الفصل 1 | من 21 فصل

رواية ليلة النعماني الفصل الأول 1 - بقلم ميفو سلطان

المشاهدات
38
كلمة
1,945
وقت القراءة
10 د
التقدم في الرواية 5%
حجم الخط: 18

البنت بقالها أسبوع ولازم تعمل عملية. يا بنتي روحي لأبوها، معاه فلوس تهد جبال. لتهتف ليلة بقهر: انت شايفه كده يا خالتي؟ لتهتف السيدة: آه يا بنتي، هيحن وييجي يدفع. قوليله على بتاع اللي بيعملوه، يعملوه، إن كان فاجر كده هيلاقي الحق وييجي يدفع.

لتظل ليلة جالسة تتذكر سواد أيامها مع ذلك الجاحد الذي غرز غرزته ورماها كالخرقة البالية، ينهشها الكل وتدعكها الأيام. لتشحذ همتها وتأتي على كرامتها من أجل طفلتها التي ستموت منها، لتقرر أن تذهب إليه. *** قامت ليلة بأمر، لتذهب إلى شركة فؤاد. لتدخل وقلبها يتمزق، تتجلد حتى تبدو قوية، ومن داخلها طفح الوجع وزاد. ذهبت للسكرتيرة وترجتها: عايزة أقابل فؤاد بيه. هتفت السكرتيرة: فيه ميعاد. لتهتف ليلة: لأ، بس من فضلك قوليله ليلة.

دخلت السكرتيرة، وما إن عرف فؤاد، ركبه عفريت، ليهتف بغل: خليها بره لحد ما أقولك. ليجلس غاضباً: جاية ليه يا ليلة، جاية ليه؟ هو انتِ ماشبعتيني وجع؟ ليكي عين تهوبي ناحيتي؟ قلبي محروق منك لله، أقابلك إزاي؟ سنين عدت وأنا لسه الغرزة في صدري، سنين وأنا قلبي اتدبح من الوجع، يا ريتني قتلتك عشان أرتاح من قهرتي. سنين وأنا ميت وما نسيتكيش. ليقوم هائجا: جاية ليه؟ مش رميتك زي الكلبه؟ جاية ليه تفكريني بسواد أيامي؟ ليظل جالساً:

لا، ارميها، ماتقابلهاش. ليرفع الخط يكلم السكرتيرة، ولكنه لم يستطع، ليرزع الفون أرضاً: لأ، هقابلها، خايف من إيه؟ هي اللي كلبة تنداس بالرجلين. اجمد يا فؤاد، اجمد. دي كلبة ولا تسوى، أما نشوف الهانم جاية ليه. *** قعدت ليلة ساعة، اتنين، تلاتة. قامت مرة أخرى تكلم السكرتيرة، فهي متعبة بشدة وأعصابها على شفا الهاوية من ضغطها على نفسها وذلها له بهذه الطريقة. لتجد أن السكرتيرة أتى لها الإذن أن تدخل.

دخلت ودقات قلبها تصرخ من جواها، وقدماها كالحجر لا تتحرك إلا بصعوبة. دخلت، وجدت فؤاد يعطيها ظهره، يقف بجوار الشباك. رجف قلبها بعنف، ظلت واقفة لا تعرف ماذا تفعل. فترة مرت، صمت رهيب. كانت تحس بوجع في سنينها قد أتعبتها، ووجوده معها مرة أخرى يذبحها.

فجأة استدار فؤاد وهو يرمقها بنظرات كره واحتقار، وظل ينظر إليها. كانت تلبس ملابس بالية، وانتقص وزنها وشاحبة الوجه. أما هو، فملامحه جامدة وازداد قساوة عن ذي قبل. ظل واقفاً يتأملها لفترة ويتحكم في نفسه حتى يظهر بارداً. ليهتف: آه، إيه اللي فكرك بيا بعد السنين دي كلها؟ ليكي عين تهوبي هنا؟ واحدة زيك كانت تفكر ألف مرة قبل ما تتجرأ تيجي بعد ما رميتك رمية الكلاب. جاية تلزقيلي حاجة تاني؟

أحست بخناجر في قلبها، وتجلدت وبلعت كلامه المسموم. كان يتأملها والغل في عينيه، وهي لا تصدر أي إشارة. لتتحرك وتتقدم، وأخرجت ليلة ورقة من جيبها وأعطتها له. ليكوره ويرميها في وجهها، ليصرخ: انت بتديني إيه؟ انت، انت مالك فاجرة كده وجاية تقفي قدامي؟ إيه شبعتي رجالة وجايه تدوري في دفاترك القديمة؟ كانت الدموع في عينها متحجرة. لتقول: يا ريت تسمعني عشان أمشي. ليصرخ: أسمعك إيه؟ هتقوليلي قصتك السفلة؟

ست سنين بتصطادي وخلصتي، جاية تحكيلي عن نجاستك؟ يا ترى بقوا كام اللي دخلوا سريرك؟ والله عندي غثيان، أنا فعلاً نضفت والحمد لله ما قتلتكيش وأدخل في زبالة زيك السجن. بس تصدقي؟ ما كنتش هخش السجن، اللي زيك يتفضح ويندعس بالرجلين. لتهتف بحسرة: يا ريتك قتلتني، ما كنتش هتلاقيني قدامك. ليصرخ: وجاية ليه من أساسه يا زبالة؟ هاه، جاية ليه؟ لتكوني فاكرة يا بت إنك لسه في عيني عشان حبيتك زمان؟

لأ يا شاطرة، أنا علمت عليكي ورميتك لكلاب السكك. كان يغلي بحرقة من داخله. لتستدير وتنزل تحضر الورقة التي دعسها بيده من سكات، لتضعها على المكتب وتتجلد. لتهتف: الورقة دي فيها رقم أوضة في مستشفى، وده العنوان. فيها بنت عندها خمس سنين عايزة تعمل عملية في قلبها. قاطعها فؤاد غاضباً: وأنا مالي؟ ماتولع، والا تغور في داهية! إيه البجاحة دي؟ انت إزاي بجحة كده؟ إيه يا شحّاتة؟ عايزة لبنت الرجالة اللي نمتي معاهم فلوس؟

تخلفي من زبالة وتيجي للنعماني يديكي فلوس؟ قالت له بسخرية والوجع ينهشها: معلش، استحمل نفسك شوية. البنت هتموت لو ما عملتلهاش. أنا اديتك الورقة وجيتلك لأن الدنيا قفلت في وشي، وعمري ما كنت هفكر أجلك من أساسه. الورقة قدامك، وانت وضميرك. ليصرخ: انت مجنونة يا بت؟ انت مين اللي هعملها العملية؟ انت زبالة؟ ليه كده؟ وتتقفل في وشك؟ إن شاء الله تموتي وتنقهري، مالي بيكي؟

قصة نجسة وخلصت، ونضفت ونضفت حياتي. تلمي نفسك وتلمي عارك وتغوري من قدامي يا أنجس خلق الله. أنا غلطت ولميت زبالة الشوارع، حربوقة وحطيتها على اسمي، واحدة لا أهل ولا فصل، وأنا الهوانم بتترمي تحت رجلي. دخلتي عليا بالحنجل والمنجل، وانت كسر ووقيع، وآخرك ليلة بفلوس في سريري. ها؟ عايزة عرض جديد؟ أديكي قرشين؟ لتشعر بـ"سلخات" في عروقها: آهدي يا ليلة، آهدي. بنتك بتموت، آهدي. لو ذلك ألف مرة.

لتنظر إليه، ليشعر بشيء بداخله، فعينيها تشع ألماً. لتهتف: يا ريت، كفاية بقى وتسمع عشان أمشي وأريحك وأرحمك من عرضي. ليهتف بغل: ومالك متأنزحة كده؟ مانت اللي جاية تترمي عليا يا رخيصة. ليقترب ويهتف: إيه؟ لو مزنوقة بقرشين قولي لي. ليقترب ويشدها، لترتجف بقهر، ليهتف: ولو إنك جربوعة وهدومك تقرف، بس وماله، عايزة كام؟ لتشهق، لتحاول أن تبتعد: ابعد يا جاحد. ليهتف: هتعمليهم عليا يا زبالة.

ليشدها إليه، وينهال عليها في قبلة حارقة، خلعت قلبه. كانت سنينه وأيامه يتخيل نفسه معها، لم ينساها ولم ينسى لمستها. كان كأنه أتاه نفس، يُنعش قلبه. كان يقبلها بحرقة ولوعة، وهي تنتحب بقهر وتحاول أن تبتعد. وهو مع نفسه، كأنه تلبس من جنون. كانت تعيش معه سنين الحسرة، كلما أغمض تكون هي أمامه. تاه في شفتيها حتى أدماها من حرقة قلبه، فملمس شفتيها كان حارقاً، يشتاق إليه ويكرهه.

ليتجلد ويقاوم نفسه ويرميها، لتقع على الكرسي، لتنساب دموعها. ليصرخ: حاجة تقرف والله، حتى لو ببلاش ما أقرب منك. لتحني رأسها والدموع تنهال منها، لتتجلد وتقوم تشد من نفسها. طب يا فؤاد بيه. عندي فكرة. روح اعمل تحليل بينك وبينها، ولو ما لقيتش قرابة، سيبها تموت وترتاح من الدنيا اللي نفسي تاخدني معاها. اعمل تحليل، ما جايز الله أعلم. انت هتدخل في الغيب. أنا عملت اللي عليا، وقدام ربنا انت حر تعمل ما بدالك. نظرت له بوجع وكره.

انت رميتني من ست سنين وأنا ما تبّت ناحيتك واتهمتني. أنا جاية عشان بنتي اللي بتموت. أنا ما جيتلكش تأكلها وتشربها. ست سنين شايلة وساكتة، ست سنين ببعد عنك بالمشوار، ست سنين رميتني وقفلت سكتك. جايلك وعارفة انت إيه وهتعمل إيه. بس جيت عشان بنتي بتموت يا فؤاد بيه. فكر مع نفسك. يا تعالجها يا تموتها. انت حر يا فؤاد بيه. الأمر في إيدك. انت ما كنتش هتشوف وشي تاني. أنا مش جايه ألزقلك حاجة تاني، لأني ما لزقتش أولاني. بس الكلام

ملوش لزوم يا فؤاد بيه. أنا عملت اللي عليا، والامر بايدك انت وضميرك. قدامك بنت عندها خمس سنين بتموت، وواحدة احسبها فاجرة، احسبها من الشارع، احسبها زي ما تحسبها. جاي تشهد عليك رب العباد. ليلة جاية تشهد فؤاد النعماني قدام ربنا. عندك عيلة مرمية عيانة بقلبها، فكر هجيلك ليه؟

هاه؟ فكر واستفتي قلبك، رغم إني عارفة إنه ما عندكش، بس حاول تيجي على نفسك وتحس. جايز لما تحس ربنا يبعت في البت الروح. فكر يا فؤاد بيه، يا كبير يا عالي، عشان ما يجيش يوم

تقف قدام تربة البنت وتسأل: يا ترى. الندم ساعتها هيبقى موت. الندم هيبقى قهرة تكلبش. الضنى غالي ووجعه عالي. ماشية وفايتاك لربنا يحنن قلبك. ماشية وفوضت أمري لرب العباد، يا ينجيلي بنتي ويحنن قلبك عليها، يا تموت وبدعي ربنا ياخدني معاها. فكر ألف مرة قبل ما التراب ينهال والدود يعشش. فكر ألف مرة قبل ما البراءة تموت ونصيبها من الدنيا يروح بسبب ظلم مالهاش دخل فيه. فكر إنك كان ممكن تلبسها فستان الفرح وتسلمها لحبيبها، بدل ما تلبسها الكفن وتسلمها لتربتها. فكر إنك هتتحاسب. جايز تحس. إحساسك

لو وقفت قدام تربتها وتقول: يا ريتني. إحساس موت، فكر قبل ما تموتها وتموت نفسك. الندم ساعتها هيبقى بالكفة يا فؤاد بيه، ما هتلاقي ميزان يكيل همك ويشيل ذنبك. فوضت أمري لله، وبطلبها من ربنا. أنا بطلب بنتي من ربنا. واستدارت وخرجت، وكمية الوجع اللي في قلبها كادت أن تميتها، ولكنها ستفعل أي شيء من أجل ابنتها، حتى لو انذلت لذلك الجاحد ألف مرة.

لتستدير من سكات وتخرج، تاركة ذلك الصنم ينهشه قلبه من كلامها. لتهيم على وجهها ودموعها تنساب بشدة، لم تعد تحس بالدنيا التي دعكتها، كانت كالمقتولة تسير بلا هدف. حسرة، وأي حسرة؟ حسرة حب قضى عليها، حسرة سنين ذاقت فيهم الكل بالكأسات، حسرة فقدان وخوف من المجهول. مشت ليلة، أقدامها تتحرك كأن بها صخراً، لا تقوى على المشي، تفكر وتعيد الشريط الأسود الذي اندعست بداخله، لتعود أيامها للخلف عندما...

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...