتِ.
قاطعته بسخرية قائلة:
- هي عينك بتوجعك مالك كل شوية تغمز ليه؟
اغتاظ منها، كز على أسنانه وقال بغيظ شديد:
- تصدقي إنك...
قاطعته محذرة إياه قائلة:
- هااا، إني إيه؟ اغلط تاني خلي حسابك يتقل.
تنهد بعمق ثم قال بتوسل:
- جنه، جولي لجدك يجوزني بقى، أنا خلاص مش قادر أبعد عنيكي. أنا جدي يعمل اللي هو عاوزه ويمرمطك براحته، ويا ابن الناس مش عاجبك نسيب بعض عادي مافيش مشا مشاكل. أنا أصلاً مش طايقاك.
خرجت من غرفته ما إن علمت أن جدها وصل للتو وطلب حضورها. استوقفها قائلاً بحنو:
- مش هتاخدي الشوكولاتة بتاعتك ولا لسه زعلانة؟
ضغطت على شفتيها السفلى ثم عادت وهي تلتقطها منه قائلة بجدية مصطنعة:
- هاخدها، وبردو زعلانة منك.
منعها من الذهاب قبل أن تقول بصوتها الحنون كلماتها المفضلة لدى قلبه. توسلته، فكان إصراره أكبر من توسلاتها، فانصاعت لأمنيته قائلة:
- هتفضل حبيبي وهفضل حبيبتك.
تركها فور مرور كلماتها تلك على قلبه، الذي أثلجته بسحرها وابتسامتها.
الأيام تمر على الجميع إلا عليهما. لا جديد. حاول "سليم" التدخل لأكثر من مرة لكنه فشل. فقررت أن تتحدث هي لتسدل الستار على قضية والدها وثأر جدها.
طرقت بابه بخفة ثم ولجت وهي تقول بهدوء:
- أنا جايه أتكلم مع حضرتك.
- تعالي يا جنه.
جلست على حافة الفراش وقالت بحزن عميق:
- عارفة إنه ابنك وعايز تاخد تارك عشان الناس ما تقولش عليك و...
رد مقاطعًا بحزن:
- أنا عايز ناري تبرد يا جنه.
- بص يا جدي، أنا هقول لك حاجة ولو مش عايز تصدقني وعايز تفركش جوازتي، إنت حر. بس أنا هريح ضميري.
- جولي يا جنه.
- هو كان صاحب بابا وكان محتاج للفلوس وقتها لأن مراته وبنته بيموتوا. هو معذور. هما شركاه وبابا رفض يدي له فلوس لأن كان عايز ينقذ ماما وينقذني من الموت. يعني كل واحد كان بيفكر في نفسه وبس في الوقت ده.
- عنيده ولاد.
- عنده بنت وحيدة.
- ليه ولاد أخ؟
- حتى لو ليه، هما ذنبهم إيه يموتوا مكانه؟ جدي اللي أنت عايز تعمله حرام. ربنا ما يرضاش بكده. أنت تقدر تسامح ولك الأجر عند ربنا. ربنا يجعلك من العافين عن الناس يا جدي. متحاولش تضغط عليا أكتر من كده.
- هما عايشين فين؟
- أنا آسفة مش هقدر أقول أكتر من كده. ولو عايز تطلقني من عمران يبقى القرار يرجع لك، بس أنا مش هخليك تظلم حد على حسب حد.
رد بغضب واضح في نبرته:
- وهو لما أبوك يموت مقتول دي مش حرام؟
ردت بذات النبرة قائلة:
- ربنا اسمه العدل وهو هياخد حقه. إزاي إنت عايز تحاسب حد تاني؟ ربنا نفسه هيجيب القاتل والمقتول ويحاسبهم، يبقى إنت هتجيب ولاد أخ وهتحاسبهم على ذنب هما مش عارفين عنه حاجة ليه؟
وقفت عن حافة الفراش وقالت بحزن:
- أنا عملت اللي عليا. عرفتك. القرار دلوقتي في إيدك وأي حاجة تقولها أنا راضية بيها. تصبح على خير.
كان يفكر في حديث حفيدته، حائر بين تمرير الأمر مرور الكرام وبين أن يفسخ خطبتها من "عمران" كعقاب قاسٍ لهما سوياً. مر الليل عليها وهو يفكر. غلبه النعاس وهو يجلس على المقعد الخشبي. استيقظ على صوت "جميلة" وهي تقول بحنو:
- جوم يا حبيبي نام في فرشتك.
- وه أنا نعست أهني كيف؟
- جوم تعال.
دثرته في سريره جيداً ثم مسحت بيدها على رأسه وقالت بحنو:
- نام يا حبيبي وارتاح.
- جميلة. هي جنه مجالتش مين هما اللي قتلوا أبوها؟
ردت كاذبة:
- لأ مجالتش. ولا أنا سألتها عشان عارفة ما هتجولش حاجة.
- عجبتك عنادها دي؟
- هي معاها حق. كيف تاخد تارك من ناس ما عملتش حاجة واصل. يا جدي، إنت قاضي عادل وبتحكم بين الناس بالعدل، كيف تحكم في قضيتك بالظلم؟
- فين الظلم دي؟
- هو إنت لما تجتل نفس بغير حق يبجى ظلم ولا لأ؟ مشي جوازتها يا جدي وخليها تفرح بعريسها. بكفاية كده.
ختمت حديثها بآية قرآنية قائلة: {إنما يوفى الصابرون أجرهم بغير حساب}. ربنا يعجلنا وإياك من الصابرين يا جدي.
بدأ يفكر من جديد في حديث "جميلة" حتى وصل إلى قراره النهائي. أرسل إلى "عمران" ليخبرهم بأنه وافق أخيراً أن يتمم الزيجة ولكن على العروس تقضي شهر رمضان المبارك معه، وبعد ذلك يقيم الأفراح لمدة سبعة أيام كاملة. رفض "عمران" ووافق الجد. كان بداخله غيظ شديد من جده ومن انصياعه لكل طلبات رفيق الدرب.
- إيه يا جدي؟ مش قلنا هنتجوز قبل رمضان؟ إيه اللي غير رأيك كده واحنا هناك؟
- جدها راسه كيف البُلغة القديمة. مش راضي. وبعدين هتعمل بيها إيه في رمضان؟ هعالجها كيف الفانوس يا جدي في الشقة؟ يعني إنت جوزت أحفادك كلهم وجاي عليّ وتجول اشمعنى رايدها يا جدي تنور داري في رمضان؟ وبعدين لسه بدري جوي على رمضان، لسه فاضل ييجي ست شهور.
- الأيام بتفوت جوام. اتلم بقى وادعي ربنا ترضى بيك. أصلاً البت راسها كيف الحجر الصوان، مش موافقة. وجدها بيقول عليك قليل ترباية. لاه، أنا مش قليل الذوق عشان أخليهم يجولوا عليّ كده. أنا هثبت لهم إني فعلاً قليل التربية وهروح أجيبها من شعرها. روح بس اطلب من ربك إنها تبص في وشك. حكم إنت وش فجر زي اللي جابك.
فجر. يعني هي أول مرة.
وبعد مرور عشرة أيام كاملة وافق الجد "نعمان" على الزواج قبل شهر رمضان. عمت الفرحة المكان عدا قلب "جميلة" وجدها. هي حزنت على عشقها الذي لم يكتب له الخروج للنور. وهو لتنازله على مضض عن حقه بالثأر في موت ولده.
اليوم ليلة الزفاف. اجتمعت العائلتين في قاعة الحفل في انتظار. فتح باب القاعة لتطل العروس وهي تتوسط جديها بفستانها الأبيض، وعلى الجهة المقابلة عريسها بحلته السوداء الأنيقة والابتسامة تزين ثغره.
سار بخطواته الهادئة والواثقة، صافح جديها ووقف يستمع لوصايا جدها "نعمان" وهو يقول بجدية:
- أوعاك تزعلها لو مستغني عن عمرك. زعلها.
رد باسماً وهو يتناول يدها برقة:
- طب وصيها عليّ، أنا غلبان مبعملش حاجة واصل.
رد ساخراً:
- مين دي اللي غلبان؟ إنت يا واد الهوارية! كنك نسيت عنادك وياي عشان تخطفها مني يا حرامي.
ابتسمت وهي تربت كتفه وقالت بسعادة:
- حبيبي يا جدو، ربنا يخليك ليا. مرمطة كمان، خلي يحس بقيمتي.
رد بغيظ:
- ماهو أنا ممكن أحس كيف البني آدمين، مش لازم أتهزأ عشان أحس. جدامي يا آخرة صبري. وإنت يا جدي اجعد جنب جدي وأنا هبعت لك لمون دلوقتي.
سحبها وسط القاعة وتراقص معها بعد توسلات كثيرة منها إليه. وضعت رأسها محل قلبه تستمع لخفقاته، وابتسامتها كادت أن تصل لأذنيها. أما هو كان مغمض العينين في عالم آخر تمنى أن يبقى كلاهما فيه بعيداً عن أعين الحاقدين والحاسدين.
خرج من حضنها ليديرها حول نفسها وهو يتمتم بخفوت كلمات الأغنية التي اختارها معاً ليتراقص عليها. سعادة لا توصف كانت تسود قلبيهما.
(اسمح لي من الراقصة الأولى، اسمحي لي من الراقصة الأولى، وصلك إحساسي فيكي، تسلملي ما أحلاكي، التوب الأبيض شو محلاكي، رح أكمل حياتي معاكي، واقضي عمري أغني فيكي، رح تصيري أم ولادي، تسلملي ما أحلاكي، التوب الأبيض شو محلاكي).
وقف الجميع يصفقون لهما على رقصتهما تلك، خطفت القلوب قبل الأنظار. كانت تصفق لها بيدها وتربت على قلبها بدموعها، التي أبت أن تبقى أكثر من ذلك. تركت دموعها تنسدل عليها تشفي جرحها أو تريح همها.
عاد إلى مكانهما المخصص لهما ينظران لبعضهما البعض في سعادة حقيقية. تمتم من بين شفتيه بخفوت وهو يقبل ظهر يدها برقة بالغة:
- هتفضلي حبيبتي وهفضل حبيبك.
- بحبك.
هذا هو حال الحياة، يولد الحزن والألم من رحم العشق وينال كل عاشق جزاء عشقه. لذلك يجب عليك أولاً أن تلغي عقلك ويبقى قلبك هو القائد في معركة لا يفقه عنها شيئاً.
ولكن تذكر دائماً إن كنت تريد العشق، لا تحزن حين تحتضن نيرانه بين يدك، فالعشق نيران.
لا تخمد.