وجهت نحوه السهم و قالت بصرامة: -من أنت؟ وكيف وصلت للحدود الشمالية؟ جلس أرضًا وامتلا قلبه بالخوف من ذلك السهم الذي بينه وبين رأسه ما يقارب حبة رمل، وقال لها وهو ينظر لعيونها التي تعبر عن قوتها وصرامتها: -عثمان اسمي هو عثمان، وصدقيني لا أدري كيف وصلت إلى هنا. نظرت له وهي تتفحص شكله وملابسه الغريبة، ثم أردفت قائلة: -كيف لا تدري كيف وصلت إلى هنا؟ أتُمزحني أم تراني حمقاء؟ ثم قالت له وقد ملأ الغضب عيناها:
-انطق أيها الفتى وإلا تركت ذلك السهم يخترق خلايا جسدك. رد وهو يبتلع ريقه ويبتعد عنها زحفًا للوراء: -صدقيني لا أدري، لا أدري كيف أتيت إلى هنا، لقد كنت في غرفتي منذ قليل وفجأة فُتحت بوابة غريبة وأصبحت أمامك الآن. نظرت له باشمئزاز لضعفه وعدم ثباته أمامها، كيف لرجل أن يرتعب هكذا من أنثى؟ أي نوع من الرجال هذا؟ ثم أردفت له قائلة: -قم وحادثني مثل الرجال يا هذا، يالك من خصم ضعيف.
وقف وقد بدا عليه الغضب والعصبية، عدّل ملابسه وقام بنثر التراب من شعره، ثم نظر لها قائلاً: -ومن قال لكِ أنني ضعيف؟ أتختلقين الأكاذيب أم أنك تحكمين على الناس من البرهة الأولى؟ ضحكت بسخرية وقالت: -ألا ترى ركبتيك اللتان أصابهما الشلل، أو وجهك الشاحب وخوفك من مجرد سهم؟ أنت حتى لا تملك الشجاعة لتدافع عن نفسك. ثم قامت بتوجيه السهم نحوه قائلة: -أما الآن فاستعد للقاء الموت أيها الفتى الغريب.
جلس هو مستسلمًا للموت، فما بيده حيلة، هي فتاة وهو رجل، وتلك مواجهة غير عادلة. صوبت نحوه وكانت على وشك إفلات السهم من يدها، حتى ظهر غفران من البوابة وقام بدفع يدها، فأصاب السهم جذع شجرة. نظرت هي بغضب وقالت: -كيف تجرؤ أيها... من؟ غفران؟ غفران وهو يضع يده على قلبه: -حمدًا لله أني وصلت بالوقت المناسب. أردفت هي بعصبية شديدة: -أي وقت مناسب هذا؟ لقد أخطأت الهدف بسببك وذلك الغريب حي يرزق أمام عيني. رد هو بجدية وهو ينظر
لعيونها الخضراوين الغاضبة: -ليس بغريب، إنه ابن الملكة فهيرة. وقعت سهامها منها، وكاد فمها يصل للأرض من شدة الصدمة وهي تقول: -ك.ك.ك... كيف؟! غفران وهو يتجه ناحية عثمان: -إنه الأمير فارس. وقام بقطع ملابسه العلوية وأداره مشيرًا على ظهره: -رمز الملوك أمام عينيْك إن كنتِ لا تصدقين. وضعت يدها على وجهها، وكادت تفقد عقلها من شدة الصدمة، كيف لذلك الفتى أن يدافع عن أرض كاملة وهو لا يقوى على الدفاع عن نفسه؟
فقد وقف مستسلمًا للموت ولم يبدِ أي رد فعل للدفاع عن نفسه. -كيف له أن يكون فارس؟ إنه لا يقوى على مواجهتي حتى يواجه سفران وجنوده. رد عثمان بحكمة وهدوء شديد: -لم أقوِ لأنكِ فتاة. علمتني أمي أنه إذا كان خصمي أنثى فلابد من الانسحاب، لأن حينها ستكون المواجهة غير عادلة، وكذلك ليس من شيم الرجال مبارزة النساء. خلقنا الله لنحميكم يا سيدتي لا لنؤذيكم. ربت غفران على كتفه، وبعينيه نظرات فخر تجاه فارس: -أحسنت يا بني، سلمت يد أمك.
ثم نظر لها قائلاً: -انحني للأمير وقدمي التحية واعتذار قبل التحية. نظرت له بغضب قائلة: -ماذا ولكن... قاطعها قائلاً: -انحني والآن وبدون نقاش. انحنت ليل لتحيه قائلة: -أقدم لك كامل اعتذاري وأسفي لك يا سمو الأمير، كما أنني أطلب منك السماح. أماء لها عثمان رأسه قائلاً بابتسامة خفيفة: -لا بأس يا ليل، اسمكِ ليل أليس كذلك؟ ردت هي بكل غرور قائلة: -اسمي هو ليل وأنا حارسة الشمال، وأنت محظوظ لمقابلتي. ابتسم عثمان بلطف قائلاً لها:
-تشرفت بمعرفتكِ يا ليل. ثم نظر لغفران قائلاً: -كيف عرفت اسم والدتي وكيف عرفتني؟ وما هي قصة الأمير فارس؟ وأين أنا ومن أنت ومن أنا وماذا يحدث؟! ضحك غفران وحاوطه بذراعه وهو يشير بذراعه الأخرى: -أهلاً بك في أرضك، أرض أكيدوس. لقد انتظرناك كثيرًا يا فارس. نظر له عثمان قائلاً: -أنا عثمان ولست فارس. ضحك غفران وربت على كتفه قائلاً: -ستعرف كل شيء وحدك قريبًا، سترافقك ليل، أما أنا فعلي الذهاب لأن لدي مهام كثيرة.
نظرت له ليل بغضب: -ماذا؟! لا، أنا لن أرافق أحدًا، لا تورطني يا غفران. ضحك لها غفران ثم غمز لها قائلاً: -ها قد بدأت قصتك يا ليل. واختفى من أمامها بلمح البصر. قالت في نفسها: -فعلتها يا غفران... آهٍ منك، كيف لي أن أتحمل ذلك الفتى. قاطع تفكيرها المتذمر صوت عثمان وهو يسعل: -احم، لقد قال لي أنك ستخبرينني بكل شيء، فهل قلتِ لي من فضلك ما الذي يحدث؟ نظرت له ليل وعلى وجهها علامات الغضب:
-انصت أيها الفتى، اتبعني وألزم الصمت، فأنا لا أحب الثرثرة وكثرة الأسئلة، يالك من أحمق. عقد حاجبيه مندهشًا منها، كيف تحدثه بتلك الطريقة وكانت تطلب منه العفو والسماح منذ قليل؟ أهي مجنونة أم لديها انفصام بالشخصية؟ -ألديك انفصام بالشخصية؟ اقتربت منه بسرعة البرق: -ماذا قلت للتو يا فتى؟ عثمان وهو يحاول أن لا يقترف المشاكل منذ البداية: -لا، لم أقل شيئًا، لم أقل شيئًا. تراجعت وهي تناظره بضيق و كره، وأشارت له أن يتبعها.
سارت ليل ويتبعها فارس في صحراء لا يوجد بها أثر للحياة، وبعد ساعات من المشي بدأت تظهر ملامح مدينة من بعيد. أردف عثمان قائلاً: -هل تلك مدينة حقًا أم أنها مجرد سراب؟ ردت بعدم اهتمام قائلة: -نعم، إنها مدينة أكاليل، وهي المدينة التي بها السوق العظمى لنا، حيث يأتي التجار من كل مكان في العالم حتى يعرفوا بضائعهم النفيسة الغالية، فلا مكان للبضائع الرخيصة هنا، جميعها نفيسة وغالية. رد عثمان بحزن:
-لا مكان للبضائع الرخيصة، أي لا مكان للفقراء والمساكين في تلك السوق. تنهدت قائلة:
-لا مكان للفقراء في أي شيء في أكيدوس، ليس في تلك السوق فقط. منذ أن تركتنا الملكة فهيرة والبلاد تدمرت، قتل سفران زعماء المناضلة وقتل رجال القرى، نهب أموالنا، دمر بلادنا وخطف النساء وجعلهم جوارٍ عنده. لقد شاع الفساد وتدمرت البلاد وغزا الظلم أكيدوس، أصبحت مقرًا للفساد والظلم والمهانة بعد أن كانت أرض الملوك، أرض العزة والسلام، أرض البساتين والجمال. ذبلت أكيدوس وانطفأ شعبها، ماتت أكيدوس وأنت أملنا الوحيد لتحييها.
رد عثمان بحزن: -إنه لأمر مؤسف وموجع، ولكن كيف لي أن أحرر تلك البلاد وحدي؟ أردفت بحزن قائلة: -لا أدري... حقًا لا أدري كيف ستنقذنا وأنت لا تقوى على حمل نفسك حتى. وقف عثمان ونظر لتلك الأرض، ثم أعاد النظر لليل قائلاً: -ربما ترين أنني ضعيف، ولكن أعدك يا ليل أنني لن أعود لعالمي حتى أحرر أكيدوس، حتى إن كلفني ذلك حياتي. نظرت له ليل وابتسمت قائلة: -يبدو لي أني تسرعت بالحكم عليك. ضحك عثمان قائلاً:
-قلت لكِ أنكِ تحكمين على البشر من البرهة الأولى. أتدري، كانت أمي دائمًا تقول إن بداخلي قوة كبيرة، ولكنني لا أستطيع تحريرها إلا إذا تحكمت في غضبي ومشاعري وأخرجت الخوف من المستقبل من قلبي. توقفت ليل واتجهت نحوه، واضعة يدها على قلبه وأغمضت عينيها... وإذا بها فجأة...
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!