انتِ أزاي تقبلي هدية من حد؟ لم يكمل جملته حتى تجمد من الصدمة عندما رآها تسقط مغشيًا عليها. توقفت أنفاسه لثوانٍ معدودة من الصدمة حتى ركض وكأن صدمة كهربائية سارت بأوصاله. أقترب منها بملامح يتصنف تعابيرها أقرب إلى الذعر وهو يردد اسمها سريعًا وانفاسه تسبق حروفه لهفة. حرك وجهها يمينًا ويسارًا حتى تفيق ولكن بدون فائدة. بل نالت منها الغشاوة والإغماء بقسوة حتى جعلتها كالجثة الهامدة. لاحظ ارتفاع حرارة جسدها فبدأ يستوعب الأمر.
حملها على ذراعيه صعودًا إلى الأعلى بخطوات سريعة حتى دلف إلى الغرفة. ولحقته كريمة بخوف وهي ترى ليالي على هذه الحالة. وما إن وضعها على الفراش حتى قالت كريمة: لما طلعت لها كانت تعبانة بس نزلت لما عرفت أن في ضيف في الصالون. لم يكن في موضع احتمال لسماع شرح أكثر من ذلك. هتف بكريمة من غضبه: اتصلي بالدكتور بسرعة، خليه يجي حالًا.
ذهبت كريمة سريعًا حتى تأتي بطبيب في أسرع وقت. وسار وجه ليالي بين يديه الدافئة برقة. حتى انكمشت تعابير وجهه وهو يقترب منها ويهمس باعتذار متألم: أنا آسف يا حبيبتي، أنا مش هسامح نفسي لو تعبتي. لياااالي... أرجوكي ردي عليا... لياااالي. استمر يهتف باسمها وهي بعالم آخر لا تعي شيء إلا تلك النبرة الحادة التي سرقت قلبها منذ زمن بعيد وتسمعها الآن وكأن بينها أميال.
أتت طبيبة ودلفت إلى الغرفة وأشارت له ليبتعد. ابتعد مرغمًا وعيناه مثبتة على وجهها بأسف واعتذار أدمى قلبه. ومرت دقائق حتى انتهت الطبيبة من فحصها وأعطتها حقنة طبية بها محلول خاص بارتفاع درجة الحرارة. ثم نهضت وهي تعطيه روشتة الدواء. قالت بجدية: لما تفوق، تتغدى كويس وتاخد الدواء ده مرتين في اليوم. هي جالها هبوط مفاجئ مع ارتفاع الحرارة.
انصرفت الطبيبة. ثم أوصى عمر لكريمة بإرسال أحد الحرس ليأتوا بالدواء وأعطاها بعض النقود اللازمة للشراء. عاد إلى زوجته الممدة على فراشها لا تعي شيء حولها. استمر يهمس لها بكلمات الاعتذار الخافتة بعد أن جلس بجانبها واقترب منها بمراقبة حتى تفيق.
مر بعض الوقت وبدأت تستعيد وعيها تدريجيًا. وكالمولود الذي وقع عينيه على وجه أمه لأول مرة كانت هي تراه وهو ينظر لها بأسف وألم حاد في نظراته المترجية بالاعتذار. حتى ظهرت بعينيه لمعة حزينة وسرقها هو من مكانها بضمة قوية ألمتها بعض الشيء لشدة وهن عظامها. همس بأذنها بتوسل: ما تزعليش مني عشان خاطري، أنا غلطان واستاهل اللي حصلي. لاحت بسمة على وجهها وحاولت الحديث ولكن وضع اصبعه على فمها حتى يمنعها:
ما تقوليش حاجة، أنا المرة دي اللي كنت غبي. واتعصبت من غير ما أسمعك... بس غصب عني. والله العظيم غصب عني. رفع يدها إلى فمه وقبل أناملها بدفء وحنان: ألف سلامة عليكي يا روح قلب عمر. اتسعت ابتسامة وتنهدت براحة وبداخلها حمدت ربها على تلك الإغماءة التي بددت غضبه وعادته بذلك الدفء والعشق مرة أخرى. قالت ببطء: كان عندك حق لما قولتلي، أن كل بلاء جواه جزاء. لو ما كنتش تعبت ما كنتش هتصالحني دلوقتي.
مرر يده على شعرها بحنان وعيناه تتدفق موجات من العشق والغرام الدافيء: ليالي، أنا ما حبتش واحدة غيرك في عمري كله، ولا واحدة عرفت تلفت نظري حتى. ما كنتش هفضل زعلان كتير، كلها ساعة أو اتنين وكنت هصالحك. بس من دلوقتي مش هسيب مكان للزعل تاني بينا. هزت رأسها وقد سقطت الدمعة المتراقصة بعينيها حتى ضمها مرة أخرى بقوة وهو يسمعها أرق كلمات العشق. ***
ظل بجانبها لساعات حتى أطعمها وجباتها وأخذت الدواء حتى لاح ظلام الليل وخرج من مسكنه. وسقى دفء النار برطب عليل يداعب الأنفاس والقلوب بحنين. نهض من جانبها بعد أن راقبها طويلاً وهي نائمة واقترب من الشرفة. ولم يخلو قلبه من الندم على قسوته معها حتى لو كانت مخطئة، فهو أيضًا لم يراعي موقفها وصدمتها. تنفس بحدة حتى لامست أنامله الرقيقة كتفه والتفت ببطء ليرى بسمتها التي تسهم إلى قلبه مباشرة. قالت برقة: سرحان في إيه؟ طرف عينيه
بابتسامة محبة ثم قال: أنا قلقتك من نومك ولا إيه؟ هزت رأسها نفيًا وقالت: لأ خالص، أنا حاسة أني بقيت كويسة والدواء فوقني كتير. جذبها إليه ببسمة ماكرة وقال: حمد الله على سلامتك. أرست رأسها على صدره ببسمة حالمة وقالت: الله يسلمك، بصراحة مش الدواء بس اللي فوقني. ابتعدت قليلاً ونظرت لعينيه بعمق. همست بعشق: حبك وكلامك هو اللي بيحسسني أني عايشة، بفرح. ولما بتزعل مني بحس أني مخنوقة وعايزة أعيط. اتسعت ابتسامته ببطء وهي يجذبها
مرة أخرى بحنان وقال: بمووووت فيكي. سكنت بين ذراعي زوجها لدقائق مرت وكأنها حلمًا وهما أمام الشرفة. قالت بتساؤل: أكيد الولاد سألوا عليا. ربت على كتفها مطمئنًا: ما تقلقيش عليهم، أنا قلتلهم أنك نايمة عشان عندك صداع، وبعت جبتلهم لعب كتير عشان ألهيهم وما يسألوش كل شوية. على ما تصحي وتطمني عليهم بنفسك. وأمي نامت طول النهار بردو والحمد لله ما حستش بحاجة. تنفست براحة ثم قالت وهي تجذبه للخارج: طب تعالى نطمن عليهم. ضحك عاليًا
وقال بمرح: هو الدوا اللي خدتيه فيه حديد ولا إيه؟ ابتسمت ابتسامة عريضة وهي تنظر له بمشاكسة حتى خرجوا من الغرفة متوجهين لغرفة الصغار. تسللوا بحذر حتى فتحت ليالي الباب ببطء شديد كي لا تزعج غفوة الصغار. ولكن قهقهت عاليًا وهي تراهم يمرحون بالألعاب الجديدة وقالت لعمر وهي تكتم ضحكتها: دول ما ناموش لدلوقتي وقاعدين يلعبوا. غمز عمر للصغار وقال لليالي بتحدي: أنا هروح ألعب مع ولادي.
ذهب وجلس بجانبهم مما جعل الصغار يهتفون بمرح حتى ظهر الغيظ على وجه ليالي وهي تقترب منهم ثم قالت ببطء: طب ممكن توسعولي مكان عشان ألعب معاكم؟ نظر الصغار إلى بعضهم ثم إلى عمر وتدرجت الابتسامة حتى أصبحت ضحكة عالية مشتركة بين ثلاثتهم. مما جعل ليالي تتذمر وتضرب قدميها على الأرض كالأطفال وكادت أن تستدير وتخرج حتى جذبها عمر بنظرة مرحة وبدأوا المرح.
بعد أكثر من ساعتين خرج عمر وليالي من غرفة الصغار بعد أن سردت لهم ليالي بعض القصص فور انتهاء وقت المرح. قال عمر بضحكة عالية: عيالك مجانين شبهك ههههههههههههههههه. يا مجانين. تعالت ضحكتها عاليًا حتى فاجئها وهو يحملها بقوة بين ذراعيه. قالت متسائلة: أكيد أنا مش خفيفة لدرجة أنك كل شوية تشيلني كدا!! أجابها بتسلية وخبث: هو من جهة خفيفة فأنتي مش خفيفة خاااااالص، بس أنا بحب أشيلك. ضحكت مرة أخرى لمزاحه المرح ثم دخل غرفتهم. ***
في اليوم التالي. في الصباح الباكر استيقظ عمر على صوت الهاتف الخاص به وتفاجأ أنه رقم باسم. أجاب بقلق: أيوه يا باسم، خير في إيه؟ تحدث باسم بنبرة غريبة وقال: عايزك بعد ساعة يا عمر في المطعم في (..... قطب عمر حاجبيه وهو يعتدل في فراشه ببطء وقال وقد بدأ يشعر بشيء غامض قد حدث: لازم تقولي في إيه، طريقتك مش عجباني. أجابه باسم بنفس النبرة: لما تيجي هتعرف كل شيء. منتظرك.
أغلق الهاتف ونظر عمر للهاتف لفترة بقلق ثم نهض ليستعد للذهاب. خرج من الحمام وهو يجفف رأسه ثم بدأ يرتدي ملابسه ونظر لليالي بحيرة ما بين أن يخبرها أم يتركها نائمة. نظر لساعة الحائط وتفاجأ أن الوقت مبكر جدًا. وقد قاربت الساعة أن تدق السابعة صباحًا. كتب على ورقة صغيرة جملة بسيطة: في شغل ضروري محتاجني، ساعتين بالكتير وأكون هنا، ما تقلقيش يا روحي. عمر. تركها بجانبها ثم ذهب بهدوء. ***
وقف بسيارته على مرتفع عالٍ ولمح باسم يقف منتظرًا بسيارته. أشار له عندما لمحه. اقترب عمر بنظرة متسائلة: في إيه يا باسم، وجبتني هنا ليه؟ تنهد باسم بعمق ثم نظر لعمر وقال وهو ينظر لخلو المكان جيدًا: عشان عارف أنك هتنفعل، أو هتزعق، أو هتتعصب. يبقى أضمن أن محدش يسمعك والموضوع ينتهي هنا بعد ما نتكلم. ضيق عمر عينيه بقلق: انت قلقتني، قول اللي عندك. بدأ باسم بالشرح: تامر... ***
تململت ليالي في فراشها حتى أحست أن أسفل يدها الفراغ. فتحت جفونها ببطء وشعرت بالقلق عندما لم تجده بجانبها. اعتدلت في موضعها حتى انتبهت لصوت ورقة أسفل يدها. رفعتها أمام عينيها لترى جملته المكتوبة. هدأ القلق قليلاً ولكن لم يمحى. فأي عمل بهذا الوقت المبكر! نهضت من الفراش وأخذت حمامًا سريعًا وخرجت وهي تلف رأسها بالمنشفة البيضاء. أزالتها بخفة وبدأت في ترتيب رباط شعرها ثم عقصته كذيل الفرس. *****************************
اتسعت عين عمر بشرر الغضب القاتل وهتف بشراسة: _يعني هو اللي موت هشام أخويا، وكمان كان عايز يموت أمي. يااااا ويله مني، لا هيهمني سجنه ولا مكانه، هم ته بإيدي القذر ده. مش هرحمه زي ما رحمش حد فينا. ابتعد عن باسم بخطوات سريعة وكاد أن يدخل سيارته بغضب متوعدًا بالانتقام حتى صاح باسم بشيء جعل عمر يقف مكانه بلا حراك: _تامر اتقتل يا عمر. أنا لسه جاي من المشرحة بعد الفجر. اسودت عين عمر ونظر لباسم بقوة حتى اقترب باسم منه وقال:
_أنا كنت عارف أن ده اللي هيحصل خصوصًا بعد موضوع الدمج. عشان خليت مراد يعلن الخبر. تامر كان فاكر أن اللي معاه هيساعدوه. بس لما عرفوا أن مراد معاك باعوه ولأن مشاكله كترت وقضاياه كترت قوي، وكان لازم يصفوه عشان ما يعملهمش مشاكل. صدقني يا عمر أنا ماكنتش حابب أنه يموت. بس هو اللي اختار نهايته بإيده. كان ممكن أقولك كدا من لما عرفت بس خوفت من عصبيتك. تروح في واحد ما يسواش زي تامر وتدخل فيه السجن. هو كدا راح بعيد عنك ونتيجة
أفعاله ولسه حساب ربنا أشد وأقوى. اللي عمله في هشام اتردله أضعاف. بعتوله حد جوه الحبس اداله برشام على أساس أنه هيتعب شوية وهيهرب بعد ما يروح المستشفى، بس مافيش دقايق وكان مات. نفس اللي عمله في هشام وبطريقة أشد وفي مكان أبشع. كما تدين تدان.
مرر عمر يده على وجهه وهز رأسه بموافقة وقد شفي غليله من الانتقام ثم قال: _عندك حق يا صاحبي. اللي هو فيه دلوقتي أشد بمليار مرة من أي انتقام كان هيشوفه مني. قال باسم بتحذير: _أوام بقى تزعل من مراتك أكتر أنها قالتلك وعي خبت عليك. أنا اللي أكدت عليها ما تقولكش. مراتك بتحبك يا عمر. كفاية أنها لما عرفت أنك في خطر جت في ظرف 48 ساعة لمصر عشان تحميك. عيش حياتك وانسى اللي فات. نظر عمر نظرة طويلة لباسم ثم عانقه بقوة وقال بمحبة:
_مش عارف أقولك إيه. أنا أخويا ماكنش بيخاف عليا كدا. أنت وليالي ربنا بعتكم ليا. لكمه باسم بمحبة حقيقية: _بعيد أني بعتبر نفسي أخوك بجد. أنت بردو ليك عليا جمايل كتير مش هقدر أعدها يا عمر. ده واجبي ودين عليا. عانقه عمر بقوة مرة أخرى ثم قال باسم بقوة: _يلا ارجع لبيتك أنت في إجازة يا عريس. ابتسم عمر بنظرة امتنان ثم ذهب وعاد إلى منزله. *************************** تعالت الصرخات بمنزل تامر عندما علمت والدته بالخبر وركضت لغرفة
زوجته وصرخت بها ببكاء: _منك لله. قوتيه على اللي كان بيفكر فيه بدل ما ترجعيه عن الطريق ده. ياما قولتلك ونصحتك وما سمعتيش كلامي. منك لله. حسبي الله ونعم الوكيل. كانت هايدي تجهش في البكاء بحسرة وندم وهي تضم أبنائها وتضع يدها على بطنها المنتفخة بعض الشيء من الحمل الذي لم يتعدى شهره السادس: _ماكنتش فاكرة هيحصل كدا يا ماما. والله ما كنت أعرف. أنا مش قادرة أصدق أن تامر مات. مش قادرة.
صرخت الأم عاليًا وأتى بعض النسوة حتى يهدأوها ولكن قلبها لا عزاء له. **************************** دلف عمر إلى الفيلا في توق رعب لضمها وضم أبنائها ووالدتها دفعة واحدة لصدره. لمحه الصغار وهم يمرحون بجانب المسبح وتراقبهم ليالي بحذر حتى رأته. ابتسمت له حتى بادلها بابتسامة أوسع وعندما اقترب أخذها بين ذراعيه بضمة قوية. قالت بلوم به بعض المرح: _بقى في حد يروح الشغل في شهر العسل! ابتسم لها بعشق وقال:
_أسف. مافيش شغل لمدة شهر كمان جاي مش أسبوع. قفزت كالأطفال حتى ضحك عاليًا بسبب تصرفها الطفولي وقال: _هي أمي لسه ما صحيتش؟ نفت ليالي: _لسه بدري عن ميعاد الفطار. وخفت أصحّيها دلوقتي وتعرف أنك خرجت. تقلق. قبل رأسها وقال: _ربنا يخليكي ليا يا روح قلبي. ابتسمت له بدفء. ثم ترك مفاتيح سيارته وهاتفه وقال بهتاف وحماس: _هغير هدومي عشان هاخد أنا والوحوش بتوعي جولة سباحة قبل الفطار. قفز الصغار بفرحة وانتظروا عمر حتى يأتي.
أتى عمر بملابس السباحة ثم بدأ المرح مع الصغار وراقبتهم ليالي بضحكات عالية وهي تُعد الإفطار مع كريمة على الطاولة ثم أيقظت فريدة حتى تشاركهم الإفطار. ************************* بعد مرور عدة ساعات وطعام الغداء ظهرت ليالي بالنقاب أمام عمر. حتى ابتسم لها بتعجب وقال: _هتخرجي ولا إيه؟ أجابت ليالي بلطف: _آه. في مكان عايزة أروحه معاك. وقف عمر وقال بتساؤل: _مكان إيه؟ ظهر الألم على وجه ليالي وقالت:
_عايزة أروح أزور أهلي في المقابر. جذبها عمر إلى صدره بعناق قوي وقال: _حاضر. يلا بينا. وفي حاجة كمان عايز أقولك عليها. نظرت له بعمق وقالت: _تامر اتقتل.. صح؟ نظر لها بدهشة وقال: _عرفتي منين؟ ابتسمت وقالت: _زي ما باسم صاحبك. ريهام صاحبتي. ابتسم عمر لها وأخذها من يدها للخارج بعد أن أمر كريمة برعاية الصغار حتى يأتوا. ***************************** دخل سيارته وهي معه ثم سار بالسيارة. قال أثناء القيادة:
_كنت عايز أقول لأمي قبل ما أخرج بس لو قولتلها أني رايح المقابر، هوجعها. هي بتاخد العلاج وتنام وده أحسن ليها ولأعصابها. الأول ماكنتش بتنام خالص. ربتت ليالي على كتفه بلطف: _ما تقلقش عليها. أنا متابعة حالتها وعلاجها. والحمد لله هي بقت أحسن من أول مرة شفتها فيها. ضم يده على يدها بقوة ثم عاد بتركيز في القيادة حتى وقف بعد مرور بعض الوقت أمام المقابر.
ترجلت ليالي من السيارة وهي تنظر للهدوء المخيف والمريح في آن واحد إلى قبور الموتى الذي بعضهم في نعيم والبعض الآخر في عذاب. قالت دعاء دخول المقابر. ثم اقتربت إلى قبر والدها الذي يجاور قبر أمها وأختها أيضًا. قرأت الفاتحة وبعض الأدعية. ولم تشعر إلا وهي تنتفض من البكاء. حاوط كتفها عمر بذراعيه وقال بلوم: _حرام كدا. الدعاء هنا أحسن وأفضل. نظر للثلاث قبور وقالت بألم:
_كل قبر من ده فيه حتة مني. كلهم خدوا مني جزء من روحي ومشوا. شدت على يد زوجها وقالت بقوة: _عارف أنا جبتك هنا ليه النهاردة؟ نظرت له بحب رغم دموعها الحزينة:
_فاكر لما اتقابلنا هنا يوم وفاة بابا. واكتشفت أني بنت الراجل الغلبان اللي بيشتغل عندكوا في الشركة. اليوم ده يا عمر أنا رجعت البيت وأنا تايهة وضايعة. الأمان اتاخد مني فجأة بموت بابا. أنا ماكنتش أعرفك ساعتها رغم أني حبيتك من أول مرة شوفتك. بس ماكنتش أعرفك بردو. أبويا مشي وساب مكانه فاضي. ولما ظهرت أنت صدقتك بس كنت خايفة يا عمر. وعلى ما جيت أوثق فيك لقيتك عايز تنتقم مني من غير ذنب. خوفي ما فارقنيش حتى لما رجعت من السفر بعد كل السنين اللي فاتت.
بس زي ما الخوف ده اتولد في لحظة وفاة أبويا وأنا هنا وأول مرة أشوفك أنا هنهيه النهاردة. هنا بردوا. وأنت خدت مكانه وخدت كل الأماكن جوايا. أنا بحبك يا عمر. لمعت بعيناه نفس الدمعة بعيناها ثم ضمه بقوة اجتاحتها في هذا الوقت واحتاجتها لشعورها للدفء والاحتواء. تنفست بعمق وجانب وجهها يلمس قلبه ثم قالت ونظرها باتجاه قبر والدها: _اطمن عليا يابابا. أنا دلوقتي في أمان. قبل عمر رأسها بقوة وقال لها بحنان فائق: _روحي. أنتِ.
ابتسمت وهي تمسح دموعها ولمست قبر أمها: _قالت بابتسامة متلهفة: _يمكن محدش يقدر ياخد مكانك. بس ماما فريدة أنا بحبها قوي وهي حنينة عليا أوي يا أمي. اطمني عليا. اقتربت من قبر أمل.. شقيقتها. ربتت عليه بحنان وكأنها تربت على شقيقتها. قالت بحب: _وحشتيني قوي يا أمل. بس كل ما بتوحشيني ببص لآدم. بشبع. ابنك ما يقلش درجة واحدة عن غلاوة ابني والاتنين في عيني لحد ما أجلك. ده وعد مني.
آدم حنين زيك يا أمل. وطيب قوي. حقك فيه محفوظ. بس مش هينفع أقوله دلوقتي غصب عني. بس بعدين هيعرف وهيجيلك هنا زي منا جيتلك كدا. أوعدك بده. مسحت آخر دمعات عيناها وأخذها عمر وهي يحتوي كتفها بحنان ثم خرج للمقابر. وذهب بالسيارة في الطريق. لاحظت ليالي أنه يسير بطريق غريب حتى توقف أمام مقابر أخرى وفهمت هي أنه أتى لوالده وأخيه. لم يجبرها أن تأتي معه، فهو متفهم موقفها. قال بنظرة حانية: _دقايق وهجيلك.
خرج من السيارة وتوجه لمقبرة والده وأخاه المتجاوران، وبدأ يقرأ الفاتحة. أغمض عينيه وهو يدعي بعض الأدعية، وتفاجأ عندما فتح عينيه أنها بجانبه وترفع يدها داعية هي أيضًا. اشتدت الرياح، الذي جعل بعض الأشجار المحاوطة للقبور تهتز بشكل غريب. نظر عمر لها بدهشة، حتى انتهت هي من دعائها ونظرت لها بابتسامة وهي رافعة غطاء وجهها. قالت بصدق:
_هشام الله يرحمه، ما يجوزش عليه غير الرحمة. وأنا مسمحاه يا عمر في اللي يخصني، لكن اللي يخص أختي ما أقدرش، لأن مش من حقي. إنما أنا سامحته، الله يرحمه. صدقني بدعيله من قلبي، مش عشانه لأ، عشان ربنا أولًا، وعشانك أنت وآدم وعشان خاطر ماما فريدة. نظر لها بعشق وهو يسكن وجهها بين يديه وقال: _ربنا يريح قلبك، زي ما ريحيتيني دلوقتي، والأهم إنك ريحيتيه دلوقتي من عذاب ذنبك. ابتسمت لها بسعادة وقالت وهي تنظر حولها للمقابر:
الناس اللي مدفونة دي بتتمنى لحظة تعمل فيها حسنة واحدة تعلى درجاتها عند ربنا. أنا سامحته مش لأنه يستاهل، أنا سامحته عشانكوا انتوا. إنما ذنب غيري هو هيتعذب عشانه، أتمنى ربنا يسامحه. قال عمر برجاء: _اللهم آمين.
خرجوا من المقابر وتركوا رحلة العذاب الذي مروا بها كل تلك السنوات الماضية، لتبدأ سعادتهم الحقيقية مع صغارهم. لتبدأ حياة بين زوجين بينهم رباط قوي لن تهزمه مرارة الظروف مجددًا، فكل ما حدث برغم قسوته كان يقوي هذا الرباط بينهم بشكل حاد لا يهزمه اليأس. ليت كل زوجين يعرفون أن المودة والاحترام والثقة المتبادلة أهم من الحب، فبدونهم لم تستمر العلاقة.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!