نظرت ريهام لليالي بدهشة وقالت: -انتي بتعملي إيه هنا؟ أنا فاكرة إنك بنت عم جمال صح؟ نظرت ليالي في وجهها بتمعن وتذكرت إنها رأت هذا الوجه من قبل، وبعد دقيقة قالت مؤكدة: -أيوه، الله يرحمه. أنا برضه حاسة إني شوفتك قبل كده بس مش فاكرة بصراحة. تأملت ريهام لبرهة في وجهها، وعلى الفور أتى في ذاكرتها هشام، ثم أردفت بهدوء: -أنا جيت عزيتك يوم الوفاة مع طنط فريدة والدة عمر. بس انتي بتعملي إيه هنا؟
انتقل نظرها للحاسوب المثبت أمام ليالي، ثم قالت بشك: -انتي بتشتغلي هنا؟! تعجبت ليالي من استفسارها بتصميم هكذا وبنظرات غامضة، ثم قالت بموافقة: -آه اشتغلت هنا من فترة مش كبيرة. ضيقت ريهام عينيها باستفسار ثم قالت: -وشغلك هنا! في مكتب عمر؟ وعمر موافق؟! استاءت ليالي من أسئلتها المندهشة وكادت أن تجيب حتى أجاب صوت آخر: -أيوه موافق يا ريهام، في مانع عندك؟
التفتت الفتاتان لمصدر الصوت ليروا عمر يقف عند مدخل باب المكتب ويداه في جيوب بنطاله، ثم ألقى نظرة قوية على ريهام وكرر جملته: -أيوه موافق، إيه المشكلة! تقدري تقوليلي؟ قطبت ريهام حاجبيها وقالت بضيق لهذه العصبية التي تجلجل نبرة صوته: -أنا ما قولتش إن في مشكلة يا عمر، ده مجرد استفسار لأني عارفة إنك ما بتعرفش تشتغل وحد جنبك. وأسفة لو أزعجتك.
أسرعت إلى الخارج ومرت بجانبه ورمته بنظرة معاتبة، ثم دخلت المصعد صعوداً إلى مكتبها في الطابق الرابع. رمقته ليالي وهو يتنهد بضيق وكأنه يعاتب نفسه، ثم قالت: -هي دي ريهام.. خطيبتك؟ هتف بحدة: -اللي كانت خطيبتي يا ليالي، أنا انفعلت عليها من غير سبب واهي زعلت. لمعت دمعة في عينيها ثم قالت بنبرة مرتعشة تهدد بالبكاء: -أنا آسفة إني سببت مشكلة من غير ما أعرف. روح اعتذر لها ولو عايزني أنا كمان أعتذر لها ما عنديش مشكلة.
أخذت حقيبتها من على المقعد المجاور لها، ثم تحركت باتجاه الباب. وقف أمام الباب مانعاً إياها من الخروج وقال بضيق: -أنا ما قولتش إنك السبب وعمري ما هخليكي تعتذري لحد انتي ما غلطتيش في حقه. ما تبقيش دايماً متسرعة كدا في رد فعلك. نظرت أمامها وتحاشت النظر إليه، ثم قالت: -أنا حاسة إني تعبانة وعايزة أمشي. ممكن؟ ابتعد عن الباب وقال بابتسامة ماكرة: -ممكن طبعاً.
تأكدت من تساهله وابتسامته واعتقدت إنه ارتاح لذهابها، تسارعت أنفاسها أكثر بدموع مكتومة، ثم أسرعت ونزلت على درجات السلم. دخل مكتبه بنفس الابتسامة الماكرة، ثم جلس على مقعده. *** خرجت من المبنى وهي تبكي وأسرعت إلى السيارة التي تنتظرها يومياً لتنقلها إلى منزلها، ودخلت السيارة بعصبية حتى تعثرت يدها بصندوق هدايا كبير مغلف بشكل مذهل ومكتوب اسمها عليه.
نظرت للصندوق بدهشة عندما لمحت اسمها، أخذها الفضول لفتح هذا الصندوق ورؤية محتواه ولم تستطع المقاومة. فتحتُه لتتسع عيناها، دمية كبيرة ترتدي فستان عرس أبيض ومزينة بطريقة مذهلة جعلت الابتسامة تظهر على وجهها الباكي، وخمنت من أرسلها، ثم لمحت مغلفاً صغيراً به. مدت يدها لتفتحه وقرأت المكتوب: "كل سنة وانتي طيبة، أنا ما روحتش الموقع، أنا كنت بدور على هدية عشان عيد ميلادك، أنا عرفت التاريخ من الملف بتاعك. ليالي.
مش عايزك تزعلي مني أبداً، تعرفي ساعات بحس إنك بنتي.. من دمي، مش بقدر على زعلك وببقى مخنوق. في كلام كتير نفسي أقوله بس انتي مش مستعدة ليه في الوقت الحالي، أنا مستني اليوم اللي هقولك فيه كل حاجة بفارغ الصبر، بس لو أنا غالي عندك زي ما انتي أغلى الغالين عندي، لو مبسوطة من كلامي ده اتصلي بيا دلوقتي ومش مهم تقولي حاجة، اديني طرف الخيط عشان أتحدى الدنيا كلها بيكي، اديني إشارة واحدة وأنا هفهم. عمر....
ابتسمت وهي تقرأ كلماته، وكانت تتسع ابتسامتها كلما قرأت أكثر، وقررت إنها ستخبره عن مرضها بمجرد اتصال الطبيب لها بقرب إجراء العملية الجراحية، ولكن الآن احتارت ماذا تفعل. أخذت هاتفها من حقيبة يدها وارتعشت أناملها وهي تضغط على الرقم حتى تم الاتصال. ***
كان الفكر يأخذه هنا وهناك، واختفت ابتسامته مع مرور الوقت وهو ينتظر الاتصال الذي سينهي حيرته ويأخذ اعترافها بشكل غير مباشر ومراعياً لظروفها المؤلمة ولسنها الصغير، حتى على صوت رنين الهاتف وأخذه بسرعة وأجاب بابتسامة بدلت ملامحه للنقيض: -ليالي. رن صمت لبضع دقائق كادت خلالها أن تنطق، ولكن التوتر والخجل كتم صوتها حتى استطاعت بالكاد أن تجيب: -أيوه يا عمر، الهدية عجبتني أوي. اتسعت ابتسامته أكثر وقال بعد أن
أخذ تنهيدة ارتياح طويلة: -حمد الله على السلامة، أنا مش مصدق اللي أنا فيه، حاسس إني بحلم. بخجل وضمت المغلف الصغير اتجاه قلبها والتزمت الصمت حتى سمعت فحيح ابتسامته وقال: -قد إيه مبسوطة، وبتحضني الجواب 😂😊 اتسعت عينيها بصدمة وقالت بتلعثم: -ها؟ ضحك بقهقهة عالية وقال بمرح: -أنا واقف قدام شباك المكتب وشايفك 😝😂💃 تملكها الغيظ وهي تنظر من نافذة السيارة للأعلى ورأته يضحك، وقالت بانفعال: -مش عايزة هديتك، تعالى خدهااااااا😭 ضحك
أكثر من حديثها وقال بعشق: -خلاص، دخلتي حياتي ولا يمكن تخرجي منها. بلعت ريقها بخجل وقل الخط كعادتها عندما تتوتر من حديثه. *** بعد أن أرسلت ريهام إلى هايدي لتأتي إلى مكتبها واستفسرت عن بداية مجيء ليالي، أجابت هايدي: -بصراحة يا ريمو كلنا هنا مستغربين، البنت ما بتفهمش في الشغل نهائي وحاولت أعلمها ما فيش فايدة، وكمان عمر بيعاملها بشكل ملفت. امتقع لون ريهام وقالت بدهشة: -إزاي يعني؟ تابعت هايدي:
-يعني لو حد زعلها بيبهدله وبيخاف على زعلها أوووي بشكل أوووي، بس اللي عرفته من تامر إن عم جمال الله يرحمه وصى عمر عليها قبل ما يموت، يمكن عشان كدا عمر ما بيخليش أي حد يكلمها حتى لو غلطت. تنهدت ريهام بارتياح وقالت: -خضيتيني يا شيخة، أكيد قدام الموضوع كدا يبقى عمر بيعمل كدا عشان الوصية، أنا عارفة عمر قد إيه طيب وحنين وشهم. مطت هايدي شفتيها وقالت:
-يمكن، المهم أنا عايزكي تخلي بالك منها أصلها ساهيانة كدا ومش مرتحالها، دي من خبثها لما تلاقي الشغل بيكتر عليها تعمل نفسها دايخة وهتقع عشان ما أخليهاش تشتغل! تذكرت ريهام أمر ما وقالت بتهرب: -لأ شيليها من دماغك خالص، في ناس كدا بتتعب من أقل مجهود وشكلها ضعيفة كمان. تعجبت هايدي وشعرت بالغيظ وأضافت: -حتى انتي!! عموماً أنا هروح أشوف شغلي عشان اتأخرت.
نهضت وتركت ريهام شاردة، فتحت باب المكتب لترى عمر يقف وكاد أن يفتح الباب هو الآخر، ولكن سبقته. توتو وجه هايدي وأسرعت للخارج، واندهش عمر من توترها، ثم دلف إلى المكتب بوجه مبتسم ويضخ سعادة. بادلته ريهام ابتسامته وقالت: -جاي تصالحني ولا إيه؟ رد عمر بموافقة: -أيوه جاي أصالحك، ريهام انتي عارفة معزتك عندي واكيد مش هبقى مبسوط وانتي زعلانة مني بالذات في أول يوم رجوع ليكي في الشركة بعد الإجازة. نظرت له بسعادة وقالت:
-لأ مش زعلانة خلاص. وتابعت بمكر: -بس انت شكلك مبسوط دلوقتي بعكس لما شوفتك من شوية! أجاب بصدق وهو ينظر أمامه وتذكر وجه ليالي: -مبسوط دي كلمة قليلة، أنا النهاردة حاسس إني اتولدت من جديد. صدح رنين الهاتف الخاص بمكتب ريهام وأجابت: -الو؟ ردت عليها هايدي وقالت بقوة: -عشان تتأكدي من كلامي وإن البنت دي خبيثة، اديني عرفت إنها مشيت وكمان لما سألت الأمن قالي إنها كان باين إنها معيطة، تقدري تقوليلي إشمعنى النهاردة.
ابتسمت ريهام بسعادة واطمئنان لاعتقادها إن عمر يتحدث عنها وأجابت بعجالة: -هنتكلم بعدين يا هايدي، سلام. وضعت السماعة ونظرت مرة أخرى لوجه عمر الشارد وقالت: -ربنا يفرحك أكتر وأكتر ويحققلك اللي في بالك. ابتسم لها بصدق وقال: -وانتي كمان ربنا يفرحك يا رب زي ما أنا فرحان، انتي تستاهلي كل خير. تعرفي في كل المواقع بتاعت الشغل زهقوني سؤال عليكي. ضحكت ريهام بشدة وقالت: -خلاص يا أستاذ اديني رجعت، ومش هبعد تاني.
رمقته بنظرة متعمقة وتابعت: -يظهر إني كان لازم آخد إجازة من زمان، لو أعرف كدا ما كنتش أترددت ثانية. أجاب عليها بمرح وهو يعتقد إنها تعتبره أخاها الآن: -لا يا باشمهندسة، ما فيش إجازات تاني، ده غصب عنك مش بمزاجك. نهضت ووضعت يدها بمرح بجانب رأسها وكأنها تحيي العلم الجمهوري: -تمام يا فندم، عُلم وسينفذ. ابتسم بود ثم نهضت وألقى عليها السلام ثم خرج من مكتبها. وضعت يدها على وجهها ثم سقطتها بعدم تصديق وهي تضحك:
-معقول عمر بقى يحبني، يعني لما غبت عرف قيمتي وحس بغيابي، أنا مش مصدقة... بس المرادي مش هتعامل زي الأول، لازم هو اللي يقرب تاني وهو اللي يبدأ، مش هضحي بكرامتي تاني، بس المهم دلوقتي إني مبسوطة وطاايرة من السعادة. *** ترجلت ليالي من السيارة وأخذت صندوق الهدية بعد أن وضعته في حقيبة كبيرة حتى لا يلفت الانتباه، وأسرعت إلى منزلها وفتحت الباب أمل بوجه شاحب. رمقت أمل ما بيد شقيقتها بتعجب وهي تغلق الباب وقالت:
-إيه اللي في إيدك ده يا لولا؟ ابتسمت ليالي وقالت: -هقولك يا أمل، تعالي لأني لازم أحكيلك كل حاجة. جلست أمل على الأريكة بجانب ليالي وبدأت الأخيرة تسرد كامل القصة. ابتسمت أمل بفرحة لشقيقتها وقالت وهي تضمها: -ربنا يفرح قلبك يااارب، بس ما كنتش عايز اكي تاخدي الهدية. ظهر العبوس على ليالي وقالت بتوتر: -يعني أنا كده عملت حاجة غلط يا أمل؟ لو كده أنا ممكن أرجعاله. ربتت أمل على يدها وقالت بلطف:
-لأ ما ترجعيهاش عشان ما يزعلش، عمر إنسان محترم، ولو مش محارم أبوكي الله يرحمه ما كان يوصيه علينا أبداً. أجابت ليالي بحيرة: -طب ليه زعلانة إني أخدت الهدية؟ هربت أمل بعينيها المليئة بالحزن وقالت بألم ووجع:
-لأني مش عايزك تضحي بأي شبر من عزة نفسك وكرامتك، كان الأحسن لو خدتيها بعد الارتباط الرسمي، هقولك نصيحة واحفظيها زي اسمك، لو فرطتي من كرامتك بـ سم واحد هيجرى تصحيحات كتيرة بعديه، عشان كدا دي أول وآخر مرة تاخدي منه هدية، ماشي. قالت ليالي مؤكدة: -حاضر يا أمل، مش هاخد منه أي هدية تاني، وعلى فكرة أنا لو بس اديته أي إشارة ممكن يجي يتقدملي من بكرة، بس أنا خايفة من مرضي. هتفت أمل بعصبية:
-الأعمار بيد الله، ولو ما كانش يوقف جانبك في ظرف زي ده يبقى ما يستاهلش إنك تتجوزيه، لو بيحبك هيتمسك بيكي ولو كنتي عضم في أوفى. تنهدت ليالي بحيرة: -عندك حق، بس أنا مش هقوله حاجة دلوقتي لحد ما أشوف الدكتور والعملية، أنا مش عايزاه يفتكر حاجة تانية. اعترضت أمل وقالت: -مش هيفتكر أي حاجة وحشة على فكرة وهيتفهم الموقف، بس أنا مش هفرض عليكي تقولي له أو لأ رغم إني معترضة على ده، بس اللي انتي شايفاه صح اعمليه. نهضت ليالي وقالت:
-هروح أغير هدومي وأرجعلك. نظرت أمل لشقيقتها وهي تبتعد وتدلف إلى غرفتها، وحقاً فرحت لأجلها ولكن حزنت على نفسها أكثر وقالت بحزن: -بعتي نفسك بالرخيص أوووي يا أمل، الغلط مش بيجيب غير الغلط عمره ما هيجيب صح أبداً، ويا ريتني وقعت في واحد يستاهل، ده أنا وقعت في مجرم، حيوان، ممكن يعمل أي حاجة تيجي على باله، أنا كنت بفكر أقول لعمر وليالي وأشيل الحمل ده عني شوية، لكن دلوقتي هقولهم إزاي!!؟ هضيع لأختي فرحتها!! ياااارب 😢.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!