ابتسمت ليل قائلة: "لا تقلق يا فارس، إنها جدتك الكبرى". اتسعت عينا فارس من الصدمة، وقال بصوت متقطع: "م.م.من؟ جدتي أنا؟! اقتربت منه أركيلة وعيناها تفيضان من الدموع، وقالت: "نعم يا بني، أنا.. أنا جدتك يا عزيزي". ثم أردفت
وهي تتفحص وجهه بيديها: "أشعر وكأنني أمام فهيرة، لديك نفس عينيها يا بني، ذلك اللون البني الذي يتلألأ في الشمس كالاحجار الكريمة، وتلك الأنف المسنونة كالسيف، وشعرك المصفف البني. لديك الكثير من صفات أمك، وقد جمعهم الله مع هيئة والدك، ذلك الجسد الرشيق ونبرة الصوت الجميلة. أشعر وكأن روحهما أمامي الآن." ثم ضمته إليها بشدة وهي تقول بدموع: "لقد اشتقت إليك وإليهم يا بني، أنرت قلب جدتك ومنزلها يا حبيبي". ثم ابتعدت عنه وهي ترجع
للخلف ببطء وهي تشير لهم: "تعالوا، تعالوا، هموا بالدخول. يا إلهي، إن قلبي لا يسع كل تلك الفرحة. فارس أكيدوس وليله أمامي، إني لا أصدق." تنهدت ليل بتعب وهي تجلس على الأريكة ذات النسيج الناعم الذي أراح ظهرها بعد كل تلك المسافة التي قطعوها. "عليكِ أن تصدقي يا جدة، فقد اقترب ميعاد سفران. ها قد عاد صاحب الأرض ليحررها." ثم نظرت لفارس قائلة: "أليس كذلك يا مولاي؟!
نظر لها فارس باستغراب، فهي تمدحه على غير العادة. ثم أردف قائلاً: "بكل تأكيد، لقد وعدتك أنني لن أرحل من تلك الأرض قبل أن أحررها وآتيك برأس ذلك الظالم." طالعته أركيلة وقد رُسمت على وجهها ابتسامة جميلة، وانهمرت الدموع من عينيها. ثم أردفت بهدوء
وهي تلمس خده بحنان قائلة: "لقد انتظرتك كثيراً يا قلب جدتك، وها قد أتيت لتحرير أكيدوس وتحريري من الوحدة. فقد أمضيت عمري كله بعد ما تركتنا أمك مختبئة هنا، أطالع الأسقف وأنتقل بعيني من حائط لآخر. لقد أمضيت عمري كله وحيدة مختبئة من سفران يا بني." طالع فارس الأرض بحزن، ثم أعاد النظر لجدته قائلاً: "ولما تختبئين منه يا جدة؟ ولما أنفقتِ عمرك على الوحدة؟! تنهدت
الجدة وطالعته بحزن قائلة: "إنها قصة طويلة سأرويها لك، ولكن ليس الآن. دعنا أولاً نتناول بعض الفطير اللذيذ مع كوب من الحليب بالزعفران، وبعدها أروي لك كل ما تريده. ما رأيك؟ ابتسم فارس قائلاً: "حسناً يا جدتي، كما تريدين يا عزيزة قلبي." ابتسمت الجدة وذهبت لإعداد الطعام، بينما تركت ذلك الشاب الذي ظل مبهوراً من جمال تلك الفتاة. أهي حورية؟ أم فراشة؟ لا، بل هي أجمل. كيف هي بكل ذلك الجمال؟
تلك العينان الخضراوتان كالزرع الأخضر، وتلك البشرة البيضاء. يا إلهي، كأنني أنظر إلى حليب صافٍ. وما ذلك؟ أشعر هذا أم سماء ليلٍ ملصعة بالنجوم؟ كم أنتِ جميلة يا ليل، ولكن لماذا تخبئين وجهكِ وهي بذلك الجمال؟
وبينما كان شارداً بها، مالت هي رأسها للخلف مستندة على تلك الأريكة ذات النسيج الناعم، وأغلقت عيناها بتعب تستعيد طاقتها التي نفدت من المشي والركض والشرح لفارس. ظلا على ذلك الحال حتى قطع شروده وراحتها صوت الباب الذي طُرق مرة واحدة. نظر فارس لها بقلق، ثم أردف بصوت خافت قائلاً: "هل تنتظرين أحداً؟! طالعت هي الباب وأمسكت بسهامها قائلة: "لا، فلا أحد يعلم بذلك المكان غيري أنا وجدتك." اقتربت من الباب بضع خطوات،
ثم أردفت بهمس لفارس قائلة: "افتح الباب واختبئ خلفه حتى لا يصيبك سهمي." نظر لها وهو عاقد حاجبيه، ثم أردف باستنكار قائلاً: "ولما اختبئ؟ يمكنني القتال." ضغطت على أسنانها بعصبية قائلة: "افعل ما قلت لك، والزم الصمت. لا وقت للنقاش." ابتلع ريقه قائلاً: "حسناً، حسناً، لا داعي لتلك العصبية."
ذهب فارس وقام بفتح الباب بسرعة، وما كاد أن يختبئ حتى وجد ذلك السهم الذي مر بجانبه وكاد أن يخدش وجهه. انتظرا بضع ثوانٍ منتظرين صوت صراخ أحدهم، ولكن لا شيء حدث. نظر فارس لها باستغراب، ثم أردف بهمس قائلاً: "لم أسمع صوت صراخ أو ما شابه. يبدو أن السهم لم يصبه." أردفت ليل بعصبية قائلة: "سهامي لا تخيب أبداً، يبدو وأن هناك خطب ما."
وبينما يتحدثان، إذ بصوت غفران بضحك قائلاً: "ها هو سهمك يا ليل.. في كل مرةٍ أوشك على الموت بسببك." وضعت يداها على قلبها وقالت بقلق: "غفران؟! ضحك وهو يغمز بعينه: "إنه أنا بشحمي ولحمي.. كم مرةٍ أقول لكِ ألا تتسرعي في إطلاق تلك السهام، إنها ليست لعبة يا ليل." ركضت ليل وعانقته بشدة قائلة: "أوه غفران، لقد كدت أن أقتلك." ابتسم وهو يمسح على رأسها بحنان: "لا بأس يا صغيرتي، أنا بخير." ابتعدت قليلاً وما زالت يداها ممسكة به،
ثم أردفت بدموع قائلة: "لا أصدق أن ذلك السهم كان سيصيبك يا غفران، أنا اعتذر، أنا حقاً اعتذر." ضمها إليه غفران، ثم مسح على شعرها قائلاً: "لا بأس يا صغيرة، أقسم لكِ أنني بخير، لا داعي للقلق يا ليلي." ابتعدت وقامت بمسح دموعها قائلة: "الحمد لله أنك بخير، لم أكن لأسامح نفسي إن أصابك شيء يا غفران." ربت غفران على رأسها قائلاً: "الحمد لله." ثم توجه بنظره لذلك الفتى الذي أصبح وجهه كحبة طماطم طازجة. "ما حال أميرنا إذا؟
ذهب فارس وجلس على الأريكة قائلاً: "بخير، شكراً لسؤالك." ضحك غفران، ثم أردف له بهمس: "وشك بقى زي الطماطم ده، غير شعرك اللي بيطلع شياط." نظر له فارس وكاد فمه أن يصل للأرض من الصدمة، ثم أردف قائلاً: "أنت، أنت، أنت بتتكلم عربي.. قصدي مصري؟!
ضحك غفران بشدة، ثم ضربه بكتفه قائلاً: "وحد يعرف أحمد وميطبعش بطباعه." ثم غمز له قائلاً: "متخافش ليل لو اتجوزت بدري كنت جبت قدها، هي بس بتتعامل بعفوية لأن أنا المربيها بعد ما ماتت أمها." عقد فارس حاجبيه، ثم أردف بإنكار قائلاً: "وأنا هغير عليها لي؟ أنا بس استغربت إنها حضنتك وأنت مش من محارمها." حاوط غفران فارس بيده وضرب رأسه قائلاً: "يا ولا! مش غيران؟ ده الشياط واصلني هنا.. بس أقولك حقك، البت جامدة برضو."
رد فارس بغضب قائلاً: "نعم؟! ضحك غفران بشدة عليه، ثم أردف قائلاً: "يبني باين على وشك متكدبش بقى.. ده أنا عمو، يلا." أردف فارس باستغراب قائلاً: "والله ما بحبها بجد، أنا جاي أحرر أكيدوس مش جاي أعمل قصة حب. وبعدين عمو إيه ده، أنت شكلك أصغر مني." ضحك غفران قائلاً: "أصغر مني؟! أنت عارف إن عندي كام سنة يا فارس؟ أردف فارس بجدية قائلاً: "كام؟ اقترب غفران من أذنه، ثم أردف قائلاً: "2800 سنة يا حبيبي."
رد فارس بصوت عالٍ قائلاً: "إيه؟ 2800 سنة؟! أومأ غفران رأسه بنعم قائلاً: "أيوا 2800 سنة، وقربت أقفل 2900 كمان." قال فارس بتعجب: "أنتم أعماركم هنا بتعدي الـ 1000؟ أجابه غفران وهو يحك رأسه: "لا، أنا غيرهم.. أنا مش بشر يا فارس، أنا نص بشر.. يعني ليل مثلاً عندها 19 سنة. أركيلة عندها 62، زيهم زيكم عادي جداً." طالعه فارس بتعجب قائلاً: "أيوا بس اللي أعمارهم كبيرة أوي كده هم الجن."
ضربه غفران على ظهره قائلاً: "وهو كذلك يا فتى، أنا سيدي نص بشر ونص جن، يعني تقدر تقول هجين." قال فارس باستفهام: "طيب وحصل إزاي ده؟ أجابه غفران وهو يتنهد: "لا، ده موضوع كبير أوي ومش وقته، ومش ده اللي أنا جايله دلوقتي." قالت ليل بعدم فهم: "ماذا تقولان؟ أنا لا أفهم شيئاً. ما تلك اللغة بحقكم؟ أشار لها غفران بأن تجلس قائلاً: "لا تكترثي، إنه حديث رجال." احمر وجهها خجلاً قائلة: "احم.. حسناً، حسناً، آسفة لتدخلي."
ضحك غفران قائلاً: "لا بأس يا فتاة." ثم طالع المكان وأردف للي ل قائلاً: "أين أركيلة؟ أليست هنا؟ وإذ فجأة أتى صوتها الحنون: "بل هنا يا بني، شعرت أنك ستأتي ولذلك صنعت لك فطيرة التفاح التي تحبها." اتجه تجاهها وقبل يداها قائلاً: "تسلم تلك الأيدي الجميلة يا جدتي، ولكن صدقيني، لا يوجد وقت. أتيت فقط حتى أطمئن على فارس وأرحل." أردفت بعبوس قائلة: "حسناً، وماذا لديك؟ اجلس وكل طعامك وبعدها افعل ما شئت."
رد غفران وهو يتأهب للذهاب: "لا يوجد وقت، صدقيني. على الذهاب لفِهيرة حتى أروي لها ما حدث وأطمئنها على فارس، فحتمًا هي قلقة." تلألأت عين فارس، ثم أردف بلهفة قائلاً: "هل لي أن أذهب معك؟ فقد اشتقت إليها." ربت غفران على كتفه قائلاً: "الرجال لا يخلفون وعدهم، أليس كذلك؟! أومأ فارس رأسه للأمام قائلاً: "أجل، ولكن... نظر غفران بعين فارس، ثم نزل لمستوى طوله، فهو أطول من فارس بكثير.
"من دون ولكن، لقد وعدت أنك لا ترحل عن تلك الأرض قبل أن تحررها." رجع فارس خطوتين للخلف، ثم أردف بحزن قائلاً: "أخبريها أنني اشتقت إليها وإلى أختي قدوس، ولا تنسَ أن تبعث سلامي لأبي، وأن تخبره أنني لن أعود حتى يحالفني النصر بإذن الله." ربت على كتفه، ثم نظر للجدة قائلاً: "تريدين شيئاً يا جدتي؟ رد فارس بتعجب: "بحقك أنت! من الذي يفترض عليه قول جدتك أكبر من أكبر أجدادها."
عقد غفران حاجبيه، ثم أردف له قائلاً: "هااي يا فتى، أنا لازلت شاب، 2800 عام، ذلك يعني 28 عاماً بالنسبة لأكيدوس، وكذلك أرض البشر." أردف فارس باستغراب قائلاً: "ماذا؟ اتجه غفران تجاه الباب قائلاً: "لا وقت لـ 'ماذا' أو غيرها، لقد تأخرت وعلي الذهاب. إلى اللقاء." واختفى غفران من أمامهم بلمح البصر. كانت الجدة تحمل الطعام، بينما كان فارس يحدق بلي ل التي كانت تجلس في الحديقة وتطالع السماء. سعلت الجدة منبهة فارس،
ثم أردفت قائلة: "جميلة، أليس كذلك؟ نظر لها فارس وهو يحاول إخفاء نظرات إعجابه بها: "احم.. نعم، هي كذلك." ثم نظر ليدها التي تحمل الطعام قائلاً: "دعيني أحملها عنكِ للخارج يا جدة." ابتسمت له قائلة: "سلمت يداك يا بني." خرجا لتناول الطعام في الحديقة، ثم أردفت الجدة قائلة: "انظر إلى جمال الليل." نظر فارس للي ل، ثم أردف قائلاً: "حسناً جدتي.. عرفت أنها جميلة." ضحكت الجدة بخبث،
ثم أردفت بصوت خافت قائلة: "ولكنني لم أعنِ ليل أكيدوس، كنت أعني جمال الليل، يعني المساء." وضع فارس الطعام أرضاً وجلس قائلاً: "احم، إنه.. إنه.. إنه فقط اختلاط أسماء." ضحكت الجدة، ثم أردفت بابتسامة قائلة: "لا داعي للتبرير يا بني، أنا أصدقك." ثم نادت للي ل قائلة: "هيا يا ليل، تعالي، لقد جهز الطعام." اتجهت ليل وأخذت الفطيرة، تذوقتها مع رشفة
من الحليب بالزعفران قائلة: "يا إلهي، إنها شهية جداً. لا أحد يقوى على منافستك في صناعة الفطيرة يا أركيلة." ابتسمت أركيلة وقالت لها: "بالهناء والشفاء يا ابنتي." أردف فارس باهتمام قائلاً: "لم تقولي لي يا جدة ما سر اختفائك، وكيف عرفتِ أنتِ ولي ل بذلك المكان؟! أردفت الجدة بحزن قائلة: "سأروي لك ما حدث."
وبينما بدأت الجدة في قص ما حدث بأكيدوس قديماً، كان غفران يتنقل من بعد زمني لبعد آخر ومن بوابة لأخرى حتى يصل لعالم البشر، حتى وصل للمرحلة الأخيرة من الطريق. وجد أمامه بوابتين، وكان يود أن يتذكر أي واحدة منها هي بوابة فِهيرة، ولكن يبدو أن ذاكرته قد خانته تلك المرة. حدث غفران نفسه في حيرة قائلاً: "لا أتذكر من أين أتيت المرة السابقة، أهي البوابة اليمنى أم البوابة اليسرى؟ يا إلهي، ليس وقت ذاكرتي هذا."
ظل على هذا الحال وبتلك الحيرة حتى اختار البوابة اليمنى بدون تفكير، فهو لا يتذكر من أي واحدة أتى. دخل منها غفران متأهباً للقاء فِهيرة حتى يقص لها ما يحدث في أكيدوس. وقبل أن يتفوه بكلمة واحدة، وجد نفسه بغرفة غير غرفة الملكة، إنها لا تشبه غرفتها، ومن تلك الفتاة الجالسة هناك على سريرها. على النقيض الآخر، وبينما هو كان غارقاً في حيرته وأين هو، لم تلحظ تلك الفتاة وجوده، فكانت مندمجة برواية لإحدى الكُتاب المشهورين. ثم أردفت
بصوت يغلبه النعاس قائلة: "وتزوج آسر من عليا وعاشوا في ثبات ونبات وخلفوا صبيان وبنات." وضعت الرواية بجانبها، وقبل أن تخلع عينيها، نظرت لذلك الشاب الوسيم الذي أمامها قائلة: "هو أنا الرواية أثرت على دماغي ولا إيه؟ هو اللي أنا شايفاه ده بجد ولا حقيقة؟ ثم أردفت بنعاس وهي تسحب الغطاء لناحيتها قائلة: "أنا شكلي كده هيست ولازم أنام." ثم أعادت النظر إليه قبل أن تغلق النور قائلة: "ولا أنت حرامي؟! ولا عفريت من عفاريت الرواية؟
شكلك كده حرامي." ثم أردفت وهي تتمدد على السرير: "بص لو حرامي فمتتعبش نفسك في التدوير، أنا أوضتي فاضية، خش عند أمي عندها دهب كتير اسرق اللي أنت عايزه بس سيبني أنام، ولما أصحى إن شاء الله نبقى نشوف الحوار ده، تمام؟ يلا خد النور في إيدك بقى الله يكرمك." رفع حاجبه بتعجب من تلك الفتاة، ثم أردف بسخرية قائلاً:
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!