ابتسمت لمزاحه ومرحه وبدأت تتعامل مع الحاسوب بقلق وتوتر، وحاول هو أن يجعلها تطمئن أكثر. مضى بعض الوقت وهو يوجهها ويشرح بعض بدايات التعامل مع هذا الجهاز. تنهدت بضيق وهي تنظر له وقالت بعبوس: "أظن مافيش فايدة، أنا مش حاسة إني فاشلة." سارع هو باعتراض وأوضح قائلًا: "احنا لسه بنقول بسم الله، انتي لحقتي تيأسي؟! أجابت بتقطيبة وقد رفعت يدها عن أزرار الحاسوب:
"بقالنا ساعة وانت شرحت حاجات كتير وبحس إني فهمتها، بس لما باجي أطبق بفشل رغم إنك بتجربها قدامي الأول." ابتسم بهدوء وقال: "ماتستعجليش، هتتعلمي كل حاجة وكل شيء بياخد وقته." ثم تابع بمكر: "وبعدين أنا مش مستعجل، حتى لو هنفضل كدا للسنة الجاية." صوبت نظرتها على الحاسوب مجددًا وتجنبت نظراته المعترفة التي أربكتها، ثم نهضت وقالت بتساؤل: "بقولك إيه، تشرب قهوة؟ أضاء وجهه عنها وهو يكتم طيف بسمة كادت أن تتسع من طفوليتها الظاهرة،
ثم قال بلهفة: "ياااااريت بجد." استدارت ليالي وخرجت من المكتب إلى غرفة الكافيتريا وبدأت في إعداد فنجان قهوة "مضبوطة". صادف إنه يحبها هكذا. عادت بعد دقائق إلى المكتب ووضعت الفنجان أمامه، ثم جلست في مقعدها ونظرت للحاسوب بكره، مما جعل ابتسامة عمر تتسع وهو يرتشف من قهوته بعض القطرات وقال بمرح: "أنا لو مكان اللاب وبتبصيلي كدا هكره نفسي." أجابت بمقت حانق: "هتشرح حاجة تاني ولا كفاية كدا النهاردة ولا إيه؟
نظر لها برقة ثم أجاب بلطف: "كفاية كدا النهاردة عشان ما تتلغبطيش، خلي اللاب معاكي واقعدي طبقي كل شوية لحد ما تتعلمي، التكرار بيعلم الشطار." أجابت بقلق: "هي هايدي عارفة إني هشتغل هنا؟ رد عمر بتأكيد: "أكيد تامر قالها بعد ما خرج من هنا، انتي ما تعرفيش إنها خطيبته ولا إيه؟ أجابت ليالي بهدوء وقالت: "آه عارفة، بس عشان ما تسألش على مكاني وكدا." طمأنها عمر وقال:
"ما تقلقيش من أي حاجة، أنا عارف بعمل إيه، وعلى فكرة لو فضلتِ مع هايدي عمرك ما كنتِ هتتعلمي ولو قعدتي ١٠ سنين." هزت رأسها بموافقة: "أيوه فعلاً، مش عارفة ليه بتعاملني كدا؟! نهض عمر واقترب من نافذة مكتبه وقال: "نادرًا لما تلاقي حد يساعدك من غير مقابل، عشان كدا لازم تساعدي نفسك." نظرت له خلسة ثم وجهت نظرتها لاتجاه آخر وقالت: "طب وانت بتساعدني ليه؟ سرحت عيناه وطافت الابتسامة على محياه وهو يقول: "لسه ما عرفتيش؟!
واستدار ليراها وقد امتقع لونها من الخجل عقب جملته الأخيرة وتابع: "مع الوقت هتعرفي كل شيء لوحدك، أنا مستني الوقت المناسب بس، أصلاً بصراحة صغيرة أوي." مطت فمها بتذمر وأخذت اللاب توب وابتعدت لطاولة بعيدة عن مكتبه خاصة بدراسة التصميمات وتظاهرت بالاندماج في العمل، ولكن ذهنها مشتت تمامًا في كلماته. راقبها من بعيد بنظرة متسلية وتابع عمله هو أيضًا. عاد تامر إلى مكتبه وهو يستشيط من الغيظ. ضرب على مكتبه بقوة وقال بشر:
"أنا سكت كتير بس مش هسكت أكتر من كدا." التقط هاتفه وضغط على رقم هشام. أجاب الآخر بتأفف: "خير؟ تحدث تامر بغيظ وانفعال وقال: "انت عمال تقولي كله تمام تمام والبت اياها جت اشتغلت عند أخوك في الشركة وشكلها هتسيطر." أجاب هشام بذهول وقال بغضب: "اشتغلت في الشركة إزاي يعني؟! ومن امتى الكلام ده ولا هي اشتغلت فجأة؟! تلعثم تامر في الإجابة ثم قال بمكر:
"أنا ما رضيتش أقولك عشان عارف إنك متهور وهيبان إني أنا اللي قولتلك وهتخلي شكلي وحش قدام أخوك، لكن البت دي يتخاف منها." هتف هشام بعصبية: "أول مرة أحس إنك غبي يا تامر، لكن إزاي اشتغلت وهي... أجاب تامر سريعًا: "قصدك عشان موضوع الحمل يعني، طب وايه يعني! وبعدين هايدي قالتلي إنها كانت بتصدع وبتدوخ وهي بتشتغل كتير، أنا متأكد إن في دماغها حاجة." صاح هشام بغضب وهو يطرق على حافة مقعد أمامه وقال: "بنت الـ...
، بس أنا هخليها تتحايل عليا عشان أرضى أتجوزها، هي فاكرة إنها ذكية، خلينا نشوف مين أذكى من التاني." أغلق الهاتف بغضب وهو يتوعد لأمل بالشر. أما تامر جلس على مكتبه وهو يبتسم بشماته وقال: "أنا آسف على اللي هيحصلك، بس انتي اللي جبتيه لنفسك."
شعرت أمل بالقيء وأسرعت إلى المرحاض، وبعد دقائق كانت تخرج وهي تلهث من التعب. أخذت منشفة ملقاة على الأريكة وجففت وجهها ثم ذهبت إلى غرفتها وأخرجت الدواء الذي بحثت عنه كثيرًا حتى وجدته في إحدى الصيدليات في نفس الليلة التي تم سرقة حقيبة النقود بها. أخذت قرصًا من الدواء وارتشفت قليلًا من كوب الماء ثم جلست على الفراش ولمعت عيناها بدموع الندم وقالت:
"لو الزمن يرجع بيا تاني كام شهر بس، أنا غلطت غلط كبير ومش عارفة أسامح نفسي، يارب انقذني يارب من اللي أنا فيه." سمعت صوت الهاتف فجأة. تحركت لتأخذه من على كومود صغير بجانب سريرها وارتعشت عندما رأت رقم هشام هو المتصل. أجابت بخوف: "الو؟ رد عليها بعنف:
"ورحمة أبويا لعرفك مين هو هشام كامل الشريف، بتلعبي من ورايا وفاكرة نفسك شاطرة، أنا عارف انتي فين دلوقتي ولو كنت سايبك فأنا سايبك بمزاجي، وخليكي فاكرة أنا ممكن أعمل أي حاجة وعشان كدا هنصحك للمرة الأخيرة.. ابعدي عني." انتفضت من الخوف وقالت وهي تتظاهر ببعض القوة حتى لا يستغل ضعفها: "انت بتزعقلي كدا ليه مش كفاية اللي عملته وسرقت فلوسنا يا حرااامي، وهو إيه اللي عارف أنا فين!!!
هو أنا شكلي وزيك بروح أماكن مشبوهة ولا فاكرني ما أعرفش، أنا لو قررت أعمل حاجة هعمل كتير يا هشام بس أنا بقى اللي هنصحك للمرة الأخيرة.. صلح غلطتك لأن لو ما عملتش كدا بمزاجك هتعمله غصب عنك وأنا عمري ما هموت ابني بأيدي." ضحك بقهقهة ساخرة ثم تحدث بشر: "غصب عني!!!
قصدك يعني على عمر، طب أنا هقولك حاجة وخليكي فكراها كويس، أنا لو أبويا نفسه عايش مش هيقدر يجبرني أعمل حاجة، وعندي مفاجأة صغيورة كدا ليكي، عشان تبقي تخططي كويس بس مش هقولك عليها دلوقتي أنا سايبها للآخر خالص." أغلق الهاتف في وجهها وعيناه تقدح شررًا. تعالى صوت أنفاسها المتسارعة من شدة الخوف من الآتي ومن المجهول واحتارت برعب من حديثه. ماذا يخبئ لها كي يتحدث بقوة هكذا وصوته ينبئ بالشر؟
انتهى دوام عمل اليوم وعادت ليالي إلى منزلها لترى أمل في حالة لا يرثى لها من المرض وحرارتها عالية. اقتربت ليالي بخوف وقالت: "هروح أجيب دكتور حالا ماتقلقيش." منعتها أمل وشدت على معصم يدها وقالت: "لأ، مافيش داعي، اعمليلي أي حاجة سخنة أشربها وهبقى كويسة، هفوق بسرعة ما تقلقيش." نظرت لها ليالي بترقب وتمعن وقالت: "ما أقلقش إزاي!! ده انتي عينيكي شبه الدم زي ما تكوني بقالك أسبوع بتعيطي، أنا لازم أجيبلك دكتور عشان أطمن."
صممت أمل بعصبية وقالت: "حرام عليكي بقى، اسمعي كلامي بقولك، ما تجيبيش حد أنا هبقى كويسة واعملي بس زي ما قولتلك وكلها ساعة زمن وهبقى زي الحصان وهتشوفي." نهضت ليالي من جانبها ودلفت إلى المطبخ لتعد شرابًا ساخنًا وعادت مرة أخرى إلى غرفة شقيقتها وناولتها كوب الشراب. اعتدلت أمل في جلستها وأخذت منها الكوب وبدأت ترتشف قطراته ببطء ونظرة شاردة. راقبها ليالي بريبة وقالت بقلق وهي تجلس بجانبها مرة أخرى: "نفسي أعرف فيكي إيه؟
يوم تبقي كويسة وبعدها ترجعي تاني للحالة دي." ثم تابعت بألم: "أمل، الحزن مش معناه إننا نضيع حياتنا بالطريقة دي، أنا محتاجاكي جانبي أووي بالذات في اللي جاي." تأملت أمل في وجه ليالي لفترة ودموعها تنزف بغزارة ثم وضعت الكوب جانبًا وضمت شقيقتها وسمحت للبكاء أن يعلو وقالت بتمتمة:
"هقوى وهقف على رجلي تاني وهبقى جانبك، أوعي تخافي يا ليالي، أنا مش عارفة أسامح نفسي على اللي عملته معاكي بعد أبويا ما مات بس القهر اللي ساكن قلبي خلاني أعمل كدا بس أنا مش كدا والله العظيم مش كدا." بعدت ليالي قليلًا وسكن وجه شقيقتها بين يديها وقبلت جبينها بقوة ثم قالت بمحبة:
"وأنا مش زعلانة منك ولا عمري هزعل منك، أنا ماليش غيرك يا عبيطة، وعمري ما هنسى يا أمل حنيتك عليا بعد أمي ما ماتت طول السنين اللي عدت، يبقى هزعل منك على شوية كلام قولتيها ساعة شيطان دنا أبقى قليلة الأصل حتى! ضمتها أمل بقوة ثم تظاهرت ببعض المرح وهي تجفف عينيها بأصابع يدها وقالت: "هنفضل نعيط كدا ومش هنتعشى! ابتسمت ليالي وقالت: "هروح أحضر العشا ثواني وأكون عندك."
أسرعت ليالي وهي تمسح وجهها من الدموع، وأخذت أمل تنهيدة طويلة ثم قالت وقد استجمعت بعض قوتها: "أنا مش هخاف منك يا هشام، أنا لازم أقوم وأقوى وأدافع عن ابني وأقف جنب أختي اللي بتموت دي، وهتشوف." رتبت ليالي صينية الطعام ودلفت إلى غرفة شقيقتها وهي تبتسم بمحبة ووضعت الطعام أمامها ثم بدأت في إطعامها بمشاكسة. في صباح اليوم التالي.
عند وصول ليالي إلى الشركة دلفت إلى المبنى وألقت على هايدي نظرة منتصرة وقوية وبادلتها الأخرى بنظرة مغتاظة وحقودة. دخلت المصعد وهي مرتابة منه وضغطت على أحد الأزرار وتحرك المصعد للأعلى. فتح الباب أوتوماتيكيًا عند الطابق الإداري وخرجت منه واستندت على الحائط من شدة الدوار حتى أغمضت عينيها لثوانٍ وأخرجها عنوة صوت عمر وهو يقول بقلق: "ليالي؟ مالك في إيه؟ فتحت جفن عينيها وقالت متفاجئة بوجوده:
"لأ أصلي دوخت شوية من الإسانسير وعشان كدا وقفت على ما الدوخة دي تروح." راقب ملامحها وقال بنبرة قلقة: "هتقلقيني عليكي كدا، لو تحبي تروحي وترتاحي هوصلك بنفسي." رفضت ليالي وقالت وهي تتحرك وتتجه للمكتب: "ما تكبرش الموضوع، دي دوخة بسيطة من الإسانسير مش حاجة كبيرة يعني." ابتسم بأطمئنان وقال: "طب يلا عشان نشتغل، بس هعفيكي لمدة ساعتين من الشغل على ما تستريحي وأكون خلصت شغلي وفضيت." تعجبت ليالي وقالت:
"بس اللي أعرفه إنك المفروض تروح لموقع النهاردة عشان تتابع الشغل هناك! تذكر هذا الميعاد بضيق ثم أجاب: "مش هروح وانتِ وكدا، هبعت حد بدالي." نظرت له بعبوس وقالت باعتراض: "لأ، منا مش جاية عشان أعطلك عن شغلك لو كدا مش هاجي تاني." رمقها بغيظ وقال: "تصدقي أنا غلطان إني خايف عليكي." ودخل إلى مكتبه وتركها. ضيقت عينيها بغيظ ودخلت خلفه المكتب وقالت وتظاهرت ببعض التعب: "في حد يزعق لحد وشايفه تعبان ودايخ كدا، أنا زعلانة أوي."
أجابها بحنق: "ما انتي اللي عصبتيني وده كله عشان خايف عليكي!! تظاهرت هذه المرة بالبكاء وقالت: "بيزعق تااااني. بقى هي الدنيا كدا، بقى هي الناس كدا." قال باستغراب مع الندم: "خلاص بقى بطلي عياط." قالت وهي تأخذ منديل من حقيبتها وغطت به ابتسامتها المكبوته: "منا قولتلك قبل كدا لما حد بيزعقلي بزعل وبعيط وبتعب وبدوخ.. آه." تنهد بضيق ثم تأسف: "خلاص أنا آسف ما تزعليش." أجابت مسرعة: "مش قادرة أسامحك." رد عمر بدهشة: "إيه؟
عدلت من إجابتها وقالت: "سيبني دلوقتي على ما أهدى." عمر بضيق: "هروح الموقع دلوقتي." أجابت ليالي وتعالت رعشة يدها وبدأ الأمر وكأنه حقيقة وقالت: "روح، ما كله رايح." ضيق عينيه بتذمر وزم شفتيه بغيظ وخرج من المكتب حتى أطلقت هي لضحكتها العنان. بعد مرور أكثر من ساعتين. ترجلت من سيارتها الفاخرة ودخلت إلى مقر الشركة لتتسع عين هايدي. وأسرعت إليها محتضنة إياها بقوة وقالت: "وحشتيني مووووت بقى كدا؟!
قافلة فونك وجتلك قالولي إنك مسافرة ومش عرفت أوصلك خالص." أجابت ريهام وقالت: "معلش، بس خلاص أنا هنا وواقفة قدامك كمان." ابتسمت هايدي وقالت: "طب يلا بقى احكيلي عملتي إيه في الإجازة؟ ردت ريهام وقالت: "هقولك بس هروح مكتبي وهعدي على عمر الأول." ثم تركت هايدي وأسرعت إلى المصعد دون أن تلتفت لإجابة هايدي عليها بعدم وجود عمر في مكتبه.
انتابها صداع شديد بعد أن جلست أمام الحاسوب لفترة طويلة ورغمًا عنها اشتاقت لرؤيته حتى تفاجأت بالذي دخلت المكتب بدون حتى استئذان وبشكل مفاجئ. نظرت ريهام لليالي بدهشة وقالت: "إنتي بتعملي إيه هنا؟ أنا فاكراكي، انتي بنت عم جمال صح؟
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!