تحميل رواية ليل المستبد بقلم اسماعيل موسى pdf
بقلم اسماعيل موسى
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
انت عارف إني مش بحبك ولا عمري قابلتك يا جاسر. فرك جاسر طرف شاربه. مش مهم تحبيني أو تكرهيني يا دكتورة، المهم إنك مراتي واللّيلة هتقضيها في حضني. إزاي تقبل على نفسك كده يا جاسر؟ وانت فاكر إن مافيش في الدنيا حد بنص مرجلك؟ نزع جاسر جلبابه الصوف. ده دين ولازم يتسدد يا دكتورة وإلا نص عيلتك كان هيسكن التراب، وإنتي عارفة جاسر ممكن يعمل إيه. ووافقتي على الجواز عشان تحمي أخواتك ووالدك. لمست ليل بضعف. عارفة كل حاجة بس كنت براهن على رجولتك. فين جاسر اللي كنت بلعب معاه زمان؟ جاسر الطيب، الشهم... جاسر اللي إن...
رواية ليل المستبد الفصل الحادي عشر 11 - بقلم اسماعيل موسى
كانت ليل تشعر بالقلق. داخل القرى لا توجد خصوصية، تخفيها لا يمكن أن يدوم أكثر من كده، ولها احتياجاتها الخاصة.
الأمور اتعقدت أكثر من اللازم، وصراعها مع جاسر مبقاش صراع زوجة وزوج، راجل وست، دا بقى صراع دم. جاسر قتل كل عيلتها ولازم تاخد بتارها. وقت التمثيل مضى من زمان، وقت الإحراج والخوف عدى يا ليل، خليكي على طبيعتك، إنتي كده كده ميتة.
في طريقها ناحية ضفة النيل، أقرب مكان هيجي منه المساعدة بالليل، مشيت ليل. قالت تضيع وقت، لكن كان فيه حاجة لازم تعملها. نزعت القناع من على وشها ورمته وسط الحقول، شالت الشنب اللي كان مغطي معظم وشها. شعرت براحة غريبة، يمكن هي دي الحالة لما نتصالح مع النفس.
ماشية ليل غير مدركة للكمين اللي اتنصب لها مع آخر شعاع للشمس المغادرة لأرض بلدها. يخطئ من يسير في طريقه مطمئن، فأنت لا تعرف من أين قد تأتي الطعنة.
"هتعملي إيه يا ليل في كل الخراب اللي منتظرك؟ وهل اللي هتعمليه ممكن يكفر عن ذنبك؟ كنتي سبب في موت كل عيلتك."
"لكن عيلتي لو متجوزتش جاسر كانت ميتة. أنا يمكن اديتها شوية وقت."
وسط أفكارها المتخبطة، طلعت أول رصاصة. مكنتش رصاصة طايشة، رصاصة قشطت دراعها. من حسن حظها إن كم الجلابية واسع، وإلا كان زمان دراعها مصاب.
بـغريزة البقاء، ليل رمت نفسها وسط الزرع. مكنتش عارفة الخطر جاي منين، لكن الزرع هيوفر ليها غطاء.
بس في نفس اللحظة، صوت الرصاص دوى. مش رصاصة واحدة، رصاص كتير، كله مصوب على المكان اللي ليل استخبت فيه.
ليل اتدحرجت على الأرض والرصاص يلاحقها. بالعافية قدرت تمسك الطبنجه بعد ما المسدس وقع وضاع وسط الزرع. ضرب الرصاص كان من الكثافة لدرجة إنها مقدرتش تستخدم الطبنجه. الرصاص كان بيعدي جنبها وأحيان وسط رجليها.
بطريقة ما مستحيلة، حست ليل إنها لسه حية، لكن ده مش هيطول. زحفت جوه الحقل أكتر. مكنتش عارفة إنها ماشية تجاه الكمين، مش بعيد عنه.
بدأت تسمع صوت الرجالة. وبين الكلام سمعت: "دي مرة. دي ليل مرات الكبير."
"مرات الكبير أو غيره، التعليمات بتاعت جاسر واضحة."
ليل محستش بالرصاصة اللي اخترقت جنب معدتها غير لما شافت الدم وحطت إيدها عليه. مفيش فرصة للمواجهة. زحفت ليل مثل كلبة مرعوبة على أربع بعد ما قدرت تحدد مكان الكمين.
من حسن حظها إن ظلام الليل بدأ يزحف، وإن الرصاص فعلاً على مكانها، لكنه مش دقيق. بلعت ليل ريقها، مسكت الطبنجه وضربت تلت رصاصات على الكمين قبل ما تتحرك بسرعة.
معدتش لحظات والمكان اللي ضربت منه الرصاص كان محروق بالرصاص. ميت طلقة، ميتين رصاص. صم ودانها. بعدها تحرك رجال. يمكن ماتت؟ أكيد ماتت؟
أكتر من سبعة رجالة عدت ليل صوتهم. لما وصلوا المكان اللي ضربت منه ليل الرصاص، شافوا الطريق اللي عملته وهي بتزحف. زرع مسحوق تحت رجليه. صرخ الرجال باستـمتاع: "ازحفي يا كلبة، إحنا وراكي."
"هو وهوووووو." وارتفع الضحك.
"لازم نحاوطها، يا رجالة، اقطعوا عليها الطريق من الناحية التانية."
قلب ليل وقع. لو سدوا الطريق مفيش أي فرصة للنجاة. بصت على النيل، كان قريب وبعيد لأنه منطقة مكشوفة. بس مفيش وقت للتردد.
ركضت ليل بكل سرعتها. "هناك يا رجالة، هناك." انطلق الرصاص على جسد ليل وهي تركض. كم رصاصة مرت جنبها، كم رصاصة جات في جسمها، مش عارفة العدد.
أخيرًا وصلت ليل المنطقة المكشوفة. الرجالة كانوا لسه في الزرع. اترمت على الأرض وقعدت تتدحرج على التراب لحد ما رمت نفسها جوه النيل.
وقف رجالة جاسر فوق الضفة. "هتقعد قد إيه كاتمة نفسها؟ أكيد هتطلع دلوقتي، ولما تطلع جسمها كله هيتخرم بالرصاص."
كتمت ليل نفسها، حاولت تغوص تحت المية، لكن النفس ليه آخر. أخيرًا مستسلمة، بدأ جسم ليل يطلع على سطح المية.
بس لما طلعت كان فيه ضرب رصاص واصل من داخل النيل. على الضفة وضرب من الضفة على القوارب اللي بتضرب نار. وصل رجالة الجبل في آخر لحظة.
أضطر رجالة جاسر إنهم يتراجعوا، تاركين الجسد الطافي فوق سطح المياه. وفر المعلم يوسف غطاء لقارب يجيب ليل قبل ما تغوص. بعدها انسحب مع رجالاته ناحية الضفة الأخرى حيث يوجد الجبل، وتوجد مغارته.
داخل الجبل، أشعلت النار والتقط الرصاص من جسم ليل الفاقدة للوعي وتم كيه بالنار.
"يا معلم لو ماتت البنت دي هنبقى كسبنا عداوة جاسر وخسرنا كل حاجة."
همس المعلم يوسف: "الوعد وعد والعهد عهد يا رجالة."
لم تتحرك ليل رغم مرور أكتر من يومين. جسمها كله عرق، حرارته مرتفعة. وبعد ما فقدوا الأمل، فتحت عنيها بصرخة كبيرة. كانت حاسة إن جسمها كله بيغلي، نار مولعة جوه جسمها.
"لازم آخد مسكن ومضادات حيوية."
همس المعلم يوسف: "إحنا مش دكاترة يا ليل، منعرفش الحاجات دي. كوينا الجراح وطلعنا الرصاص ودهنا مكانها بالأعشاب."
كتبت ليل مضادات حيوية ومسكنات ومطهر ودهانات أحضروها من الصيدلية. دهن المعلم يوسف جراح ليل بنفسه بعد ما طهرها، وأخدت المضاد الحيوي والمسكنات. من حسن حظها إن الجروح كانت نضيفة.
لما جاسر عرف اللي حصل، ثار على رجاله، سب ولعن، ووصفهم بالحريم وقال إنه هيقتل كل واحد فيهم لو الأمور ما مشيتش زي ما هو عايز. وأمرهم يجيبوا فارس من المستشفى يحبسوه في بيته، يمكن يحتاجه ويضغط بيه على ليل. كان قلب جاسر تحجر، وكان في عقله إن عقاب ليل لابد أن يكون طويل ومستمر. كونها زوجته يمنحه الحق إذا أحضرها تحت سقف بيته في تعذيبها والانتقام منها، مما منحه الحماسة اللازمة للبحث خلف ليل بلا توقف.
سارت ليل يترنح داخل المغارة. كونها امرأة وحيدة بين الرجال جعل المعلم يوسف يشدد الحراسة عليها.
"رجالة الجبل محرومين يا ليل، يمكن يصبروا على الجوع، على الجراح، لكن وجودك بينهم مقدرش أضمن لك السلامة."
كان ممكن ليل تقول إنها تقدر تحمي نفسها، لكن ليل كان ليها تفكير تاني. كان العهد بين ليل وكبير المطاريد تم. دفع الرجل دينه. ليل صعدت الجبل وتمكنت من الوصول إليه، ثم امتنعت عن قتله نظير دين يدفع عندما تحتاجه.
وقفت ليل على طرف الجبل. حان وقت الرحيل. "اسمع يا معلم يوسف، أنا عندي عرض جديد ليك. ساعدني آخد تاري وهديك جزء من تركة جاسر."
ابتسم المعلم يوسف: "مش عيب يا ليل تتعهدي بحاجة لا تملكيها؟"
أطلقت ليل بصرها على المعلم يوسف: "ليل مش بتدي حاجة لا تملكها يا معلم. أنا أملك أرض جاسر وفلوسه وبيوته كلها ملكي بورق رسمي."
رواية ليل المستبد الفصل الثاني عشر 12 - بقلم اسماعيل موسى
انت شايف إلى انا شايفه يا كبير؟
همس شديد بصدمة، مش دي ليل مراتك؟
اتعدل جاسر في جلسته وترك لي الشيشة.
أيوه هي بعينها.
شديد: معقول مستغنية عن روحها للدرجة دي؟
جاسر: هي لسه ما ماتتش لحد دلوقتي؟ دا من حسن حظي.
قربت ليل من الدكة اللي قاعد عليها جاسر بين رجاله، مرتدية بنطال وقميص، حاملة حقيبة على كتفها، وشعرها يرفرف في هواء القرية.
جلست ليل على الدكة جنب جاسر، غير مهتمة بنظرات رجاله ونظراته المستعرة.
جايه لحد بيتي برجليكي يا بت مدكور؟ بعد كل اللي عملتيه؟
نزعت ليل نظارتها الشمسية.
قصدك جايه بيتي يا جاسر؟
بينما همس أحد رجال جاسر من بعيد: بقا الكبير كان متجوز حتتة القشطة دي؟ حتتة ملبن يا رجالة.
همس جاسر وهو بين رجاله، وقد اشتعلت غرائزه، ولا يشعر بأي خطر: ادخلي قدامي البيت يا ليل.
دفعت ليل يد جاسر بقوة.
انت ملكش بيوت هنا يا جاسر.
وشاورت بيدها على الطريق حيث ظهرت سيارات الشرطة لتنفيذ الأحكام.
هو فيه إيه؟ صرخ جاسر، بينما ضرب رجاله كف بكف.
أخرجت ليل الأوراق من حقيبتها.
فيه ده!؟
تنازلك عن كل أملاكك يا جاسر.
جاسر: عملتيها يا بت مدكور؟ ورحمة أمي ما هيطلع عليكي صبح.
كان الرجال يتساءلون: هو فيه إيه يا معلم؟ لكن جاسر كان في حالة من الغضب لا تسمح بالرد أو التفكير.
كله بسببك يا شديد، قلت لك عايزها ميتة، لكنك خرع زي أبوك.
همس شديد: الشرطة هنا يا كبير، هنعمل إيه؟
جاسر: هنعمل مسالمين يا أخويا، الحاجات دي مش بتتحل بالشرطة، بتتحل تحت جنح الليل يا خفيف.
لما ضابط الشرطة قال لجاسر على قرار المحكمة، جاسر قال: أنا مش معترض يا باشا، لو ليل طلبت مني كده كنت هعمله من غير شرطة، أصل مفيش فرق بين راجل ومراته.
مش مراتك، صرخت ليل ورمت ورقة في وش جاسر.
أنا خلعتك.
يالهوي على الجمال، بقا معقول لسه فيه كده؟ همس رجل جاسر، المنبهر بليل من لحظة وصولها.
غزالة!!!
لكزة الذي بجواره: اثبت، إحنا في إيه ولا إيه؟
جاسر لو سمعك هيقطع رقبتك.
دي تتبروز في لوحة وتتصور جنبها يا جدع.
ما كنتش عارف إن التوب الفلاحي بيداري الجمال كده.
أنا مستقيل من خدمة جاسر، أنا تابع لليل من اللحظة دي.
نظر إليه زميله نظرة ارتياب.
انت اتجننت صح؟
لكن ناصر ثبت نظره على زميله.
ما اتجننتش ولا حاجة، أنا بس بقدر الجمال الرباني.
ثم انسحب من بين الرجال ومشى تجاه ليل وجاسر حتى وقف إلى جواره.
رمقه جاسر بنظرة غضب.
انت يا بغل إيه اللي جابك هنا؟ ارجع مكانك يا حيوان.
ابتسم ناصر، وكان ضابط الشرطة قد رحل.
عارف يا جاسر إن العالم بيبقى جحيم بسبب الناس اللي زيك؟ أصلكم بهايم متفهموش في الجمال، كل همكم الفلوس.
بقى غور من هنا!؟ صرخ جاسر ورفع يده.
تلقف ناصر يد جاسر في الهواء.
قولي لي أعمل معاه إيه يا ليل هانم؟
اندهشت ليل، رفعت حاجباها باستغراب.
همس ناصر: أنا راجلك ناصر اللي كنت مدسوس بين رجال جاسر، وخلاص الحقيقة بانت.
أيوه راجلي طبعاً، صرخت ليل بابتسامة.
سيبه يا ناصر، المفاجأة لسه مأثرة فيه.
يا ابن الكلـ__ب، صرخ جاسر بغضب.
أبويا مش كلب.
اندفع ناصر بتهور ونزلت يده على وجه جاسر.
أبويا مش كلب يا ابن الكلـ__ب.
صفعة أخرى نزلت على وجه جاسر المذهول.
انطلق رجال جاسر بسرعة، أحاطوا بناصر ونزل الضرب من كل حدب وصوب.
كان ناصر يسقط على الأرض ثم ينهض ليضرب واحد منهم قبل أن يسقط مرة أخرى.
قاوم بلا استسلام، وفي كل مرة يسقط ينهض مرة أخرى ليضرب ويضرب حتى يسقطه عكاز أو لكمة.
كفاية يا ناصر، صرخت ليل وهي تعرف أن الرجل سيموت.
مش كفاية، ده شتم أبويا وأمي.
دخلت ليل وسط الرجال وقفت جوار ناصر.
من خلفها دون أن تشعر، أخرج شديد سكينًا وتسلل بين الرجال نحو ليل.
رواية ليل المستبد الفصل الثالث عشر 13 - بقلم اسماعيل موسى
انطلقت رصاصات من داخل حقول الذرة، ثم ظهر المعلم يوسف ورجاله.
يصرخ كل واحد: "ارفعوا أيديكم!"
رغم ذلك، استمرت سكينة شديدة في طريقها نحو ظهر ليل. قبل أن تتعمق، أسقطتها ضربة قوية من ذراع ناصر. سقطت السكين على الأرض وسال دم ليل على قميصها الأبيض.
ركل ناصر شديد بركبته في فكه، أسقطه أرضًا، وتدخل رجال الجبل للفصل بينهما.
بينما جلست ليل، واضعة يدها على جرحها.
"متخفيش!" همس ناصر لما وصل عندها.
"مخفش إزاي؟ دي سكينة اتزرعت في ضهري."
"دا خدش سطحي، السكين يدوبك جرحت جلدك. متخلنيش أغير نظرتي عنك بقا."
بصت ليل باستغراب تجاه ناصر، تسأل نفسها: هو ليه بيتكلم معايا كده؟ هو يعرفني أصلًا؟
أشعل ناصر سيجارة. "اسمعي يا دكتورة، أنا مش ممكن أتقبل نظرة الاحتقار اللي طلعت من عينيكي دي. أنا عارف إن ظهوري كان مفاجأة بالنسبة ليكي ومش منتظر منك تشكريني لأني أنقذت حياتك أو قاتلت من أجلك الأوباش دول، لكن على الأقل شوية تقدير مش هيضر."
كان جاسر يقف مع المعلم يوسف، زعيم المطاريد، في محادثة ناشفة كلها توعد وتهديد.
"المطاريد مش هيفضلوا هنا على طول ومش هيقدروا يحموكِ."
وجدت ليل نفسها في غير حاجة لخدمات هذا المختل، الثقة، المستطرف الذي ظهر فجأة.
"متشكرة يا سيدي..."
نهض ناصر، أطلق نظرة طويلة على وجه ليل ثم ابتسم. "لحد كده وكفاية يا دكتورة. قلتلك مش هقبل منك نظرة احتقار ولا نبرة سخري. اعتبري اللي حصل محصلش، وإنك مشوفتيش ناصر هنا."
ثم سار تجاه المعلم يوسف وجاسر، فخر الدين يعرج على قدمه.
"اسمع يا جاسر انت ورجالتك، أنا بره الصراع بتاعك انت والدكتورة. لكن ورحمة أمي الغالية لو شفت واحد من رجالتك قرب مني أو حتى انت شخصيًا، ليكون مصيره الموت. مكاني معروف يا جاسر فخر الدين، وحقي لسه ما أخدتش منك."
ثم بصق ناصر على الأرض وغادر المكان.
شعرت ليل براحة. كرهت إزعاجه، كرهت وصايته عليها، كرهت وجوده.
رحل جاسر مع رجاله، ومنحت ليل رجال الجبل ما وعدتهم به نظير حمايتها.
المعلم يوسف قال إن رجاله مش هيقدروا يظهروا في العلن عشان الشرطة، لكنهم هيكونوا قريبين من البيت لما تحتاجهم.
جاسر لما مشي، كان أول حاجة عملها كلم الشرطة، الإدارة العليا. "المطاريد موجودين في البلد، بس عايزين حملة كبيرة تهاجمهم من ناحية القرية وتسد عليهم طريق الهرب في النيل."
المأمور قال إن ده محتاج ترتيب وتدعيم من المديرية، لكن جاسر تعهد بتقديم الدعم.
ما مرش أكتر من ساعة والشرطة رجعت تاني ناحية بيت ليل. لكن قبل ما يوصلوا البيت، دخلو الزراعات وضرب النار اشتغل.
المطاريد هربوا على النيل، المراكب كانت في انتظارهم. لكن جاسر ورجاله كانوا هناك، المراكب اتحرقت، ورجالته مسلحين واخدين أماكنهم.
حُوصِر رجال الجبل بين الشرطة ورجال جاسر، وبدأ عددهم يتقلص دقيقة بعد دقيقة لحد ما اتقتل معظمهم. واللي فضل اتقبض عليه. المعلم يوسف بس قدر يهرب. جثته مكنتش بين القتلى ومتقبضش عليه. بطريقة ما تمكن يوسف من الهرب.
شعرت ليل بإحباط لما الخبر وصلها، وكان لازم تتحرك. قابلت مأمور المركز وخدت تعهد إن جاسر ميتعرضش ليها. جاسر اللي لسه كان مقدم خدمة جليلة لمأمور المركز.
جاسر وفى بوعده، مفيش راجل من رجاله تعرض لليل أو ظهر قرب بيتها. لكن زرعها الأرض اللي كانت ليل بتملكها، كل ليلة كانت بتقوم فيها حريقة لحد ما بقت كلها رماد. حتى الحيوانات اللي ليل كانت بتملكها بعد جاسر ما سابها، كلها اتسرقت من الزرايب.
ليل بلغت الشرطة واتهمت جاسر، لكن الشرطة محتاجة دليل، ومفيش دليل يدين جاسر.
كل مشروع حاولت ليل تعمله كان بيتدمر. حاولت تشغل ناس معاها، لكن أهل البلد رفضوا. مين هيقف في وش جاسر؟ أكتر من شخص من أهل البلد عرض على ليل تبيع أرضها والبيوت وتسيب البلد وتمشي. بس ليل مكنش همها الفلوس زي ما الناس كانت معتقده. كان همها الأول الثأر، قتل جاسر عشان قلبها يستريح وأبوها يرتاح في تربته.
خلال كل ده، جاسر منساش ناصر. بعد أكتر من شخص عشان يقتله، والأشخاص اللي كان بيبعتهم كانوا بيختفوا وميظهروش تاني. شديد كان عارف إن ناصر مجنون، وأكتر من مرة قال لجاسر: "طلعه من دماغك، الواد ده مش سهل ومش بيشتغل غير بمزاجه."
أوضاع ليل بقيت سيئة جدًا. معاها فلوس كتير في البنك بتصرف منها، لكن مش هو ده اللي هي عايزاه، وانسدت قدامها كل الطرق.
رواية ليل المستبد الفصل الرابع عشر 14 - بقلم اسماعيل موسى
قال فارس وهو يأكل:
"يا ليل، الرجالة عشان تشتغل عندك محتاجين قائد. شخص مش بيخاف من جاسر ولا بيهابه، شخص يقدر يوفر لهم الحماية ويقف قصاده."
"هسمت ليل بيأس: "وأنا هجيب منين راجل زي ده؟ كل الرجالة خايفة من جاسر."
ابتسمت ليل: "إزاي مجاش في بالي كل الوقت ده؟"
"تقصدي مين يا ليل؟"
"الجدع اللي وقف ضد جاسر يوم تنفيذ الأحكام. مش فاكرة اسمه، لكن كان واضح إنه يقدر يقف في وش جاسر. ده حتى كان بيقول إنه راجلي وتحت خدمتي."
"اسمه نصير... ناصر، أيوه اسمه ناصر. لو قدرت أوصل له، أتأكد إنه هيقدر يساعدني."
"مستنين إيه؟ يلا بينا."
خرج فارس وليل يبحثون عن ناصر.
ناصر كان ساكن في بيت على أطراف القرية، منه للزرع. هناك لقوا ناصر قاعد قدام البيت، مولع حطب وبيحضر شاي.
فارس رمى السلام ورد ناصر. بص على ليل بضيق وسمح لهم يقعدوا.
فارس اتكلم كتير، بعدها ليل طلبت من ناصر إنه يشتغل عندها بالمرتب اللي هو عايزه.
ناصر بص لبعيد، ومن غير تفكير همس: "آسف، مش هقدر."
"ليل: "انت خايف من جاسر انت كمان؟"
استدار ناصر بغضب: "مفيش مخلوق على الأرض ناصر يخاف منه."
"ليل: "امال رفضت ليه؟"
"ناصر: "عندي أسبابي الخاصة، خدوا واجبكم واتفضلوا مع السلامة."
"ليل: "واجب إيه بقى، يلا بينا يا فارس، كلهم شبه بعض."
في الطريق، قال فارس لليل: "ملحوظتيش حاجة؟"
"ليل: "حاجة إيه؟"
"فارس: "ناصر زعلان منك."
"ليل: "هو أنا أعرفه أصلاً؟ ده كل اللي دار بينا شوية كلام فاضي!"
"فارس: "ناصر شايل منك يا ليل!"
"ليل: "ما يشيل ولا يتنيل، هعمله إيه يعني؟"
"فارس: "متنسيش إنك محتاجاها، ناصر آخر فرصة ليكي في البلد هنا."
صرخت ليل: "عايزني أعمل إيه يعني؟ أروح أترجاه؟ أتذلله؟"
"فارس: "ليه لأ؟ لو كان الراجل مجروح حاولى تعرفي السبب، حلي المشكلة يا ليل قبل ما جاسر ما يقضي علينا."
"مستحيل!" صرخت ليل بغضب. "خليه يغور في داهية."
لكن لما ليل رجعت البيت، فكرت تاني أكتر من مرة. لو كان ناصر آخر أمل ليها، مفيش مانع تمثل عليه. هي استاذه في التمثيل، كلمتين حلوين هيجيبوا رجله. كل الرجالة كده، كلهم ذي بعض.
رجعت ليل على بيت ناصر وقعدت من غير استئذان.
"ليل: "ممكن أعرف انت زعلان مني ليه؟"
همس ناصر: "هو أنا فين وانتي فين يا هانم؟ إش جاب لجاب؟ إيه اللي ممكن يربط شخص زيك؟"
"ليل: "ليه رافض تشتغل عندي يا ناصر؟ ارجوك قول."
رفع ناصر إيده: "الكرامة يا ليل هانم، كرامتي هي اللي بتمنعني."
"هو أنا قربت من كرامتك يا أستاذ ناصر؟"
ابتسم ناصر: "إنتي اتعاملتي معايا كأني حشرة، وناصر مش ممكن يقبل كده."
"طيب، آسفة يا سيدي، متزعلش. حلو كده؟"
"بطلي سخرية مني يا ليل من فضلك."
تنهدت ليل: "رفعت ناصر الكلفة بينهم: أنا اعتذرت خلاص، بقيت..."
نفس ناصر بضيق: "مش حاسس أسفك، بتتكلمي من غير نفس."
"وإصلايت ليل كلامها: "إنت هتاخد فلوس كويسة، ليه رافض؟"
رفع ناصر كوب الشاي وقربه لفمه: "مش هقبل أشتغل عندك غير لما تقولي الحقيقة، بطلي تمثيل يا ليل. قولي الحقيقة نفسها، وبعدها أنا أختار."
وجدت ليل نفسها أمام شخص استطاع أن يقرأها، شخص لم يفلح معه التمثيل.
تنهدت بحزن وخجل: "الحقيقة يا ناصر إنك آخر فرصة ليا هنا في القرية. جاسر حاصرني وأنا من غير حيل أو قوة. لو موافقتش تشتغل معايا هضيع، تاري هيروح ومش هعرف أخده."
"يعني إنتي محتاجاني يا ليل؟"
"محتجاك والله، وإلا عمري ما كنت أتذلل كده. ده مش ناقص غير أبوس إيدك."
"موافق." همس ناصر بلا مبالاة. "بس افتكري إنك محتاجاني، مش مشغلاني. يعني أنا حر والتزامي الوحيد حمايتك."
"بس أنا مش عايزة حمايتك لوحدها يا ناصر، أنا ليه تار عند جاسر ولازم أخده. جاسر قتل والدي ووالدتي وكل عيلتي، وإنت شايف عمل إيه في فارس أخويا."
"لو كنتي فاكرة إني الأداة اللي هتحققي بيها انتقامك تبقي غلطانة يا ليل. أنا مش آلة دم حيوانية. أنا وافقت أوفر ليكي الحماية من جاسر، يعني بيتك، أرضك، شخصك يكونوا في أمان وأمنع أي خطر عنهم. لكن أروح أقتل شخص تاني عشانك؟ آسف، ده مش من مبادئي. أنا مش هقتل غير الناس اللي هتيجي عليكي وتستحق الموت."
نفخت ليل بغضب. في الأخير لم يحقق ناصر غايته، لكن ما وصلت له كافٍ إلى الآن. لنرى ما يفعله ناصر في البداية، هل يستطيع أن يقف في وجه جاسر؟ أيفلح في حماية البيت والزرع؟
ثم ابتسمت بثقة: "لو قدر يقف في وش جاسر، أنا هكمل لوحدي. ساعتها هقدر أشغل رجالة تحت إيدي ينفذوا أوامري."
رواية ليل المستبد الفصل الخامس عشر 15 - بقلم اسماعيل موسى
انت هتكون شغال معايا، مش مع واحدة ست.
واللي ينولك ينولني.
يا ناصر، انت مش شفت المرة دي عملت إيه؟
ملكش دعوة بالمرة يا عويس. قلتلك انت هتشتغل تحت إيدي، ومش هتاخد أوامر غير مني.
معاك حد تاني تعرفه يشتغل معانا؟
يا ناصر، الرجالة لما تعرف إنها هتشتغل معاك هتبقى زي الرز، متقلقش. انت صاحب صاحبك وقلبك ميت.
اتفقنا يا عويس؟ اجمع اللي تقدر عليه من الرجالة وقابلني عند بيت ليل مدكور. متخافش من الفلوس، إحنا معانا ميزانية مفتوحة.
وانت رايح فين يا ناصر؟
رايح بيت جاسر فخر الدين. لازم أحط النقط على الحروف. أنا مش عايز دم.
اخترق ناصر رجال جاسر فخر الدين بلامبالاة، يده على مسدسه داخل سترته.
صرخ جاسر: انت جاي تعمل إيه هنا؟
الصبر يا كبير، همس ناصر بثبات. عيب نتكلم وإحنا واقفين كده.
جاسر: لو كنت جاي تطلب الشغل عندي تاني يا ناصر، ملكش مكان هنا، شطبنا.
جلس ناصر: لا، أنا بس جاي أحط النقط على الحروف يا كبير. شغلك ما يلزمنيش.
همس ناصر: بص يا كبير البلد، انت بعت أكتر من شخص يقتلني، وعرفت إنهم من طرفك. لكن اللي فات مات، أنا مش جاي أعاتبك.
حرقت أرض ليل مدكور وسرقت مواشيها، برضه عادي. ماليش فيه.
صرخ جاسر: مش ناقص غير حتة عيل يجي يحاسبني يا رجالة.
ضحك رجال جاسر بينما التزم ناصر الصمت.
ناصر: مش بيحاسب على حاجة متخصوش يا كبير. لكن اللي جاي هحاسب عليه.
القوالب نامت والنصاص قامت يا رجالة، صرخ جاسر ممازحاً رجاله.
ابتسم ناصر ببرود: ليل طلبت حمايتي، وأنا وافقت.
امتعض وجه جاسر، لكنه ظل ثابتاً.
أكمل ناصر: ليل هتكون في حمايتي، وأي شخص هيتعرضلها، هيلقيني قدامه. وصدقني يا جاسر، انت مش هتحب تشوف وشي واقف قدامك. من اللحظة، زرع ليل وبهائمها وبيوتها تحت حمايتي. وقد أعذر من أنذر.
نهض ناصر وغادر المكان تحت نظرات رجال جاسر.
همس شديد: الواد دا مجنون يا كبير وهيِعمل مشاكل كتير أوي.
يبقى لازم تتخلص منه بسرعة يا خفيف. أجرّي رجالة عليه، وأوعدهم بفلوس كتير. أنا عايزها تتم من بعيد. لو ناصر مات، أوعدك إن ليل هتترمى تحت رجليه تطلب رحمتي.
وصل ناصر برجاله إلى بيت ليل مدكور، وزع الحراسة حول المنزل وقعد مع ليل.
بصي يا ست الكل، تحركاتك كلها لازم أعرف بيها من قبل، عشان أقدر أوفرلك الحماية. الأرض هتتزرع من تاني، والمواشي مقدور عليها. الموضوع مش هيكون سهل.
ابتسمت ليل: وماله يا ناصر بيه؟ أبقى آخد إذنك حاضرة.
استشعر ناصر السخرية في كلام ليل، لكنه ما رضيش يتجادل معاها.
تمام، أسيبك أنا بقى.
والرجالة دي هتنام فين؟ وانت كمان هتنام فين؟
استدار ناصر: متخافيش، محدش هيدخل بيتك. الحوش واسع، وإحنا متعودين ننام على الأرض يا دكتوره.
وماله، همست ليل مع خروج ناصر من البيت. المضطر يعمل أكتر من كده.
أخضرت الأرض بعد أسبوعين من وجود ناصر. الزريبة اتملت بهايم. جاسر ورجاله محدش هاجم الزرع أو بيت ليل. كان واضح إنها فترة سكون ما يسبق العاصفة. ليل اللي كانت بتخرج تتمشى وسط أرضها اللي هي أرض جاسر أصلاً. موزعة الابتسامات على الفلاحين ومحاولة بكل الطرق التقرب من رجالة ناصر اللي كانوا بيحترموها احتراماً لناصر. لكن فيه أكتر من حارس استجاب لليل.
رواية ليل المستبد الفصل السادس عشر 16 - بقلم اسماعيل موسى
استقرت الأوضاع في بيت ليل.
تصدى ناصر لأكثر من محاولة لحرق الزرع وسرقة المواشي.
كما أنه نجا من أكثر من كمين نصبه له رجال فارس بين الزراعات وعند المقابر القبلية.
أجرى فارس، أخو ليل، أكثر من عملية تجميل.
وأخيرًا قدر يطلع بره بيته ويباشر مع أخته أحوال الأرض والأموال.
لكن دا ما كانش كافي بالنسبة لليل.
ما كانتش مهتمة بالزرع أو الأرض والمواشي.
ليل كان همها تاخد بتارها.
وزعت الفلوس على الرجال من غير حساب.
رجال كثير سعت للخدمة عندها بعيد عن ناصر.
ليل بقى ليها رجالها الخصوصيين، حتى لو كانوا بيشتغلوا تحت إيد ناصر.
وبعد شهور من الاستقرار، البلد كلها صحيت على كارثة كبيرة.
زرعة القمح بتاعة جاسر، أكثر من عشر فدادين، اتحرقت بالليل.
ومواشيه اتذبحت جوة الزريبة.
الشرطة وصلت وحققت من غير فايدة.
جاسر كان عارف مين اللي عمل كده، لكن الشرطة ما كانش ممكن تساعده.
ناصر كان متأكد إن اللي عمل العملة دي من بره رجاله.
عشان كده راح لجاسر بنفسه.
وهناك بين شد وجذب، ناصر أكد إن رجاله مقربتش ناحية أرض جاسر ولا مواشيه.
ورغم العداوة بين جاسر وناصر، إلا إنه صدقه.
ناصر مش بيكدب.
لكن مفيش دخان من غير نار.
رجالة جاسر، بعد بحث، قدرو يوصلو لواحد من الرجالة اللي شاركوا في الجريمة.
وبعد الضرب والتعذيب، اعترف إنه من رجالة ناصر.
صرخ شديد: خلاص بقى يا كبير، الحقيقة اتعرفت.
إحنا ناخد الراجل ده على بيت ليل، وهناك كل واحد ياخد حقه!
جاسر قال: لا... مش دلوقتي.
فيه حاجة غريبة في الموضوع لازم أعرفها.
ناصر مش بيكدب، رغم كل الخصال الزفت اللي فيه.
ثم ابتسم جاسر: دا شغل ليل.
صرخ شديد: ليل ولا ناصر، المهم ناخد حقنا.
يا بهيم، همس جاسر، إحنا معانا دليل نقدر بيه نوقع بين ليل وناصر، ولازم نستخدمه صح.
لو ناصر ساب الشغل مع ليل، وقوعها هيبقى قريب قوي.
كل اللي حواليها مجرد عيال من ورق.
ليل حسّت بالقوة.
رجال كثير حواليها.
حرقت أرض جاسر ومواشيه، ومش فاضل غير تقضي عليه بضربة واحدة وتشفي غليلها.
خططت ليل كويس.
وبعد ما حصدوا المحصول وباعت المواشي، في ليلة هادية رجعت لشغل زمان.
غيرت شكلها لشكل ناصر.
لمت الرجال حواليها.
ناصر كان في مشوار بره البلد.
وأخذت الرجال على بيت جاسر في نص الليل.
ليل وزعت الرجال على مداخل بيت جاسر فخر الدين، وسدت كل طرق الدخول والخروج.
عايزاكم تقتلوا أي حاجة تتحرك، إن شاء الله تكون قطة أو كلب.
فعل الرجال أسلحتهم الآلية وزحفوا تجاه بيت جاسر من كل جهة.
ثم انطلق الرصاص على البيت.
يمكن جاسر ما كانش متوقع الهجوم، أو يمكن كانت استعداداته أقل من تخطيط ليل.
اللي قاوم من رجالة جاسر اتقتل، واللي قدر يهرب هرب وهو مصاب بطلقة أو اتنين.
ليل بنفسها دخلت بيت جاسر ومعاها الرجال.
جاسر كان بيقاوم، لكنه مجرد شخص واحد.
اتصاب في أكثر من مكان لحد ما وقع من على السلم وسقط على الأرض غرقان في دمه.
ليل وقفت فوقيه بانتصار وأطلقت آخر رصاصة على جاسر قبل ما تجمع الرجال وترحل.
رواية ليل المستبد الفصل السابع عشر 17 - بقلم اسماعيل موسى
تركت ليل منزل جاسر فخر الدين محترقاً، وأهالي البلد يحاولون إخماد النار المشتعلة ونقل الجثث المبعثرة.
تمت السيطرة على الحريق بعد وصول المطافئ، وتحولت البلد لسكنة عسكرية.
مأمور المركز والضباط، الكل يحقق ويبحث عن الأسباب.
ليل نفسها استقبلت مأمور المركز في بيتها لتسهيل التحقيقات، وقامت بواجب الضيافة على أكمل وجه.
لما رجع ناصر، لقى الدنيا مقلوبة. بيت جاسر محترق، ورجالته مقتولة. ولأنه من العناصر الخطيرة، الشرطة قبضت عليه كمجرم محتمل، وتم نقله إلى سجن المركز.
لكن ناصر بطريقة ما قدر يثبت إنه كان خارج البلد. الناس اللي كان معاهم شهدوا لمصلحته.
خرج ناصر من المركز، وراح على بيت ليل.
ليل كانت قاعدة وسط الرجالة، حاطة رجل على رجل. وفارس أخوها قاعد جنبها.
"أنا عارف إنك إنتي اللي عملتي كده يا ليل."
ابتسمت ليل.
"هو إنت غيرت نشاطك؟ بقيت مخبر شرطة؟"
"مش كنت شغال عندي واحد من رجالاتي؟"
السخرية التي يكرهها ناصر.
"أنا شغال معاكي مش عندك يا ليل، دا كان اتفاقنا."
"الاتفاق اتلغى."
همست ليل بغل.
"عاجبك تكون واحد من رجالاتي، ماشي. مش عاجبك، يبقى شوف مصلحتك."
رفع ناصر يده.
"فعلاً ملكيش أمان. يلا بينا يا رجالة."
شاور ناصر الرجالة اللي كانوا شغالين تحت أمره.
لكن مفيش ولا واحد منهم وقف.
"بقا كده؟"
همس ناصر في صدمة.
"ماشي يا رجالة، براحتكم. أنا مش هكون شريك في الدم، لأن الدم مش بيجيب غير دم."
همس فارس.
"هتسيبيه كده؟"
"اصبر."
قالت ليل بصوت واطي.
"إحنا خلاص ملكنا القرية كلها، مش عايزة حاجة تافهة تبوظ كل اللي عملته."
خرج ناصر من بيت ليل يشعر بالخيبة والخيانه. رجع عند بيت جاسر ووقف قدامه بحزن.
"مكنش ليا ذنب يا جاسر، رغم كرهي ليك أنا بريء من دمك."
ثم أخذ طريق بيته خلف بيت جاسر وسط الحقول.
معداش وقت كتير، وليل بدأت تفرض سيطرتها على القرية كلها. اشترت أراضي وبيوت، وبقت كلمتها مسموعة عند الكل. البلد كلها بقيت تحت سيطرته.
بيت جاسر وأرضه أصبحت ملكها وحدها.
وخلال كل اللي حصل ده، ناصر مظهرش ولا حاول يعمل أي حاجة.
رغم كده، ليل مكنتش مستريحة لبقائه حي. ناصر شوكة في ضهرها، ولازم تتخلص منه.
وزي ما عملت مع جاسر، جمعت الرجالة وراحت على بيت ناصر.
ضرب النار اشتغل. جدران البيت اتخرمت من الرصاص.
بعدها دخلت ليل بيت ناصر البسيط. دورت على ناصر في كل مكان، مكنش موجود. حتى قطته ماتت بالرصاص.
"هو راح فين؟"
الأيام أثبتت إن ناصر مكنش في البيت، ولا حتى في البلد كلها. لأنه مظهرش بعد الهجوم، ولا أي شخص لمحه.
ليل ضمت بيت ناصر لأملاكها، وبدأ ربيع ليل يزهر.
رواية ليل المستبد الفصل الثامن عشر 18 - بقلم اسماعيل موسى
توسعت أملاك ليل، امتلكت معظم القرية، اشترت المنازل ومن لم تتمكن من إخضاعه، قضت عليه بالقروض.
صيتها وصل المركز والمأمور ومشايخ البلد، أصبحت كبيرة قولاً وفعلاً، حتى أنها كانت تفصل في النزاعات بين أهل القرية.
تلك القوة التي زرعتها ليل نبتت في كل بيت ودار، حتى الخارجين على القانون.
الفرقة التي أنشأتها ليل في الخفاء لتضرب بيد من حديد كل من يتجرأ ويتحدى ليل.
ومضت أكثر من سنة وقوة ليل تتضخم، حتى أنها ترشحت لانتخابات مجلس النواب وانتصرت باكتساح بعد أن أغرقت الناس بالمال والوعود.
تزوج فارس أخوها وأنجب من زوجته وأصبح له دوار وأعوان، وأنشأ وكالة ضخمة لجمع الغلال، وظف فيها الكثير من العمال.
وقبل أن تمر السنة أصبح شيخ بلد القرية.
وصلت ليل لدرجة من القوة جعلتها تتساءل: من يستطيع أن يقف في طريقي؟
وبدأ كل شيء يسير أمام ليل، بالقوة والمال الكل خضع لها.
حتى ظهر ذات يوم ناصر على مدخل القرية.
لمحه رجال ليل.
لم يدخل ناصر القرية، اكتفى بجلسة في المقهى عرف من خلالها قوة ليل وتمددها مثل السرطان في كل ركن في البلد.
لما الخبر وصل لليل أمرت بإحضار ناصر، لكن ناصر رحل، اختفى مثلما ظهر.
إلا أن غيابه لم يطل، فبعد أيام ظهر مرة أخرى، تلك المرة مع بعض الرجال الغرباء.
ذهب إلى المركز وطالب بملكية بيته الذي استولت عليه ليل.
أرسل مأمور المركز في طلب ليل، وكان يعرفها معرفة شخصية.
ليل قالت إن الموضوع لا يستحق حضورها، وأن عليه أن يرسل هذا الرجل وستعطيه حقه.
أرسل مأمور المركز ناصر رفقة أحد الغفراء إلى منزل ليل.
ليل التي كانت منتظرة داخل بيتها.
أرادت أن يرى ناصر الثراء والقوة التي وصلت له.
رغم كل شيء كانت ليل تشعر أن ناصر دون عن أهل القرية، حتى جاسر نفسه لم تنجح في كسر أنفه وغروره.
وعندما وافق للعمل معها وافق بشروطه، جعلها تقول أشياء لم تتمنى قولها.
لطالما حباها أمل أن تتخلص منه، أن تذله وتخضعه تحت قدميها.
"إزيك يا ليل!"
همس ناصر من على باب البيت.
"ما تتكلم عدل يا جدع أنت وانت بتكلم الكبيرة؟"
صرخ رجل يحمل بندقية ألماني مرخص لا يعرفه ناصر.
من ضمن خطط ليل أنها أحضرت رجال من خارج القرية لا يدينون بالولاء إلا لها وحدها.
ابتسم ناصر.
"اسأل كبيرتك مين اللي خلاها كبيرة."
نهضت ليل في وجاهة وأبهة.
"خليت نفسي كبيرة أنا، محدش ليه فضل علي، كل اللي عملته واللي وصلتله وصلتله بتفكيري وقوتي، أنا طلعت الجبل عند المطاريد لوحدي لما كان اللي زيك لا يجرؤ على النطق بأسمهم."
"الكلام ده تضحكي بيه على رجالتك الخيبين يا ليل."
"أنا وحدي أعرف الحقيقة، أعرف لما وقفتي قدامي خاضعة ذليلة تترجى مساعدتي، تترجى إني بس أوافق أقف جنبك عشان جاسر ما يفعصكيش زي الحشرة."
رفعت ليل يدها وصفعت ناصر على وشه.
"اسكت يا كلب، أنت هتنسى نفسك ولا إيه؟ أنا أقدر أخلي المأمور يحبسك، أقدر أدبحك ومش هاخد فيك دقيقة، بس أنا ما يرضينيش إن مستوايا ينزل للدرجة دي."
"ما ينفعش أهل البلد يقولوا ليل قتلته بإيدها، أنت تستحقش الشرف ده."
"بيتك هناك، روح خده وعيش فيه لو قدرت."
"يا غفير؟ ادخل اتعشى وارجع للمأمور قله ليل عملت المطلوب."
"وأنت شفت بعينك أنا اديته الإذن ياخد بيته."
اكتفى ناصر بابتسامة، مسح خده ولم يهمس حتى بكلمة.
وهو خارج سمع يقول:
"هيجي اليوم اللي تتمنى فيه الرحمة يا ليل ومش هتنوليها، هتوطي على رجلي زي الكلبة ومش هرحمك."
رواية ليل المستبد الفصل التاسع عشر 19 - بقلم اسماعيل موسى
منذ أن أغلق ناصر باب دوار ليل خلفه، ظل أثر ابتسامته ثابتًا فى ذهنها أكثر من صفعتها على خده. تلك الابتسامة… لم تكن سخرية فقط، بل كانت وعدًا صريحًا بالحرب.
وحرب ليل لا تبدأ إلا حين تشتم رائحة التحدّي… والتحدي هذه المرة جاء من رجل ظنّت أنها دفنته تحت أقدامها.
في تلك الليلة، لم تطق الجلوس. تجولت فى دوارها الكبير مثل لبؤة تبحث عن فريسة تمادت.
ضربت بقدمها الأرض وقالت لرجالها المجتمعين أمامها من كل صوب:
"ناصر فاكر إنى مش هقدر اوقفه … فاكر ليل اللى كانت بتتوسلله!
ناصر لازم يفهم إن القريه ليّا… الأرض ليّا… والدم ليّا.
واللى يمدّ عينه على بيتى او على سلطانى، أقطّع إيده قبل ما يوصل للباب."
تقدّمت، نظرت إلى الوجوه الجديدة التى اشترتها من خارج القرية، رجال بملامح غليظة وأكتاف عريضة، لا يعرفون عن ناصر إلا ما قيل لهم: "عدوّ الكبيره".
"اسمعونى …
اللى يجيب ناصر تحت رجلى… خاضع، راكع… ليه جايزة خمسين ألف.
ولو جالي وهو بيتنفس، ليه ضعف المبلغ.
بس لو مات؟يبقى ضيعتوا عليا متعة كسره، وساعتها محدش هياخد ولا مليم."
دبّ الحماس في القاعة. رجال ليل ضربوا الأرض بأقدامهم، أصوات البنادق المعدنية اصطدمت ببعضها، وتعالت الهتافات:
"تعيش الكبيرة!"
"أوامرك يا ليل هانم!"
"هنجيبه لو كان تحت الأرض!"
رفعت ليل يدها، فأطبق الصمت فورًا.
نظرت لهم بعينين تقدحان شررً:
"الليلة هتكون نهاية غرور ناصر."
على الناحية الأخرى، كان بيت ناصر فى طرف القرية أشبه بظلّ قديم ظل صامتًا سنوات، والآن عاد ينفض التراب عن نفسه.
الضوء الضعيف من مصباح غازى كان يترنح مع نسمات الليل، داخل غرفة ضيقة متواضعة جدرانها طين وحصر قديم على الأرض.
جلس ناصر على مصطبة خشبية، بينما وقف أمامه خمسة رجال… لم يكن أحد منهم من رجال ليل، بل وجوه غريبة دخلت القرية فى صمت، مثل دخان يتسلل من شقوق البيوت.
قال أحدهم بصوت خافت:
"احنا جاهزين يا ناصر."
لكنّ ناصر لم يجب. كان ينظر إلى الرجل الملثّم الواقف في أقصى الزاوية، ثابتًا، لا يتحرك ولا يظهر منه سوى عينين سوداوين تُشعان بيقظة لا تشبه يقظة الرجال العاديين.
رفع ناصر رأسه نحوه وقال:
"إنت… قلتلى إنك جيت مخصوص عشان الليلة دي؟"
لم يتحرك الملثّم، لم يغيّر حتى طريقة وقوفه، فقط قال بصوت منخفض لكنه عميق كأنه صادر من بئر:
"جيت… لأن حسابى مع ليل لازم يتصفى."
تبادل الرجال النظرات، أما ناصر فاكتفى بهزة رأس بطيئة، وكأنه كان ينتظر هذه اللحظة منذ زمن بعيد… لحظة لا هروب بعدها، ولا رجوع.
ليل لم تكن تتحرك خطوة واحدة بلا غطاء… وبلا دخان يُعمي العيون.
ولأن الشرطة في المركز تُهابهَا لكنها تخشاها في الوقت نفسه، عرفت تمامًا كيف تُغرقهم في فوضى مفتعلة تبعدهم عن أي حركة تقوم بها ضد ناصر.
مع اقتراب منتصف الليل، اتصلت ليل من هاتف قديم لا يُسجَّل باسْمها، بصوت متعمّد أن يبدو مرتجفًا، مجهولًا، امرأة تدّعي أنها “من قرية مجاورة”:
"الحقونا يا باشا… العيلتين عندنا هيموتوا بعض… عيلة العوضية نزلوا بالبنادق. وعيلة السعداوي مسلحين… إحنا بنضيع يا باشا!"
لم تنتظر رد المأمور وأغلقت.
بعد دقائق فقط، اتصلت مرة أخرى من خط آخر، هذه المرة رجل يُقلّد أحد كبار العائلات:
"باشا… الوضع خرج عن السيطرة، فيه نار اتولعت في زريبة، والنسوان بتصرخ… ابعتولنا حمله فورًا!"
ثم بلاغ ثالث… ورابع…
كل بلاغ من رقم مختلف، ومن صوت مختلف، كأن القريتين المجاورتين اشتعلتا في حرب أهلية.
المأمور الذي كان يحاول منذ شهور أن لا يخسر منصبه ” ولا يجرّ غضب رؤسائه ، صدّق بسرعة.
رفع السماعة واتصل بقوة النقطة:
"جهّزوا عربيتين… القوات كلها تطلع للقرية اللي جنبنا، الشعب هيولّع فى بعض!"
رجال الشرطة تحركوا على الفور. خرجوا فى سياراتهم، أضواء زرقاء تشق الليل، واتجهوا ناحية القرية المحاورة… تاركين قرية ليل بلا رقابة، بلا دوريات، وبلا عيون.
بعد أن أغلقت ليل الهاتف:
"تمام…" همست.
"دلوقتي مفيش حد هيقف بيني وبين ناصر."
أطفأت الضوء… وبدأ رجالها يتحركون تحت جناح الليل، متجهين نحو أطراف القرية حيث يقف ناصر ورجاله… دون أن يشعر أحد.
كانت الأرض الزراعية التى تفصل بين دوار ليل ومنزل ناصر تمتد كبحرٍ داكن يغمره السكون… لكن السكون لم يدم.
ليل تقدّمت الصفوف بنفسها، عباءتها السوداء تتحرك خلفها كظلّ أطول من الليل ذاته، وحولها رجالها المنتشرون بين الذرة والبرسيم والبوص، يتقدّمون في خطوط طويلة كأنهم جيش صغير.
رفعت يدها إشارة البدء، تحرك الجميع في آن واحد، بخطى محسوبة، بلا صوت، حتى وصلت ليل إلى أول حدود منزل ناصر المبنيّ بالطين الذي بدا هادئًا… أكثر من اللازم.
"حاصروة."
قالتها بصوت منخفض… لكنه حمل ثقل أوامرها.
تقدّم الرجال، التفّوا حول المنزل من الجهات الثلاث، وما إن أعطت ليل الإشارة الثانية، حتى انشقّت الزراعة بصوت الرصاص.
انطلقت الطلقات الأولى من رجال ليل، كثيفة خاطفة، تضرب جدران المنزل وتخترق الشبابيك المتهالكة.
وبعد ثوانٍ فقط، جاء الردّ من الداخل… رصاص متقطّع لكنه مُحكم، كل طلقة محسوبة وكأنهم ثلاثة فقط… لكنهم يعرفون كيف يرمون.
صرخ أحد رجال ليل:
"ورا الشباك! النار جاية من الناحية التانية."
ازداد تبادل النيران. وهتفت ليل وسط الظلام، بصوت يشقّ هدير الطلقات:
"اضربوا! خلّصوا عليه!"
وفجأة… دوّى صوت مختلف، صوت ليس كسائر البنادق.
"تِتِتِتِتِتِتِتِتِت!"
رشاش روسى، كلاشينكوف. انطلق من فوق سطح منزل ناصر بوابل متواصل، دقيق، يتحرك يمينًا ويسارًا كما لو أن عينًا ثابتة تقيس مواقع رجال ليل بلا رحمة.
سقط أول رجل، ثم الثاني، ثم الثالث الذي حاول الاحتماء خلف جذع نخلة لكن الطلقات اخترقت الجذع واللحم معًا.
صرخت ليل بغضب:
"كل واحد ياخد ساتر!"
لكن الرشاش لم يمنح أحدًا فرصة.
في وسط الفوضى، ظهر الرجل الملثّم، كان يقف خلف رجال ليل تمامًا، لا أحد لاحظه، وكأنه خرج من ظلمة الأرض.
رفع بندقيته السوداء، وبدأ يطلق النار في ظهر صفوفهم دون كلمة، دون أن يكشف وجهه، فقط حركة سريعة وحاسمة.
كل رصاصة منه كانت تصيب رجلًا من رجال ليل دون خطأ.
رجلان… ثلاثة… خمسة… يسقطون تباعًا في الطين.
ليل، في منتصف الجحيم، كانت تصرخ:
"شدّوا حيلكم، احنا عددنا كبير، مش معقول كام عيل يقفوا قدّامنا! أنا ليل، أنا ملكة القرية!"
لكن صرختها لم تعد تجد من يردّ. الطلقات من السطح، والضرب من خلف صفوفها، جعلت المشهد ينقلب عليها بسرعة لم تتوقعها، وبعد دقائق قليلة فقط، بدأت ليل تشعر بذلك الشعور الذي لم تعرفه منذ سنوات: الخطر الحقيقي.
نظرت حولها، كان رجالها ممددين في الطين، بعضهم يصرخ، وبعضهم لا يتحرك. الأرض كلها امتلأت بأجساد رجالها، في كل اتجاه.
ولأول مرة، ارتجفت يد ليل.
كانت ليل تتراجع خطوةً وراء خطوة، أنفاسها تتسارع، والظلام يزداد كثافة حولها. الطلقات هدأت، أو لعلها ابتعدت عنها، لم تعد تفرّق. كل ما أدركته أن الأرض التي سيطرت عليها عامًا كاملًا تحولت في دقائق إلى مقبرة لرجالها.
نظرت خلفها، لعل ممراً ما بين الزراعات يفتح لها طريق هروب.
سحبت عباءتها، وبدأت تجرى لا تلتفت، لا تصرخ، فقط تهرب.
كانت تريد الابتعاد قبل أن يدرك ناصر أنها في قلب الفوضى، قبل أن يلتقطها الرصاص، أو يلتقطها هو.
لكن الظلام لم يكن ظلامًا تمامًا. فجأة… ظهر أمامها ظلّ أسود، ثابت، ينتظرها، كأنه كان يعرف طريق هروبها قبل أن تعرفه هي.
توقفت ليل فجأة، جسدها اهتز من الصدمة.
"أبعد من وشي يا…"
لم تكمل، فجأة هوت صفعة قاسية على وجهها، قوة غير متوقعة جعلت ركبتها تنثني، وسقطت على الأرض الطينية.
رفعت رأسها بسرعة، فوجدت الرجل الملثّم فوقها، بندقيته مصوّبة مباشرة إلى جبينها.
كان صامتًا، صمته أشد من الرصاص. ضغط على الزناد نصف ضغطة، كاد يطلق.
هي شهقت، لأول مرة تشعر بأن الموت قريب… جدًا.
ثم، في آخر لحظة، انحرفت فوهة البندقية بعيدًا عن رأسها ببطء. انحنى نحوها وهمس بصوت بارد غليظ:
"وعدت ناصر، إنّي أسيب تأديبك… وعقابك… على إيده هو."
رفسها بقدمه بقسوة، جعلها تتدحرج في الطين، ثم أكمل الهمس نفسه… بصوت أقرب إلى الزئير:
"اهربي… يا كلبة."
كانت ليل تركض في الزراعات كأن الليل كله يطاردها، قدماها تغوصان في الطين، وعباءتها تمزقت من أطرافها، والبرد ينهش صدرها المرهق. كل ما تعرفه الآن أنها خسرت المعركة وأن عليها الوصول إلى بيتها قبل أن يصل إليها الموت.
وصلت إلى بوابة دارها الكبيرة، دفعتها بكتفها بقوة، وأغلقت القفل خلفها وهي تلهث بجنون. اندفعت إلى الداخل، إلى الغرفة التي تضم هاتف الخط الأرضي.
"الو؟ الو؟ يا باشا…"
حد يرد، لكن الخط كان صامتًا… ليس صمت انشغال، ولا صمت ضوضاء… بل صمت قَطع.
رفعت السماعة أكثر من مرة، ضربتها بالحائط، لكنها لم تصدر حتى طنينًا ضعيفًا.
اتجهت لهاتفها المحمول الموضوع دائمًا على الطاولة، لم تجده.
بحثت يمينًا ويسارًا، قلبت الوسائد، فتّشت الدرج، نظرت تحت السرير، لا أثر له.
بدأ قلبها يخفق بطريقة لم تعهدها. كانت ليل دائمًا مصدر الخوف، ولأول مرة، الخوف هو الذي يعرف طريقه إليها.
"لا… مستحيل… ده مش صدفة… ده متعمل."
همست لنفسها وهي تتراجع للخلف.
قررت الهرب من الباب الخلفي، قبل أن تنهار أعصابها.
لكن ما إن أمسكت المقبض، وفتحته… حتى شعرت بظل كبير يغطي فتحة الباب.
رفعت رأسها، كان ناصر واقفًا أمامها. هدوءه هو أول ما قتلها قبل أي شيء.
يقف بثبات رجل لم يركض قط، عيناه بلا غضب… بلا شفقة… عينان لرجل جاء فقط لينهي حسابًا مفتوحًا.
وعلى يساره… الرجل الملثّم، واقفًا بلا حركة، كأنه شبح خرج من قلب المعركة إلى عتبة دارها.
ارتجفت ليل. تراجعت خطوة… خطوة أخرى.
لكن ناصر لم يمنحها وقتًا. دفعها بيده إلى الداخل، دفعة قوية لكنها محسوبة، حتى كادت تقع على الأرض.
اقترب منها وهمس بصوت منخفض، صوت جعل دمها يتوقف للحظة:
"على فين… يا حلوة؟"
وانغلقت الأبواب خلفهم.
كانت ليل محشورة بين الحائط والمشهد الذي لم تكن تتوقعه حتى في أسوأ كوابيسها.
ناصر أغلق الباب خلفه، والرجل الملثّم تقدّم خطوتين إلى الداخل، ثم وقف في منتصف الغرفة.
وبحركة بطيئة… رفع يده إلى وشاحه الأسود، ونزعه.
سقط القناع، تجمدت ليل. عينها اتسعت، وجسدها ارتجف من قدمها حتى كتفيها.
جــــاسر.
زوجها.
الرجل الذي أيقنت أنها دفنته تحت أنقاض بيته؟ الذي ظنت أنها سحقته تمامًا… الذي كانت تعتقد أن اسمه انتهى مثل دخان.
كان واقفًا أمامها… حيًّا.
بابتسامة واسعة، ابتسامة عارف باللعبة من أولها لآخرها.
قال بصوت هادئ… لكنه يقطّع الروح:
"لسه فاكرة إنك قتلتيّني يا ليل؟"
سقطت كلماته عليها كضرباتٍ من حجر. ظهره المستقيم، عينيه التي لا تحمل ضعفًا، كلها أشياء لم تراها من قبل.
أخرج من جيبه ملفًا سميكًا، فتحه أمامها. كانت فيه أوراق التنازل الكاملة، أرضه، بيته، أملاكه، كل شيء استولت عليه ليل. وقّفه أمامها وهو يبتسم:
"ادي الأوراق يا كبيرة القريه… وريني هتكتبي توقيعك ازاي وإنتي مرعوبه."
يداها كانت ترتعش، لكن الخوف كان أقوى من الكبرياء.
أمسكت القلم كأنها تمسك سكينًا باردة… ووقّعت دون أن تنطق بكلمة.
بعد أن أنهت التوقيع همست بصوت مكسور:
"انت… لسه حـ… حي؟"
ضحك جاسر ضحكة قصيرة:
"أنا كده خدت حقّي… وخدت أرضي… ومش هقاضيكي على محاولتك قتلي… زي ما أنا قتلت عيلتك كلها."
شهقت ليل… لكن قبل أن ترد، ناصر رفع البندقية نحو رأسها وصاح:
"وقّعي هنا!"
ارتجفت ليل للمرة الثالثة. وقعّت على شيك بمبلغ أسطوري، رقم خيالي، لا يستطيع عقلها تصديقه، ثم ورقه أخرى معقده، ورقة انها أصبحت عبده.
ثم ترنحت على المقعد، منهكة، مستسلمة، تظن أن النهاية جاءت، لكن ناصر لم يكن قد بدأ بعد. صرخ بصوت زلزل الغرفة:
"اتفضل يا شيخ!"
انفتح الباب. ودخل المأذون، خلفه شاهدان، ووراءهم… فارس، أخوها، واقفًا مجبرًا، رأسه منكسرة، عينيه لا تجرؤ على النظر إليها. ماتت الكلمات في حلق ليل، لم تستطع أن تجد حتى الهواء.
المأذون جلس، فتح الدفتر. قال بصوت رسمي:
"نشهد زواج ناصر… من السيدة ليل."
فارس قال الشهادة بصوت متقطع. الشهود وقّعوا.
ووقع ناصر، ووقع المأذون.
وليل كانت تجلس في منتصف الدار الذي ظنّت أنها ملكته يومًا، والذي أصبح الآن قفصًا، يبدأ فيه الفصل الجديد من حياتها: فصل "ليل… والمستبد".