استمر القطار في سيره وهي بداخله تجلس شاردة، وشت بها الفكر لدرجة أنها شعرت أن ما مرت به كله كابوس مزعج ستفيق منه. تثاءب آدم بين يديها ونظرت له بحب عميق وضمته بقوة. قالت بعين غائرة من الدمع: "مش ههرب على طول، هرجع تاني، ولازم أرجع حق أمل، وحق آدم." سقطت دمعة على خديها وقالت لنفسها:
"كان زماني بستعد للعملية دلوقتي، بس كدا مش هعرف أعملها على الأقل دلوقتي، لازم قبل ما أعملها أكون رجعت الحقوق لأصحابها عشان أنا مش عارفة هكمل ولا لأ." دنت على رأس الصغير وهي تبكي بصمت وضمت نظرة عيناها وجهه الملائكي وتألمت أنها ممكن أن تفارق هذا الملاك وتذهب لعالم آخر. قالت بخفوت ونظرت للنافذة الذي يظهر منها ضوء الفجر: "ياااارب، ساعدني أرجع حق آدم وبعد كدا أنا راضية بأي حاجة." "ضعفت وتألم قلبها أكثر وقالت بتوسل
وهي تضمه لقلبها بقوة:" "يااارب أنا مش عايزة أبعد عنه. سبحانك يارب اللي خليتني أحب آدم أكتر من نفسي زي ما يكون ابني بجد." فتح الصغير عينيه البريئة الصغيرة وابتسم لها، فجأة تلك الابتسامة التي كانت تزهر قلبها في الحال وتجعله يتحول من الظلام إلى النور. ابتسمت لها وهي تمسح دموعها وقالت له وكأنه يسمعها ويفهمها: "أنت الوحيد ياروحي اللي بتعرف تضحكني."
اقتربت من خده وقبلته بقوة واتسعت ابتسامتها عندما تحركت أنامله الصغيرة برقة على وجهها مما جعلها تغمض عينيها بحب، وقد بدأ ربيع الأمل يأتي بأزهاره بابتسامة هذا الطفل الذي وكأنه رحمة إلهية أتت لها. توقف القطار وهبطت منه وكان ضياء الصباح بدأ يبتسم نوره. كان المطر رقيق وهو يسقط على ملابسها، وبين زحام المسافرين تحركت حتى كانت بدأت تصل لمقاعد الاستراحة واصطدمت بكتف أحدهم. رفعت رأسها لتعتذر من هذا الشخص الغريب
الذي ينظر لها بشك ثم قالت: "أنا آسفة، ماكنش قصدي." رد الغريب عليها متفحصا الطفل بين يديها ثم نظر حوله وكأنه يبحث عن شيء حتى أجاب: "هو انتي اسمك ليالي؟ ضيقت عينيها بقلق وترددت في الإجابة حتى لاحظ الغريب ذلك وأجابها: "أنا ابن الحاج محمود، اللي انتي جياله." تنهدت براحة ثم قالت بهدوء: "أهلاً وسهلاً، أنا بعتني عم محمد هنا عشان واثق في الحاج محمود، بس حضرتك مين؟ أجاب حسين وقال:
"أنا حسين، ابن الحاج محمود، هو ماقدرش يجي بنفسه عشان تعبان شوية وعشان كدا جيت بداله." نظرت بحيرة وهي مترددة في الذهاب معه، وقد فهم سبب حيرتها وأخرج هاتفه واتصل على هاتف جارها "عم محمد". قال حسين عبر الهاتف: "أيوه يا خالد، معاك حسين ابن الحاج محمود، أنا اتصلت بيك عشان تتكلم مع المدام اللي بعتها هنا وتطمنها عشان شكلها قلقانة مني."
استاءت ليالي من كلمة "مدام" ولكن ما بيدها حيلة فهي قد أرسلت إلى هنا على هذا الأساس متظاهرة بأنها تريد العمل. مد حسين يده بالهاتف حتى أحذته ليالي لتطمئن وقالت: "الو." أجاب محمد عليها يطمئنها وقال:
"أيوه يابنتي، ماتقلقيش، حسين يبقى ابن الحاج محمود اللي كلمتك عنه قبل ما نوصل للمحطة، واعملي زي ما قولتلك أو إوعي تنسي، انتي سافرتي عشان تشتغلي وتربي ابنك، لحد ما ربنا يحلها وأعرف ألاقي لك مكان أبعد من كدا ومحدش يقدر يوصلك فيه." قالت ليالي بشكر: "ربنا يطمنك يااارب، خلاص ماشي أنا هقفل معاك دلوقتي وهبقى أكلمك تاني." أغلق حسين الهاتف ثم أشار لها بالاتجاه الذي سيسيرون فيه. *** انتظر عم محمد عمر حتى يأتي ويخبره بالحقيقة
ولكن تردد ثم قاله بحيرة: "بشمهندس تامر قالها إنه قال لعمر بيه الحقيقة وهو ما صدقهوش، طب لو أنا قولته ومصدقنيش هيعرف إني عارف مكانها وساعتها هيعمل المستحيل لحد ما يوصلها، طب أعمل إيه؟ أنا هستناه لحد ما يجي وهقوله على وفاة أمل وأشوف رد فعله، لو لقيته متفاهم هحكيله كل حاجة، ولو حسيت إنه فعلاً زي ما هي قالت يبقى ولا كأني أعرف حاجة." *** كانت المنازل تحاط بالمزروعات والخضروات مما جعل الهواء ينعش الأنفاس وينقيها. قال حسين
فجأة وهو يسير بجانبها: "تعرفي إني عرفت إنكِ انتي المقصودة من بين كل اللي حواليكي." لم تكن تريد أن تدخل بأحاديث جانبية ولكن اللياقة فرضت عليها ذلك. أجابت: "وعرفتني إزاي؟ رد حسين بابتسامة: "من المواصفات اللي قالها خالي محمد، لابسة أسود وصغيرة في السن وشايلة طفل على إيديها، وأنتي الوحيدة اللي كنتي شايلة طفل ولابسة أسود. أنا ذكي صح؟ قالها بمرح ولكن هي أجابته بامتعاض وقالت: "أه."
طريقتها أوضحت أنها لا تريد الحديث مما جذبه لها أكثر، وبعد دقائق كان أمام المنزل الكبير الذي تحاوطه أرض واسعة مليئة بالأزهار. ابتسمت ليالي لجمال المنظر وقالت لا إراديا بخفوت: "الله، إيه الجمال ده." انتبه حسين لهمسها وابتسم أيضاً ثم أشار لها بالدخول. خطت ليالي أول خطوة ليقابلها وجه فتاة حاد الملامح وتنتقل نظرتها من وجه ليالي إلى وجه زوجها حسين ثم انتقلت متفحصة ليالي مرة أخرى بقوة. قالت نعمة:
"هو انتي بقى اللي جاية من مصر؟ تعجبت ليالي من طريقة الفتاة العدائية لها وأجابت: "أيوه، اسمي لي... أتت فتاة أخرى من الداخل وهي تصيح بمرح وقالت: "انتي ليالي، صح؟ أجابت ليالي مستكملة: "أيوه أنا ليالي." جذبتها جميلة للداخل وكانهم أصدقاء، حيث أن نعمة وقفت بنظرة حادة لزوجها وقالت بعصبية: "شايفاك يعني جاي مبسوط ولا كأنك متخانق معايا قبل ما تطلع." أجاب حسين بغضب وقال:
"أنا ما شفتش واحدة زيك كدا، انتي بتشكي في الهوا اللي بتتنفسيه، زهقتيني يا شيخة وسودتي عيشتي." دلف للداخل بانفعال وتركها تغلي من الغيظ وقالت بشر: "ماشي يا حسين، أما أشوف كمان مين بتاعت مصر دي اللي هتقعد معانا في الدار." *** فتحت جميلة غرفتها وأدخلت ليالي ثم قالت بمرح: "دي أوضتي، بس اعتبريها أوضتك من دلوقتي وأنا هاخد الأوضة اللي جنبك، إحنا من النهاردة أصحاب صح 😊." ابتسمت ليالي لعفوية هذه الجميلة ثم قالت:
"انتي عايزاني أبقى صحبتك وانتي لسه ماتعرفينيش." جلست جميلة وقد تبدل مرحها قليلاً ثم أجابت: "اقعدي يا ليالي الأول." جلست ليالي قبالتها ثم بدأت جميلة الحديث: "أنا لما عرفت إنك جاية من مصر حسيت إني فرحانة، من بلد الحبايب." قالت ليالي باستغراب وقد لمحت دبلة بيد باصبع جميلة في اليد اليسرى قالت: "لو عايزة تتكلمي معايا، اتكلمي، ومتخافيش سرك في بير." مسحت جميلة دمعة بعينيها ثم ابتسمت وقد عاد بعض المرح:
"لما ترتاحي الأول، انتي جاية من سفر، وماتستغربيش إني فتحت لك قلبي كدا على طول، هو ده اللي وداني في داهية." نهضت جميلة وقالت: "أنا هروح اجيب لك هدوم من عندي تلبسيها." شعرت ليالي بالحرج واحمر وجهها ثم قالت: "لأ مش لازم، أنا هرتاح شوية وبعدين لو حد يوديني أروح أشتري كام حاجة على ما هدومي تتبعت هنا." أجابت جميلة بلطف وقالت: "مافيش مشكلة، بس هجيب لك بردو هدوم من بتاعتي وهتلبسيها غصب كدا 😈."
طافت بسمة على وجه ليالي ولم تعترض، خرجت جميلة لدقائق ثم أتت سريعا لليالي مرة أخرى وبيدها عدة أثواب وقالت: "هيبقوا تحفة عليكي، خديهم أنا مش عايزاهم." نظرت ليالي بعتاب لجميلة حتى انكمشت ملامح جميلة بطفولية وقالت بتلعثم: "أنا مش بحبهم عشان حماتي هي اللي جابتهم والله، بس هما حلوين جدا 😞 ولو ما خدتيهمش هولع فيهم 😈." رغما عنها ابتسمت ليالي لطفولية هذه الفتاة ثم قالت:
"خلاص هاخد حاجة واحدة فيهم لحد ما أشتري هدوم بكرة على ما شنطي توصل من القاهرة." استسلمت جميلة للأمر وتركت الثوب الذي اختارته ليالي ثم خرجت وتركتها. اغتسلت ليالي وبدلت ثوبها ورمقت الصغير وقد بدأ يعلن عن غضبه بالصراخ من الجوع. ركضت إليه ومررت يدها على رأسه وقالت بحنان: "أكيد جعان يا آدم، ثواني يا حبيبي وأجيب لك أكل."
تركته على الفراش وخرجت تبحث عن جميلة في الغرفة المجاورة من الطابق الثاني للمنزل الكبير حتى تفاجئت بوجود نعمة. قالت ليالي بتساؤل: "لو عايزة أجيب لبن أطفال، أجيبه منين هنا؟ تعجبت نعمة ثم قالت بسخرية: "طب ما ترضعيه انتي ولا انتوا يابنات مصر كدا." غضبت ليالي من إجابة نعمة المستفزة وقالت: "لو سمحتي جاوبيني، ابني ما أكلش من الصبح وبيصرخ." خرجت جميلة من غرفتها على صوتهم وقالت تحاول فهم سبب انفعالهم هذا: "بتزعقوا ليه؟
مالك يا ليالي؟ نظرت نعمة لليالي باحتقار ثم ذهبت. اغتظت ليالي منها ورمتها جميلة بنظرة غاضبة ثم قالت معتذرة لليالي: "معلش، هي كدا دبش في كلامها ودايما بتزعق، انتي كنتي بتسأليها على إيه؟ قالت ليالي مسرعة: "عايزة أجيب لبن أطفال عشان آدم ابني جعان وما أكلش من الصبح وبيصرخ وهي ردت عليها بأسلوب مش حلو وكأني بشتمها!! اضطربت نظرة جميلة وقالت بقلق: "يا قلبي، هروح جري أجيبه وأجي، انتي مش هتعرفي تروحي."
دخلت ليالي للغرفة وحاولت أن تهدأ الصفير ولكن أبى أن يهدأ حتى أتت جميلة لاهثة بعد فترة ليست طويلة وقالت: "هحضرها في ثواني وأجي تاني." ابتسمت ليالي لطيبة هذه الفتاة وهي تربت على الطفل لكي يهدأ، حتى أتت جميلة مرة أخرى وقالت بقوة: "سيبيني أنا أرضعه بالله عليكي من الرضعة." أعطته لها ليالي وعيناها لم تتركه حتى ناولته جميلة زجاجة الرضعة وأخذها بلهفة. أدمعت عيناها مما جعل ليالي تندهش أكثر وقالت: "بتعيطي ليه يا جميلة؟
بلعت جميلة ريقها وقالت:
"نفسي أبقى أم يا ليالي، أنا متجوزة بقالي سنتين، كنت بدرس في القاهرة وقابلت كريم وأعجب بيا وجه اتقدملي على طول، اتجوزنا بعد ما خلصنا دراسة على طول، وعشت في القاهرة أجمل أيامي، بس حماتي ماكنتش قادرة تصبر على الحمل وكل شوية تسأل لحد ما ربنا كرمني وعرفت إني حامل فعلاً، بس بعدها بشهرين لقيتها بتتصل بيا وعايزاني ضروري عشان تعبانة، وأنا كنت تعبانة والحمل كان تاعبني في الأول، قولتلها إني تعبانة واعتذرت، ما قبلتش اعتذاري، روحت عشان ما تزعلش، لقيت إنها مش تعبانة ولا حاجة، بس كل الموضوع إنها كانت عاملة عزومة لبناتها وجوازهم وعايزاني أعمل الأكل وأجهز كل شيء رغم إنها كانت بتجيبه جاهز قبل كدا."
قالت ليالي باستياء وعينيها على آدم تراقبه في محبة وهي يرضع: "طب وبعدين؟ تابعت جميلة حديثها بدموع: "اليوم ده ما قعدتش لحظة واحدة، وكل ما حماتي تتكلم تقولي انتي جاية من الأرياف وده شغلكم ولا انتي جايلنا برنسيسة!! ما كنتش برضى أقول لكريم عشان ما يزعلش من والدته، جيت على نفسي عشانه وعشان ما أعملش مشاكل، بس ما قدرتش واغمى عليا من كتر التعب وفي الوقعة بطني اتخبطت جامد وابني مات."
أجهشت في البكاء حتى ارتجفت أناملها وعي ممسكة بزجاجة الرضعة. جلست بجانبها ليالي وجرى الدمع بعينيها ثم ربتت على كتفها مواسية. وقالت: "ما تزعليش، انتي عملتي اللي عليكي قدام ربنا، وربنا هيعوضك." قالت جميلة بندم:
"أنا مش زعلانة من حماتي يا ليالي، أنا اللي غلطانة، لما كان كريم بيجيب لي حاجة كنت بقولها وأنا فاكرة إنها هتفرح، هي في الأول كانت كويسة والله، بس أنا المفروض كنت أبقى أعقل من كدا، كنت بقول حاجة وبصراحة كريم ما كانش بيعدي أسبوع غير وهو جايب لي هدية، مرة على مرة لحد ما بقت تزعل وتغير. المفروض ما كنتش أطلع أسرار بيتي لحد، حتى لو حماتي، لأني أكيد في يوم هبقى أم وهحس باللي حست بيه." قال ليالي:
"انسى اللي فات وابدأي من جديد، هو جوزك فين؟ أجابت جميلة وهي تكفكف دموعها: "سافر شغل بره مصر، وآخر حاجة قالهالي قبل ما يسافر: 'يوم ما تبطلي تطلعي أسرار بيتنا أبقي تعالي ورايا، عشان انتي السبب في اللي حصل ده كله وأنا نصحتك كتير، لكن انتي ما بتفهميش.' أنا غلطانة يا ليالي فعلاً وندمانة." أجابت ليالي بقوة: "خلاص سافري له فوراً، ما تعمليش فجوة ما بينكم، وابدأي من جديد، اللي فات خلاص مات، المهم اللي جاي تبدأيه صح."
ردت جميلة بقلق: "خايفة أسافر له يكون لسه زعلان مني وحالتي النفسية ساعتها هتدمر." نهضت ليالي وقالت شاردة: "اتمسكي بفرحتك يا جميلة، الفرحة بقت قليلة أوي في الزمن ده، سافري لجوزك وصالحيه لأن ما تزعليش مني انتي فعلاً غلطانة، مش صح إن أي حاجة تتقال كدا. وفي يوم هتبقي أم وهتعرفي وتفهمي إحساسها وانتي بنفسك قولتي إنها كانت كويسة في الأول." أنهى الصغير رضعت وحملته جميلة بحنان ثم قبلته بقوة وقالت:
"صراحة أه كانت كويسة وجدا كمان، أنا هقول لبابا إني هسافر لكريم بس بعد ما بابا صحته تتحسن شوية. هو كان عايز يشوفك بس لما الدوا نام غصب عنه من التعب والله." قالت ليالي وهي تأخذ آدم الذي يحرك قدميه الصغيرة بمرح وكأنه سعيد من وجبة غذائه الممتعة: "ألف سلامة عليه." نهضت جميلة وقالت: "الله يسلمك. طب وانتي، مش ناوية تحكي لي؟ توترت ملامح ليالي وقالت بتلعثم: "مافيش حاجة أحكيها يا جميلة، عادي يعني." قالت جميلة مبتسمة:
"خلاص براحتك، لما تحبي تتكلمي معايا أنا موجودة في أي وقت، ومالكيش دعوة بنعمة خااالص، دي عاملة مشاكل مع الكل." أجابتها ليالي بالإيجاب ثم خرجت جميلة وتركتها تأخذ غفوة حتى موعد العشاء. *** في المساء. استيقظت ليالي بذعر على صوت قرع على الباب بحدة وقد أزعج الصوت الصغير أيضاً في غفوته. ربتت عليه بلطف ثم نهضت بخوف. فتحت الباب بحذر حتى التقت عيناها بوجه نعمة وهي تتوسط خصرها وتقول باحتقار:
"أبويا الحاج عايزك تحت في المضيفة، شهلي شوية وشوفي هو عايز إيه." لم تجيلها ليالي حتى لا تجيب بانفعال مما استفز نعمة وذهبت وهي تتمتم بسُباب خافت. عدلت ليالي هندامها وهبطت للأسفل تبحث عن المضيفة حتى قابلها حسين وقال ببسمة: "لو بتدوري على المضيفة فهي اللي على اليمين دي." كادت ليالي أن تجيب ولكن لم تدري كيف أتت نعمة وأصبحت أمامها في الحال. استأذنت ليالي وذهبت قبل أن تسبب شجار لا لزوم له بسبب هذه الحمقاء.
دقت على باب المضيفة بهدوء حتى أذن لها صوت رجل يبدو أن المرض نال منه ما نال بسبب سعاله الحاد. دلفت ليالي بعد أن فتحت الباب والقت السلام حتى أجابها الرجل الكبير. "اتفضلي اقعدي يا بنتي، معلش أنا كنت تعبان ما عرفتش أضيفك أول ما وصلتي لهنا." أجابت ليالي بلطف: "كرم ضيافتك وصل يا حج محمود، أنا مش عارفة أشكر حضرتك إزاي." أجاب الرجل المسن بتعب:
"ولا شكر ولا حاجة ده واجب وإنتي زي بنتي، وعلى فكرة أنا كنت عارف أبوكي الله يرحمه، أنا ما عرفتش بموته غير إمبارح يابنتي والله العظيم، من محمد وزعلت منه إنه ما بلغنيش." لمعت دمعة بعين ليالي ثم قالت: "عم محمد كان مصدوم زيي بالظبط، دول عشرة عمر، أنا مش زعلانة منك." الرجل رأسه بارتياح ثم قال:
"أنا قولت لحسين ابني يشوف لك شغل في المستوصف الصحي اللي عندنا هنا، هي حاجة مش قد المقام يابنتي بس هو ده المتوفر دلوقتي في إيدي، لكن ما تقلقيش أنا هكلم كل اللي أعرفهم لحد ما ألاقيك شغل أحسن." وافقت ليالي وقالت: "متشكرة يا حج محمود، أنا راضية بأي شغل." أجاب الرجل: "يبقى على بركة الله." *** انتظر عم محمد أن يأتي عمر ولكن عمر امتنع عن الذهاب للشركة بعد وفاة شقيقه. قال عم محمد لبعض الحرس:
"أنا هروح أعزي عمر بيه، اللي ما راحش يعزي يجي معايا." أتى معه أحد الحرس الشباب ثم ذهبوا للقصر. دلف محمد ومعه حارس الأمن الآخر للداخل حتى ذهبت الخادمة كريمة لتخبر عمر بمجيء أحد. خرج عمر من غرفته بعد أن بدل ملابسه بغيرها وتوجه للخارج حتى يذهب للمشفى ولكن أتت كريمة وقالت باضطراب: "في حد عايز حضرتك يا عمر بيه، حد من الشركة." زفر عمر بضيق ثم هبط للأسفل وتفاجئ بوجود عم محمد ينتظره. وقف أمامه بغضب لأنه تذكرها.
قال محمد وهو يبلع ريقه بخوف من نظرة عمر الذي لاول مرة يراه هكذا وقال: "البقاء لله يا عمر بيه." باغته الحارس الآخر معزياً وردد نفس الجملة. أجاب عمر التعزية ثم أشار للحارس الآخر بالذهاب للخارج وينتظره وقال لمحمد بقوة وشراسة: "ليالي فين؟ خاف الرجل من نبرة عمر الغاضبة واحتار في القول حتى هتف عمر مرة أخرى: "لو عرفت إنك مخبيها انت عارف أنا هعمل إيه." قال عم محمد بتلعثم: "أمل ماتت يا عمر بيه." أشاح عمر وجهه وقال:
"الله يرحمها، تامر قالي امبارح، بس ده مش هيخليني أعفي عن أختها، ليالي لو وقعت في إيدي مش هرحمها." قال الرجل بلوم: "هي دي الوصية اللي سبهالك جمال يا عمر بيه، ما كانش العشم." صاح عمر بغضب وقال والشرر يتطاير من عينيه: "بعد ما هشام ما مات، محدش يسألني على وصية." رد عم محمد بتوجس وقال: "مش هسألك تاني، ويا ريت انت كمان ما تسألنيش على ليالي تاني لأني ماعرفش مكانها، بعد إذنك." ذهب الرجل وترك عمر يتنفس بحدة وقال
بصياح حتى يسمعه الآخر: "هلاقيه وهجيبها لحد هنا وهذلها." خرج الرجل من القصر وهو يردد: "لا حول ولا قوة إلا بالله، ربنا يرشدك للصواب يابني، يمكن لما أزمة وفاة أخوك يعدي عليها وقت وغضبك ده يهدأ أقدر أتكلم معاك تاني، يا خسارتك يا بني ده انت كان بينضرب بيك المثل في العقل." *** دخل تامر سيارته متوجهاً للمشفى حتى آتاه اتصال هاتفي من شخص ما. أجاب تامر مسرعاً: "ها عرفت حاجة؟ أجاب الطرف الآخر:
"فضلت أراقب الفندق لحد ما خرجت مع راجل كبير وراحوا للمحطة وركبت هي القطر، واحد من رجالي ركب معاها في نفس القطر بس للأسف تاهت منه في الزحمة بعد ما نزلت." هتف تامر بغضب: "يا غبي، تفضل تدور لحد ما تلاقيها وتعرف مكانها، وما تتصلش عليا تاني غير لما تعرف هي فين." أجاب الشخص الآخر: "ما تقلقش، طالما عرفت هي في أي بلد يبقى هقدر أوصلها حتى لو أخدت وقت بس هوصلها في الآخر." ***
ذهبت ليالي في اليوم التالي لشراء بعض الملابس البسيطة حتى تستعد للعمل لليوم الذي يليه. لتذهب صباحاً في اليوم المحدد للعمل باصطحاب حسين لها أثناء الطريق مما جعل زوجته نعمة تشتعل من الغيظ والحقد. لمحتها جميلة وقالت بتحذير: "لو ما بعدتيش عن ليالي يا نعمة أنا هقول لأبويا، وانتي عارفة الحاج محمود في زعله بيبقى عامل إزاي." أجابت نعمة بعصبية:
"انتي بتهدديني عشان البت دي يا جميلة، ولا هي خلاص بقت صحبتك ولا ابنها اللي كأنك انتي اللي مخلفاه." هتفت جميلة ولمعة الألم تعصف عيناها: "اتقي الله بقى في كلامك، انتي إيه ما بتحسيش. أنا هاخد ليالي وابنها وهروح البيت القبلي هنقعد هناك وهنيجي هنا على النوم عشان نترحم من وشك ده، يااااساااتر، أنا مش عارفة أخويا طايقك أزاااي." ذهبت جميلة لغرفة والدها تستأذنه، وقال والدها باعتراض:
"لا يا بنتي، تقعدوا إزاي لوحديكوا طول النهار كدا." أجابت جميلة بوضوح: "يا بويا أنا برحم ليالي من نعمة، دي مش طايقاها وبتقعد تزهق فيها، ده غير إني خايفة لتعمل معاها زي ما عملت مع زميلة حسين وطلعت عليهم كلام إنه هيتجوزها وحصل مشاكل بسببها." زفر محمود بضيق وقال باستسلام: "نعمة دي دماغها عايز الكسر ولسانها فالت منها، خلاص خدي ليالي وابنها وروحي يابنتي بس تبقي هنا قبل عشية." ابتسمت جميلة وهي تنهض وقبلت يد والدها ثم ذهبت.
*** ارتاحت ليالي للعمل الجديد في المستوصف الطبي حتى أن حسين استطاع أن يساعدها في الحصول على عمل أكثر راحة من عمل النظافة وعملت سكرتيرة لطبيب وحجز أدوار المرضى. وعندما عادت من العمل تفاجئت بقرار جميلة وأراحها هذا كثيراً وقالت: "بصراحة كدا أحسن، أبقى بعيد عن المشاكل وخصوصاً إن نعمة ما بتفوتش فرصة غير لما تزعق لي." قالت جميلة وهي تتظاهر بالقوة: "محدش يقدر يزعلك طول ما أنا موجودة 😈."
ابتسمت لها ليالي وقالت وهي تحمل آدم الذي وكأنه كان يشتاق لها كثيراً وقالت بعد أن قبلته: "مش عارفة أقولك إيه يا جميلة، انتوا ربنا بعتكم ليا، أنا ببقى سايبة ابني وأنا مطمنة عليه معاكي." قالت جميلة بابتسامة: "حبيبتي أنا أختك وصحبتك ووقت اللزوم هبقى البودي جارد 😈😂." *** مر أكثر من شهرين. كان وجهها شديد الشحوب وقد بدأ المرض يهاجمها حتى أغمى عليها أثناء العمل وفحصها الطبيب. بعد أن فاقت رأت محلول طبي معلق بوريد يدها.
قالت برجفة خائفة: "أنا حصلي إيه يا دكتور؟ قال الطبيب وهو ينظر للكانولا: "أغمى عليكي، بس لازم تقولي لي انتي بتعاني من إيه عشان أنا ملاحظ عليكي التعب من فترة." اعتدلت قليلاً وقالت صراحة وهي حزينة: "مش عايزة أكدب عليك يا دكتور، أنا عندي كانسر." اتسع عين الطبيب ذو الشعر الأشيب بتفاجئ وقال: "طب ليه ما قولتيش كدا يابنتي من الأول، انتي لازم تعملي أشعة فوراً عشان ده حاجة ما يتسكتش عليها وأعرف حالتك بالضبط."
قالت ليالي بوجه شاحب: "كنت متابعة مع دكتور وأنا في القاهرة وكنت هعمل عملية، بس حصل ظروف وما عرفتش أرجع القاهرة تاني." رد الطبيب بضيق وقال: "طب قولي لي اسم الدكتور بتاعك وأنا هتصل بيه، للأسف ده مش تخصصي، بس مش هسيبك تهملي في صحتك كدا." قالت بخوف: "المرض كان حميد هو ممكن يا دكتور يكون بقى... أجاب الطبيب سريعاً:
"مش كل حالة زي التانية، في حالة الموضوع بياخد معاها وقت وحالة تانية جسمها بيستسلم بسهولة للمرض وأي مرض بسرعة، أنا اللي أقدر أعمله معاكي إني هديلك شوية أدوية تقوية عشان تقدري تقاومي شوية لحد ما أوصل للدكتور اللي متابع حالتك، أنا اعتبرتك بنتي." رفرفت دمعة بعينيها وقالت شاكرة: "ربنا يحفظك يااارب، وأكيد أنا كمان يا دكتور كمال بعتبرك زي والدي." ***
خرج عمر من غرفة والدته بالقصر بضيق وذهب لريهام الذي تنتظره بمكتبه في القصر. سألته: "طنط عاملة إيه دلوقتي؟ مافيش تحسن لسه؟ رد عمر الذي تحول بالفعل خلال هذا الشهرين إلى شخص آخر حتى أصبح هذا الشرس القاسي الذي يبدو وكأنه لا يعرف معنى للرحمة. هتف بقوة: "لسه، من ساعة موت هشام وهي ما بتنطقش ولا بتتكلم، بس أنا عارف اللي هيريحها." قالت معاتبة: "هي مشيت وراحت لحالها، ليه بتدور عليها؟
انت ما بقتش شايف انت بقيت عامل إزاي يا عمر، أنا بقيت بخاف منك، مش أنت عمر اللي أعرفه." طرق على مكتبه بشراسة وقال: "أنا خيرتك من البداية، هتستحملي أي قرار أخده ولا تبعدي وانتي اللي اخترتي إنك تفضلي أنا ما أجبرتكيش." اقتربت منه وقالت بحزن: "لأني بحبك ياعمر لسه موجودة هنا، مش هاين عليا أسيبك وانت كدا، بس مش قادرة أشوفك كدا، أنا عايزة عمر بتاع زمان، مش اللي واقف قدامي ده." زادت حدة الغضب بنبرته وأجاب:
"طول ما أنا ما أخدتش حق أخويا هفضل كدا وأكتر، لحد ما ألاقيها." هتفت به بغضب: "أيوه قول كدا، انت هتجنن عليها عشان مش عارف مكانها ومش لاقيها، قول إنك عايز تلاقيها مش عشان تنتقم وكل الكلام ده، انت عايز تلاقيها عشان بتحبها." أشار لها بأصبعها بنظرة محذرة ومهددة: "لو قولتي كدا تاني اعتبري اللي بينا انتهى، أحب!! أحب اللي قتلت أخويا!!! ، انتي أكيد في عقلك حاجة." ضيقت نظرتها وقالت وهي تهم بالذهاب:
"ما قتلتش هشام وانت عارف كدا، هشام مات بجرعة مخدرات زايدة، أنا بحس إنك عايز تتهمها عشان يبقى ليك مبرر تدور عليها والاسم عايز تنتقم. أنا مش عبيطة يا عمر ولا طفلة، أنا بفهمك من نظرة عينيك، عينيك اللي لما بيجي اسمها بس بتبقى عامل زي المجنون. أنا ماشية." أخذت حقيبتها وركضت وهي تبكي. زم شفتيه بقوة وتألمت ملامح وجهه بشراسة حتى ألقى كل شيء على المكتب وأصبح متناثراً على الأرض. قال بعنف وهو يتنفس بحدة:
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!