كان صراخه يهز أرجاء المستشفى بأكملها وهو يقوم بتحطيم الأجهزة المجاورة له: "كدااااااابة... قالتلي مش هتسبني... كدبت علياااااا سابتني لييية اعيييش... طب أنا هعييييش ازاي من غيرها... كان لازم أنا اللي أموت مش هي... تعالى صوت صراخه وصوت التحطيم ليدخلوا سريعا، فوجدوا الغرفة مقلوبة رأساً على عقب وهو يجلس على الأرض ويبكي كالطفل، وصوت شهقاته مسموع وجرحه قد فتح مرة أخرى وهو لا يستطيع أن يتحرك.
لتقترب منه فيروز ليبكي أكثر، فتقوم هي باحتضانه وهي تبكي هي الأخرى على فلذة كبدها وصغيرتها. ليبكي بصوت عالٍ ويقول: "ليه كده يا عمتو... ليه سابتني ومشيت... هي متأكدة إني مش هعرف أعيش من غيرها... أنا اللي كان لازم أموت مش هي... أنا كنت عايش عشانها... بس لا هي كدبت علياااااا ومشيت وسابتني... ليه خلتوها تعمل كده... ليه محدش منعها... أنا السبب... أنا وحش... أنا كل اللي يقرب مني بيتأذى... أنا كمان السبب في موتهم...
أهلي ماتوا ومعرفتش أحميهم... كنت واقف أتفرج وأنا عاجز مش عارف أنقذهم... زي ما ليل ماتت بسببي... ماتت عشان تنقذني أنا... أنا السبب... أنا السبب... يارب خدني أنا كمان... ااااااه ياااااارب... أنا مش عايز أعيش من غيرها... ياااارب رجعهاااالي." بكى الجميع على كلماته التي ألمت قلوبهم جميعاً. لتقول فيروز ببكاء وهي تربت على ظهره: "عمرها انتهى لحد كده يا حبيبي... وهي اللي عملت كده بمزاجها...
عملت كده عشان بتحبك زي ما أنت كمان بتحبها... هي مش هتبقى فرحانة وأنت بالحالة دي... لو بتحبها فعلاً لازم تخرج نفسك من الحالة دي وفوق وقوم اقف على رجلك عشانها." كان يبكي بهستيرية وهو يفكر كيف سيبدأ يومه بدون ابتسامتها الفاتنة أو صوتها، كيف سيتنفس وهو يعلم أنها غير موجودة معه. هل عندما يشتاق لها لن يراها مرة أخرى؟ هل عندما يتحدث عنها، سيطلبون منه الدعاء لها؟ هل عندما ينادي باسمها لم ترد عليه؟ كيف سيعيش بدونها؟
ليبتعد عن فيروز بهدوء ويمسح دموعه وهو يقول لعمر ببرود جليدي: "لازم لينا ترجع النهاردة... وسامر هيدفع التمن غالي أوي... جه وقت الانتقام... المفروض كان يحصل من بدري... بس حسابه هيبقى أضعاف أضعافه." أومأ له عمر بهدوء، ليكمل فهد: "رن على زين خليه يجي حالا." ليخرج عمر يحادثه. ودخل الدكتور الذي تم استدعاؤه وقام بتضميد جرحه مرة أخرى وخرج. ليقول فهد وهو يخفض رأسه إلى أسفل: "سامحوني معرفتش أحميها...
أنا السبب في إنكم تخسرواها." "دا نصيبها يابني ومكتوبلها محدش فينا له حق يعترض... أنت مالكش ذنب." دخل عمر مجدداً: "جاي في الطريق... معاه عشر دقايق ويوصل." بعد أن أنهى حديثه رن هاتفه من رقم مجهول. ليفتح سريعاً وهو يعلم أنه من عدوهم سامر. ليفتح مكبر الصوت ليأتيهم صوته البغيض: "حمدلله على سلامتك يا ابن السيوفي." ليكمل بشماتة: "قلبي عندك والله... البقاء لله في السنيورة." جز فهد على أسنانه بغضب: "متقلقش يا سامر...
هتبقى مكاني قريب أوييي." سامر بسخرية: "أنت لسه فيك نفس تعمل حاجة... المهم أنا اتصلت أبلغك إن التنازل اللي قولت لصاحبك عليه يجيلي في المكان اللي هبعته ليك.... تسلمهولي.... أسلمك أختك... ليكمل بتهديد: "إن فكرت تعمل حركة غدر كده أو كده.... هبعت أختك لمراتك." فهد بهدوء غريب: "لما نخلص كل حاجة هكلمك..... بس لو لينا حصلها حاجة مش هيكفيني فيك روحك." وأشار لعمر بإغلاق الهاتف. بعد لحظات جاءهم العنوان في رسالة. دخل
زين في نفس الوقت وهو يقول: "ألف سلامة يا فهد." أومأ له فهد بهدوء: "هات الجهاز بتاعك." ليخرج زين جهاز غريب وأعطاه لفهد الذي أخذ يبعث به ولم يفهم أحد ماذا يفعل. حتى ظهرت إحداثيات على الشاشة ليقول: "زين عايزك تاخد فريق كمال من الحراسة الشديدة معاك.... وتروح تخرج لينا من هناك.... وتروح المكان ده بس طبعاً بعد ما تبلغ." أومأ له. ليكمل فهد: "وإنت ياعمر هتروح إنت وإياد المكان اللي حدده سامر وعايزكم تجيبوه عايش...
بس ده لما تتأكدوا إن زين خرج ومعاه لينا." أومأ له عمر وقال بغموض: "اللي أنت طلبته اتنفذ خلاص." أومأ له فهد. ليقول علي: "أنا هروح معاهم." فهد بجمود: "لا حضرتك هتفضل هنا.... عشان... ليبتلع غصة مرة في حلقه وهو يجاهد نفسه في عدم البكاء... يجب أن يكون أقوى... لأجل أخته... هو لم يستطع أن يخسرها هي أيضاً. ليكمل كلامه: "تشوف إجراءات الدفن... وكمان أنا عايز أخرج من هنا." لتقاطعه فيروز بصرامة:
"مفيش خروج من هنا غير لما تبقى كويس." فهد بإصرار: "لا أنا هخرج من هنا." ليكمل بتردد: "هو أنا ممكن أقعد في أوضة ليل." أومات له فيروز وقد عادت للبكاء مرة أخرى ليحتضنها فهد وهو يقبل رأسها: "سامحيني." فيروز بشهقات وبكاء: "والله يابني ما ماشياك ذنبها.... دا نصيبها... وأنا راضية الحمدلله." ليقبل رأسها مرة أخرى وهو يتنهد بألم. ويخرج كل منهم لينفذوا ما أمرهم به. وظل في الغرفة تولين ومنال وحسن وفيروز. ليقول فهد:
"روحوا كلكم عشان ترتاحوا شوية." حاول الجميع أن يعترض ليقول بحزم: "على الأقل روحوا غيروا هدومكم." ليخرج الجميع ويتركوه وحيداً. ليقول باشتياق: "وحشتيني من دلوقتي.... هعيش إزاي من غيرك طيب.... كده أهون عليكي يا ليلتي." ليبكي بحرقة وهو يجاهد نفسه في خفض صوته حتى لا يستمع إليه أحد فهو لا يريد شفقة من أحد. وصلوا أخيراً. صفوا السيارات بعيداً عن المكان الذي توجد به لينا حتى لا يلفتوا الأنظار. خرج الجميع.
ليرشدهم زين والظباط المسؤولين. تسللت مجموعة وقضت سريعاً على المجرمين الذين كانوا يحاوطون المكان في الخارج. وأشار للباقي. تسلل زين ومعه بعض الحراسة إلى داخل المكان وحدث اشتباك معهم وتبادلوا إطلاق النار. كانت لينا تستمع إلى ما يحدث وكانت خائفة قليلاً لكنها كانت تشعر ببعض الأمل أن هذا من أجل إنقاذها. ليفتح الباب واتبعه الحراسة وهو يمسك بسلاحه. اقترب منها وفك اللاصق الذي كان على فمها وقد قام بفك قيودها.
ولم يعطيها الفرصة للتحدث ليقوم بسحبها من يدها للخارج بعيداً عن إطلاق النار والاشتباك. وطلب من الحراس الذين معه أن يأخذوها إلى السيارة ويظلوا معها. ليعود مرة أخرى ليجد عناصر الشرطة ألقت القبض على المجرمين وأخذوهم للخارج. ليردف الضابط: "فين خالد." زين بغضب: "هرب ابن الـ... ملحقتهوش." أومأ له وخرج وشكره الضابط: "شكراً يا معتز بيه... وزي ما اتفقنا متجبش سيرة الخطف.... عايزك تلفقلهم قواضي تعيشهم حياتهم كلها في السجن."
أومأ له معتز: "اللي تأمر بيه يا زين بيه." شكره زين وذهب هو ومن معه وحراستهم. ليجد لينا تبكي بحرقة في الخلف ليعلم أنها قد علمت بموت ليل. ليقول لها زين بمواساة وهدوء: "ادعيلها أحسن يا لينا العياط مش هيفيد بحاجة." لينا بصوت مبحوح من التعب وكثرة البكاء: "مش مصدقة إنها ماتت....... مش مصدقة إنها سابتني ومشيت." زين بحزن: "ولا حد مصدق." ساد الصمت في السيارة إلا من شهقات لينا. وصلوا أخيراً إلى المستشفى. فهد طلب رؤيتها فوراً.
ليردف زين وهو قناع سترتديه: "البسيه عشان سامر مراقبنا.... مش عاوزينه يعرف إننا قدرنا نوصلك." أومأت له وخرجت بعدها وتوجهت إلى الغرفة التي يوجد بها فهد. ودخلت خلعت القناع لتحتضنه بقوة ليبادلها عناقها بقوة أكبر وهي تشهق في البكاء ليقول: "سامحيني يا لي لي.... أنا السبب في إنكم تخسرواها." لينا بشهقات: "مت... قولش...... كد..... ا.... انـ... ت... مش.... ليك... ذنب.... أنا... بس... مش.... مصدقة إنها... راحت ومش... هنشوفها...
تاني." قاطعهم فتح الباب بهمجية وعقبه دخول عمر الذي أتى سريعاً فور علمه بعودة لينا. ليقوم باحتضانها بقوة: "الحمدلله إنك بخير يا حبيبتي.... أوعدك إني هاخدلك حقك منهم والله." لينا ببحة: "محدش عملي حاجة اتطمن." أومأ لها عمر وهو يقبل رأسها. وأردف عمر وكان فهد ينظر لهم بنظرة منكسرة ود لو كان يستطيع أن يضم حبيبته هو الآخر. "زين قالي إن خالد هرب." فهد: "طالما لي لي معانا... يبقى ميقدرش يعمل حاجة." ليكمل بغموض:
"عملت اللي قولتلك عليه." أوما له عمر وقال بتردد: "بيـ... ـكفنوها دلوقتي لو عايز تشوفها." أومأ له فهد وقد احمرت عيناه من كبته لدموعه ليساعده عمر في النهوض. وذهبت لينا لترتدي النقاب والعباء لكي لا يعرفها أحد ويخبر سامر صفوت عليها. ليقف فهد على باب الغرفة باسم المشرحة ليقشعر بدنه فهي تحتضن جثمان حبيبته. ليدخل ويده ترتجف ليجد الدكتور ينتظره. ليقوم برفع الغطاء عن وجهها. لتتسابق دموع فهد في النزول.
لم يختلف حال لينا وعمر نفس الشيء. نظر فهد لوجهها الشاحب انحنى عليها وقبل جبينها: "آسف.... أنا بحبك." ليطلب من عمر أن يخرجوا ليجلس أمام الباب وهو ساند رأسه على الحائط وهو يبكي بحرقة. لياخذه عمر ولينا أيضاً بقلب ملائه الألم والفراغ. بعد وقت قد تم دفنها. لاكن الأصح أنه تم دفن روحه وقلبه معها أيضاً.
في منزل عائلة ليل كان الجميع يجلسون في الصالون والحزن والفراق يغيم على البيت والجميع وملابسهم الموحدة وصوت القرآن يصدح في الأرجاء. كان إياد يجلس في أحد الأركان وهو يسند رأسه للخلف بتعب وقلق على فهد. فقد تتضرر عمليته إذا ساءت حالته مجدداً فهو بعد دفن ليل قد ساءت حالته وانهار واضطر الطبيب لإعطائه منوم لكي يرتاح ولا تسوء حالته.
قطع شروده تلك اليد التي وضعت على كتفه ليرفع رأسه ليجدها حبيبته تولين التي أصبحت ملامحها حزينة. لتجلس بجانبه واحتضنته بصمت ليشدد هو على احتضانها. أما ما عند الآخرون كانت لينا تضع رأسها بحضن فيروز التي كانت تقرأ في كتاب الله. أما علي فكان في غرفته بعد إصرار الجميع عليه. في المساء فتح فهد عيناه بثقل عندما استمع إلى صوت فيروز وهي تحاول إيقاظه. لينهض بتعب لتساعده في الاعتدال ومسحت دموعه التي ما زالت على وجنتيه.
ليقول بقهر: "أنا تعبت يا عمتو... ليه كل ما أحب حاجة بتروح مني.. إزاي هعيش من غيرها.... أنا بفكر أموت نفسي." فيروز بانهيار: "أوعى تقول كده تاني أنت عايز تسبني أنت كمان." ليقول بدموع: "خلاص أنا آسفة مش هقول كده تاني." فيروز: "طب يلا عشان تاكل." حاول الرفض لاكنها أصرت عليه وقام بصعوبة ليطلع ويقعد معهم ويأكلون في جو مليء بالحزن. مر أسبوعين على وفاة ليل.
في هذين الأسبوعين تدهورت حالة فهد النفسية كثيراً فكان دائم الشرود والهالات السوداء تحت عينيه ونقص وزنه. ليستيقظ من نومه ونهض من على سرير حبيبته فهو لا يخرج من غرفتها إلا للحمام فقط. نظر لطيفها الذي يظهر له كثيراً. ليقول لها بجنون: "مشوفتكيش بقالي يومين... قولتي هتيجي.. واستنيتك كتير." ليل: "أنا زعلانة منك." فهد بحزن ودموع: "ليه بس أنا كنت عايز أشوفك وحشتيني." ليل بعبوس: "عشان أنت مش بتهتم بنفسك."
فهد وهو يمسح دموعه بلهفة: "خلاص ههتم بنفسي." ليل بابتسامة وهي تقترب منه: "يبقى تقوم تدخل وتحلق دقنك وتنزل شغلك... فين فهد القوي اللي حبيته." فهد ببكاء وهو يخاف أن يقترب ويلمسها تختفي كالمعتاد: "فهد مش عايش من غيرك." ليل بابتسامة: "لا فهد قوي.... قلبه ما متش... أنا عايشة في قلبك." فهد بلهفة وخوف وهو يحاول أن يمسك يدها ليتلاشى طيفه ليمرر يده في شعره بعصبية. وذهب للصالة فوجد الجميع يجلس على السفرة لتناول الفطور.
ليجلس معهم جسد بلا روح. لينظروا له بحزن فهو على حاله هذا منذ أسبوعين. في مكان نزوره لأول مرة كانت في منطقة معزولة في الصحراء كانت بعيدة عن الأماكن السكنية. في فيلا كبيرة تبدو مخيفة على عكس من الداخل كانت جميلة وراقية. في تلك الغرفة كانت تصرخ تلك الفتاة على الخادمة التي تعطيها الطعام. فأمسكته وألقته في الأرض لتتحطم الصحون وانسكب الطعام على الأرض. ليدخل ذلك الشاب بخوف واردف وهو يركع أمامها يتفحصها بلهفة:
"مالك يا حبيبتي... اتعورتي." دفعته بشدة لتقول بصراخ: "سبني بقى حرام عليك." الشاب بحب: "لا عشان بحبك." الفتاة بغضب: "فوق بقى يا خالد أنا مش بحبك... سبني بقى حرام عليك.....
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!