الفصل 21 | من 21 فصل

رواية ليلة النعماني الفصل الحادي والعشرون 21 - بقلم ميفو سلطان

المشاهدات
22
كلمة
4,258
وقت القراءة
22 د
التقدم في الرواية 100%
حجم الخط: 18

كان فؤاد مازال مع مدير المستشفى يتفق معه على حالة فيروز، وهو حزين عليها. طلب من الطبيب أن يهتم بها ويرعاها على أكمل وجه. حتى أتاه خبر قفزها من فوق السور، فشعر فؤاد بالأسى حقاً. فمهما كان ما فعلته، فسنين الحب والعطاء مغروزة في قلبه. أحس فؤاد بفقدان أمه للمرة الثانية. فهي أعطته حباً ولكنها انتزعته منه. لم يكن فؤاد ينوي أن يكمل عقابها للأبد، فما زال يحمل لها المشاعر غصباً عنه. كان ينوي من كل قلبه أن تتعظ عمته وتعود إليه

محبة كما كانت دائماً. كان فؤاد سيعود لها ليأخذها لتعيش معهم، كان يظن أن عمته سوية وستعود محبة، ولكن المرض فاح والشر لاح. كان سيعود، ولكن أحياناً يتمادى الإنسان في جحوده من كثرة الأسى الذي عاشه. فؤاد في الواقع كان يحب عمته ولا يتمنى لها الشر، ولكنه أراد أن يوجعها كما أوجعته، ولكنه أبداً لم يكن يريد لعمته كل هذا، فهي في الآخر كانت بديلاً لأمه. ولكنها أرادها الله، فالله أمهلها ثم أخذها، أخذ عزيز مقتدر. فهو لم ولن يقف

أمام قدر ربنا. كان لابد أن تنتهي من حياته، فما فعلته صعب نسيانه.

وهنا خرج وأمر الحراس أن يتكفلوا بكل شيء. تم أخذ فيروز، وقام فؤاد بنفسه بإنزالها لقبرها ودفنها. وقف قليلاً لتتجلى عظمة فؤاد قائلاً:

"ما كنتش أتمنى إن ده يحصل، بس ربنا أراد يا عمتي. وبكده يبقى دفنت معاكي شري اللي فيا. الشر اللي خلاكي تأذيني بلا سبب وأذيكي بألف سبب. وهدفن أيام الشر اللي شفتها على إيدك. وأتمنى إني أفتكر بس أيامنا اللي كلها حب. ربنا يسامحك يا عمتي، وحقيقي أنا سامحتك عشان رب العباد ما بيتهاونش في حقوق عباده. سامحتك يا عمتي وبدفن شري وشرك وأذيتك من الدنيا، لعل الله يغفر. سامحتك يا حبيبتي وهفتكرلك الحلو كله. هفتكر أمي وحبيبتي، هفتكر فؤاد وفيروز، هفتكر سنين اللي عن حق عشتها سعيد. وهدعيلك، هبقى ابن صالح يدعيلك يا حبيبتي. ولا يوم هجيب سيرتك إلا بالخير. يا رب سامحها يا رب، أنا المظلوم. سامحت عن طيب خاطر."

لينزل ويدفنها ويقبل رأسها، وتنزل دمعة من عينه على أمه التي ماتت. ليهتف: "أستودعك الله يا أمي، أستودعك أمي فاغفر لها. يا رب أدتني حنان وادتني حب، فاغفر لها. يا رب على قد وجعي أدتني من قلبها. يا رب كان مرض فاغفر لها." ليمُسك وجهها: "هتوحشيني يا أمي. فيروز بتاعة زمان هتوحشني. يجازيكي خير عن تربيتي ويغفر لك عن أذيتي يا حبيبتي. هتفضلي أمي حبيبتي وصورتك هتتعلق وهترحم عليكي." ليقبل رأسها وهمس:

"نامي يا قلبي وارتاحي. تعبتك حقك عليا يا غالية. حقك عليا ما كنتش أعرف إن هيجرالك كده. حقك عليا يا حبيبتي، سامحيني وأنا سامحت والله. ابنك حبيبك سامح وراجع طالب أمي وسيرة أمي. ما انتي أمي يا حبيبتي ولا أعرف صدر غيرك. سامحت يا رب المظلومين، أنا سامحت." تقبلها عندك أم صالحة كانت تحب وتعشق ولكن المرض أصابها. "يا رب باسمك العفو اعفو عنها."

لتنزل دموعه على وجهها، ليقبل رأسها ويدها ويريحها بهدوء في القبر ويقوم مبتعداً. ويمسك التراب ويهيله بهدوء ودموعه لا تتوقف، ليهتف: "فيروز النعماني في ذمة الله." لتندفن فيروز ومعه معانات فؤاد وليلة، لتندفن أسود بارت ممكن أن يعيشه أحد. وتبدأ حياة جديدة يحاول كل منهم أن يداوي جراح الآخر. فقلوبهم قد كلت من التعب والوجع والبعد، وقد أُنهكت أرواحهم تماماً. الله وحده يعلم متى سيشفي جراح كل منهم.

عاد فؤاد إلى الفيلا لتستقبله ليلة بعد أن علمت بما حدث. لتحتضنه وهو يضمها، يحاول أن يجعل قلبه يصمت مما يشعر به. كان يحتضنها، وكلما شدد عليها كلما أحس ببعض السلام الداخلي. وهي تشعر بالأسى له وتحس بوجع شديد عليه. وقال لها: "أنا موجوع أوي يا ليلة." فشدته أكثر إليه وظلا بعض الوقت، وظلت تمسد على ظهره لفترة طويلة وهو لا يريد أن يتركها، كأن حضنها هو ما يداوي وجع قلبه. وهنا جاء مراد وشد أبيه وقال: "بابا انت بتعمل ايه؟

سيب ماما انت ضاغطها كده ليه؟ فضحك فؤاد. "ضاغطها؟ وقال في سره: "ابن الكلب مش هيسيبني في حالي، أنا عارف مربي دكر كبير وربنا." فاستدار ونزل إليه: "إيه مراتي وتعالي انت كمان." وأخذهم في أحضانه. هنا جاءت جميلة جري وتهتف ساخطة: "يا سلام يا سي بابا وأنا؟ فتح ذراعه وحملها وقال: "دانتي البرنسيسة بتاعتنا." فتمتم مراد مستنكراً: "آه برنسيسة هبلة." فخبطه فؤاد على رأسه وقال: "اتلم." فرد عليه:

"ماهو يابابا شُفلك صرفة فيها دي من عالم تاني. مش كانت جت ولد كنت عرفت أتعامل معاه." نظر فؤاد بمكر إلى ليلة وقال: "جاي كله جاي بجميع الأنواع." فاحمرت وهربت وقالت: "هروح أحضر الأكل." وتركتهم يدغدغهم وأصواتهم تصدح من السعادة وهم يمرحون معاً. هنا دخل كريم وحضن فؤاد وربت على كتفه، فشكره فؤاد وقال: "ربنا يخليك ليا يا كريم، مش عارف من غيرك كنت هعمل إيه." فرد كريم:

"بتقول إيه يا كبير، دانت أكتر من أخويا، دانا ساعات بحسك أبويا وضهري وسندي." فحضنه وشدد عليه. وهنا نادتهم ليلة لينضموا إليها على السفرة، وجلسوا جميعاً في جو أسري. ثم انتقل إلى حجرة المعيشة وظلوا يتسامرون حتى استأذن كريم وشكرهم وأخذت أمنية الأولاد. وظل فؤاد وليلة، وهنا اقترب منها وشدها في أحضانه وقال: "تصدقي ما عدتش عايز حاجة من الدنيا، أنا كده مرتاح إنك في حضني."

ظلوا هكذا فترة وقلوبهم تتحدث بحب لبعضهم. ثم قامت ليلة لتصعد وفؤاد من خلفها. دخل فؤاد وأخذ شاور، وكانت ليلة قد غيرت ملابسها بقميص حريري يبرز جمالها، ولمت شعرها لأعلى، كانت كالأميرات الخياليات. خرج فؤاد لابساً شورت وتي شيرت بيتي وشعره ينزل منه بعض النقاط. كان كل منهما ساحراً، ففؤاد وسيم وذو هيبة، وهي فاتنة. اتجه إلى المرآة وعينيه عليها، وهي مرتبكة، وظل يسرح شعره ووضع بعض من عطره التي تعشقها ليلة. ثم ذهب إليها، كانت تجلس على الأريكة. فاقترب منها وأخذ

يديها وظل يقبلهما ويقول: "دلوقتي بقه أقدر أتجرأ وأطلب السماح. عارفة يا ليلة الفترات اللي فاتت اكتشفت إني ما كنتش عايش، كنت ميت. كنت من غيركم ولا حاجة." وكانت هيا صامتة وابتسامة خجل على شفتيها. فاكمل:

"عارفة يا ليلة، انتي ولا يوم غبتي عن بالي. كنت كل يوم أنام أحلم بيكي في حضني وأصحى وأنا حاسس إنك كنتي بين إيديا، وكنت أقوم زي المجنون أدور عليكي. عارفة يوم ما جيتيلي الشركة قلبي حسيته هيخرج من مكانه، وفتحت الكاميرا وقعدت أبص عليكي تلات ساعات كاملة أمتع عيني منك." هنا خبطته على كتفه: "كده حرام عليك، دانا كنت هلكانة." قبل يديها وقال:

"آسف يا عمري، بس غصب عني. كنت عارف إني مش هشوفك تاني، فكنت عايز أملي عيني منك. قعدت فترة أحاول أستجمع نفسي عشان أعرف أقابلك، ولما دخلت وقلت لي، كنت حاسس إن قلبي هيقف. خرجتي وسبتيني زي المجنون، لا عارف أصدق ولا عارف أكذب، بس ما قدرتش، لأنك ساعتها كنتي قوية قوي. سألت نفسي إزاي واحدة خاينة تقدر تيجي وتحط عينها في عيني. وكريم صراحة ماسبليش فرصة كمان. ولما رحت المستشفى كانت المصيبة أكبر. أول ما شفت مراد حسيت إن قلبي هيخرج

من مكانه. مراد لوحده كان زي الطعنة اللي انغرست في قلبي. كنت مصدوم، نسخة طبق الأصل مصغرة، عيل غريب معظم شخصيته زيي بالظبط. كنت متأكد في اللحظة دي إنهم أولادي، كنت متأكد مئة في المئة من أول ما شفت مراد. بس انت ما ادتنيش فرصة وبدأت في الذل لي، وده فعلاً كنت أستحقه وأكتر. يوم ما شفتك بتشيلي كراتين حسيت بخلعة في قلبي إني مش راجل. بس والله يا ليلة أنا أتظلمت كتير واتذبحت من أكتر الناس ليا. أنا عارف إنه مش مبرر وماليش عذر،

بس الراجل منا لما يطعن في شرفه يبقى ما عندوش عقل، ما بيفكرش. قلبه هو اللي بيتصرف، وأنا قلبي كان مذبوح. قلت قلت خلاص يا فؤاد اصبر وحاول ترجعها، وقرب من أولادك. كان كل اللي في دماغي إني أقرب من الولاد الأول، وبالذات مراد، لأن ساعتها ده مدخلهم لك. لما اتجوزتك كنت كأني ملكت الدنيا، كنت أقدر أعمل اللي أنا عايزه، أقرب منك بحلال ربنا وألين قلبك من ناحيتي. الذبح الأكبر اللي كنت مش قادر أستحمله لما رحت معك أوضة السطح، ده كان

يوم لوحده عمري ما هنساه. خرجت من الأوضة واحد تاني، حسيت بالدونية والقرف من نفسي، حسيت إني ولا حاجة، شيء قذر، مستفز. ساعتها حلفت إنك لو قطعتيني حتت، لو طلعتي قلبي وغرزت فيه سكينة، عمري ما هنطق. أتكلم إزاي بعد اللي شفته؟

حسيت قد إيه أنا حقير وواطي. أنا آسف يا عمري إني مديت إيدي عليكي، ياريتها كانت اتقطعت قبل ما أعمل فيك كده. انت اتعذبتي كتير واتبهدلتي كتير، وأنا وأنا اللي كنت فاكر نفسي بتعذب. حسيت إن قليل قوي وصغير قوي، حسيت بالذل والقهر وتمنيت لو إني أفضل راكع طول عمري تحت رجليك أتمنى لك الرضا ترضي. لما كنت بشوف نظرة الكره في عينيك كنت بندبح ألف مرة لأني أستحق الدبح. واحد رمى أولاده ومراته بكل سهولة وصدق وما قالش في يوم ما يمكن ربنا أراد، هو انت ربنا يا أخي. بس أنا اتعميت وقلبي كان جواه غل من عمتي. عمتي أمي وجعتني قوي يا ليلة موتتني، أنا مش عارف هي كان جنسها إيه، ده لو شيطان ما تعملش فيا كده. بس بعد ده كله أنا مسامحها، ونفسي تسامحيها عشان راحت لربنا."

هنا قاطعته ليلة: "والله مسمحاها، وكنت عايزة أحوشك عنها." ليهتف بحب: "عارف يا قلبي، لأن قلبك ده دهب أبيض بيشع نور." ثم صمت قليلاً. "ودلوقتي بقى... وقام من على الكنبة، قام من مكانه وركع على قدميه ماسك يديها ويقبلهم بشدة ويقول:

"أنا بطلب السماح منك، بطلب السماح على جرم عملته، جرم كبير لا يغتفر، بس انتي طيبة وقلبك كبير وعارف إن انتي في يوم من الأيام هتسامحيني. ليلة أنا مليش غيرك، وبحبك لدرجة الجنون. لأ، أنا بعشقك يا ليلة، وعديت مرحلة العشق. صدقيني ما عدتش قادر أستحمل بعدك عني أكتر من كده." كانت ليلة في تلك اللحظة تنساب دموعها على خدها ولا تعرف كيف ترد، فكلامه الصادق قد أوجع لها قلبها، وهي طيبة وبسيطة.

"عارفة لما كنت بشوفك وأقرب منك كنت بتتقطع من جوايا، كنت بتجنن، كنت بغير عليك من الهدوم اللي انت لابساه. أنا يا ليلة ما ليش إلا انت وطالب السماح. فؤاد النعماني بجلالة قدره واقع تحت رجليك وبيقول لك سامحيني يا عمري. سامحيني يا حتة من قلبي." هنا ليلة انفجرت بالبكاء ومسكت يديه وشدته يجلس بجوارها، فحَضَنها فؤاد متنهداً وظلت هكذا لفترة وقالت له:

"عارف يا فؤاد، أنا أكتر منك عايزة أسامحك، وحاولت كتير أسامحك، لأني عرفت واتأكدت إن بحبك وبعشقك زي ما انت ما بتحبني، بس ما عرفتش. وجعي وذل السنين ورميتي لوحدي مضروبة ومتهانة ومنعوتة بأبشع الألفاظ. كان بيمنعني أنا، كنت كأن محطوطة بين حجرين، واحد بيقول لي سامحيه، والتاني بيدعكني وبيفكرني بكل حاجة حصلت في حياتي. أنا تعبت قوي يا فؤاد، ست سنين ذل وإهانة. ست سنين أولادي وأنا مرميين في أوضة ساقعة وضلمة، ما فيش أكل، ما فيش حاجة لهم، وهم كانوا راضيين، كنا غلابة قوي يا فؤاد. وجعي كان منك كبير قوي، كنت كل ليلة أبكي وأعيط وأقول ليه يعمل فيا كده، ليه يقول كده؟

هو مش فيه حد كبير اسمه ربنا؟ ربنا كبير. تصدق ليه الحقارة دي؟

بقول كده كنت زي المجنونة وأصعب يوم مر عليا يوم ما اشتريت لأولادي اسم بالفلوس لأنهم ما لهمش أب وهيبقوا أولاد حرام. اليوم ده عارف يا فؤاد حلفت أيمنات الله، أنا لو شفتك ثاني وأولادي كبروا هيقفولك وياخدوا حقهم منك. كل ما أشوف مراد بيكبر قدامي، كنت بشوفك والوجع كان بيجي جوايا أكتر. مراد لوحده كان بيعذبني، كأن ربنا ما أرادش إني أنساك. كان هو بيعذبني أكتر حد لأنه انت. مراد هو انت في كل حاجة، كنت أقعد أسرح فيه وأتكلم معاه وأحس إني بكلمك، وبعدين أنفجر في البكاء وهو يا حبيبي مش فاهم أنا بعيط ليه."

فؤاد: "مراد كبر قبل الأوان، وحقيقي كان عون ليا كبير وهون عليا حاجات كتير. ويوم ما رحت لك وأنت هنتني وطردتني كنت مذبوحة برده، ما كنتش عارفة إن كنت هتيجي ولا لأ. كنت بدعي ربنا إن ربنا يحنن قلبك عليا وعلى بنتك. ما كنتش متخيلة إن ممكن جميلة تروح مني. جميلة حنينة قوي يا فؤاد، أنت مش متخيل قلبها عامل إزاي." هنا قاطعها فؤاد وقال: "جميلة قلبها زي قلبك دهب ألماس مش موجود بين الناس." فاكملت ليلى باكية:

"لما جيت وطلبت مني إن إحنا نتجوز، قلبي كان هيقف. لما أصرت إن أعرف الحقيقة، ما صدقتش، ما كنتش متخيلة إن ممكن حد يعمل في حد كده. من اليوم ده وأنا بدأت جوايا صراع، هاموت وأسامحك، بس مش عارفة أعملها إزاي. كنت كل ما بتقرب مني ببقى نفسي أكون معاك، بس عقلي يمنعني، وكل شوية قلبي يوجعني ويلتمس لك العذر، بيقول ما هو برده اتعذب واتهان في رجولته وشرفه. ما كنتش عارفة أعمل إيه، كنت خايفة تروح مني، كنت خايفة تزهق. قلت لنفسي إيه اللي هيخليه يصبر عليكي يا ليلة، وانت بتزعلي ليه؟

ما فيش راجل يستحمل كده." فرد مسرعاً: "والله ساعتها كنت صابر وبتقطع على الجنبين. تخيلي انت معايا في الأوضة، شايفك قدامي، بس مش قادر آخدك في حضني. كنت حاسس بالغلب والهم وقلة الحيلة. ما كنتش عارف انت هتحني عليا إمتى." قاطعته ليلة وقالت:

"كنت بحاول أوجه لك العذر، كنت بحاول أسكت عقلي. كنت بتجنن ساعات. يوم ما زعلت مني قعدت يومين ما تكلمنيش، حسيت إن روحي بتتسحب مني، وحسيت قد إيه انت بتحبني. يوم ما كريم خدني المستشفى حسيت قد إيه انت كبير قوي في حياتي، انت روحي وقلبي اللي ما أقدرش أستغنى عنهم. كنت نايم على السرير وأنا ماسكة إيدك بقول لك بترجاك إن تسمع إن أنا مسامحاك. اليوم ده كان يوم صعب عليا قوي، وأنت نايم لا حول ولا قوة، وأنا هاموت. هاموت وتسمع مني إني باحبك وبعشقك ومسامحاك. أنا تعبانة قوي يا فؤاد، موجوعة من كل اللي جرى لنا، مش عارفة ليه يتعمل فينا كده، إحنا عملنا إيه لكل ده؟

ده ابتلاء من عند ربنا. ابتلاء كبير من عند ربنا ليه حكمة، عشان يوم لما نتجمع نعرف إن مالناش غير بعض، وإن الحب هو اللي يدوم بيننا." كان فؤاد في تلك اللحظة متيم بها، ينظر إليها بحب شديد ويقول: "لأ هو مش حب يا ليلة، ده عشق وعشق كبير. أوعدك عن حق المرة دي النهارده باني أكون الراجل اللي يصونك ويحطك على راسه، لأنك تستحقي تتحطي على الراس." أكملت ليلة والدموع تتساقط من عينيها:

"أنا مسامحاك. فؤاد أنا مسامحاك، بس مش هكذب عليك وأقول لك إني هنسى، لأنه صعب اللي مريت به. بس الست لما بتحب وتحب قوي بتبقى عايزة التسامح، وأنا مسامحاك يا قلبي عن طيب خاطر، وبقول لك ليلة رجعت حبيبة فؤاد، ليلة رجعت من تاني بقت ليلة النعماني."

وهنا لم يستطع فؤاد أن يدعها تكمل، ثم أخذها في حضنه وظل كل منهم يحتضن الآخر. كانت تبكي وهو أيضاً، كانت تحتضنه بشدة وهو أيضاً، كان خائفاً لو ترك يظن أن ذلك كله لم يحدث. كان يعصرها بين يديه حتى يتأكد أنها فعلاً أصبحت ليلة حبيبته. ابتعدت عنهم وابتسمت له وقالت: "بس اوعى يا فؤاد تزعلني تاني، أنا بقول لك أهو، والله ما أسامحك تاني." رفع وجهها إليه وابتسم وقال: "حد يبقى قدامه القمر ده ويزعله؟

ده حتى يبقى ما عندوش دم ولا إحساس." هنا شعرت ليلة بالخجل، فرد مسرعاً: "والنبي يا ليلة ماتبقيش تقلبي فرولاية كده، الأ أنا قلبي بيقف وربنا." فردت مسرعة: "بعد الشر عليك يا حبيبي." فمسك يديها: "بتقولي إيه؟ فأطرقت وجهها: "ما قلتش." فاقترب منها وقال: "يمين بالله أبداً، ده أنا هفرفر في إيدك." فاقتربت منه وهمست بحب شديد: "يا... حبيبي." وهمت أن تبتعد إلا أنه شدها إليه مرة أخرى وقال لها: "انتي راحة فين وسيباني؟

هو حد قالك عليا إني طوبة؟ راحة فين وسيباني؟ انتي فاكراني سوسن؟ فضحكت. فرد عالياً: "صلاة النبي أحسن، ده إحنا ليلتنا عنب. ده أنا قلبي شقق يا شيخة." لتهمس فؤاد، ليقول بوله: "يا لهوي واللي هيجراله." "فؤاد ولع ودخن واستوى." لتهمس: "بس بقى انت ما صدقت تقل أدبك." ليقول: "نهار أسود، أقل أدبي أنا؟ لحقت؟ ده أنا ما هوتتش عتبة قلة الأدب. اسكتي كده عشان أنا هتفرفت قدامك دلوقتي لو ما شبعتش منك." لتهمس بحب: "بجد يا فؤاد وحشتك."

ليقول: "وحشتيني... يا بنتي بقى. أنا حاسس وداني هتطلع دخان كمان شوية. يا بت هموت على قلبي اللي بين إيديا. انت بتحمري كده ليه؟ أروح فين؟ ده فيه حاجات شبطت وولعت فيا دلوقتي." "قلبي انت يا عمري." وانحنى يتلمسها بحب، لتتململ من فرط انفعالها. ليهمس بحب: "لأ كده هتموتي في إيدي، بطلي فرك." ليشدد عليها: "وحشتيني كلك على بعضك." وشدها بقوة إليه وحضنها، وهي تشعر بالنار في داخلها. وردد بهيام:

"ده مكانك وهيفضل طول عمره مكانك. وسيبيني بقى أطفي اللي قايد جوايا. مش عارف هعرف أشبع في سنتي دي ولا هرقدك معايا شهور بمنظرك القمر ده. يا قلبي يا فؤاد وحبيبك سايح وقمر." لتشعر ليلة بالدماء تصعد إلى وجهها وتشعل جسدها، وهو يقترب منها ليشدها إليهم، ويختلط أنفاسهم ببعضهما، ويحملها بين يديه ليبدأ حياتهما بسعادة بعد أن عانا الأمرّين وقد أُنهك قلبيهما من شرور الدنيا لينالا قسطاً من السعادة.

عاني فؤاد معاناة السنين، فتربى بقلب أبيض، ولكن من ربّاه قلبه أسود مرّ علقم كالحنظل. القلوب السوداء هي قلوب ميتة بلا شك. هي لا تفهم معنى الوفاء، معنى المحبة، معنى العطاء. هي لا تبحث عن إسعاد الآخرين. هي لا تفهم سوى لغة النفس ولا تهتم سوى بأنفسها وحسب.

لسان حالها يقول: "أنا ومن بعدي الطوفان." فلا تفرق بين عدو أو صديق، طالما كان في مصلحتها ذلك، فهذا ما يهمها ويفيد. كانت علاقة مريضة، امرأة أحبت بتعلّق وتركت نفسها تمرض وتغلب عليها شيطانها لترتكب أبشع الأشياء، فقط بغرض الامتلاك. إنه الامتلاك المريض الذي لا يترك للإنسان أي شيء بداخله. إنه الأنا والنفس الأمارة بالسوء، إنه البغض والأنانية، صفات بني البشر التي تنهش دواخلنا. أحب فؤاد وأحبت ليلة، أحب البراءة وأحبت الأمان، ولكن لله حكمة في فراقهم. له حكمة فيما حدث، ليدرك فؤاد أن خطأه كان هو عدم اليقين. أليس الله بكاف عبده؟

أليس من الممكن أن يُحب فؤاد حتى لو كان عقيماً؟

ليعيش فؤاد سنين أكل الهم قلبه وغاص المرار بداخله. لتعود له جميلتنا ليلتنا الحالمة، ولكنها لم تعد بمفردها، عادت بوردتين ولا أروع لتهديهما لذلك الفؤاد. ليلتئم فؤاده ويعود ويركع لتلك الجميلة لتلهمه أخيراً مسامحة بقلبها الحنون. لتدفن صفحة سوداء خط فيها السواد وفاح، لتغلق الصفحة بدفن الشر ودفن الظلم. إن الظلم موجع والقهر ينهش القلوب. أزاح فؤاد مرارة الظلم من قلب حبيبته. ربما لن تنسى، ولكنها أكيد ستصالح وتحب. فقلب الليلة دهب صافي خلق للفؤاد، ينام لينضلعَيه، ليصبح أقرب من الوريد، ليصبح فؤاد عاشقاً وليلة حالمة، ليعيش فؤاد أخيراً هانئاً. ليدخل فؤاد الدنيا التي أراد أن يعيشها عن حق، بعد أن كافح إلى أن يدخلها، وهي دنيا ليلة النعماني.

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...