امتلأت الأجواء بالمرح الممزوج بضحكاتهم العالية التي تكسر أسوار الحزن الذي آسرهم لسنوات. حزن دافع للبقاء، ولكن دائماً وأبداً إرادة الله هي المنتصرة. للحظات شعرت وكأن الألم غادر منحنيات حياتها ودربها الذي أنار بضوء الأمل والحياة من جديد. ولكن الحياة ستبقى دائماً مزيجاً من هذا وذاك.
خرجت من المسبح صعوداً لغرفتها حتى تبدل ملابسها، وألقت نظرات مشاكسة للصغار الذي أثار مظهرها المبتل ضحكهم. وخرج أيضاً عمر من المياه، ولكن لم يذهب خلفها، بل أتت فكرة بعقله وجعلها مصدر خفاء حتى المساء.
بدلت ملابسها إلى رداء طويل حريري ممزوج بلوني الأسود والأحمر، وبطانته السفلية بلون الستان الأحمر الناري، مما جعل مظهرها أمام المرآة وهي تنظر لأنعكاس مظهرها، كحورية خرجت للتو من بلاد السحر والجمال. ووضعت لوناً خفيفاً على وجهها أبرز جمال وجهها أكثر بشكل ساحر وناعم. ابتسمت بسعادة وهي تنظر لوجهها، لأول مرة ترى وجهها بهذا الجمال! أم هل تقاس السعادة نسبة جمال الوجه؟
فعلى أي حال.. هي الآن هنا.. مع زوجها الذي لطالما تمنته، بدون عوائق أو عقبات. وأتت هذه المرحلة في حياتها الزوجية بوحدتها معه كي تحارب معه عن بيتها واستقراره.. لا تحاربه هو. هبطت للأسفل ولكنها لم تجده! سألت عنه الصغار ولم يجيبوها أيضاً. كل ما أخبروها به أنه ذهب ليبدل ملابسه ولم يعد للآن. بحثت عنه كثيراً ولم تجده. بدأت تشعر بالقلق، حتى أنها حاولت الاتصال به ولكن اكتشفت أنه ترك هاتفه بالمكتب! إلى أين ذهب؟
سألت أحد الخدم وأخبروها أنه أخذ سيارته منذ دقائق وذهب!! مرت ساعات الغداء ولم يعد أيضاً. وبدأت معزوفات القلق توقظ اضطراب ضربات القلب التي أخذت مسار السرعة وكأنها تتسابق فيما بينها للهلاك. بدأ الصغار يتثاءبون وذلك بعد أن حل المساء. أخذتهم إلى غرفتهم وبدأت تسرد لهم كعادتها بعض القصص وهي في عالم آخر من الحيرة والقلق، حتى ذهب كل منهم في غفوته الهادئة. وتسللت هي ببطء إلى الخارج.
ذهبت إلى غرفتها وما كادت أن تغلق الباب بعد أن دلفت لداخل الغرفة حتى جذبتها يد قوية. شعرت بالذعر لثوانٍ، ولكن تبدل الذعر للوم وهي تنظر له عاتبة على تركها كل هذا الوقت بمفردها. قالت بضيق: _كنت فين كل ده؟ لم يجيب، بل استمر يحدق بها بنظرات عاشقة تلتهم عيناها. ارتبكت وهي تنظر له وحاولت أن تبعده، ولكن حملها وخرج من الغرفة ببسمته الماكرة وذهب للأعلى في مكان لأول مرة تراه في هذه الفيلا الكبيرة.
كان هذا المكان في الروف العلوي للفيلا، ولكن مغلق تماماً مثل قاعة المناسبات ومزين بطريقة رقيقة وساحرة. أنزلها على الأرض واقترب من الطاولة المغطاة حتى كشف عن حلوى بها شمعة واحدة وبجانبها صندوق كبير. ارتسمت بسمة على وجهها وهي لا تشعر أن هذا حقيقة، بل أنها تحلم. لا هذا حقيقة! استمرت بين الاحتمالين بحيرة، وما كان يوقظها نظراته الساحرة الصامته وهو يخرج شيئاً من هذا الصندوق المزين.
اتسعت عيناها بذهول وهي ترى رداء أبيض مطرز بشكل ساحر. تسارعت انفاسها وهي تنظر للرداء بدهشة. قالت ببطء: _ده ليا؟ اقترب منه وقرب هامساً من أذنيها: _كنت هحتفل بعيد جوازنا في شهر العسل، بس شهر العسل انتهى من أول يوم! المهم دلوقتي عايز أشوف الفستان ده عليكي. أنا لفيت بالساعات على ما لقيت حاجة عجبتني.
بلعت ريقها وهي تلمس أطراف الرداء، ولمعة دموع السعادة ظهرت بعينيها. أخذته بابتسامة واسعة ونظرت حولها لتلمح باباً لغرفة بعيدة. اتجهت لها بابتسامة خجولة. راقبها وهي تركض بسعادة بنظراته المحبة، ثم بدأ يُعد الطاولة وبعض الموسيقى الهادئة لبدء الاحتفال. *** دلفت لداخل الغرفة لترى غرفة معدة مثل غرفتها، ثم نظرت للرداء بسعادة فائقة وبدأت ترتديه. أخذ الأمر وقتاً نظراً لضخامة الرداء، ولكن عندما وقفت أمام المرآة شهقت من الصدمة.
لم تتخيل أن يوجد رداء أجمل من هذا. فهو مثل رداء أميرات ديزني الخيالية. فهمت لما اختاره باللون الأبيض، فبالتأكيد أنه أراد أن يعوضها عن يوم الزفاف الذي تتمناه أي فتاة. ابتسمت أكثر لأنها قد زينت وجهها سابقاً وكأنها كانت تشعر بما سيحدث. التفت حول نفسها بسعادة وهي تشعر أنها الفتاة البسيطة الذي عشقها أمير البلاد. تشعر بقلبها يدق بجنون عندما لمست مقبض الباب وانتبهت لصوت الموسيقى الحالمة والإضاءة التي تبدلت للخفوت.
انتفضت من التوتر وهي تقف أمام باب الغرفة التي للتو خرجت منها، حتى فغرت فاها عندما رأته قد بدل ملابسه أيضاً لبدلة رسمية أنيقة. بلعت ريقها بصعوبة وهي تراه يتجه إليها بنظرته هذه التي تسحرها، حتى وقف أمامها مأخوذاً بطلتها الرائعة وجمالها الرائع الملائكي، حتى جذبها إليه وبدأ يتحرك على أنغام رقصة بطيئة. كان اللحن المنشود عبارة عن لحن لقصيدة شهيرة من أشعار نزار قباني. كلمات ليست كالكلمات.
تحرك معها بخفة على أنغام اللحن الساحر حتى شعرت أنها تحلق في الفضاء وهي تسبح بين نظرات عيناها التي أسرتها في غيمات العشق. كلماته في أذنها كانت أكثر قوة من شاعرية اللحن وتأثيرها على مشاعرها. وهنا تأكدت أنها كتبت لهذا الرجل فقط قلباً وقالباً. كانت تهرب من عيناه كثيراً ووجهها يتورد من الخجل. حتى انتهى اللحن ليأتي بعده سكون أكثر ضجيجاً لمشاعرها وارتباكاً لها. ابتعد بنفس نظرته هذه وأضاء الشمعة الوحيدة بين الحلوى
ثم قال لها بنبرة هامسة: _كل سنة وأنتي معايا. أخرج علبة صغيرة من جيبه وأخرج منها خاتم ماسي ووضعه في يدها. ثم قبل أنامل يدها بقوة. بالكاد تفوهت بكلمات شعرت بها فقالتها: _حاسة إني بحلم. اتسعت ابتسامته وهو يأخذ قطعة صغيرة من تورته الشيكولاتة ويطعمها. قلدته في ذلك وهي تبتسم ثم أطفأوا الشمعة التي لم تؤثر على إضاءة المكان. نظر لها بحب وقال وهو يتأمل ردائها الساحر الذي اختاره بعناية:
_زي ما اتخيلتك بالظبط. أجمل واحدة عيني شافتها. أنا شايفك أجمل إنسانة في الكون. اقترب من عينيها بشدة وتابع بهمس: _ده مش كفاية عشان تثقي فيا؟ قالت سريعاً تؤكد: _واثقة فيك. بس بتجنن لما بشوف واحدة قريبة منك. مابعرفش أفكر. ابتسم بمرح وهو يحملها بين ذراعيه وقال: _آه منا عارف. بأمارة طلللللقني 😂 لكمته على كتفه وهي تكتم ضحكتها وقالت:
_بطل ضحك عليا. ما انت كمان كنت بتقول كلام غير منطقي. عليا الطلاق منا مطلقها. كنت هموت من الضحك ساعتها هههههههه😂 هبط درجات الدرج متوجهاً إلى غرفتهم. وأجاب: _مجنونة رسمي 😂😂 دلف إلى غرفتهم وأغلق الباب. *** في صباح اليوم التالي.
نهض ببطء على أنامل رقيقة. فتح جفن عينيه ليتفاجأ بالصغار وهم يحاولون إيقاظه بضحكاتهم الخافتة. نظر لهم بقوة مما جعلهم يتراجعون بخوف من نظرته، حتى اتسعت ابتسامته وجذبهم إليه بمرح مما جعل ضحكاتهم تعلو. قال عمر بعد موج الضحكات التي نالتهم: _ماما فين يا آدم؟ هز فهد رأسه لآدم حتى لا يقول شيء، ولمحه عمر بتعجب، حتى قال آدم وهو يشير للنافذة: _تحت.
نهض عمر سريعاً ونظر من النافذة حيث اتسعت ابتسامته وهو يرى والدته على مقعدها المتحرك وهي أمام طاولة الإفطار بقرب المسبح وزوجته ليالي تطعمها وتتبادل الضحكات معها. استمر هكذا للحظات وهو ينظر لهم بحب عاطف، حتى رأى الصغار قد تسللوا من الغرفة دون أن يلاحظ وهبطوا لها في الأسفل وبدأ يمرحون. المشهد أمامه كان فائق الدفء والأمان، حتى استعد للنزول ثم انضم لهم بابتسامة ماكرة لزوجته، ثم قبل رأس فريدة بحنان.
أثناء الإفطار أتى باسم بهدوئه المعروف وألقى السلام عليهم، وكانت ليالي قد ذهبت عندما لمحته يأتي من بعيد حتى ترتدي غطاء وجهها، ثم جلست معهم مرة أخرى. *** تحدث باسم معهم قليلاً وأخذ في مراعاته وجود فريدة حتى انتهى الإفطار، وأخذت ليالي فريدة إلى غرفتها التي خصصتها بالدور الأسفل لسهولة التواجد بجميع الوجبات معهم ولمشاركتهم في كل شيء. قال باسم وهو ينظر لعمر بجدية: _جالك امبارح جواب استدعاء من الشرطة.
اتسعت عين عمر بدهشة وردد: _جواب استدعاء!! ليه؟ بص يا عمر أنا هقولك الموضوع. أنا ماكنتش مطمن عليك وأنت مسافر شهر العسل، عشان كده بعت حرس وراك. والحمد لله إن ده حصل. انزعج عمر وقال بعصبية: _هو أنا صغير يا باسم! تبعت ناس ورايا من غير ما أعرف. وكمان في شهر العسل!! تابع باسم حديثه:
_روزالين ماشوفتهاش صدفة ولا هي عملت كده من نفسها لمجرد الغيرة والكيد. تامر اللي بعت مراته ليها وكمان كان باعت واحد يقتلها عشان أنت تشيل جريمة القتل. ولولا الناس اللي بعتها وراك كان زمانك دلوقتي متهم. روزالين واللي كان هيقتلها الاتنين عندي، وخليتهم راحوا بلغوا عن تامر ودي قضية تانية هو هيشيلها. نهض عمر بصدمة مما سمعه وهتف: _للدرجادي كان عايز يأذيني!!! ده ما شافش مني غير كل خير!
رغم سمعة أبوه واللي عمله مع والدي الله يرحمه ما رضيتش أخده بذنبه وقلت يمكن يصلح غلط أبوه بس طلع أسوأ! وضع باسم يده على كتف عمر وقال بتأكيد: _الحمد لله عدت على خير وموضوع الدمج مستر مراد بنفسه جاي وهيفهمك كل حاجة. شد عمر يده على يد باسم وقال بشكر: _مش عارف أعمل معاك إيه يا باسم، مش شايف حاجة تقدر ترد اللي بتعمله معايا. أنت مش صاحب.. أنت أخ. لكمه باسم بمرح وأكد: _ده غصب عنك مش بمزاجك يا عمووور. تابع بتساؤل:
_مراتك هتيجي معانا؟ هي كمان مطلوبة في التحقيق. اعترض عمر كثيراً ولكن باسم أقنعه أن وجودها مطلوب بشكل رسمي في التحقيقات. أتت ليالي مرة أخرى وأخبرها عمر عن الأمر منتظر منها التفاجؤ وتأكيد براءته. رغم أنهم تصالحوا ولكن اكتشف أنها تعرف كل شيء. قال بدهشة: _يعني لما باسم قالك صدقتي! نظرت له بقلق:
_يا عمر ماتفهمنيش غلط. لما باسم كلمني كان عارف إن حصل بينا مشكلة بسبب الموضوع ده وحاول يحلها من بعيد وبعدين يتصرف هو مع روزالين، لكن لما جبتني الفيلا هنا واكدتلي إنك هتثبت براءتك، أنا فعلاً ساعتها بدأت أتأكد إن في حاجة غلط حصلت. هز رأسه دون أن ينظر لها، وراقب باسم المشهد بعصبية من كلاهما، حتى هتف بهم قبل أن يبتعد: _أنا مش عارف بجد، كل ما أصالحكوا لازم ألاقي حد زعل من التاني. أنا هسبقكم.
ذهب وتركهم دون إبداء أي دخول في مناقشات لا جدوى منها. حاولت أن تتحدث، حتى قاطعها: _اجهزي عشان هنروح دلوقتي، ونبقى نتكلم بعدين. ظهرت بعينيها دموع، وذهبت دون أن تتحدث. بعد مرور ساعات... خرج عمر وباسم وليالي من مكتب ضابط التحقيقات، وأتت روزالين راكضة إلى ليالي وعمر باعتذار، ولم يعيروها أي اهتمام. ثم ذهب باسم للشركة، وعاد عمر وليالي للفيلا، وبينهم هدوء مزعج أبكى قلبهم.
وقفت السيارة أمام الفيلا، وترجل منها عمر بعصبية، ثم خرجت ليالي بنظراتها المتألمة وهي تلتزم الصمت. ركضوا إليهم الصغار بمرح، ولكن استقبلوهم بهدوء منزوع منه روح الدعابة، مما جعل الصغار يلتفتون لبعضهم بتذمر. صعدت ليالي إلى غرفتها سريعاً وهي تكتم دموعها، وفرحتها التي يلتحقها دائماً الألم. ركض الصغار يواصلون مرحهم، واتجه عمر إلى مكتبه بضيق وعصبية تملأ وجهه منها ومن نفسه.
دلف باسم إلى مكتبه في الشركة، وأجرى اتصالاً هاتفياً لزوجته ريهام حتى يطمئن عليها، وذلك بعد أن شعر بشحوبها في الصباح. أجابت بعد دقيقة: _أيوه يا حبيبي.. معاك. أجابها بمرح: _عاملة إيه دلوقتي يا ريمو؟ ابتسمت وهي تجيبه بلطف: _الحمد لله كويسة. طمني انت. عملت إيه في التحقيق بتاع روزالين؟ أجابها باسم وهو يزفر بضيق:
_كل شيء مشي تمام، بس اللي مش تمام إن عمر زعل تاني من مراته عشان افتكر إنها سامحته بعد ما كلمتها وفهمتها على الحقيقة. هو ده بنسبة بسيطة صح؟ بس كمان أنا شايف إنها معذورة شوية. أكدت ريهام بقوة: _طبعاً معذورة. هو المفروض لما تشوف كدا تعمل إيه يعني؟ أنا لو كنت مكانها كنت طبقت في زمارة رقبتك. قهقه باسم وقال: _يا شرس انت. ضحكت ريهام بصوت عالٍ، ثم تابعت:
_أنا كنت بصراحة مترددة كتير أقولهم على موضوع عم جمال والموقف اللي شوفته لما وقع على السلم، بس طالما طنط فريدة سكتت وما قالتش، أنا مش هتكلم. حذرها باسم بشدة: _أوعي تعملي كدا. الاتنين الله يرحمهم، مش عايزين نفتح مواضيع مش هتعمل حاجة غير إنها هتسبب مشاكل مابينهم. وإنتي بتقولي إن هشام ماكنش قصده يوقعه، لكن نصيبه جه كدا بقى. مافيش داعي تقولي، خليهم يعيشوا مرتاحين شوية. وافقته ريهام بتأكيد، ثم أوضحت شيء:
_تصدق، كنت بحسب إن اللي بعت روزالين هو صابر اللي ضرب نار على عمر قبل كدا من زمان قبل ما ليالي تسافر برا. رد باسم بضحكة: _ريهام يا حبيبتي، شكل الحمل ماثر على ذكائك وذاكرتك. صابر مين اللي هيعرف روزالين أصلاً؟ وبعدين صابر ما بلغنا عليه من زمان واتحبس أصلاً. أجفلت ريهام عيناها، ثم قالت بتذمر: _تقريباً كدا هولد قريب. أنا بقيت بنسى أنا حتى أكلت ولا لأ. قهقه باسم مرة أخرى وقال: _عشان كدا ما بلاقيش أكل في التلاجة. هههههههه.
شعرت بالغيظ، وقالت بهتاف: _طب اقفل بقى عشان هروح أتغدى ومش هستناك. قال بمحبة: _بالهنا والشفا ياروحي. ابتسمت ريهام، ثم أنهت الاتصال وهي تدعو الله من قلبها أن يبارك لها في حياتها الذي أتت لها مغلفة بسعادة لم تكن تظن إنها ستشعر بها في يوم ما. في ساعات الليل، يتسلل الحنين إلى القلوب، ويترجى العشق كي يقترب من النبض حتى يهدأ توتره. رفضت أن تهبط أثناء الوجبات، وانتظرته في غرفتهم حتى يأتي، ولكنه لم يفعل ذلك.
سمعت دقات على بابها، حتى فتحت الباب، وبدأ الأمل يداعب قلبها في مجيئه، ولكن ذبلت ابتسامتها عندما رأت كريمة الخادمة تخبرها أن فريدة تريدها في غرفتها بالأسفل. وافقت ليالي، ثم انصرفت كريمة لعملها، وبدأت هي تلقي نظرة على ردائها قبل أن تهبط.
خرجت من غرفتها متوجهة لغرفة فريدة، حتى التقت به على درجات السلم، وتقابلت نظرات أعينهما في مزيج من اللوم والعتاب. مر من جانبها وصعد دون أن يتفوه بحرف، مما جعلها تريد أن تركض وتختبئ ثم تبكي بقوة. عادت في طريقها إلى غرفة فريدة، ثم دلفت للغرفة بهدوء، واستقبلتها نظرة فريدة القلقة. اقتربت ليالي منها ببسمة بالكاد رسمتها حتى لا تقلق فريدة، وقالت: _ما تقلقيش عليا يا ماما. أنا بس كنت مصدعة ونمت طول النهار.
هزت فريدة رأسها بتفهم، ثم قبلتها ليالي من رأسها، ولمعت الدموع تغزو عيناها، ثم استأذنت للانصراف. صعدت إلى غرفتها مرة أخرى، وأرادت أن تتحدث معه بهدوء حتى تشرح له ما حدث. أسرعت إلى غرفتها بعزم على مناقشته، ودلفت إليها، وكادت أن تتحدث حتى باغتها وقال بجدية: _مراد غالي وصل القاهرة. اتصل هنا عشان تطمني إنه وصل، وهيكون هنا بكرة الساعة 10 الصبح. لأنه وصل متأخر النهاردة وماقدرش يجي. اقتربت منه وقالت بحدة:
_مش كل ده. مش مهم الدنيا بحالها. المهم أنت. أنت عارف أنا حاسة بإيه وانت بتعاملني كدا؟ ضيق نظراته بعد أن اسودت من الغضب:
_وإنتي عارفة أنا حسيت بإيه لما عرفت إنك صدقتي لما اتأكدتي بس. مش عشان صدقتيني ووثقتي فيا. كنت فاكرك عقلتي وبدأتي تخافي على حياتنا. تعرفي إن الدنيا بحالها قالتلي إنك موتي وأنا ما صدقتش وفضلت متأكد إنك لسه عايشة. تعرفي إني قبل ما أعرف إنك بريئة يوم اضرب عليا نار وإنتي اغمى عليكي، إني كنت هسامحك حتى لو اكتشفت إنك فعلاً كدبتي عليا وإنك مرات أخويا. هتف بغضب أكثر:
_تعرفي إنك عمرك ما وثقتي فيا أبداً. لحد النهاردة تفكيرك ما اتغيرش. ليالي هي ليالي مش هتتغير. انتي ما بتحبنيش نص ما بحبك حتى. صدمها حديثه، حتى إنها لم تنتبه أنه ذهب من أمامها بعصبية. رفعت عينيها تبحث عنه في الغرفة وهي تبكي، ولكن لم تجده. ولم تستطع أن تذهب وتحدثه بعد ما قاله. اقتربت من الفراش وتمددت بجسد يرتعش من البكاء، ثم أجهشت في البكاء بشكل محزن.
كان يقتله الشوق لها، ولكن هذه المرة لابد أن يقاوم. استاء كثيراً لاكتشافه أنها قررت مسامحته عندما اكتشفت الحقيقة فقط دون علمه حتى. جال في غرفة مكتبه ذهاباً وإياباً، وأغلب الوقت كان سيضعف ويركض إليها، ولكن كبرياؤه هذه المرة اعترض بقوة. سار نبضه مسار الراكض والهارب من شيء مخيف يجتاحه، ولكن بعض المقاومة والصلابة بداخله تأبى الضعف. فإلى أي مسار سيتخذ طريق العاشق؟
بات ليلته في مكتبه، ثم صعد مبكراً ليبدل ملابسه، ولمح إغلاق جفونها بسرعة، مما أكد له أنها انتظرته طيلة الليل، ولكنه لم يبالي بها. تألم حقاً لأجلها، ثم بدل ملابسه وخرج سريعاً قبل أن يضعف. جلس أمام طاولة الإفطار وانتظر أن يلمحها، ولكن لم تأتي. أتت كريمة بفريدة على مقعدها، وأيقظت الصغار لطعام الإفطار، ولكن المشهد بدونها ناقص، ولم تكتمل بسمته. ضاق أكثر منها ولعنادها، حتى وهي المخطئة.
سألت عنها فريدة بعينيها، وسأل الصغار عنها أيضاً، وطمأنهم عمر وتحجج بصداع الرأس، وما يعرف أنها نفس الحجة التي قالتها لفريدة بالأمس. وفي تمام الساعة العاشرة، كان ينتظر مجيء مراد بترقب، حتى أخبرته كريمة أنه أتى وينتظره في غرفة الصالون. قال بضيق: _طب قولي لليالي إنه جه. وافقت كريمة بهزة من رأسها، ثم ذهبت من أمامه. نهض عمر وتوجه للصالون ليرى هذا الرجل.
دلفت كريمة لغرفة ليالي بعد أن دقت عدة دقات ولم تجيبها. واقتربت من النائمة والغارقة بعرق الجبين، وعيناها تفتح لثوانٍ ثم تغلق مرة أخرى. تحسست كريمة جبينها بذعر، حتى قالت: _سلامتك يا ليالي. مالك فيكي إيه؟ نطقت ليالي بالكاد حروف متقطعة: _حراراتي... عالية. قالت كريمة بخوف وقلق: _طب هروح وأقول لعمر بيه. هو كان باعتني عشان في واحد اسمه مراد جه وقاعد تحت في الصالون. حاولت بصعوبة أن تعتدل في فراشها، وقالت: _لأ...
أنا هنزل. ماتقوليش حاجة. صدح صوت هاتفها، وأخذته كريمة من على المنضدة وأعطته لها، حتى لمحت ليالي رقم جميلة. أجابت بإيعاء: _الو. قالت جميلة بضحكة: _صباح الخير يا لووولووو. عاملة إيه يا حبي؟ أجابت ليالي بشيء من اللوم: _يعني أنتي سألتي عليا؟ ابتسمت جميلة وقالت موضحة: _أنا عرفت إنك رجعتي وماحبتش أدخل. قولت هتصل بيكي بعد الإجازة. وماتنسيش إن ريهام بقت صحبتي وبعرف منها أخبارك. بس صوتك ماله؟ تحسست ليالي رأسها،
وقالت برعشة قوية في جسدها: _مش عارفة. شكلي داخلة على دور برد تقيل. مش قادرة أقوم. لحقتها جميلة بقلق: _طب ساعة بالضبط وأكون عندك. اعترضت ليالي وقالت: _أنا عارفة إنك روحتي عند حماتك. وعارفة إنها بتضايق لما بتخرجي. ماتخافيش عليا هاخد دواء وهبقى كويسة. أجابت جميلة بضيق: _خلاص هتصل بيكي بعد شوية أطمن عليكي. وافقت ليالي، ثم أغلقت الاتصال، وبدأت تنهض ببطء شديد، وشعرت أن عظامها تتفتت من الحركة.
بدأ مراد الحديث مع نظرات عمر المترقبة. قال بجدية: _أنا عارف إنك مستغرب مجيتي دي. وعارف كمان إنك عايز تعرف إيه اللي ورا خبر الدمج. بص يا عمر، اسمحلي أقولك يا عمر، إنت زي ابني. قال عمر بلياقة: _اتفضل طبعاً. تابع مراد حديثه وقال: _موضوع الدمج كان له هدف بيني وبين باسم صاحبك. ارتفع حاجبي عمر بدهشة، ولكن دق قلبه بلهفة عندما رآها تدلف للغرفة بخطوات بطيئة تعجب لها، وبسبب غطاء وجهها لم يرى الشحوب الذي غزاها. ألقت
السلام على مراد وقالت: _أهلاً بحضرتك. منور مصر كلها. ابتسم مراد بود وقال: _منورة بأهلها يابنتي. اقعدي بقى عشان أشرحلكوا موضوع الدمج. جلست ليالي وألقت نظرة على عمر الذي كان يتجنب النظر لها. حتى تابع مراد: _اتفقت أنا وباسم إننا نعلن عن الخبر ده. وده لمصلحتك. هتقولي ليه؟
تامر ليه شركاء في الخارج. وناس منهم عندهم أسهم في شركاتي. فلو شركاتك اندمجت مع شركاتي، يبقى مستحيل يساعدوه إنه يأذيك. لأنه ناوي فعلاً كدا، وده أنا عرفته بطريقتي، وباسم اتأكد من كدا كمان. هو مارضيش يقولك بقية الموضوع عشان ما تتعصبش وما تتهورش. لذلك أنا أعلنت فعلاً الدمج ولو بشكل مؤقت. امتعض عمر وقال بعصبية: _أنا مراعي إن باسم خايف عليا، بس ده مش معناه إن كل ده يحصل من ورايا. يمكن أكون عصبي، بس مش متهور ولا مندفع.
رمى ليالي بنظرة ذات مغزى، وفهمت هي نظراته والتزمت الصمت التي أجبرت عليه بسبب المرض التي تحاول إخفائه. أجاب مراد وقال بوضوح: _هكلمك بصراحة يا عمر، وأرجو إنك ما تزعلش. أنا شركاتي عالمية. مش محتاج دمج مع حد. وحتى اللي ليهم أسهم في الشركات عطيتهم الأسهم دي لسبب في دماغي. وكله لمصلحة شغلي. يعني أنا مش محتاج شركاتك في شيء. والسبب الوحيد اللي خلاني أجي هنا...
هي ليالي. لأني اعتبرت نفسي أبوها وواجبي إني أحميها. وكمان أنا عايز أسيب ابني يكمل، وأنا عارف إن في ناس حواليه هيحبوا له الخير وهيقفوا جانبه. ما لقيتش أحسن منكوا انتوا. الدمج مش هيضيفلي شيء، بس هيعلي اسمك إنت هنا وبرا كمان. وإنت مش خسران حاجة، تقدر تفصل الشركات وترجع كل شيء كما كان، وأنا هديلك كل الصلاحيات. إيه اللي يخوفك؟ صمت عمر قليلاً ثم أجاب بحدة:
_أنا ما بخافش من حاجة، ما بخافش غير من ربنا، وعشان كدا مش خايف من تامر واللي بيفكر فيه. اعترض مراد وهو يمرر يداه على رأسه وقال: _عنفوان الشباب، أنت محتاج الهدوء والاستقرار في حياتك، مش من الذكاء أنك تواجه الصراعات لمجرد أنك عايز تثبت أنك شجاع. الشجاعة والقوة الحقيقة هي أنك تطلع من المشاكل بأقل خسارة ممكنة، وأنت جاتلك فرصة من ذهب، مش عايزك ترفض قبل ما تفكر كويس أوووووي، واللي بطلبه منك أنك ما تكدبش الخبر على الأقل.
هز عمر رأسه بموافقة ثم نهض مراد وقرر الذهاب بعد أن أتم مهمته. ظهر صوت ليالي بعد فترة صمت طويلة وقالت باعتراض: _لأ طبعًا مش هتمشي، حضرتك هتفضل هنا لحد يوم ما تسافر. ابتسم مراد وقال: _أنتي عارفة أني ما بحبش أقعد غير في فنادق، وكمان أكمل في مصر وأنا ما صدقتش أتلم عليه، نفسي أقعد معاه يومين في هدوء بدل ما كل واحد فينا في بلد شكل. هجيلك تاني ما تقلقيش، وهدية جوازك منتظراكي برا على البوابة.
صافح مراد عمر وألقى السلام على ليالي ثم ذهب وودعهم عند بوابة الفيلا وأشار لها على السيارة الأحدث موديل عالميًا حتى اتسعت عين ليالي بدهشة. ذهب مراد بالسيارة ثم ألقى عليها عمر نظرة نارية غاضبة وعاد لمكتبه بالداخل. بلعت ريقها بصعوبة من شدة المرض الذي ازداد عليها وتحركت بالكاد وهي بين كل خطوة وأخرى تكاد أن تسقط حتى دلفت لداخل الفيلا وكادت أن تصعد أول درجة حتى فاجئها صوته الغاضب وهو يقف أمام غرفة المكتب. هتف بغضب:
_ااااستني. أغمضت عيناها وبدأت ترى غيامة أمام عيناها، التفتت ببطء حتى عاد وهتف مرة أخرى: _أنتي إزاي تقبلي هدية من حد ما... لم يكمل جملته حتى تجمد من الصدمة عندما رآها تسقط مغشيًا عليها.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!