في بيت صغير وجميل يستيقظ ذلك الفتى مفزوعا من رؤيته لإحدى الكوابيس التي تتردد بكثرة على ذهنه من وقت بلوغه الـ 21 عامًا. "أعوذ بالله من الشيطان الرجيم.. بسم الله الرحمن الرحيم.. لا حول ولا قوة إلا بالله.. إيه ياربي الحلم ده؟ طول يوم نفس الحلم.. لا حول ولا قوة إلا بالله." اعتدل في جلسته ثم قام متجهًا للنافذة، وقام بفتح الزجاج المحيط بتلك النافذة والذي يحجب عنه الهواء النقي.
فتح النافذة يستنشق بعض الهواء النقي من نسيم هواء الفجر حتى يزول ذلك الشعور السيء، الاختناق الممزوج بالبكاء الصامت. بينما هو واقف أمام شرفته وتداعبه نسمات الهواء الخفيفة، إذ بأحد يطرق الباب، وكان ذلك الأحد والدته. "أقدر أدخل يا عثمان؟ فتح لها عثمان الباب، وعندما نظرت لوجهه لاحظت تغير ملامح ابنها والإرهاق الشديد الذي في عينيه. "مالك يا عثمان؟ وإيه اللي مصحيك لغاية دلوقتي؟
نظر عثمان للأرض ثم أعاد النظر إليها والعبرة تقتله. "مفيش حاجة." نظرت له بحنان ورفق وقالت له: "راودك نفس الحلم، أليس كذلك؟ لم ينطق، ولكن تكلمت عيناه. ربتت والدته على كتفه قائلة: "لا تقلق، لعله إرهاق فقط." نظر لها ومسحة الحزن في عينيه وقال لها: "وما ذلك الإرهاق الذي يجعل مني قاتل يا أماه؟ إنها المرة الخمسون على التوالي التي أحلم فيها بأني أؤذي رجلاً وأمسك برأسه وأمشي بها بين الناس بكل فخر." قالت له والدته بثقة:
"ولما لا يكون هذا الرجل ظالماً شديد البطل وأنت أنقذت من حوله بقتله؟ مسح على وجهه قائلاً: "ومن أنا حتى أنهي حياة إنسان يا أمي؟ اتجهت للشرفة وهي تنظر للسماء قائلة: "ومن قال إنه إنسان؟ إنه شيطان لعين." رد مستغرباً من كلامها قائلاً: "وكيف عرفتي أنه شيطان يا أمي؟ نظرت له بارتباط قائلة: "مجرد تخمين لا أكثر يا ولدي." تنهد قائلاً: "أتمنى أن تكوني على حق ويكون شيطان، ولكن يا أمي…" ردت الأم باهتمام قائلة: "ولكن ماذا؟
قال وعيناه مليئة بعلامات استفهام كثيرة: "هناك أمر يستوقفني، لماذا يتحدث بنفس اللغة التي لا يتحدث بها غيرنا فقط؟ ارتبكت والدته وبدا عليها أنها تخفي شيئاً، ولكنها حاولت تغيير الموضوع قائلة: "كبر دماغك.. ألا صحيح.. إيه رأيك في الأكل النهاردة؟ تعجب عثمان من ارتباكها وتغييرها لمسار الحديث، وأعاد السؤال مرة أخرى: "لماذا يتحدث نفس اللغة التي نتحدث بها الآن والتي لا يعرفها أحد سوانا؟ ردت بارتباك قائلة:
"ربما عقلك الباطن.. والآن هيا للنوم، لقد تأخر الوقت وعليك أن تفيق باكراً للجامعة." وخرجت قبل أن يردف بسؤال آخر. كان عثمان لا يدري لماذا تتهرب والدته كل مرة عندما يسألها نفس السؤال.
اتجه لسريره وأراح ظهره، ممدًا يده خلف رأسه يفكر في كل تلك الأحداث التي لا يستطيع فهمها، وعن الرمز الذي على كتفه من الخلف، وعن لغة والدته التي لا يتكلم بها أحد غيرهما، وعن هيئتها المختلفة وقوة الحاسة السادسة عندها. أسئلة كثيرة يريد لها أجوبة، ولكن لا يوجد من يجيبه. ظل يفكر حتى غلبه النعاس وغط في النوم. على النقيض الآخر، كانت فهيرة والدة عثمان تتحدث مع زوجها أحمد في غرفتها. قالت بحزم:
"الولد كبر يا أحمد، ووطنه محتاجه. كل الأحلام دي ما هي إلا رسالة عشان يرجع لوطنه، يرجع لأكيدوس ويكمل مهمتي اللي مقدرتش أكملها." رد أحمد بغضب شديد: "أكيدوس مش وطنه يا فُهيرة.. أرض البشر هي أرضه، وأنا م عنديش استعداد أضحي بابني عشان حتة أرض محدش يعرف لها طريق غيري." ردت بغضب قائلة: "يبقى أنا اللي هرجع أرضي يا أحمد، ومش هسيب شعبي يتعذب أكتر من كده." فتح أحمد عينيه بصدمة قائلاً: "طب وأنا؟ إيه؟ هتسيبيني؟ نزلت الدموع
من عيني فهيرة قائلة: "أنا سبت شعبي وأرضي وجيت معاك، وأنت وعدتني إن لو خلفنا ولد هيرجع ويحرر أرضي من سفران." رد أحمد بيأس قائلاً لها: "ابنك ضعيف يا فُهيرة، ضعيف وجبان ومش هيقدر على سفران وحرسه، وأنا وعدتك فعلاً بس لو كان ابني مستعد، لكنه مش حمل أكيدوس وسفران ولا حمل حتى نملة من نمل أكيدوس." انفعلت فهيرة وردت بعصبية شديدة قائلة:
"ابني مش ضعيف، ابني جواه قوة كامنة لو خرجت كفيلة إنها تدمر أرض أكيدوس باللي فيها، هو بس محتاج يكتشف نفسه مش أكتر، لأن عثمان مش ضعيف." قال أحمد بسخرية وهو يبتسم: "قوة كامنة آه.. ولما هو كدا مكنش بيروح المدرسة ليه؟ مش عشان كان خايف من العيال؟ ولا كنتي في غيبوبة؟ مراحش ثانوي وخدها في البيت ليه؟ مش عشان خايف من الناس؟ وهو دخل كلية وبردو لسا بيخاف يواجه الناس.. هي كلمة واحدة يا فهيرة، عثمان مش هيروح أرضكم."
نظرت له بابتسامة قائلة: "البوابة اللي هتختار صاحبها، والسيف بيختار حامله، ولو طلع إحساسي صح واختاروه عثمان، ساعتها لا أنا ولا أنت هنقدر نمنعه يا أحمد." رد أحمد ساخراً: "ده لو اختاره يا هانم…." ثم زفر بضيق وقال: "أنا طالع أشم شوية هوا عشان الدنيا هنا خانقة." أدار ظهره واتجه للباب، وقالت فهيرة في سرها: "سترى يا أحمد." ******************** كان عثمان نائماً حتى أيقظه صوت همهمات تقول: "ها قد آن الأوان يا فارس."
استيقظ عثمان مفزوعاً يدور بعينيه في كل أرجاء غرفته عن مصدر الصوت، ولكن لم يجد أحد. فقط نافذة غرفته مفتوحة وصوت الهواء وكأنه يحمل كلمات بعيدة لا يستطيع سماعها بوضوح. اقترب من النافذة حتى يسمع بوضوح، وبينما هو ينصت، إذ بورقة تقذف بوجهه. أخذها وفتحها، وجد بها نفس الرمز الموجود على كتفه من الخلف. وعندما بدأ يقرأ، سمع صوت يقول: "تستعد أكيدوس لاستقبالك يا مولاي." بدأ يقرأ ما يوجد بالورقة والتي كانت تحوي تلك الكلمات.
*********************** "ها قد عاد صاحب الأرض وولى العهد همي يا بوابة ليل بفتح البوابة لأكيدوس امتلأ الفؤاد شوقاً لفارسنا وهرمت أكيدوس من أجل تلك اللحظة." ************************ ووجد جملة تقول: "أكيدوووس افتحي لي معابرك فها أنا آت." وقتها اهتزت الأرض من حوله، وأُغلق باب الغرفة من الخارج بإحكام، وصوت والدته تقول: "إياك والمجيء قبل الأوان."
اهتزت الأرض من تحته، وارتعش سقف غرفته من شدة الاهتزاز، وإذ فجأة تفتح طاقة من النور يرى من خلالها عالماً آخر وأناساً آخرين. أحس أنه في حلم، فدائماً ما يراوده مثل هذه الأحلام. أدخل يده من خلال البوابة ووجد أنه يلامس الهواء. اقترب أكثر، فهمت البوابة بابتلاعه. وفي لمح البصر اختفى عثمان واختفت معه البوابة، وعادت الغرفة كما كانت. فتحت والدته الباب وابتسمت عندما لم تجده، وقالت في نفسها:
"ها قد عدت إلى وطنك يا سمو الأمير فارس." رد عليها صوت مألوف لها: "لا تقلقي مولاتي، سأكون دائماً معه." ابتسمت برقة والتفت لترى حارسها الخاص الذي لم تره منذ 25 عامًا. "كيف حالك يا غفران، وكيف حال شعبي من بعدك؟ نظر غفران للأرض ثم رفع رأسه للسماء قائلاً: "سأكتفي بأن أقول لسنا بخير، ولعل النصر قريب. وأعتذر عن قلة كلامي، ولكن ليس هناك وقت على أن أتبع الأمير فارس." كاد أن يرحل قبل أن يأتي صوت أعاد له ذكريات كثيرة.
دخل أحمد مسرعاً: "أين عثمان يا فهيرة؟ ولم يكمل كلامه حتى لاحظ وجود غفران. نظر له بحنين وقال: "غفران؟! ابتسم غفران قائلاً: "ألا تريد معانقة صديقك بعد كل هذا الغياب؟ نزلت دموع أحمد وهو يحتضنه بحرارة ويكرر اسمه قائلاً: "صديقي.. غفران.. غفران! لقد اشتقت إليك يا صاحبي." بادله غفران الشعور وابتعد عنه قائلاً: "لا تقلق، سأحميه كما حميتك في الماضي يا صديقي. ولدك أمانة وسأردها إليك، وإن كان هذا سيكلفني حياتي." أحمد بدموع:
"لم أكن أريده أن يعيش ما عشته، ولكن يبدو أن الأقدار دائماً أقوى مننا." نظر له غفران نظرة بثّت له الطمأنينة، ثم ربت على كتفه قائلاً: "سأعيده لك، وهذا عهد مني." وسرعان ما اختفى غفران. نظر أحمد لفهيرة نظرات كلها حزن وقال: "أنا السبب." ربتت على كتفه قائلة: "إنه ابني وأنا أعرفه أكثر من نفسي، سيعود منتصراً." أحمد بحزن: "أتمنى ذلك."
في أرض أكيدوس، سقط عثمان على أرض ترابية وكأنه في صحراء. ظل يبحث في المكان بعينيه عن شخص ما يساعده، لكنه لم يجد أحد. ولم يكن لديه حل آخر غير أن يتجول في المكان لعله يجد أحد.
وقبل أن يخطو خطوته الأولى، نزل كيان بسرعة البرق إلى الأرض ووقف أمامه. كان ذلك الكيان يمتلك جسد أنثى رياضية ممشوقة القوام. لم يكن يظهر من وجهها غير عينيها الخضراوتين كحبات الزيتون. ترتدي بنطالاً من الجلد يمسك بجسدها وبادي كالذي يوجد في أرض البشر، يعلوه وشاح تلفه حول نفسها وتغطي به وجهها. وقفت أمامه وهي تصوب نحوه السهام: "من أنت أيها الغريب؟ وما الذي أتى بك لهنا؟
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!