الفصل 20 | من 21 فصل

رواية ليلة النعماني الفصل العشرون 20 - بقلم ميفو سلطان

المشاهدات
23
كلمة
4,514
وقت القراءة
23 د
التقدم في الرواية 95%
حجم الخط: 18

استدعى الحرس مسبقاً وقال لهم: "بصوا بقه عشان اللي هيتقال هيتنفذ بالحرف الواحد. فيلا فيروز هانم العفش اللي فيها كله يتشال، والستاير والنجف. أنا عايزها خرابه وضلمة، عايز اللي يخش يتقبض."

"الشبابيك تتمسمر ويتحطلها أقْفال وحديد، وكل اللي هيبقي موجود في الفيلا بحالها سرير متر في متر يتوضع في منتصف الريسيبشن. المطبخ يتخلع ويتشال، الحمامات أي كماليات تتشال. أنا عايز الفلة على الحيط وأرض ومقفلة وضلمة، والريسيبشن فيه لمبة واحدة، فاهمين؟

وتعملي باب جوه الريسيبشن بينه وبين باب الجنينة بحيث اللي يفتح باب البيت مايشوفش الجنينة. أنا عايز اللي جوه مايشوفش إلا حيطان. وكل ده انهارده، وتجبلي طقم حرس يتحط على الباب وعلى البوابة، وتحطلي كاميرات في كل حتة." ثم رفع السماعة وكلم ليلة وقال لها: "حبيبتي، هو أنتوا كنتوا بتاكلوا فول؟ وإيه اللي وحشني الأكل ده؟ فردت مستغربة: "مرة كشري، مرة بتنجان، ومعظم الأيام فول وطعمية." قال لها: "طب أنا نفسي في الفول." قالت له:

"عيوني." "تسلميلي عيونك وقلبك وكلك كلك على بعضك يا قشطة إنت يا قمر." ضحكت ولم ترد. "طب اخلص اللي في إيدي وبعدين أبقى أجي أشوف اللي هتفطس مني في التليفون دي. أمال لو بين إيديا هتعملي إيه؟ فأغلقت الخط وصدحت ضحكته. ابتسم وأغلق السماعة ثم تحول مرة أخرى وقال: "هتجيب وجبة فول وطعمية وبتنجان أو عدس وكشري دول على الغدا، وحتة جبنة الصبح وحتة زيها بالليل. وشخص واحد بس اللي يخش على الفيلا، إياك حد يخش تاني، مفهوم؟ فقال له:

"حاضر يا فؤاد بيه." أخذ فؤاد زوجته وقرر ترك أمنية والأولاد، فلا يجوز لأولاده أن يحسوا بشيء أو مشاهدة أي شيء. ثم اتجه إلى فيلته ومعه الحرس. وكريم يشدد على يديه وينظر إليه محذراً. "فؤاد." فرد عليه: "عارف يا كريم، عارف إنها عمتي، وده اللي حازز فيا ومانعني أشُقها نصين. عضم التراب ليه خاطر يا كريم، عارف. بس اطمن، أنا بقرص ودانها مش هأذيها، دي برضه عمتي وأشيلها على راسي."

في تلك الأثناء كانت فيروز تذل من بالبيت، فهي سيدته الآن. كانت منتفخة الصدر، متملكة. وظلت تأمر هنا وهناك فيطاع. عاشت يومان ملكة البيت. لم تكن تعلم أن رب الكون سيصب عليها العذاب صباً. وهنا دخل فؤاد وليلة متأبطة يده، وكانت تشع جمالاً. كانت فيروز تنظر إليهم بحقد، ثم ذهب وأجلس ليلة وقبلها وجلس على كرسي مقابل عمته وعيناه تشع حقداً. ودخل كريم أيضاً. وهنا لوت فيروز بوزها والقهرة تنهش قلبها من منظر ليلة وقالت:

"إيه يا فؤاد، نسيت عمتك خلاص؟ فنظرت لها ببرود: "عمري ما هنسيكي يا عمتي، دانتي ليكي فضل عليا." قالت: "ولما هو كده تسيبني يومين لوحدي كده، قلبي بيتقطع عليك وانت بتتفسح؟ ولا حتى تقولي هو أنا عدوتك؟ دانا ممتنالكم الخير." وهنا ضحك فؤاد ورد عليها ببروده الثلج: "أماااال. لا تصدقي، ماليش حق." ثم قال ببرود شديد: "عرفتي يا عمتي؟ مش أنا لقيت اللي عمل فيا كده يا عمتي." وصمت. وهنا أحست فيروز بالرعب.

ظل صامتاً لفترة، كان قلب فيروز سيقفز من مكانه رعباً. قال لها: "طب اهدي، مالك كده؟ ليجرالك حاجة وتطبي ساكتة." فردت مسرعة: "ما تنطق واحكيلي طمني." قال لها: "أطمنك؟ ولوي بوذه. عنيا. دانتي بس تأشري يا عمتي. طلبتي الاطمئنان وهتاخديه يا عمتي زي ما أنا كنت مطمئن بالضبط. افتح يا كريم الشاشة وخد الفلاشة دي عشان عمتي تستمتع بالعرض ده. هيعجبك أوي وأنا عامل فيه شغل جامد." تحرك كريم لينفذ أمر فؤاد.

وهنا بدأت تشاهد منذ بداية تعذيب الدكتور والمشاهد تتوالى وعيناها تتفتح على آخرها بذعر حتى آخر كلمة تصدح في المكان: "عمتك فيروز هانم هي السبب." كانت الكلمة تتردد في عقلها بزعر. كان الصمت يعم المكان لفترة. وفجأة قامت تصرخ وقلبها سيخرج من مكانها وتقول: "كذب كذب، أنت تصدق كده عمتك اللي ربتك؟ مين اللي مأجره الو$خ ده؟ أنت اتجننت؟ دانا أمك إيه يا فؤاد؟ أكيد هيا، أه هيا اللي اجرته، عايزة تبعدك عني الحرباية."

واقتربت منه تمسكه، فمسك ذراعها وغرز أظافره فيها فصرخت حتى كاد أن ينقطع في يديه وقال: "إيدك تلمسني تاني هتحصلي مراحيم العيلة كلهم." فكلمت مذعورة: "فؤاد حبيبي، ابني، أو عي تصدق، أو عي تبعد عني، أموت يا فؤاد." فأشار إلى كريم ليجلسها وهي تقاومه فصرخ بها: "اقعدي بدل ما أقعدك بطريقتي، وأظنك شفتيها وأنا هموت وأعملها." فنظرت إليه برعب: "ست سنين يا عمتي، وجالك الفجر إنك تعملي كده؟ تاكلي في خيري وتطعنيني؟

منيم حية في بيتي عقربة يوم ما تلدغ تلدغ اللي معيشها." صرخت فيه وقالت: "حرام عليك، دانا عمتك." فضحك عالياً: "ضحكتيني يا شيخة. أنا بعدت عن عيالي ست سنين، ست سنين وعيالي ومراتي بيتذلوا وانت نايمة في الحرير. عملولك إيه؟ صرخ بها واتجه إليها ومسكها ويهزها بعنف، وعيناه تخرج جمراً وهي تنظر بفزع شديد. "ست سنين، ست سنين! أنا عملتلك إيه؟ إلا الخير كله، عملتلك إيه يا كافرة؟ كان يصرخ وقلبه سيخرج من مكانه.

"عارفة يا عمتي لو كانوا قالولي أمك طلعت من القبر وعملتها كنت هصدق، إنما انت!!!!!!!! أنت يا عمتي... لا استحالة، خيال والله، دنيا الخيال. لو انت طعنتيني والتفت ولقيت الخنجر في إيدك مش هصدق وهقول دا بيحوش عني. تطلعي انتي؟ ست سنين عملتلك إيه يا شيخة؟ دانتي فجرك عدى الحدود." صمت ليريح قلبه قليلاً وليلة تزرف الدموع عليه.

"عيالي اترموا ومراتي اتبهدلت عليهم ست سنين بياكلوا زبالة والقهر مكلبش في قلبي وقلبها. طب أنا ما صعبتش عليكي؟ ما قلتيش دا هيموت وقلبه بيخرج مكانه. ست سنين شايفاني موطي راسي خزيان، ست سنين قلبي بيتمزع قدامك. ست سنين مش راجل وماشي عيني ما بتترفعش، كسرة الرجال، قهر. ليه ليه؟ طب عيالي لحمي، عادي ترميهم كده؟ ثم رزعها على الكرسي وقال: "ليه يا شيخة، عملتلك إيه؟ وتخطيطك وسمك اللي بختيه ده كله عمايلك انت. قدرتي إزاي؟

قلبي هيقف منك، لله. دانتي في قلبي نجمة، دانتي في قلبي حب السنين، دانتي قلبي وأمي، آخرتها اتمزع كده؟ قلبي ده كان رخيص ووجعي هين." لتنزل دمعة من عينه، ليظل صامتاً ليمسح دمعته ليهتف: "بس لااااا، مش أنا... يبقى إحنا نطلب العدل، ده حق ربنا." كل ذلك وهي تهز رأسها يميناً ويساراً بهستيرية وعيناها كاسات من الدم كأنه الفزع الأكبر.

"العدل بقى إنك تبعدي عن عيالك ست سنين وبعدها نبتدي نعاقبك. ماهو إحنا نعدل الأول وبعدين نعاقب. وبما إن مالكيش عيال أصلاً، واللا إيه؟ أنا يعتبر ابنك، يبقى هتبعدي عني ست سنين، لا تشوفيني ولا أشوفك، وتاكلي نفس اللي بياكلوه ويندعك وشك زي ما اندعك وش ولادي. أمال ماهوه ده العدل. ولو فضلت عايشة بعدها أصلاً، وده أشُك فيه، هتكوني ميتة بالنسبالي، مرمية رمية الكلاب. فيروز هانم هتترمى جنب الزبالة، ماهو ده مقامها."

صرخت فيروز وظلت تلطم على وشها كالمجنونة وقالت: "عايز تبعد عني؟ عايز تسيبني؟ عايز روحي تفارقني؟ لاااا، دانا أموتك وأموت نفسي. كله إلا إنك تبعد." ظلت تدور حوله تلمسه وتتمنى قربه، فهي مجنونة به، كأن أصابها مس. وهو يدفع يدها بعنف. "فؤاد حبيبي، نن عين عمتك. اعمل اللي عايزه. اضربني، يلا موتني، أيوه صح كده، موتني، يلا بس ماتفارقنيش." كانت تهذي كالمخبولة وقلبها سيخرج من مكانه. فاتجهت إلى ليلة:

"قولي له، قولي له، دانا أمه. طب سامحيني، طب معلش، أنا ست خرفت. أنتِ طيبة يا ليلة، قولي له وحياة عيالك. ينفع ياخدوا عيالك من حضنك؟ ينفع حضن فيروز ما يبقاش فيه فؤادها؟ دانا هموت يا ليلة. رجلك أهيه، هبوسها، سامحيني وخليه يسامحني." كانت ليلة بدأت تدمع. ثم جثت فيروز على قدمها تقبلها. "قولي له، هيسمع كلامك، وهيا تصرخ. دا فؤادي بتاعي، ابني." فنظرت ليلة إلى فؤاد تستعطفه. فأشار إلى كريم ليذهب ليبعدها عن ليلة.

أبعدها كريم، فظلت تدور حول فؤاد وتحاول أن تلمسه مرة أخرى. كانت كأن عقلها سيذهب. فصرخ فيها: "والله في سماه لو قلبك خرج من مكانه واتفرفت تحت رجلي ميت حتة، فؤاد النعماني، تربية فيروز النعماني، ماهيرجع عاللي هيعمله. أنتِ متي بالنسبالي." فقالت بجنون: "هموت، هتموتني بحسرتي، هتموتني ببعدك عني. صح عرفت يا ابن النعماني إزاي تقهر فيروز؟ عرفت تبعد روحها عنها وتموتها. يعني إيه خلاص وحبك وسنينك معايا؟ اقترب منها وقال:

"كل ده بخ.. طار يا عمتي. طار مع شفتي ولادي مرمين بياكلوا زبالة. طار مع ضربي لمراتي وأقولها يا خاطية. طار مع ذلي قدام الناس. طار مع بنتي اللي قلبها كان هيقف بسببك. طار يا عمتي وعقلي كان هيطير معاه." وأشار إلى قلبه: "عارفة يا فيروز هانم، عشان انتي اخت أبويا، ده اللي منعني أموتك. آه والله، نفسي كنت أدخل إيديا، أطلع قلبك في إيديا وأهرسه بجزمتي." فصعقت من الكلمة وأشار إلى قلبه:

"بس هنا خلاص، ما عادش فيه حاجة اسمها فيروز. هنا فيه حاجة نضيفة اسمها ليلة." ظلت تصرخ وتشد في شعرها وتبكي كالمجنونة وتقطع وشها إلى أن أدمته وتشهق بالبكاء. "لا يابني، أمك أنا أمك، وأنت بتهزر، أنا عارفة. يلا يا حبيبي، هنروح الفيلا ونبقى عيلة تاني أنا وانت. هزارك تقيل، أنا عارفة، مش كده يا حبيب عمتك؟ لتنظر إلى ليلة بغل: "أنت السبب، ربنا ياخدك أنت وعيالك. خلتيه ينساني." فقال لها:

"أه نسيتك وهنسيكي، وأه نسيت أقولك يا عمتي، مش فلوسك اتسرقت؟ آه والله، الملايين اللي في البنك من خيري اتسرقت." ظلت تلطم على وشها. وقال لها: "لسة لما تعرفي مين اللي خدها." اقترب منها وقال بفحيح: "اللي خدها فؤاد النعماني وخد كل حاجة منك. زي ما كبرك وعملك، هترجعي، هتعيشي عيشة ولادي وليلة الست سنين اللي جايين." أهتاجت فيروز وانقضت عليه لتغرز أظافرها في وجهه قائلة: "لا، دانا وأنت روح واحدة، يبقى أخد روحك وأموت نفسي."

دفعها بعيداً لتسقط على الأرض ثم تقوم ليعاود ويسقطها مرة أخرى. وأخيراً نادته ليلة فلم تعد تحتمل. فأشار لها محذراً ووجهه قد من حديد، فخافت وصمتت. ليس بيدها حيلة. كانت ملقاة على الأرض والأفكار تدور في عقلها كالمجنونة. وهنا اقترب منها وجثى على ركبتيه وهمس بفحيح بارد:

"عارفة يا فيروز هانم، أنا اللي مفرحني إني حاسس بيكي. إن خلعة قلبي وبعدي عن ولادي، أنتِ حاساها. عارف إن بعدي عنك ليه نفس الخلعة بتاكلك وبتحرقك دلوقتي، عارف إن بعدي هينهش بطنك ومصارينك اللي نفسي أطلعهم بإيدي، بس مش قادر. ثم ضحك، صلة رحم بقى وكده." ثم أكمل:

"عارفة يا عمتي، أنا جبت حية كبيرة وربيتها في بيتي لحد ما استفحلت، والحية دي ربت فؤاد النعماني، فلما نهشتي فيه بأنيابك، ما طلعش فؤاد، طلع حنش يرد عليكي. آهو أنتِ السبب يا عمتي، تربيتك واللي ربي خير من اللي اشتري. شكراً إنك علمتيني إزاي أبقى تعبان يلبد لحد ما يرشق نابه في رقبة اللي قدامه. وأديني أهو، إيه رأيك بقه في تربيتك؟ عارفك وحافظك وعارف إيه اللي يحرق كبدك." وقام ورفع يديه ويصفق وظل يضحك.

"تربية فيروز عن حق يا فؤاد يا نعماني." وهي ستنفجر من رعبها وقهرها. كان قلبها يأكلها وأنفاسها تلفظها بأعجوبة. "تربيتك نفعت يا عمتي، كتر خيرك، تربيتك وصنعة إيدك. إيه رأيك، لازم تبقي فخورة بتربية الحية. تصدقي أنا حاسس إن فيه جمهور." وظل يدور حول نفسه رافعاً يديه قائلاً: "ومستني الجمهور يصفق لي. سعيد بنفسي وتربيتك اللي تشرف."

هنا ليلة قد انفجرت من البكاء، فهي طيبة ونادت عليه، فأشار إليها مرة أخرى بتحذير، ثم نادى للحراس وطلب منهم أن يحضروها، وأخذ عمته وهي تصرخ وتمسك في أثاث المنزل صارخة والحرس يشدونها، وهي تعلم أنها بخروجها ستفقد روحها. كانت تتشبث بكل ما تراه وتغرز أظافرها حتى تخلعت بعضها وأصبحت مشعثة وعيناها كاسات من الدم، ورماها الحارس في عربة بمفردها وهي تصرخ وتنظر لفؤاد ظناً منها أنها لن تراه مرة أخرى، والعربة تبتعد وروحها تتسحب منها حتى أغمي عليها.

هنا مسكته ليلة: "لا يا فؤاد، لا صعب." ليتنهد: "ما تخفيش يا قلب فؤاد، هرجعها وآخدها في حضني، بس لما تعرف إن الله حق. دي قرصة ودن عشان ترحملي وتطلعلي حبها تيجي." ركب كريم العربة الأخرى واتجه إلى فيلا فيروز، ليراها نائمة على السرير تشبه الشياطين، مشعثة ومتربة، كانت كأنها خارجة من خناقة رهيبة.

ظل فؤاد ينظر ويتفقد الفيلا فلم يجد فيها منفذاً ولا مخرجاً. الأعلى ظلام تام، لا يجرؤ أحد إلى الصعود، والشبابيك متبرشمة حديد، لا يوجه نقطة ضوء. الحمامات عبارة عن حوض وقاعدة، وباقي الفيلا خرابة. وهناك لمبة في وسط الريسيبشن تحتها السرير الذي تنام عليه تلك فيروز. فأشار للحارس أن يوقظها، فأفاقت لتستوعب أين هي لتصاب بالذعر: "أنا فين؟ دا بيتي... لا دا إيه؟ أنا فين؟ ونظرت لفؤاد: "أنت جيت يا حبيبي." اقترب منها وقال بحقد:

"ده الست سنين الجايين يا يا عمتي." قامت هائجة: "إيه؟ فين بيتي؟ فين بيتي حاجتي؟ وإيه ده؟ خرابة وضلمة؟ ليه؟ أنت هتقعدني هنا يا ابن النعماني؟ اقتربت منه، فؤاد، وهمت بلمسه فزقه بعيداً. ظلت تدور حوله كالمجنونة تتمنى قربه، ولكنه زقها فوقعت، فزحفت حتى وصلت لقدمه. "أبوس رجلك يا حبيبي. ونامت على قدمه. دانا عمتك حبيبتك. طب إيه؟ مش أنا أمك؟

آه أمك. طب سيبني هعيش خدامة. آه أنا خدامة خدامة فؤاد. فؤاد حبيبي رد عليا يابني. هيا يابني هيا اللي فرقت بينا؟ طب خلاص والله اتذليت واتربيت. أنا مجرمة، سامحني. أنا هعيش تحت جزمتك أنت وليلي." ابتعد هنا ساخراً وجثى بالقرب منها وقال:

"ده بعينك، آخر مرة تشوفيني أو تشوفي جنس مخلوق. هتقعدي على السرير ده لحد ما تموتي. وهتاكلي زبالة زي اللي ولادي كانوا بياكلوها، ومش هتشوفي النور. هقعدك في الضلمة عشان أنتِ قلبك أسود من ضلمته. فيروز النعماني على آخر أيامها هتترمي على سرير حديد متر في متر، يترمي لها حتة جبنة. فيروز النعماني بنت الحسب والنسب. أنا عايزك تاكلي نفسك بنفسك زي ما آذيتي ودمرتي ناس مالهاش ذنب. أنتِ أحشائك هتقطعك من جوا. سوادك وجواكي هيطلعوا عليكي، يطلعوا روحك. إنما أنا كده اكتفيت وشفيت غليكي، وأنا شايفة هتتجني وشوية وقلبك بينخلع منك خلع."

وهنا بدأت تصرخ بهستيرية وتمزق شعرها وتنهش وجهها بيديها. "لاااا فؤاد لا، أموت ولا تبعد. لا فؤاد لا، هتسيبني هنا؟ أنا بخاف أبقى لوحدي. فؤاد أو عي تسيبني، روحي بتطلع، مش قادرة آخد نفسي." وهنا تحرك فؤاد نحو الباب، فجريت إليه فمنعها الحارس وهي تصرخ: "يابني! يابني! يا قلب عمتك! روحك بتسيبك يا فيروووووووووز! كانت تصرخ: "يا حتة من قلبي يابناااااااااااي! ويقفل الباب. وقف فؤاد لتنزل دموعه ليحس بقهر وينهشه قلبه، ليتنهد:

"معلش يا حبيبتي، هاجيلك بكرة، بس تكوني حسيتي قد إيه أنتِ وجعتيني، حسيتي إن بعد الضنا غالي، ساعتها هرجعك. أمي وشرك يمشي من جواكي." لينصرف مقهورا على ما فعله. أما هي، ظنت أنه هذه أيامها. ظلت تهذي وتصرخ وترزع في السرير وتخبط على الباب. كان منتظراً ليسمع صريخها. وكلما صرخت يبرد ناره، وكلما زاد جنونها نزل البرد على قلبه. أحس أنه وصل لغايته. وقد فتح الكاميرا ليراها وهي تدور كالَمجنونة وتنده عليه وهو يقول:

"طب ليه يا عمتي، أنتِ اللي عملتي كده بسوادك؟ بعدك عني أكبر عذاب ليكي، بعدك عني هو عقابك في الدنيا." ثم ترك المكان وذهب. جلست فيروز من التعب على السرير وبدأت في هندمة هدومها وحاولت تمشيط شعرها وبدأت بالضحك. "فؤاد... خرج ومشي." وهي... وتضحك. "فؤاد سابني." وتصرخ: "يعني فيروز مش هتشوف فؤادها؟ وتضحك: "يعني كده فيروز ماتت؟ "إيه ده؟ صمتت برهة قاطبة جبينها. "الله يرحمها، ماتت إمتى؟ ردت على نفسها: "مش فؤاد سابها؟ وقامت:

"ماتت محصورة." كانت تتكلم وترد على نفسها بهستيرية. قالت: "يا حبة عيني يا فيروز، أمال تعرفيش فؤاد هيزورها وهي ميتة؟ قالت: "ماعرفش." فصرخت: "إيه ده؟ فيروز ماماتتش، عايشة." فقالت: "أمال مين اللي مات؟ فظلت تضحك وتهندم ملابسها. "ده ابني مات، روحي، حبيبي. يلا هبقى أروح أعزي فيه يا عيني، دا كان عقلي ونن عيني." وهنا بدأت في الصراخ مرة أخرى. "مش فؤاد ساب الولية اللي اسمها فيروز على آخر الزمن؟

دا واطي، تربيتها وما طمرتش. دا عايز يتقتل." فصمتت. وصرخت: "ماتلمي، عايزة تقتلي ابني؟ لا، دانا أموتك وأموتكو كلكو." وظلت تضرب وجهها وتلطم. قامت وظلت تقطع في المرتبة وتصرخ: "فؤاد! وأخرجت ما بها وكانت تبعثره وتضحك. كان منظرها كأن شياطين العالم تلبستها وكانت تخبط على الحديد ولا تحس بالدماء وهي تقول: "فؤااااد... مرت فترة ما بين الصراخ والكلام، ثم جلست وظلت تتكلم في هدوء مريب. "إيه يا فيروز هانم، مالك ملخبطة كده؟

وبدأت بالجلوس على الأرض وتلم فتات القطن وتقول: "أما أعمل حاجة لحبيبي يقعد عليها، آه. ماهو جاي." وبدأت تضع القطن على رأسها. "أيوه هعمل هانم، مانا هانم. اقعدي استني الواد." ومشطت شعرها والدماء اختلطت به. وجلست تغني: "وفي دنيا غير الدنيا." وقد ذهب عقلها لبعدها عنه. وكان هو يعلم أن غرزته ستصيب، وفعلاً أصابت قلب وعقل عمته الذي هو كان بداخلهما، متربعاً على عرش قلبها وعقلها.

رجع فؤاد إلى بيته وهو منهك وكانت ليلة تنتظره، فاقتربت منه وجلست بجواره. "ارتحت كده؟ رد عليها: "ليلة... قلبي مش مستحمل، الله يخليكي." ليصعد لينام وهي معه. لياخذ حماماً وذهب إلى السرير ولكنه سحب ليلة معه وقال: "تعالي، هنام على رجلك، تعبان." أخذته على رجلها وظلت تعبث بشعره إلى أن نام على الفور. وبهدوء تسحبت ووضعت مخدة وتركته ينام بعمق. في الصباح استيقظ فؤاد وكان قد استعاد جزءً من روحه وزال تعبه. لتدخل عليه ليلة مبتسمة:

"صح النوم، جبتلك الفطار." ابتسم وقال: "إيه الرضا ده كله؟ قالت: "ما كنت أرضى عن فؤادي، هرضى عن مين." اتسعت ابتسامته وقال: "ده إيه الصباح الحلو ده؟ هتبتدي تندع والا إيه؟ قالت بأمر: "الأكل يتاكل كله، وهحضرك هدومك وننزل نشوف العيال." أنهى طعامه ولبسه ونزل فاستقبله الأولاد بالتهليل فسعد بهم.

ومر بعض الوقت ليتصل حارس فيروز ويخبره أنها لم تقف عن الصراخ طول الليل والتحدث مع نفسها ولم تأكل شيئاً حتى ذهب عقلها وأن فيروز لم تعد تعي شيئاً حولها وأنها تهذي باسم فؤاد فقط وأنها تظل تمزق ملابسها وأنهت على السرير تماماً. فهب مسرعاً، فهي مهما كان عمته. فقال له أنه سيحضر الطبيب ويأتي.

هم فؤاد وذهب وفتح على فيروز فلم تتعرف عليه ورآها تضحك وتكلم نفسها وأحياناً تلطم على وجهها وتشد شعرها. شعر بالأسى عليها، فهي من ربته في الآخر. فرفعت نظرها إليهم صارخة: "ما جبتوش الواد اللي اسمه فؤاد ليه بس؟ أما أشوفه هبهدله الواطي." واقتربت تهجم على الحارس الذي كان معها ويدخل عليها طول الليل تحاول أن تمزق ملابسه. هنا اتجه الطبيب وقال:

"إنها حالة من الجنون الخطر، ولابد من مصحة، لأن هناك خطر على حياتها. فلابد من المراقبة لأنها من الممكن أن تفعل أي شيء جنوني." استسلم فؤاد، فلم يكن بيده شيء. وهنا انتقلت فيروز إلى المصحة، وهي تصرخ باسم فؤاد، فعمتها لم تحتمل بعده يوماً واحداً، فهي كانت مريضة به، حب التملك. وكان هذا أقصى عقاب لها لأنه روحها وسلبها منها.

وما إن وصلت المصحة حتى كانت في حالة صمت مطبق، وكان كل من ينظر إليها يتحسر على تلك السيدة. حتى كانت تنظر إلى أيامها معه وهي تغنجه وتدلله وتجري وراءه وهو أمام عينيها يجري. وهنا قامت فجأة بدفع الممرضين واتجهت تجري وفي مخيلتها فؤاد الصغير يجري أمامها، فقابلتها حائط السور لترمي نفسها لا إرادياً من عليه لتنزل جثة هامدة.

لينتهي بذلك فصل من فصول الشر في حياة فؤاد ويتحقق العدل الإلهي في حكايته، ليعود الحق لأصحابه ويبرد نار كل مظلوم. لتتوقف معاناة عائلة لم تذنب في شيء، وكان ذنبها أنها أحبت بعضها. ولتبدأ أول مراحل اندمال الجروح، ولا يعلم إلا الله متى ستندمل إلا برحمة من الله وجبراً لقلوب العباد. فالشر في الخيال دائماً ما ينتهي ويبرد نار المظلوم. أما في واقعنا هذا، نتمنى أن يحدث ذلك في الواقع. لكن لله حكمة في ذلك مما يراه العباد من ابتلاءات.

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...