رمى خالد نظرة سريعة إلى وليد وقال لعمر: _أنا قولت في التحقيقات اللي أعرفه، ماكنش ينفع ما أقولش حاجة. رد عمر وهو يتنفس بسرعة مخيفة كالوحش المفترس الذي أصابته ضربة غدر: _قلت إيه؟ أجاب خالد بمراوغة: _قولت أن في بنت على علاقة بهشام الله يرحمه، وكانت جاية تاخد حاجة من هشام وهي اللي طلبت إننا نمشي ولما نزلنا بعد شوية لقيناها نازلة بتجري. بس. قال عمر بغضب: _المحامي جاي دلوقتي وهخليه يتصرف، ومحدش هيحاسبها غيري.
اتى المحامي بعد فترة ودلف لحجرة الشرطي للتحقيقات، ثم أجرى خالد اتصالًا وقد ابتعد لمساحة فارغة عن الآخرين. رد تامر بسرعة: _هااااا، حصل إيه؟ ابتسم خالد بانتصار وقال: _هشام الله يرحمه. على صوت قهقهة تامر وقال بشماتة: _هو ده الكلام، طب والبت التانية، عملت زي ما قولتلك؟ أجاب خالد وهو يتلفت حوله بترقب:
_آه، وزي ما أنت توقعت بالظبط، عمر مستحلفلها. هي هتطلع من تهمة قتله قدام النيابة لما تقرير الطب الشرعي يظهر إنه خد جرعة زايدة، لكن قدام عمر مش بريئة. استفسر تامر بتعجب: _طب وهشام كان عايز يتجوزها ليه عرفي مش رسمي!! أنت مش قولتلي كان هيموت عليها!! اخفض خالد صوته وبدأ يضيق من أسئلة تامر الكثيرة في وضع حرج، ولكن الآخر لا يبالي. قال:
_ماهو لو اتجوزها رسمي على طول كان ممكن تروح تقول لعمر إنه أجبرها وهو يشك، لكن هو كان عايز العقد العرفي الأول عشان يبان إنهم غلطوا وبعد كدا اتجوزوا عرفي من ورا أهله ولما ولدت حب يصلح غلطه ويخلي الجواز رسمي، ماهو محدش هيصدق ساعتها إنها اتجبرت على كل ده، وكان هيخلي عمر ولي أمرها عشان يكسره. ده اللي عرفته منه النهاردة. ضحك تامر بصوت عالي ثم قال:
_الله يرحمك يا هشام كنت داهية، يلا اديني خلصت من واحد فاضل التاني، المهم أنا هتابع تقرير الطب الشرعي عشان نبقى في التمام. القضية دي لازم تتقفل بسرعة. اندهش خالد وسأل: _افتكرتك هتسجن البنت دي، سهل أوووي يحصل ده. ابتسم تامر بسخرية وقال:
_اللي هيحصلها من عمر أكتر بكتير، هستفاد إيه لما تتسجن، وبعدين لو اتسجنت هتقول كل حاجة وساعتها كله هيتكشف وأنا مش عايز كدا، إنما لما تبقى برا هعرف أخطط براحتي وكله هيبقى في إيدي ومش هخلي عمر يصدقها مهما قالت. قال خالد بحذر: _طب هقفل دلوقتي عشان مش هعرف أكلمك أكتر من كدا. أغلق خالد الخط ثم توجه لوليد وجلس بجانبه. *** دلف تامر إلى غرفة فريدة في المشفى بعد أن أنهى مكالمته بالخارج ورأى الطبيب قد أنهى فحصه الطبي.
قال متظاهرًا بالقلق: _طمني يا دكتور، هي عاملة إيه دلوقتي؟ قال الطبيب بجدية: _عندها انهيار عصبي، والضغط وطي جدًا، بس بإذن الله تبقى أفضل حال خلال أيام، هي دلوقتي نايمة بتأثير دوا عشان أعصابها تهدأ شوية. هز تامر رأسه متفهمًا. خرج الطبيب من الغرفة وخلفه ممرضته ثم جلس تامر متفحصًا فريدة بذكريات الماضي. *فلاش باك .... من أكثر من ٢٠ سنة ماضية*
دلف جمال الساعي لمكتب رجل الأعمال الذي قد استحوذ على السوق التجاري في الآونة الأخيرة ومعه وكيل أعماله عاصم الفيومي (والد تامر) قال كامل وهو يعطي ملف أوراق لجمال بسبب أنه يطمئن لهذا الرجل ويأتمنه: _الأوراق دي يا جمال وصلها لبشمهندس علي ومش عايز حد يعرف عنها حاجة، كفاية سرقة المشروع اللي فات. رد جمال بلطف: _حاضر يا كامل بيه، هوصلهم وأجي أعمل القهوة لحضرتك.
خرج جمال وهو ينظر حوله ثم دخل المصعد ولكن تفاجأ بدخول عاصم الفيومي أيضًا. توتر وجه جمال من أن يشك به هذا العاصم، ولكن الآخر كان على وشك السقوط من انخفاض مستوى السكر كعادته في الآونة الأخيرة ثم سقط بالفعل على أرضية المصعد وسقطت حقيبته التي يبدو أنه من المرض تركها مفتوحة بغفلة وتناثرت أوراقها حوله. اضطرب وجه جمال بخوف وضغط على زر التوقف للطوابق ثم هتف على أحد حراس الأمن حتى يحملون المغشي عليه ويتم إسعافه. واتوا بعد
قليل وحملوه وقال أحدهم: _زي كل مرة يا نعيم، هنجيب الدكتور اللي جنب الشركة يكشف عليه ويديله جرعة أنسولين. نظر جمال للأوراق وانحنى حتى يجمعها ولكن اختلط عليه الأمر فقد سقطت الأوراق التي كانت معه أيضًا وهو يساعد في حمل عاصم مع الرجال. احتار في الأوراق وهو لا يعلم أي فيهم الأوراق التي أعطاها له كامل الشريف. قرر جمعهم ثم صعد لكامل مرة أخرى وقال عندما دخل المكتب بحرج:
_معلش يا كامل حصل حاجة لخبطت الأوراق اللي معايا كلها، بس ما تقلقش مافيش منهم حاجة ضاعت. على القلق وجه كامل وهتف: _حصل إيه يا جمال ما تقول!! قال جمال ما حدث بالمصعد وناوله الأوراق كي يرتبها من جديد. أخذ كامل الأوراق وبدأ يفحصها حتى اتسعت عيناه بذهول مما رأى وقال وهو ينهض بعصبية: _أنت متأكد إن الأوراق كانت مع عاصم؟ بلع جمال ريقه بخوف وأجاب:
_الأوراق اللي حضرتك ادتهالي وقعت على الأرض وأنا بسنده وشنطته يظهر إنه سابها مفتوحة فكل اللي فيها وقع والورق كله اتلخبط عشان كدا جيت لحضرتك تفرز الورق تاني، أنا ما أعرفش فيها حاجة يا كامل بيه. تنفس كامل بحدة وقال بعصبية: _بقى أنت يا عاصم يطلع منك كدا، بقى كل المشاريع اللي اتسرقت مني دي كنت أنت السبب فيها، بس ماشي أنا هعرفك مين كامل الشريف.
في خلال أسبوعين بعد ذلك كشف كامل أمر عاصم متلبسًا بسرقة أحد المشاريع في فخ قد أوقعه به كامل بذكاء حتى يكشفه ثم بلغ الشرطة وتم القبض على عاصم وسجن بعد ذلك. أرسل كامل مبلغ كبير لأسرته وتكفل بمصاريف أولاده كاملة حتى يريح ضميره. لم يدرك أن عاصم قد أوجد نبتة حاقدة مثله وتتمثل في ابنه الذي تضخم الحقد بداخل قلبه وذلك بعد أن توفى والده بعد ذلك في السجن وقد اشتبه بشبهة جنائية في موته بداخل السجن. عاد تامر من
ماضيه الأسود وقال لنفسه: _أبويا كان بيحلم إنه يبقى صاحب الشركة دي ومات وما حققش اللي كان بيحلم بيه، بس ابنه هيحققه وهاخد ثأره منكم كلكم. *** بعد أن ابتاعت من الخارج لبن خاص بالصغير وأتمت رضاعته بابتسامة حنونة ثم عبست بضيق وقد دق قلبها بعنف حتى قرأت بعض الأذكار في خفوت ثم قالت:
_أنا هروح القصر بكرة إن شاء الله وهواجهكم كلكم، وأنا عارفة إن والدة عمر هتصدقني بالذات لما تشوف العقد وامضت ابنها عليه. أنا مش عارفة هو كان ماله لما أخدته المفتاح وجريت، أكيد كان بيمثل ماهو مش معقول ضربة كتفه هتعمل فيه كدا!! عمومًا حتى لو مات في إيدي ما كنتش هزعل، منه لله. ***
خرج عمر ومعه المحامي بعد فترة طويلة من انتظار تقرير الطب الشرعي، وقد أظهر التقرير أن المتوفي قد أخذ جرعة كبيرة من المخدر وتسببت في تسميم دمه مما أدى للوفاة بعد دقائق، ولكن الغريب أنه أصيب إصابة كبيرة في كتفه الأيسر وقد تبين أن الإصابة كانت قبل الوفاة بدقائق ولا يوجد أثر للأداة التي تم الإصابة بها. قال المحامي:
_مافيش دليل ضد حد خصوصًا إن سبب الوفاة جرعة مخدرات مش الإصابة، ومافيش أي شبهة جنائية لأن المنديل اللي اتمسح بيه الدم اللي على كتف المرحوم بصماته هو عليه مش حد تاني يبقى كان حي يرزق ساعتها. البقاء لله يا أستاذ عمر.
خرج عمر كالإعصار من قسم الشرطة وهو يتوعد لمن ذبحت قلبه، فهو يعلم أن ليس مصادفة وفاة شقيقه في هذا اليوم بالتحديد تزامنا مع وجودها وهروبها من الفندق بهذا الشكل. هناك اشتباه كبير يرصدها بالجرم، وإن كان هذا الاشتباه ليس كافيًا لدى الشرطة، ولكنه أكثر من كافٍ ليدينها بنظره هو. سيجدها وسينتقم. ***
طل الصباح واستيقظت ليالي على يد الصغير على وجهها بمداعبة رقيقة، ابتسمت لا إراديًا وهي تعتدل وتضمه بقوة ثم نظرت له وحاولت أن تستبين ملامح وجهه الرقيقة وقد دق قلبها عندما لمحت أن عينيه تشبه عينان كانت في الماضي تحبهما. في الماضي!! ستظل تحبه ولكن ما بيدها غير أنها تنتقم لأجل شقيقتها ولأجلها، فهو كذب عليها وخدعها في الأخير. قالت بحزن:
_لو بتحبني عمرك ما كنت هتخطب واحدة تانية، ومش قادرة أصدق إنك اتجبرت كدا، مش هيبقى أكتر مني ومع ذلك وقفت وقولت لأ ورفضت، أنا حاربت بس أنت انسحبت بسهولة ولو ما صدقتنيش المرادي يا عمر قسمًا بالله ما هحاول أثبتلك أي شيء تاني وهقف قصادك لحد ما آخد حق أختي وربنا مش هيسيبني. نهضت وأعدت رضعة الصغير ثم تناولها بلهفة أنامله الصغيرة مما أضحكها هذا وأخرجها قليلاً من دائرة الحزن هذه.
كان الطفل عمره لم يتخطى الأيام ولكن من يراه يقول إنه اقترب على الشهور في عمره. ربتت على رأسه بحب وقالت بدعاء وبنبرة مترجية للسماء: _ربنا يباركلي فيك يا نور عيني وتبقى عوض عن كل اللي راحوا، وتبقى سندي بعد ربنا.
سقطت دمعة من عينيها وقعت على وجه الصغير مما أوقفه عن الرضاعة ناظرًا لها بنصف عين بشكل مضحك مما جعلها تبتسم بحب وتمسح دموعها وهي تقبله بنعومة وقد شعرت أن أي صعب سيهون أمام تلك الابتسامة الملائكية التي تذيب القلب في الحال. ***
بعد أن عاد فجرًا إلى المشفى ذهب لغرفة فريدة ليطمئن عليها ثم انفرد بنفسه بالخارج وقد سقطت عبرات عينه بقوة على فراق شقيقه الذي كان يحبه بشدة وحاول كثيرًا أن يوقفه عن هذا الطريق ولكن هشام كان أكثر عنادًا من أن يتقبل النصح. ثم قال بغضب بين دموعه: _اللي أعرفه إن هشام كان بيشرب كحوليات بس ما كانش بيتعاطى مخدرات، عمري ما شفت معاه حاجة زي دي، أكيد هي السبب، اللي تعمله ده كله مش هستبعد عليها حاجة تاني وعمري ما هصدقها تاني.
وضع تامر يده على كتفه وقال: _يلا يا عمر عشان الدفن، لازم نكون في القصر ونستقبل الناس اللي هتيجي تعزي. نهض عمر بقوة وقال: _هاخد العزا بس عزائي ما انتهى، لكن هنهيه قريب. وقال لتامر بعد ذلك: _اقلب البلد بحالها عليها يا تامر، لازم ألاقيها. لمعت نظرة خبث بعين تامر وسأل: _هتعمل معاها إيه، مافيش حاجة تدينها يا عمر!!! ضيق عمر عينيه الحمراء وقال:
_لأ فيه، هوريها الويل لما ألاقيها، تقع بس في إيدي، ولازم ألاقيها. اللي عايزه منك إن الصحافة ما تعرفش أي حرف عن اللي حصل. أجاب تامر بالإيجاب: _حصل يا عمر وكله تمام، أنا من العيلة وحاجة زي دي ما تفوتش عليا. ذهب عمر وترك تامر الذي ابتسم بنصر من نيل هدفه بنجاح أكثر من المتوقع. *** استعدت عند أذان الظهر وأخذت آدم والعقد ثم ذهبت متوجهة للقصر.
وعند الوصول إلى هناك لاحظت تجمع كبير للسيارات بشكل مقلق وأفراد الأمن ينتشرون حول القصر بقلق. لمحت السائق الذي كان يوصلها بسيارته فيما قبل واقتربت منه وقالت: _هو في إيه هنا يا عم صلاح؟ نظر لها صلاح بدهشة ثم انتقلت نظرته للصغير وجذبها من يدها بقوة بعيدًا وقال: _أنتِ بتعملي إيه هنا يابنتي، امشي من هنا بسرعة. بلعت ليالي ريقها باضطراب وقلق ثم قالت بتوتر: _ليه؟ رد الرجل وهو يتلفت حوله بخوف وقال:
_بنتي كريمة بتشتغل جوا وسمعت عمر بيه وهو بيأمر حراسه إنهم يدوروا عليكي، أنتِ ما عرفتيش إن هشام بيه مات امبارح. اتسعت عينا ليالي بذهول وقالت بتلعثم: _م... مات، إزاي؟ قال الرجل وهو يقول بقوة: _مش عارف وما أعرفش إيه صلتك بالموضوع، ولولا أبوكي الله يرحمه كان صاحبي ما كنت حذرتك، امشي من هنا دلوقتي قبل ما حد يشوفك.
أحكمت ليالي قبضتها على الصغير ثم لا إراديًا عاد الذعر بقلبها ولكن هذه المرة كان من فرط خوفها على آدم وليس من أجلها. أسرعت الخطى لتبتعد من هنا قبل أن يلمحها أحد ولكن جذبتها يد قوية وهي تركض محاذية للسيارات التي تقف بجوار البوابة الأمامية للقصر.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!