في مقر مبنى ضخم لشركة مقاولات كبرى،، مسك رجل كبير يملأ رأسه الشيب يده إبنته في غرفة متوسطة الحجم وبها بعض الأجهزة الكهربائية الحديثة لتجهيز القهوة والشاي وبعض المشروبات الساخنة تسمى (الكافيتريا) وقال وهو يجذبها للخارج: _يلا يا ليالي روحي انتي قبل ما حد يشوفك هنا، ممنوع دخول أي حد غير الموظفين في الدور ده بالذات. ليالي بأستغراب: _ليه يابابا هو أنا جاية أسرق!! وبعدين مانا طلعت من البوابة عادي. جمال (الأب)
_ماهو لولا عمك محمد تحت في الأمن النهاردة وعنده وردية وعارفك ماكنش حد طلعك أصلاً ولا خلاكي تخطي خطوة واحدة لجوه. ليالي بتكشيرة: _مانت اللي قلقلتني عليك، من ساعة ما جينا امبارح من عند الدكتور وأنت مانمتش طول الليل ولا فطرت الصبح قبل ما تمشي، اوعى تكون فاكر إني ماحستش بيك. جمال بحزن وهو يقترب لإبنته ويربت على كتفها بحنان والحزن يأكل عينيه: _أنا محدش بيحس بيا أدك إنتي يابنتي، ربنا ما يحرمني منك ويشيل عنك.
ثم جلس على مقعد خشبي ووضع يده على وجهه وبكى. انتقلت دموعه بعينيها ودق قلبها بألم لأجل والدها أكثر منه لأجلها هي وقالت وهى تسند يدها على كتفه وانحنت ناحيته قليلاً وقالت بحنان: _أنا راضية بأي حاجة طالما دي إرادة ربنا، أكيد ليه حكمة في كدا، مش هعرفها دلوقتي بس هعرفها بعدين، بإذن الله يابابا هخف وهبقى زي الفل، ادعيلي انت بس. رفع وجهه لها وقال وهو يمسح عينيه بحزن: _دي كلمة بردوا يابنتي، ادعيلك!!
دنا مافيش في دماغي غيرك انتي واختك، ربنا يهديها. استرخت ملامح ليالي قليلاً وأردفت قائلة: _ياارب، ماتزعلش من أمل يابابا، من ساعة ما خطيبها سابها وهى بقت تتعصب بسرعة بس إن شاء الله هتروق أوي وهترجع زي الأول واحسن. جمال بشك: _ياريت، بس أنا حاسس إنها مخبية حاجة عليا، تصرفاتها غريبة، مش دي بنتي اللي ربيتها طول السنين اللي فاتت دي كلها، وعارفها كويس أوي، فيها حاجة غريبة متغيرة.
قرّبت ليالي طاولة صغيرة أمام والدها وسحبت مقعد وجلست أمامه وبيدها حقيبة متوسطة الحجم سوداء، واخرجت بعض علب الطعام، والخبز المغلف بورق جرائد، وقالت: _ماتفكرش يا بابا في أي حاجة تزعلك وإن شاء الله مايكونش في حاجة، المهم دلوقتي تاكل عشان تاخد العلاج، انت ناسي الدكتور أكد عليه أزاي، والضغط والسكر عايزين اهتمام ومراقبة. واخذت قطعة خبز وحشتها بالطعام ومدت يدها وقربتها من فمه وهى تبتسم، وقالت بمرح:
_هم يا جمل، مين العسل اللي هياكل اللقمة دي من ايدي ومش هيكسفني. ابتلعها والدها وهو ينظر لها بحب أبوي ويتألم لأجل مرضها الذي ظهر فجأة. وقال وهو يقضم الطعام بفمه: _ربنا يشفيكي يا بنتي ويشيل عنك الغمة دي ويريح قلبي عليكي يااارب. ردت ليالي بابتسامة: _اللهم امين. قاطعهما صوت قوي لرجل يصيح بأسم جمال من الخارج. انتفض جمال وقال لإبنته: _اوعي تتحركي من هنا لحد يشوفك واسمع كلمتين يحرقوا دمي. اومئت ليالي رأسها بالإيجاب: _حاضر.
خرج جمال من الغرفة إلى الردهة وإتجه ناحية مهندس تامر الذي يقف في منتصف الردهة وبيده بعض الأوراق. ركض إليه جمال وقال: _أيوه يا باشمهندس، تأمر بحاجة؟ تامر بأمر وغطرسة: _ايه يا عم جمال بقالي ساعة بنادي عليك، المهم، اطلع فوق لقاعة الاجتماعات وشوف العملاء هيشربوا ايه، مستر عمر زمانه على وصول. نظر جمال للغرفة التي تجلس بها ليالي بحيرة، حتى هتف به تامر بحدة وقال: _يلا يا عم جمال وااقف ليه؟!!
تحرك جمال بأستسلام ووجه متوتر وقلق، وتعجب تامر وقال وهو يدخل مكتبه: _أنا مش عارف عمر متمسك بيك ليه!!! دخل مكتبه وانشغل بجمع بعض الأوراق المهمة. رجع الأب (جمال) مرة أخرى وهو يراقب الطريق ولم يجد مهندس تامر، تنفس الصعداء واتجه لغرفة الكافيترية وقال لإبنته وهو يغلق الباب بخفوت: _١٠ دقايق وهرجعلك، عشان اعرف اخرجك من غير ما حد يشوفك.
ثم أغلق الباب بالمفتاح من الخارج بخفوت وترقب حتى لا يكتشف وجودها أحد من الموظفين وتحدث مشكلة هو في غنى عنها نظراً لمنع وجود أي غريب في هذا الطابق بالتحديد لأن به كافة مستندات ومعلومات الشركة والفروع الأخرى منها، وصعد مرة أخرى للأعلى وبعد دقائق لحقه المهندس تامر. عدى من الوقت ما يقرب من ٣٠ دقيقة. تنهدت ليالي بملل وهى تجلس، دق هاتفها. اخرجته من حقيبتها قبل أن يسمعه أحداً، ولمحت رقم شقيقتها أمل.
ردت على الفور، وقالت بصوت خافت وهى تقرب يدها من فمها وتحاول كتم صوتها: _أيوه يا أمل، أنا عند بابا في الشركة. أمل بسخرية: _عند بابا في الشركة!!!! اللي يسمعك يقول انك بنت صاحب الشركة، بلا خيبة. زفرت ليالي بضيق، وقالت: _أنتي عايزة ايه دلوقتي؟!! صاحت أمل بها بغضب: _عايزة ايه؟ يعني أجي من الشغل ما ألاقيش ولا لقمة أكلها، اومال أنتي لزمتك ايه في البيت ده!!
ضاقت ليالي من أسلوب شقيقتها ولكن حاولت أن تتحكم في أعصابها، وأيضاً لم يكن باستطاعتها النقاش الآن. وقالت: _معلش يا ستي، جهزت أكلة بسيطة لبابا بسرعة وعلى ما جيت هنا كان عدى وقت كبير لأن المواصلات وحشة أوي، وبعدين الساعة ٣ العصر وإنتي جيتي بدري. أمل بعصبية: _أنتي هتحاسبيني كمان أجي امتى! أنا جاية تعبانة من الشغل ومش قادرة أقوم أعمل حاجة، خلصي وتعالي بسرعة. ليالي بمقت: _خلاص خلاص جاية اهو، بطلي علو صوت بقى.
تنحنحت أمل وقالت بخبث: _إنتي شوفتي حد عندك؟ ليالي بأستغراب: _حد مين؟ أمل بتوتر وهي تغير مجرى الحديث: _لا ولا حاجة، انجزي وتعالي عشان تعبت في الشغل وإستأذنت وجيت بدري. ليالي بقلق وحزن: _أنا مش عارفة ايه اللي جرالي أنا وانتي فجأة كدا، بس عموما خلاص ماشي اقفلي وانا جاية اهو. قفلت ليالي الهاتف، وهى في حيرة من أمرها، تنتظر والدها وهى لا تعرف متى سيأتي أم تذهب.
وانتظرت بضع دقائق ولكن لم يأتي. وتذكرت ما قاله الطبيب بالأمس عن مرضها المفاجئ، تاهت عينيها في الفراغ بحزن وتنهدت تنهيدة عميقة عاجزة. ولكن ارتاحت قليلاً عندما تذكرت تصميمها بالأمس على والدها بعدم إخبار شقيقتها أمل عن مرضها لحين وجود سبيل للدواء وحتى لا تكثر الهموم عليها فهى لديها من الهموم ما يكفي، واكتفت بقول إنه حالة ضعف ونقص بعض الفيتامينات لذلك يكثر إغماؤها.
أحست بالملل من الإنتظار، وألقت نظرة على الباب. اعتقدت أن الباب مغلق فقط ولم تنتبه إن والدها أغلقه بالمفتاح من الخارج. اخرجت قلم من حقيبتها وكتبت على أطراف ورق الجرائد الملفوف به الخبز: _أنا مشيت يابابا على البيت، اطمن عليا. ونهضت وهى تحمل حقيبتها على كتفها، مشت ببطء حتى اقتربت من الباب لتحاول فتحه، جذبت المقبض بقوة ولكن بلا جدوى. أطرقت عليه بحدة وأحست فجأة بالدوار التي بات رفيقها منذ فترة.
اغمضت عينيها بوهن وتماسكت وتابعت وهى تطرق على الباب حتى يأتي من يفتحه من الخارج. في المصعد. نظر إلى ساعته وتمتم بضيق: _اتأخرت أوي على الاجتماع. ولمح أنعكاس وجهه على مرآة المصعد، ابتسم بثقة ومرر يده على شعره الأسود ونظرة عيناه ثاقبة كالفهد. خرج من المصعد وإتجه إلى مكتبه مباشرةً وتوقف فجأة عندما انتبه لصوت يبدو أنه يستغيث وقريب منه. إتجه ناحية الصوت وراقب مصدره بواسطة حاسة السمع.
كانت هي بدأت تفقد الوعي وتبتلع ريقها بصعوبة. عادت إلى مقعدها وفتحت حقيبتها بأنفاس متسارعة والغشاوة تزداد أمام عينيها، ولكن لم تجد ما بحثت عنه. قطبت حاجبيها بضيق وانزعاج، ثم ذهبت مرة أخرى اتجاه الباب. طرق على الباب بهدوء وقال: _في حد هنا؟ انتبهت كل حواسها لهذا الصوت وأجابت برجاء وهي تطرق على الباب بحدة: _أرجوك افتح الباب، الباب اتقفل مش عارفة ازاي ومش عارفة افتحه. تعجب من وجود فتاة بهذه الغرفة وقال بتساؤل:
_مين اللي قفل عليكي؟ وازاي دخلتي هنا أصلاً؟ اسندت يدها على المقبض لتمنع نفسها من السقوط واجابت بحدة: _مش وقته، افتح الأول. عمر بتساؤل: _طب حاولي تدوري على المفتاح عندك؟ ليالي بصريخ: _وأنا لو معايا المفتاح هتحبس الحابسة دي، يخربيت ذكائك! أجاب عليها بغيظ وبصوت رجولي قوي وقال بنبرة آمرة: _طب ابعدي، عشان هكسره. ردها استفزه حتى صب جام غضبه على الباب. رجعت للخلف وهى تختطف أنفاسها بصعوبة.
ومع محاولات فتح الباب بهذه الشراسة تأكدت أن هذا الرجل لابد أنه ضخم البنية. واتت محاولاته بالنجاح ولكن مع صرختها الفزعة وسقوطها بعد ذلك! "لم ينكسر الباب الخشبي ولكن انشرخت المنطقة المحيطة بدائرة المفتاح بسبب قوة الدفع الخارجية". ارتفع حاجبه تعجب وهو يرى تلك المجهولة تقع مغشياً عليها بدون سبب. أم إنها فزعت من صوت شرخ الخشب بهذه القوة؟ نظر لها بتفحص واقترب منها وقال بصوت قوي: _يا انسة، يا اااانسة فوقي.
زفر بحدة وهو يفكر ماذا يفعل؟ نهض وأخذ كوب ماء على رخامة مرصوص عليها أكواب وفناجين قهوة. واسقط بعض قطرات الماء على وجهها، حتى شعر ببريق لمعة عينيها أسفل جفنها وقطرات الماء تنزلق على وجهها. وضعت يدها على عينيها تمسح هذه القطرات وهى تنهض بوهن وتأخذ أنفاسها بصعوبة. قالت وهى تسدل يدها رويدا من على وجهها حتى اكتمل رؤية وجهه الغامض أمامها وهو ينظر لها بتفحص وهدوء.
نظرت له بإرتباك وتوتر زاد تعجب من خوفها منه بهذه الطريقة وهى لم تعرفه بعد! وغمغمت بنبرة خائفة طفولية وقالت: _أنا عا..عايزة.. أمشي.. لاحت طيف ابتسامة على وجهه وقال بلطف: _طب ممكن أعرف الأول أنتي مين وبتعملي إيه هنا؟ وازاي دخلتي هنا أصلاً؟ ومين اللي قفل عليكي. قاطعته بحدة: _براااحة!! كل دي أسئلة؟!! عاد شعور الغيظ له مجدداً وقال بصوت خشن حاد: _مش هتمشي غير لما أعرف أولاً "انتي مين؟
أحست بشعور القلق يزداد بداخلها وتوجست أن تخبره بأسمها فيكون هذا ضرر لوالدها الذي حذرها من ذلك سابقاً. قالت بنبرة هامسة: _طب وثانياً؟ زادت تقاسيم وجهه حدة وهو ينظر لها بقوة وهتف: _احنا هنهزر؟!! ردت بمراوغة وهي تحاول أن تتجنب سؤاله وقالت: _وأنا ههزر معاك ليه؟ انت مين أصلاً عشان أهزر معاك. ثم انت بتكلمني كدا ليه؟ وازاي تكلمني بالطريقة دي أصلاً!!! تسمحلي بقى أقولك انك ماعندكش ذوق 😡 وأنا مش هضيع وقتي مع حد زيك!
التفتت لتأخذ حقيبتها وتخرج ولكن كيف وهو يقف بمدخل الباب ويسده بهيئته الضخمة الفارعة الطول لرجل من الواضح إنه لا ينفك عن ممارسة الرياضة يومياً. وشع وجهه غضب، ثم هتف بها بحدة: _رايحة فين؟؟ بلعت ريقها بقلق وأجابت: _همشي!! وضع يديه بجيوبه بمنتهى الثقة وقال بهدوء: _اوك هتمشي، بس أعرف انتي مين الأول؟ وإيه اللي جابك هنا؟ وماتقوليش موظفة لأني أعرف كل الموظفين هنا. صاحت به بتذمر وقالت:
_طب ممكن بقى أعرف مين الأستاذ اللي محسسني اني بيتحقق معايا في محضر وعمال يسألني أسئلة مالوش فيها أصلاً ولا تهمه حتى!!! نظر لها بتحدي وقال بثقة: _"أنا عمر كامل الشريف" صاحب الشركة اللي انتي واقفة فيها دي. صاحت حاولت أن تكتم ضحكتها ولكن لم تستطع واطلقت ضحكة احمرت معها وجنتيها وزاد بريق عينيها حياة. وقالت بين ضحكاتها وهى تشير له بأصبعها: _انت عمر الشريف ههههههههههه😂 انعقد حاجبيه بغضب وقال:
_اه عندك مانع، وبعدين ما تغيريش الموضوع!! جاوبي على سؤالي! توترت نظرتها وسرعان ما أتتها فكرة حتى تتخلص من هذا الموقف. وضعت يدها على رأسها متصنعة الإغماء، وسقطت على مقعد كان قريب منها. ساد التوتر على وجهه مرة أخرى الممتزج بالضيق ونفاذ الصبر. وأخذ كوب الماء ووضع قطرات منه على وجهها مجدداً ولكن لم تفيق هذه المرة. احتار ماذا يفعل؟ ركض إلى مكتبه حتى يحضر أحد العطور الخاصة به هناك.
فتحت عين واحدة وترقبت ذهابه ونهضت مسرعة وبيدها حقيبتها وركضت إلى الخارج. ولكن تملكها إحساس طفولي بإستفزازه وهتفت وهى تركض: "مش انت عايز تعرف أنا مين؟ _أنا نجلاء فتحي، هههههههههههههههههه 😂😂 وأغلقت الباب الزجاجي للطابق ودخلت المصعد وهى تضحك حتى خرجت من المصعد وركضت إلى الخارج. امتقع وجهه عندما سمع صوتها وركض حتى يسبقها ولكن كان المصعد هبط لأسفل ولن يستطيع الآن اللحاق بها.
تنفس بعمق وعاد إلى مكتبه بخطوات هادئة، وجلس أمام مكتبه، وطافت على وجهه ابتسامة ازدادت اتساعاً كلما تذكر جملتها الأخيرة وضحكتها الشقية. وتذكر فجأة الاجتماع الذي ينتظره وصاح بضيق: _الاجتماع، ازاااي نسيت!!!! نهض وأخذ بعض أوراقه وصعد لغرفة الاجتماعات في الأعلى. ***
جلس جمال على مقعد خشبي بغرفة مشابهة للغرفة الذي ترك ابنته بها، وأحس بالتعب والارهاق من كثرة الحركة وطلبات العملاء والموظفين الذي لا تنتهي، وايضاً بسبب تأخر رئيس مجلس الإدارة... "عمر كامل"... نجل رجل الأعمال الراحل (كامل الشريف) دخل عمر إلى قاعة الاجتماعات وجلس على رأس طاولة الاجتماعات وبجانبه والدته (المهندسة فريدة) المختصة بشئون كافة المشاريع والمسؤول الأول عن الشركات. وفي الجانب الآخر المهندس "تامر"...
الذراع الأيمن لعمر. ألقت والدته نظرة لوم إلى إبنها الذي سبّب تأخيره ضياع بعض الهيمنة التملكية لها. وهتف تامر بنبرة آمرة: _كله يستعد يا حضرات. بدأ عمر في التحدث وهو ينظر لبعض الأوراق ثم وضعها أمامه وقال بنبرة سيادية: _كل فريق مختص بمشروع يتفضل يشرح رؤيته الكاملة وخطته للاستكمال على النمط الأفضل للتسليم.
بدأ بالفعل كل فريق عمل بشرح وجهة نظره الكاملة عن مشروعه للتوضيح للعملاء أيضاً والتشاور في بعض المسائل الخاصة بكل مشروع تنفيذي. حاول جمال أن يستغل أي فرصة للذهاب للطابق الأسفل ولكن طلبات الموظفين في الاجتماع والمكاتب الأخرى كانت تفوق الحد ولم يستطع حتى الجلوس. وبعد مرور ساعتين انتهى الجميع وإنصرفوا لعملهم. ولملم تامر الأوراق وقال بحماس: _كله كدا تمام، كنت حامل هم العملاء وطلباتهم اللي مش بتخلص في المشاريع!
ابتسم عمر بفخر وأجاب: _بس عندنا ناس قدها ومحدش يقدر يعدل وراهم، بجد أنا فخور بيهم جداً. دخل جمال وبيده صينية عليها فنجانين قهوة وكوب ماء. ووضعهم أمام عمر ووالدته التي ابتسمت له شاكرة. وصاح تامر بتذمر وقال: _طب وأنا فين قهوتي يا عم جمال؟ شعر جمال بالحرج الممزوج بالارهاق والتعب ولم يتفوه بكلمة. انتقلت نظرة عمر من وجهه جمال المتعب إلى وجه تامر بحدة وقال:
_اتفضل أنت يا عم جمال روح استريح أنا عارف أن اليوم اللي بيبقى فيه إجتماع بتتعب فيه... أنا اسف. أجاب جمال ببسمة إمتنان وقال بمحبة لهذا الشاب المهذب الذي لا يقل عن والده الراحل احترام: _هروح أعمل قهوة باشمهندس تامر يا عمر بيه. قاطعه عمر بقوة: _لا... روح استريح وتامر هيتصرف، أو هيبعت لحد تاني يعملهاله. نظر تامر بضيق لعمر والقى نظرة على جمال بغيظ. ذهب جمال مسرعاً لإبنته. وأردف تامر بمقت وهتف وهو يرمي بنظرة متعجبة من
تصرفات عمر المتساهلة وقال: _أنا مش فاهمك يا عمر، دانت بتبقى معانا مرعب ومسيطر ومع الراجل ده متساهل أوي كدا ليه!؟ هو أنا بطلب منه حاجة أكتر من اللي المفروض يعملها؟ مش ده شغله؟! مسك عمر قلم واطرق به على الطاولة طرقات خافته ولكن مزعجة وقال بهدوء: _أنا آخر مرة هقولك الكلام ده يا تامر إلا عم جمال. أولاً لأن الراجل ده موجود من أول يوم اتبنت فيه الشركة دي أيام والدي الله يرحمه.
تبدلت نظرة فريدة للألم ورددت الرحمة بصوت حزين وهي تستمع لإبنها الأكبر ونظرتها مزيج من الألم والفخر بتفكيره الرائع. وتابع عمر الحديث: _الراجل ده ساعات ماكنش بياخد مرتبه لما الشركة كانت بتتعرض لأزمات وماكنتش ناجحة نص نجاحها دلوقتي. ووقف جانب والدي وتقريباً كانوا صحاب. تامر بإحتجاج: _ده ساعي يا عمر مش موظف، هيوقف جانب والدك ازاي!؟ أنا شايف أنك مديه أكبر من حجمه! هتف عمر بتامر وقال بإنزعاج: _أنا مش عارف انت بتكرهه ليه؟
مش لاقي سبب لكدا؟ وبعدين مافيش حاجة عندي اسمها ساعي، كل اللي بيشتغل هنا موظف بيقوم بدوره، وعم جمال ما يقلش عن حد هنا بالعكس. واكمل بمزاح: _ده كفاية أن مافيش حد بيعرف يعملي فنجان القهوة زيه، أنا مابقتش أشرب قهوة إلا من ايده. ردت فريدة تشاركه مزاحه وقالت: _كالعادة مش هتعرف يا تامر تاخد حق ولا باطل مع عمر، وعلى فكرة أنا فعلاً شايفة انك مكبر الموضوع أوي.
بصراحة جمال راجل طيب ومحترم جدا ومش بتاع مشاكل، مش عارفة انت ايه مشكلتك معاه!! نهض تامر وأخذ أوراقه وقال بضيق: _لا خالص يا طنط فريدة، عموما أنا غلطان، وهمشي كمان بعد إذنكم. ذهب من الغرفة واتسعت ابتسامة فريدة. وقال عمر بتفكير: _لولا إننا معرفة من سنين كنت عيدت النظر في شغله معانا، أنا مابحبش الأنانية وحب السيطرة اللي مسيطرين على تامر! ردت فريدة بلطف واردفت قائلة: _سيبك من كل ده، خلينا في المهم.
أجاب عمر وهو ينظر لها وتوقع ما هو المهم بالنسبة لوالدته: _اللي هو ايه؟ تابعت فريدة بابتسامة وقالت: _خطوبتك! رد عمر وتعابير وجهه لا تقول شيء، وأجاب: _مالها؟ فريدة بتعجب من لا مبالاته قالت: _مالها؟! أنا مش عارفة انت ليه مش مستعجل على الخطوبة، احنا قرينا فاتحة من شهرين يا عمر! وانت عمال تأجل؟ وقف عمر من مكانه وقال بضيق:
_مش عايز استعجل، لازم تاخد هي وقت وتفكر قبل الخطوة دي، ده جواز مش لعبة، وبعدين يا امي مين اللي كان السبب في الخطوبة؟ أنا؟ عقدت فريدة حاجبيها بإنفعال وقالت بدفاع: _ولا أنا على فكرة، بس أمها فاتحتني مباشرة ومابقتش عارفة أقولها ايه، وريهام من زمان بتحبك يا عمر وده كلنا عارفينينه. وبصراحة مالقيتش أنسب منها ليك، البنت هايلة. أجاب عليها بقوة:
_وده اللي خلاني مش عارف أرفض، ماحبتش أجرحها وأحرجها قدام أهلها، ريهام أنا كنت بعتبرها اختي، وماعرفش حبتني امتى وازاي وأنا عمري ما بادلتها أي مشاعر، وقولت آخد فرصة، يمكن، بس بردوا مش حاسس بأي حاجة. تنهدت فريدة بعمق وقالت بضيق: _يبقى الصح إننا ما نستعجلش على الخطوبة، بس لازم تاخد خطوة في الموضوع ده بأسرع وقت، يا تكمل معاها يا تسيبها، عشان حرام تعلقها كدا. ظهرت تكشيرة على وجهه وقال وهو يضع يد بجيب بنطاله:
_بإذن الله هاخد خطوة قريب وهفكر مليون مرة عشان ما أكونش ظلمتها. نهضت فريدة وقالت: _ربنا يرشدك للصواب ياعمر، أنا هروح مكتبي، وابقى خلي تامر يبعتلي الملفات بتاعت الاجتماع عشان أفحصها تاني، نسيت أقوله للأسف. اومئ عمر رأسه بالإيجاب: _تمام، بس ما تتعبيش نفسك. أجابت فريدة بهدوء وهى تخرج: _ماشي، ماتقلقش عليا. أغلقت الباب خلفها بهدوء، واستمرت نظرته على الأوراق بشرود.
أحس بالضيق يتزايد بداخله من هذا الموقف التي وضعته والدة ريهام به، وتجنباً لجرح مشاعر فتاة رقيقة مثل ريهام الذي كان يعتبرها شقيقته أعطى لنفسه فرصة. تنفس بحدة وهو يمرر يده على شعره بعصبية ولكن استوقفه رحيق العطر الذي التصق بيده منذ أن لمس زجاجة العطر منذ ساعات ماضية. استكانت تعابير وجهه ببسمة إثر هذه الذاكرة السريعة التي مرت أمامه وهو يتذكر هذه الفتاة الغامضة. *** في غرفة "الكافيتريا" بالطابق الإداري.
تفاجئ جمال بأن الباب مكسور وإبنته ليست موجودة. تنقلت نظرته في أرجاء الغرفة بتوجس حتى لمح خطها على أطراف ورق الجرائد الملفوف به الطعام، وقرأ بتفحص كلماتها، فهو يعرف خط إبنته جيداً. "أنا مشيت يابابا على البيت، اطمن عليا" إلتفت مرة أخرى للباب وتسائل بحيرة، هل هي من كسرت الباب بهذا الشكل؟ وإنكمش حاجبيه بضيق من تسرعها ولكن تعجب واحتار كيف كسرته هكذا؟!!
خرج عمر من المصعد ودخل للطابق الإداري متوجهاً إلى مكتبه مباشرةً ولكن تراجع وتوجه بإتجاه غرفة الكافيتريا الموجودة بطرق جانبية على يمينه. ووصل وهو ينظر لجمال الذي تملؤ وجهه الحيرة. كاد أن يسأله على هذه الفتاة ولكن تراجع بتردد، هل يقول له إنها فلتت منه وخدعته وذهبت! شعر إن ليس من اللائق قول هذا. عاد بخطوات سريعة إلى مكتبه. تنبّه جمال إلى صوت خطوات خلفه والتفت ليرى عمر متوجهاً لمكتبه.
تنفس بإرتياح لعدم استفساره عن سبب كسر باب الغرفة بهذا الشكل، وأسرع إلى الطابق الأرضي ليحضر أحد من العاملين الخاص بالصيانة ليصلح الباب بأسرع وقت. *** في طريق العودة إلى المنزل. إندست في زحام حافلة (أتوبيس) تخص النقل العام. وتصبب جبينها حبيبات العرق من شدة حرارة الطقس. وأخذ الطريق وقتاً أطول بسبب وقوف الحافلة كل عدة دقائق لأجل الركاب، حتى وصلت الحافلة و توقفت في محطتها الرئيسية.
خرجت ليالي بوجه ممتقع بسبب الزحام، وأسرعت في خطواتها إلى المنزل. ولكن أوقفتها فتاة ذات صوت مبحوح وبابتسامة على وجهها، قالت: _استني يا ليالي، عايزاكي، كويس إني قابلتك. أنا أصلاً كنت هاجيلكم البيت. بادلتها ليالي بنظرات جامدة وأجابت بدون اكتراث: _معلش مش فاضية، ورايا حاجات كتير. ضاعت الابتسامة على وجه الفتاة وقالت بتأكيد: _مش هاخد من وقتك غير كام دقيقة بس، الكلام اللي هقوله لازم يتقال. أشاحت ليالي نظرتها بضيق
ونظرت بإتجاه آخر وقالت: _اتفضلي بس بسرعة. تنحنحت الفتاة وقالت بنبرة محرجة ومتوسلة: _أخويا عايز يرجع لأمل، هو عرف غلطه خلاص وعرف قيمتها. ياريت تساعديه يعرف بس يكلمها لو حتى ٥ دقايق. جزت ليالي على أسنانها بحدة وظهر الغضب على وجهها وهى تقول بنظرة حادة للفتاة: _عرف غلطه!! بعد إيه؟ بعد ما فضل معلقها معاه ٤ سنين حب وكلام فارغ وخطبها شهر وسابها، وعرف قيمتها بعد السنين دي كلها!!!
أنا لو ساعدته يبقى بساعده أنه يدمرها. أنا أختي مش قليلة ولا ناقصها شيء، والف ومين يتمناها. تحدثت الفتاة مقاطعة عصبية ليالي: _ومين اللي قال إنها قليلة، بس مش عارفة هو كان فيه إيه ساعتها بالضبط، أنا حاسة إنهم خدوا عين وحشة والله. ليالي بسخرية: _أهو كل غلط نقول حسد حسد!! وأخوكي اللي خسر كتير أوي، مش هيلاقي ضافرها تاني. واكملت بنظرة ذات مغزى: _وأظن بعد ما سابها اتأكد من كدا بنفسه، لكن أختي ربنا رحمها من واحد زي ده.
تنهدت الفتاة بحزن وقالت: _طب ما تاخدي رأيها، مش يمكن يكون ليها رأي تاني ولسه بتحبه؟ ليالي بنفي: _أنا عارفة أختي كويس أوي، وعموماً عشان أثبتلك كلامي أنا هخليها تقولك الكلام ده بنفسها في التليفون. قالت الفتاة راجية: _خليكي محضر خير يا ليالي. تعجبت ليالي من حديثها وقالت: _أنا ما بحبش اللف والدوران والصح بقول عليه صح والغلط بقوله انت غلط، بس أوعدك إني ما أفتحش بوقي إلا لما تقول رأيها، وهوصلها كلامك بس.
ردت الفتاة بموافقة: _بإذن الله هسمع سمع خير والمية ترجع لمجاريها، هما الأتنين لبعض باذنك يارب. أجابت ليالي بإيجاز: _اللي عايزه ربنا هيكون. واستدارت متوجهة إلى منزلها وهى تقول لنفسها بضيق: _بعد ما سابته اللي ضحكت عليه وخدت كل اللي معاه جاي يدور على اختي، على العبيطة اللي كانت بتصدقه زمان مهما قال، والله تستاهل كل اللي يجرالها لو وافقت ترجعله بعد اللي عمله معاها، بس عموما أنا ماليش دعوة هي حرة تختار اللي عايزاه.
دخلت من بوابة حديدية قديمة ذات لون أسود يزيد قتامة ببهتان الغبار عليه، وصعدت درجات السلم الضيق الذي يحاوطه جدران متقشرة، والطِيلاء القديم يظهر مر الزمان على الشقوق المتهالكة لهذا البيت القديم. وصلت لباب شقتهم ودقت عليه عدة دقات لعدم وجود جرس. *** كانت تقف أمام حوض الماء لاهثة بعد أن تقيأت وأفرغت كل ما في معدتها بألم. نظرت أمامها في المرآة المكسورة المثبت نصفها السليم على حوض الماء، وأدمعت عيناها بحسرة على حالها،
وقالت أمل بألم: _أعمل ايه دلوقتي؟ أنا لازم أعمل حاجة... وإلا. لم تستطع أن تكمل جملتها وقاطعها صوت القرع على الباب. غسلت وجهها سريعاً وجففته بالمنشفة المعلقة بجانب الحوض، وخرجت من الحمام ثم اتجهت ناحية باب الشقة لتفتحه. هتفت بعصبية قبل أن تصل للباب: _طيب هفتح اهو! فتحت قفل الباب الداخلي ودخلت ليالي وهى تتنهد من حرارة الطقس واردفت قائلة: _سلام عليكم. أجابت أمل بتأفف وهى تغلق الباب مجدداً: _وعليكم السلام.
واقتربت أمل ببطء إلى المقاعد بالداخل وجلست. نظرت لها ليالي التي استمرت تنظر لوجه شقيقتها الشاحب وعلقت بقلق: _وشك أصفر أوي كدا ليه يا أمل!! أنتي لازم تروحي تكشفي، ماينفعش تسكتي على نفسك أكتر من كدا، كل يوم بيبان التعب عليكي أكتر من الأول. هتفت أمل بعصبية وإحتجاج: _حد اشتكالك؟!! ما تخليكي في حالك! وبعدين هو كل يوم هنروح لدكتور، من أسبوع كان أبوكي وامبارح أنتي والنهاردة أنا!! ده إيه البيت اللي كله عيانين ده!!
بلعت ليالي غصة بحلقها وخطت بضع خطوات للأرائك القديمة ذات القماش المقلم باللون الأسود والأحمر، ثم جلست وتابعت بنظرة حزينة حاولت أن تخفيها: _لا أنا كويسة أوي الحمد لله، شوية ضعف وهيروحوا لحالهم. وبابا الضغط هو اللي بيتعبه دايماً وده من زمان، بس إنتي شكلك تعبان أوي، أنا أول مرة أشوفك كدا! نهضت أمل بغضب وصاحت بها معنفة: _أنا هسيبلك المكان كله وهمشي. وأسرعت الخطا إلى غرفتها.
زفرت ليالي بضيق وهي في حيرة من تصرفات شقيقتها في الآونة الأخيرة، ونهضت هي الأخرى وقامت لتبدل ملابسها حتى تعدّ الطعام. دخلت الغرفة المشتركة مع شقيقتها واختلست النظر لها من بعيد وهي تخرج ملابس بيتية من الخزانة، وبدأت بإرتدائها، في حين إن أمل تصنعت النوم ولكن حركة بؤبؤ عينيها كشفتها. إنتهت ليالي من إرتداء ملابسها وخرجت من الغرفة متوجهة إلى المطبخ وبدأت بطهي بعض الأطعمة.
نهضت أمل واقتربت من الباب وفتحته فتحة بسيطة وهي تراقب حركة ليالي في المطبخ ثم أغلقت الباب بإحكام. اخرجت هاتفها واتصلت برقم.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!