تحميل رواية «ليلة النعماني» PDF
بقلم ميفو سلطان
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
البنت بقالها أسبوع ولازم تعمل عملية. يا بنتي روحي لأبوها، معاه فلوس تهد جبال. لتهتف ليلة بقهر: انت شايفه كده يا خالتي؟ لتهتف السيدة: آه يا بنتي، هيحن وييجي يدفع. قوليله على بتاع اللي بيعملوه، يعملوه، إن كان فاجر كده هيلاقي الحق وييجي يدفع. لتظل ليلة جالسة تتذكر سواد أيامها مع ذلك الجاحد الذي غرز غرزته ورماها كالخرقة البالية، ينهشها الكل وتدعكها الأيام. لتشحذ همتها وتأتي على كرامتها من أجل طفلتها التي ستموت منها، لتقرر أن تذهب إليه. *** قامت ليلة بأمر، لتذهب إلى شركة فؤاد. لتدخل وقلبها يتمزق، تتج...
رواية ليلة النعماني الفصل الحادي عشر 11 - بقلم ميفو سلطان
اقترب كل من ليله وفؤاد من جميله ومراد.
قالت ليله: "في حاجة مهمة يا أولاد عايزة أقول لكم عليها، وأنا كنت مخبية من فترة، خلاص لازم تعرفوا إن..."
لتتشجع، قالت ليله: "أنا وفؤاد كنا بقى لنا فترة متخانقين عشان أسباب أنتم صغيرين لسه ما تعرفوش عنها حاجة، زعلانين من بعض، بس هو لما عرف إن جميلة محتاجة عملية نزل بسرعة عشان يبقى جنبنا. حبيت أقول إن فؤاد يبقى يبقى... بابا."
سكت مراد ولم يتكلم، ولكن جميلة ابتسمت واتسعت ابتسامتها وطلبت من والدها أن يقترب، ثم قبلته قبلة طويلة واحتضنته.
قالت جميلة: "أيوه أنت بابا وأحلى بابا، وأنا مبسوطة إنك بابا."
حملها فؤاد وظل يقبلها ودموعه تنزل من عينيه بغزارة.
ليرجف قلب ليله، ومراد ينظر إليه بتوجس.
قال فؤاد: "إيه يا مراد مش عايز تقول حاجة؟"
هتف مراد: "مش عارف."
قال فؤاد: "يعني مضايق؟"
قال مراد: "لا."
فأكمل فؤاد: "طب حاسس بإيه؟"
فقال له: "ماعرفش."
هتف فؤاد بحنية: "طب ممكن تديني فرصة يا مراد أقرب منك؟"
فأومأ له واقترب مراد من أمه.
فأمسكت يديه، كانت تعلم أن مراد لا يظهر مشاعره بسهولة.
فأشارت لفواد أن يتغاضى عن ذلك.
ثم نظر فؤاد بخبث لليله وقال لها: "وانت يا ماما مش مبسوطة إننا رجعنا متصالحين يا قلبي؟"
فاتجهت أنظار أولادها إليها.
فكزت على أسنانها واضطرت أن تتصنع الابتسام وقالت له: "طبعًا يا فؤاد مبسوطة."
هتف فؤاد بمرح: "شوفوا يا أولاد أمكم، أقلها يا حبيبتي ويا قلبي، ودي تقولي يا فؤاد."
نظرت بغضب.
قالت مندفعة: "أمال أقولك إيه؟"
قال لها بمشاكسة: "قولي يا قلبي يا فؤوش يا حبيبي، مش فؤاد ناشفة كده."
هنا تدخل مراد وقال: "آه يا ماما، هو يقول لنا يا حبيبي، وانتِ كمان قوليله، يلا يا ماما قولي."
اقترب فؤاد وشال مراد ووضعه على كتفيه وقال: "اسمعي كلام ابنك."
نظرت إليه مصدومة وقالت له متوعدة: "ماشي يا فؤاد."
فقال له رافعاً إصبعه ومشيراً بحاجبه على مراد: "ياااايه."
فلوت فمها وقالت: "ماشي يا قلبي."
هنا هلل فؤاد وظل يقفز بابنه.
سمعت: "يا واد، بيقولك إني قلبها، يادي الهنا."
وقال في سره: "إن شاء الله هيبقى والله، بس اصبري عليا يا قلب فؤاد من جوا، دانا فؤاد النعماني."
ليعود ويهلل مع أولاده.
و مراد بدأ يندمج معه، فهما نفس الشخصية.
قال فؤاد: "إيه رأيكم نحتفل ونجيب بيتزا؟ مين عايز بيتزا؟"
فرح كل من مراد وجميلة.
وسألهم: "طب بتحبوها بإيه؟"
فأطرقت ليله وجهها لأنهم لم يأكلوا البيتزا نهائيًا.
"بأي حاجة." قالت بسرعة.
فطلب لهم من جميع الأنواع وظلوا يأكلون ويضحكون وأبيهم يداعبهم، وخاصة جميلة، فأصبحت تلتصق به كجلدها.
إلا أن ليله كانت بعيدة، كانت مقطبة جبينها.
لتمر أيام وأيام ليتشبع الأولاد بحنية ذلك الفؤاد الذي خلع فؤاده وعاد إليه بعودتهم، ليصب حنانه عليهم حتى التصقت به حوريته الصغيرة.
وأحس أن ابنه أصبح لا يرهبه، بل الأكثر أحس أنه سيكون حليفًا له.
ليأتي يوم والأولاد ملتصقون بأبيهم.
حينها نظر مراد إليها وقال: "ماما تعالي اقعدي جنب بابا، قاعدة بعيد ليه؟ مش اتصالحته خلاص؟"
قال فؤاد في سره: "ابن أبوك والله، قول يابني قول، دانت وقعتلي من السما، هييييح."
قالت ليله: "لا أبدًا يا حبيبي، مفيش مكان، بس السرير صغير، سايباكو براحتكم."
هنا قام مراد وقال لأبيه: "تعالى يا بابا كده شوية، وانت يا جميلة اتلحلحي، تعالي يا ماما، فيه مكان أهو، اياكي تقعدي لوحدك تاني، مش بابا قال البنت لازم تدلع، وجميلة مش هتاخد كل الدلع."
وهنا أخرجت له جميلة لسانها مرة أخرى، فقبض مراد وتجاهلها وقال: "لازم بابا يدلعك شوية برضه."
كان فؤاد صدره منتفخ من السعادة وأراد أن يحضن ابنه لأنه يقول درر من فمه.
وعلم أن سر رجوع ليلته هو مراد.
فابنته طيبة مثل أمها، أما ابنه فهو نسخة منه، يتمتع بالصلادة والخبث، كما أنه سهل المعشر مع أمه، وتننقاد إليه وتستمع له.
وهنا ليله شعرت بأن جسمها تحول لكتلة نار من الخجل، واضطرت أن تستجيب لابنها، فهي فعلاً تنقاد إليه، فهو كسند لها، طفل عجيب يحرك المكان بطريقته الخاصة.
قامت وجلست على حرف السرير بجوار فؤاد.
وطلب مراد أن يأخذوا صورة معًا.
وهنا انضموا جميعًا، وأخرج فؤاد تليفونه وبيده الأخرى ضم ليله وبينهم أولادهم، وكانت صورة أكثر من رائعة.
هنا قامت ليله على الفور وخرجت من الباب.
وجلس فؤاد يداعب أولاده ويحضر لهم أشياء من الثلاجة ليأكلوها وهم سعداء.
وعندما عادت ليله، قال مراد: "بابا هو أنت عايش فين؟"
قال له: "أنا لسه جاي واشتريت بيت نعيش فيه كلنا."
نظرت له ليله نظرات مميتة، ولكنه أصر أن يكمل، فأولاده هم من سيجعلون أمهم تخضع له.
"وفيه بسين وزرع وورود."
صفقت جميلة من الفرحة وقالت: "طب هنروح امتى ونسيب القوضة بتاعة السطح؟ دا أوضة سقعه وبتسقط ميه علينا."
هنا لم تستطع ليله أن تمكث أكثر من ذلك وخرجت مندفعة من الغرفة.
اقترب مراد من أخته وقرصها في يدها قال: "كلامك وحش دا بيتنا وبيت ماما وماما بتحبه."
قرر فؤاد أن يخرج إلى ليله ليعلم ماذا سيفعلان.
خرج فؤاد ليجدها تبكي.
وما إن أحست به، مسحت دموعها سريعًا والتفتت إليه غاضبة وقالت: "هو أنت مش ملاحظ إنك مزودها؟ بيت إيه اللي هنروح نعيش فيه؟ البيت اللي رميتني منه؟ أنت بتحلم!"
قال لها: "لا، دا بيت تاني بجهزه ليكوا."
فهتفت حانقة: "فؤاد، أنت ناوي على إيه؟ أنا ما عنديش استعداد أخسر حياتي وشغلي."
فقال فؤاد: "أولًا، لازم الأولاد يتنقلوا باسمي، ودي أنا هتصرف فيها في خلال يومين بالضبط هيبقوا ولادي."
فتحت عينيها على وسعها: "قول كده عشان تاخدهم مني صح."
لم يرد عليها وأكمل: "ثانيًا، أنتِ بتقولي مفيش، إحنا بس، فيه ولادي، وأنا ولادي لازم يتهنوا بخيري، مش معقول هيفضلوا على السطوح وأبوهم معاه تلال فلوس."
نظرت إليه شذراً وقالت: "مش بالفلوس على فكرة، ياما ناس معاها فلوس وماتربتش."
قال لها: "شكرًا يا ستي، بس أنا ولادي خلاص هاخدهم في حضني والقرار ليكي."
لتصرخ: "يعني إيه هتاخد ولادي مني؟ دانت بتحلم، دانا أقتلك بأيديا."
اقترب منها وقال لها بحب وهيام: "وأهون عليكي إيديكي الحلوة دي تقتل واحد قليل زي أنا؟ دانا ببقى جنبك ومفيش خالص، عجينة، خديها اعملي بيها اللي تحبيه."
ارتبكت وقالت: "بقولك إيه، أنا مش عايزة كلام من ده، وتتعدل وانت بتكلمني."
هتف فؤاد بشدة: "بصي من الآخر، ولادي هشتريلهم فيلا وأجهزها، وأنتِ ليكي الحرية تقرري."
فهتفت: "لا، مش حرية، أنت بتلوي دراعي."
نظر إليها وقال: "خليكي موضوعية، تتمني ولادك يخشوا أحسن مدارس ويعيشوا في أحسن مكان؟ تتمني إيه؟ وإلا يكملوا فوق السطوح."
ظلت صامته تشعر بالقهر، تعلم أنه محق.
ليتنهد: "عارف وحاسس، ونظراتك بتقول، بس فكري فيهم."
لتنظر إليه بسخرية: "أفكر فيهم؟ لا حلوة."
فقالت: "أوكي، بس أنا بره الحسبة، هكمل في شغلي، وأنت ليك ولادك وبس."
ليهتف بهدوء: "اسمعي يا ليله، عايزة تشتغلي، أجيبلك شغلانة محترمة، إنما دي خلاص، أولادي ماينفعش أمهم تبقى..."
صرخت فيه مقاطعة بقهر: "تبقى إيه؟ مالها أمهم؟ انطق!"
"أمهم شافت الذل، أمهم اترمت مدبوحة في الشارع."
كانت تتكلم وتخبط على قلبها من الوجع.
"أمهم اتقالها انتي جايبة ولاد من الحرام ونمتي في الحرام، وانضربت واتهانت، وبرضع ما متتش."
"أمهم اترمت في مستشفى، جه الغريب حن عليها، مكسرة ومحصورة، جابولها فرشة تنام عليها على سطوح أوضة سقعه وضلمة."
"نزلت أشيل كراتين وأنا حامل وبطني قدامي، اشتغلت شفتين عشان أجيب فلوس، بعت عفش أمي عشان أجيب لولادك اسم عشان ما يبقوش ولاد حرام."
"كنت بصعب على الناس من غلبي، ولادك ماعرفش طلعوا شبعانين إزاي عشان ربنا عالم أنا شفت ذل قد إيه."
"أنت جاي تقولي أمهم؟ أمهم كانت بتنام كل يوم معيطة من القهر، أمهم ربتهم بتعب وكد."
"أمهم نزلت الدنيا لوحدها، ما معهاش إلا ربنا، واتعرضت لقرف الدنيا، أمهم كانت بتنضف أرضيات حمامات، وسيادتك نايم في الفلل والقصور."
كانت غاضبة بشدة، وضعت يدها في وسطها.
"قولي مالها أمهم؟" وأقتربت منه وخبطت على صدره.
كان متأثراً والدموع تترقرق في عينيه.
اقترب منها وقال بهيام: "أحلى وأجمل وأجدع أم في الدنيا وربنا، أم تشرف أي حد ورأسه تبقى مرفوعة في السما."
ثم نزل برأسه قرب وجهها وقال: "بس لازم تعقلي شوية وتبصي لمصلحة ولادها، ليله أنا عارف إنه صعب عليكي، بس أنتِ بتعملي للعيال، ولادنا يا ليله."
"البنت هتبقى أميرة وابني هيبقى برنس، وهو بصراحة برنس في نفسه."
"كمان فيه حاجة تانية، واهدي كده."
"لازم نرجع لبعض."
وهنا لم تستطع ليله الصمود أكثر من ذلك وانطلقت تضحك بهستيرية.
فقطب جبينه.
قال لها: "ضحكتك أوي."
نظرت إليه وقالت له: "انت عقلك فيه حاجة يا فؤاد بيه؟ رجوع إيه ومين اللي يرجع لمين؟"
نظر إليها وأكمل هو: "أيوه، أمال هقعد مع ولادي بصفتي إيه؟ أنا هعيش مع ولادي، مش هزور ولادي، ودا اللي عندي، وأنت حرة، عايزة تعيشي معايا من غير جواز، انت حرة، بس هيبقى شكلك مش ولابد والعيال هيقولوا إيه."
"ابنك مراد لسانه متبري منه، ألا تعرفيش لسانه دا جايبه منين؟ مش هيسكت، وساعتها هقول ماما مش راضية."
لم ترد عليه ليله وتركت المكان.
فهتف بها: "مستني ردك عشان كلها كام أسبوع ونروح بيتنا."
وأكمل في نفسه: "نروح بيتنا يا قلبي من جوا، وساعتها هتبقى حلالي وهوريك من العشق أنواع، بكرة تعرفي قد إيه أنا ندمان على اللي عملته وإنه كان غصب عني، واللي عمل كده رقبته مش هتكفيني فيها حاجة."
اضطر فؤاد أن يرجع الفيلا ودخل وقبل يد عمته وجلس واستند وأغمض عينيه وابتسم.
وأخرج الموبايل وسرح في الصورة.
فنظرت إليه فيروز بتوجس وقلبها يرجف: "مالك يا حبيبي قلي؟"
"هقولك يا أمي، أخيرًا رجع فؤاد النعماني بتاع زمان، الإنسان، فؤاد اللي بيحس، أنا حاسس إني ملكت الدنيا وما فيها."
وهنا بدأ يقص عليها ما حدث معه.
ظل يحكي وكلما استمر تحس فيروز بالنار في قلبها وبدأت تتعب.
وظلت تشهق.
قام على الفور وأعطاها ماء.
"عمتي، عمتي، مالك يا حبيبتي؟"
استجمعت نفسها بصعوبة وقالت له: "مفيش يا حبيبي، الصدمة بس."
"طب الحمد لله إن ولادك رجعوا لحضنك يا قلب عمتك."
قال لها: "طب أنا هطلع أغير وأرجع تاني، عايزة حاجة؟ معلش مقصر معاكي."
قالت له: "بالسلامة يا غالي."
ذهب فؤاد وانتفضت هي من مكانها وانتظرت حتى انصرف فؤاد ولبست وذهبت إلى المركز واتفقت مع الطبيب أن يسافر ويختفي أو يذهب لمكان لا يعرف عنه أحد، وأعطته مالاً كثيراً لأن لو عثر عليه فؤاد سيقتله.
وهنا سيعرف أنهم السبب.
أحست بقبضة في قلبها: "لا لا مش ممكن، دانا أموت، دا يبعد عني ويرميني، لا دانا أقتله وأقتل نفسي."
"لا لا يا فؤاد مش ممكن تعرف."
وانصرفت بعد أن رتبت كل شي.
عاد فؤاد إلى المشفى ليجد جميلة نائمة والدكاترة اطمئنوا عليها، ومراد يجلس ومعه عصير، وليله راكنة رأسها على الأنتريه ومغمضة عينيها.
عندما دخل، أشار له مراد أن يصمت ويأتي بجواره.
جلس فؤاد بجوار ابنه فقال مراد هامساً: "بابا، هو أنت لسه زعلان مع ماما؟"
نظر إليه بدهشة وقال له: "أنا مش زعلان، بتسأل ليه؟"
قال مراد: "عشان ماما شكلها لسه زعلان، أنا حاسس إنها مش بتتكلم معاك خالص وأنا خايف تزعلو تاني وتمشوا وتسيبوا بعض."
هتف فؤاد بحب: "عمري ما همشي وأسيبكم تاني يا قلبي، وأه ماما لسه شوية وبمساعدتك يا بطل ترجعها معايا وتصالحها عليا."
قال له: "خلاص يا بابا، بس أوعى تقلها عشان ماما بتثق فيا وكده هيبقى شكلي وحش، أنا مش أهبل زي جميلة، وانت كبير بقى وبتعرف حاجات البنات دي، اعملها، أقولك ماما بتحب الورد، هاتلها ورد، اتلحلح يا بابا."
نظر إليه مصعوقاً: "اتلحلح؟"
ليهتف: "طب أقنعها يا مراد، نرجع كلنا الفيلا ونقعد مع بعض؟ وتقعد هي من الشغل؟ ماشي."
هتف مراد مسرعاً: "أوك، اتفاق."
ليهتف فؤاد بسعادة: "اتفاق يا قلب أبوك، دانت حبيبي يا مودي والله."
هنا وقف مراد محذراً أبيه: "إيه مودي دي؟ أنا مش عيل صغير، أنا مراد فؤاد النعماني، وإلا إيه؟"
قال له أبيه بفخر: "دا إيه وايه وايه؟ أنت كده إزاي يبني ماشاء الله."
"طب يلا، آسف يا مراد باشا."
هتف مراد: "ماشي، عفوت عنك."
فضحك فؤاد وقال له: "طب قوم نام بقى يا لمض."
قام مراد ونام على السرير.
جلس فؤاد بجوار ليله يتأملها بهيام وحب.
ظل أكثر من ساعة يحدق بها.
فاخرج هاتفه والتقط لها عدة صور.
وهي كل حين وحين تتنهد وهي نائمة وأحياناً تئن.
كان قلبه يحثه على أن يقترب.
اقترب منها ووضع يده على شعرها يتلمسها، ثم امتدت يده لا إرادياً ليلامس خدها.
ليهمس: "وحشاني يا قلب فؤاد، نفسي أخودك في حضني أداويكي."
ليقترب ويقبل خدها بهدوء: "بحبك."
لتتململ وتسقط على صدره ليحاوطها بيديه وقلبه يرفرف.
ليتنهد: "يا رب ما تصحى."
ليظل يداعب شعرها ويقبل رأسها ويسمعها من الحنان ما فاض.
ولكنها تململت.
وهنا فتحت عينيها لتجده أمامها فانتفضت وقالت: "إيه؟ فيه إيه؟ أنت قاعد كده ليه؟"
هتف بسخرية: "وأقعد إزاي؟ عرفيني اللي بيقعدوا بيبقى شكلهم إيه."
شدت نفسها، أشاحت بوجهها ولم ترد.
فقال لها: "يلا قومي على السرير عشان عايز أنام."
قامت غاضبة من سكات لتنام وأعطته ظهرها.
وظلا مستيقظان يفكران في بعضهما لوقت متأخر.
هي تفكر كيف تصده وتقف أمامه، فهي تحس أن قلبها سيخونها.
وهو يفكر كيف يلين رأسها الحديدي هذا ويرجعها إلى حضنه مرة أخرى، حتى غفا في النوم.
مرت الأيام وتوطدت علاقة فؤاد بمراد وأصبح صديقاً له.
أما جميلة فأصبحت حوريته المقربة، لا تفارق حضنه أبداً.
وفي يوم نظر مراد لأبيه وغمز له وقال: "ألا هو يا بابا، لما أنا وجميلة وماما نروح الفيلا، هتسافر وتيجي ولا هتعيش معانا؟"
قال له: "لا طبعًا، هنعيش كلنا."
كانت ليله تغلي بداخلها ولا تعلم ماذا تفعل.
كانت كمن يُساق أمامهم دون أدنى مجهود من فؤاد.
ليهتف مراد: "ماما، أنتِ هتسيبي الشغل امتى؟"
قالت له: "وأسيبه ليه؟"
قال لها: "عشان بابا معاه فلوس وهو أبونا وجوزك، وأنتوا ماعدتوش زعلانين، يبقى لازم تقعدي وتتدلعي زي الستات اللي بنشوفهم في التليفزيون، مش كده يا بابا؟"
قال له: "يبني دانا هموت وأقعد وأدلعها للصبح بس ترضى. أمك دماغها ناشفة ومغلباني."
كانت تنظر له بغضب وتكز على أسنانها.
فقاطعهم مراد وقال: "عارف، طلعالي، مانا دايماً بتقولي دماغك ناشفة."
اقترب منه مراد وحضنها وقال: "ماما، أنتِ تعبتي، ارتاحي بقى."
هنا انهمرت دموع ليله لفرط إحساس ابنها.
ولا شعورياً قالت: "زي ما تحب يا حبيبي، أنت تأمر."
هنا انشرح قلب فؤاد وحمد ربه على وجود طفل كمراد بهذه العقلية.
نظر مراد لأبيه محذراً وقال: "وأنت متزعلهاش ودلعها كتير، وسيب البت جميلة دي شوية، مش هيصة هي."
قال له: "بس كده، دانت تأمر يا مراد باشا."
في تلك الأثناء كانت العقربة الشمطاء كل حين تتصل بفؤاد لتطمئن عليه.
وكانت ليله تستمع لهم في بعض الأوقات وكانت تقطب جبينها وفؤاد يلاحظ ذلك، فهي لا تحب تلك المرأة.
مر بعض الوقت.
بعد فترة اقترب فؤاد من ليله وقال: "ها، قررتي؟"
كانت تعلم أنه لن يتركهم وهي لن تمكث معه بدون عقد شرعي، وتعلم أن هذا مصلحة أولادها.
قالت له: "شوف بقى، أنا عارفة إنك بتضغط عليا بولادي وأنا مجبرة أوافق."
ابتسم فؤاد واتسعت ابتسامته، لأنه فهم أنها ستوافق.
كان فقط ينتظر موافقتها، ثم سيفعل المستحيل عندما تكون حلاله.
سيجعل عشقه يتغلغل في قلبها.
سيجعلها أميرة على عرش قلبه.
سيلتصق بها حتى تستسلم لحبه.
قالت: "أنا موافقة اتجوزك بس بشروطي، وأول شرط..."
رواية ليلة النعماني الفصل الثاني عشر 12 - بقلم ميفو سلطان
انتي موافقة يا فؤاد إننا نرجع.
كانت أول مرة تقول له فؤاد. أغمض عينيه يستمتع باسمه من بين شفتيها وصمت قليلاً. ولكنها قطبت جبينها وقالت: فؤاد.
فؤاد.
ليهتف بحب: سمعت يا ليلة والله وقلبي بيطبل.
فتح عينيه ونظر لها بحب شديد فارتبكت. أشاحت بوجهها وقالت: أنا ليا شروط.
هتف بحب: أؤمري يا قمر وأنا أقطع نفسي كده قدامك.
نظرت إليه غاضبة: بقولك إيه اتعدل في الكلام، إحنا مش جايين نحب في بعض.
قال لها: فعلاً ما عنديش حق. مرة تانية كملي.
هزت رأسها مستنكرة وقالت: بص بقى، أول شرط مالكش دعوة بيا. أنا حرة.
قطب جبينه وقال: حرة إزاي يعني؟ أركب قرون ما ركبتش قبل كده، والله إلا أنت جايبهم هتركبهم لي جاهزين.
فهتفت بحنق: ماتحترم نفسك شوية، أنت دماغك شمال.
اقترب منها وقال: هو فيه أحلى من الشمال بس بالحلال والله.
غضبت وهمت أن تنصرف وقالت: لا أنا ما أعرفش أتكلم كده.
مسك يدها فسحبتهم بسرعة كأن لسعتها الكهرباء وقال: خلاص يا ستي. فهميني.
قالت: يعني جوازنا على ورق صوري يعني. مالكش دعوة بيا ولا تقرب مني. أنت في حتة وأنا في حتة. تنساني خالص.
قطب جبينه لأنه كان متوقع ذلك. قال لها: ماشي يا ليلة، مع إن دي حقوقي. بس أنا عمري ما هقرب لك غصب عنك. مش أنا يا ليلة. بس أنساكي إزاي وأنت حتة من قلبي. يا رب صبرني.
نفخت مستغفرة وقاطعته: لا وتبطل كلامك ده.
فقاطعها: أنت عايزة تشليني صح؟ يبقى لا كلام ولا فعل. ارحميني بقى.
أشاحت بوجهها وأكملت: فيه حاجة مهمة، ولادي ليا كل الحق في اتخاذ قرارات. يعني ماتروحش تعمل حاجة من غير ما تقولي.
قال لها: ماشي يا ستي. ها لسه إيه؟ قولي قولي ماتتكسفيش زي جوزك برضه.
لتهتف: عايزة أشتغل وأصرف على نفسي.
قال لها: حاضر. أول أما أقلب سوسن هخليكي تصرفي على نفسك.
لتقول بحنق: أنت بتهزر.
ليهتف: ماهو الكلام بالعقل. عندك عيلين وزوج صحيح على الورق. 😏😔 بس ليا طلبات تانية وبيت. وأنا عندي فلوس متلتلة وآخرتها نفسك تخليني سوسن وأخلي مراتي تلف تشتغل عند الناس. أنا وافقت على كل شروطك ده استحالة، فاعقلي كده.
تنهدت وقالت له بغيظ: وأبقى تحت رحمتك مش كده؟ تذلني زي ما أنت عايز. آه ما أنا لا أهل ولا فلوس. ماشي.
رد عليها متوجعاً: يبقى يوم موتي لو عملت كده يا ليلة. أنا مش واطي. أنا اتطعنت في ضهري. بس شغل بره البيت لا وألف لا. أنت تقعدي هانم، لا أميرة وقلبي يجب لك اللي تعوزيه تحت رجلك.
رفعت شفتيها بسخرية وقالت: ماشي.
كمان بقى البيت اللي هنبقى فيه يتكتب باسم ولادي.
قال لها: عنيا الاثنين. وأيديا تمضي وتبصم. ولو عايزة تكتبيني معاهم باسمكم أنا جاهز. والنبي خديني فوق البيعة، هقعد مؤدب.
أحست بالغيظ. ما كانتش عارفة توجعه إزاي، فتذكرت عمته فقالت له: وعمتك؟ أنا ماليش دعوة بيها.
قطب جبينه وقال: يعني إيه.
لتهتف: يعني كل واحد في بيته. عايز تبات معاها أنت حر. إنما أنا البيت هيبقى ليا ولولادي.
ليهتف بوجع: أنت عايزاني أسيب عمتي لوحدها يا ليلة؟ وهي مالهاش غيري وهي ست كبيرة.
قالت له: كتر خيرك أنت وهي السبب. مش كانت بتسخنك عليا.
فهتف بوجع: عمتي بتحبني يا ليلة وبتغير. بس استحالة تأذي حد.
قالت له: ده اللي عندي. غير كده لا.
قال لها: بس أنا كمان عندي شروط.
قالت له: نعم. وده بتاع إيه إن شاء الله.
قال لها: ما أنا برضه لازم أتكلم وإلا هطق.
فهتفت: إيه. اتفضل قول.
ليقول بوجع: ليلة، أنت لازم تعرفي أنا عملت كده ليه. أنا عشت أيام بتتقطع وأنت بعيدة عني.
قاطعته وقالت له: بقولك إيه أنا مش عايزة أسمع.
قاطعها: لا هتسمعي. أنا شايل جبل على صدري. أنا حاسس إن راسي في الأرض ومش عارف أرفعها. أنا صدري هينفلق نصين.
وبدأ في سرد ما حدث معه حرفيًا. وكلما أكمل تنظر له بذهول. وعندما انتهى كانت الدموع تغرغر في عينيه وعينيها.
أنا اتعذبت قوي يا ليلة، مش أنت لوحدك. أنا اتهنت واتمسحت كرامتي وحسيت إني مش راجل. وما أعرفش ليه ومين عمل كده. أنا كنت بقطع لما أشوفك فرحانة ومعايا وعارف إنك مش هتبقي أم. كنت أناني. بس أموت ولا أبعد عنك. أنا حسيت إني ماليش لازمة. فاهمة؟ حسيت إني ولا حاجة. فؤاد النعماني بجلالة قدره مراته تعمل فيه كده. لما عرفت بحملك كنت زي المجنون. ولولا إنهم شالوكي من تحت إيدي كنت موتك. ليلتي أنا بتاعتي؟ تعمل كده؟ وليه؟ قعدت سنين بقطع وأقول عشان غشيت يبقي تستاهل تتغش. أنا قعدت قافل على نفسي سنة. بقيت مجنون وشكلي بقى مرعب. لولا كريم خرجني بالخناق كنت واحد تاني. اتحولت لوحش مابيرحمش. كنت وحش قوي يا ليلة. ومش عارف ليه؟ دانا عمري ماغضبت ربنا وماليش في قلة الأدب والشغل الشمال. وشايل عمتي على راسي. أنا يا ليلة كنت هجنن. حبيت واحدة بجنون تعمل فيا كده؟ وليه يتعمل فينا كده؟ أنت نسمة وما فيش منك. ليه نتأذى كده؟ لا اعتراض على حكمك يا رب. بس أنا اتربيت يا ليلة. فؤاد النعماني اتربي عن حق. وراسي اندعكت في الأرض وشي بقى في التراب. كنت مابرفعش عيني في الحرس بتوعي واعتزلت الدنيا. حتى عمتي بعدت عنها. عرفت إن الإنسان لما ينكسر بيبقى ولا حاجة. فيه ربنا هو الكبير. وإحنا مجرد أدوات على الأرض.
أحست بوجع في قلبها عليه، وإزاي هو اتعذب وكان مجبور يعمل كده. أحست بكسرته في كلامه وتعذبت لعذابه. فهي تحبه بشدة ولكنها لا تعترف بذلك.
ولكنها استعادت صلابتها وقالت: وأنت سيادتك ضحكت عليا واتجوزتني وأنت مش بتخلف.
هنا نظر إليها غير مصدق أنها غاضبة من هذا. فابتسم، فهي مصيبة صعب أن أحداً يعرف دماغها بتفكر إزاي.
قال: عشان كنت ولسه بعشقك. عشان كنت ممكن أموت نفسي وأموتك. فاكرة يوم ما قدمتي استقالتك؟ كنت بحاول أبعدك بس ما عرفتش. ما قدرتش. أهون عليا أموت ولا إنك تغيبي عن عيني. أنت النفس اللي بتنفسه يا قلبي.
قالت: لله أنت غشيتني والغش كمل وبقى جريمة. أنت السبب في كل ده. كنت تقولي وكنت هقف جنبك. كنت تقولي مش تسيبني وأطلع في الآخر واحدة خاينة.
فهتف مسرعاً: ماهو إحنا قعدنا كام شهر ما بنخلفش وكنت متوقع إنك تعترضي ونروح نكشف. وكنت متأكد إنك هتقفي جنبي. أنا بحبك يا ليلة. لا بحبك إيه؟ أنا والله بعشقك وأتمنالك الرضا بس تبقي جنبي. والله ده أكبر أمنية ليه. نفسي أرجع أمانك ودنيتك. نفسي أوفي بوعدي اللي اتمرغ في التراب. أنا نفسي أرجع الراجل اللي وعد ونفذ.
كانت ليلة في دنيا غير الدنيا وحاولت أن تلتمس له العذر. وكان وجهها يتغير مابين اللين والقسوة. كان حبه أيضاً متغلغل في قلبها ولكنها ترفض أن يخرج. كرامتها عمياها عن أي شيء.
كان يعلم أنها تحارب مشاعرها فقرر أن يتدخل. على الأقل أصبح هناك بعض الأعذار له وبعض اللين منها.
فقال لها: بصي يا ليلة. أنا عن نفسي هعيش عمري كله مستنيكي تسامحيني. هستحمل منك اللي تعمليه. لو رشقتي سكينة في قلبي والله ما هنطق. وهفضل مستني إشارة منك. بس يكفيني إنك هتبقي وأنا والولاد جنبي وفي حضني وفي أمان.
نظرت إليه بقوة وقالت: بس ماتقلش حضني دي. فؤاد، جوازنا عشان العيال وبس. وكل واحد في حاله. ناس كتير عايشين مع ولادهم عشان عيالهم. وده قراري. ولك إنك توافق أو ترفض.
فهتف سعيداً: أرفض. دانا ما صدقت تقولي آه. أرفض. طب يلا.
وشدها وهم أن يخرج بها.
أوقفته وقالت: إيه؟ أنت اتجننت؟ هنروح فين ونسيب العيال.
ليهتف: آه صح. عندك حق.
ورفع سماعة الفون وأمر أحد الحرس أن يأتي بمأذون. وكلم صديقه كريم وذهب لحجرة مدير المستشفى لكي يتم الزواج بها ويأتي بالشهود. في غضون ساعة كان كل شيء جاهز وتمت الزيجة. وكان فؤاد سيجن من الفرحة. أما هي فمشاعرها مشوشة مابين الرفض واللين، وخاصة بعد ما حكى لها كل شيء.
وما إن أنهى المأذون الدعاء لهم حتى قام واحتضنها بشدة. كاد أن يدخلها بين ضلوعه. همس بحب وهيام: وحشتيني يا ليلتي.
كان يعلم أنها لن تتحرك لوجود الناس بينهم، ولكنه لم يخجل لأنه يعلم أنه لن يقربها في القريب أبداً ولن تسمح له.
بارك لهم الجميع وانصرفوا.
خرجت ليلة غاضبة ودخلت حجرة الأولاد وجلست وظلت صامتة ومرتبكة مما فعله أمام الناس. وبدأت أحاسيسها تتحرك. فساعة تغضب وتقطب حاجبيها وساعة تسرح وتسرح فيما فعل ويلين وجهها.
تذكر فؤاد عمته حبيبته وأخبرها أنه سيتم عقد قرانه على ليلة وأنهم سينتقلون لفيلته الأخرى. فباركت له. وما إن أغلق الخط حتى قامت قيامة تلك الحيزبون وظلت تصرخ وتهيجت وظلت تكسر ما حولها.
طب أعمل إيه؟ طب أروح فين؟ بعد ما كنت خلصت من واحدة جالي تلاتة. يا خيبتك يا فيروز. هتموتي مقهورة يا فيروز. طب هي بعيدة عني أجيبها تحت إيدي إزاي؟ إزاي؟ وظلت تفكر وتدور كالمجنونة. إلى أن هدأت فجأة وابتسمت بخبث. أنا هتمسكن لحد ما يأخذني. شوية مرض على شوية حزن. كل أما يجي مش هعمل كده مرة واحدة ليحسوا بحاجة. أنا لازم أدخل بينهم. لازم.
وجلست وظلت تخبط على ركبتها: يا حرقة قلبك يا فيروز. هتستحملي إزاي. منك لله يا ليلة أنت وولادك. ربنا يأخذكم وارتاح. آه يا ناري. مش عارفة أسكت.
نسيبها بقى تاكل في بعضها شوية.
دخل فؤاد بعد قليل يدندن والسعادة واضحة على ملامحه. فاقترب منه مراد وهمس له: فيه إيه؟ أنت زعلتها؟
قال له: لا والله يا ابني.
اسألها حتى.
اقترب مراد من والدته وقال لها: أنت زعلانة ومكشرة ليه.
تصنعت الابتسام وقالت له وهي تكز على أسنانها وتنظر لفؤاد الذي كان يدندن: لا مش زعلانة.
وهنا قاطع فؤاد الجميع وقال: بصوا بقى. إحنا بقالنا تقريباً شهر وجميلتي الحمد لله بقت بأحسن حال. يبقى خلاص نروح بيتنا.
هلل الجميع وظلوا يدورون حول أبيهم. وهي تنظر لهم غير مصدقة وقاطبة وجهها.
وبدأوا يستعدون. وأنهى فؤاد الإجراءات. اتجهوا جميعاً إلى الخارج.
فقالت له: أنا عايزة أروح البيت الأول.
قال: ما إحنا يا حبيبي رايحين البيت.
سمعت كلمة حبيبي فرجف قلبها. وقطبت وقالت: بيتي. أروح بيتي.
هنا صرخ الأولاد: ليه يا ماما؟ هنعمل إيه هناك.
قالت: هطلع أجيب حاجات ليا خاصة.
قال لها: نودي العيال وأوديكي الحتة اللي تأمري بيها.
وصلوا إلى الفيلا. كانت جميلة وراقية وكان عليها حرس. كانت كما يجب أن يكون. دخلو جميعاً. وهنا اقتربت جميلة من أبيه وقالت بدهشة: دي بتاعتنا لوحدنا.
أحس بالألم وابتسم وقال: كلها ليكو يا قلب بابا.
وجاء الخدم وعرفهم على سيدة المنزل. قال: دي ليلة هانم ودي جميلة هانم. وده مراد بيه. أي غلطة أو زعل أو شكوى مالكمش قعاد.
اقترب من ليلة وقال: ده عم محمد الجنايني. ودي الست حميدة اللي هتشيل المطبخ. طبيخها هيعجبك. كانت ست ودودة للغاية. ودي بقى للعيال مدام أمنية هتخلي بالها منهم لو احتاجوا حاجة.
بصوا بقى يا أولاد. انتشروا والعبوا براحتكم. وأخذهم للأعلى لجناح كبير وقال: دي بتاعتكم يا أولاد. وكان مليئاً باللعب والملابس وكل ما يخص الأولاد. وتنطط الأولاد وحضنوا والدهم.
ونظر إلى أمنية وقال: العيال ماتفارقوهمش. وأي غلط مش مسموح.
قالت له: أمرك يا بيه.
ثم انتقل الأولاد ومعهم أمنية وليلة إلى جناح كبير به حجرة نوم رائعة وانتريه كبير وحجرة دريسينج ملحقة بها. فهتف الأولاد: ودي بتاعتكم صح يا بابا.
قال بصوت خافت متوجساً من تلك المترقبة بجانبه: نعم يا حبايبي.
هنا صدمت ليلة وأحست بأنها كالصنم. لم تستطع أن تتكلم ولكنها كانت تريد أن تقتل فؤاد بيديها وتنزع عينيه الساخرة هذه.
استدار فؤاد ونظر إلى أمنية وقال لها: خلي بالك من الولاد. إحنا رايحين مشوار.
ونظر إلى ليلة وقال: يلا يا ليلة. عايزة تروحي فين.
تقدمت ليلة يتأكلها الغيظ حتى ركبت معه. وكانت صامتة لا تقدر أن تنطق. فالسائق والحرس معهم.
أعطت السائق العنوان. ما إن وصلوا حتى ترجلت وذهبت إلى بيت الخالة فوزية لتسلم عليها. وما إن رأتها حتى احتضنتها.
وحشتيني يا قلب خالتك. كده يا ليلة؟ كل الوقت ده؟ أنت عارفة إني من يوم العملية وأنا تعبانة والبت جميلة ما عرفتش أوجب معاها.
قالت لها: دي بنتك يا خالتي. توجبي إيه.
طب خشي خشي. كان هو يقف وراء ليلة. وقالت لها: ده فؤاد يا خالتي ورجعنا لبعض عشان الولاد واتجوزنا وهنروح معاه البيت.
هتفت فوزية: بجد فرحتيني يا قلبي. تعيشي وتتهني. وأنت خلي بالك منها دي جوهرة وغلبانة. إحنا ولايه يا بيه مالناش إلا سمعتنا. خلي بالك وحرس عليهم. حطهم في عينك. أنت جتلك الفرصة. أوعي تضيعيها.
نظر لها بامتنان وقال لها: دول في عيوني يا حاجة.
هنا قامت ليلة قالت لها: بصي يا خالتي. أنا هسيب الأوضة هاخد حاجاتي الخاصة. بس وأنت بقى كل اللي فيها بتاعك. تاجريه تبيعيه أنت حرة. ولو عايزة حاجة أنا موجودة يا خالتي. كلميني بس أبعتلك العربية تيجي تاخدك وتوديك. أنا ما أقدرش أبعد عنك. أنت عارفه.
وبكت. لتهتف فوزية بحنان: تسلميلي يا بنتي. بنت أصول.
نظرت إلى فؤاد: والله ما هتلاقي ضفرها.
ابتسم لها وقال: أنا بتمنالها الرضا. ترضي يا ست فوزية.
صعدت ليلة وهي مازالت غاضبة من فؤاد. تنتظر أن يكونوا بمفردهم بفارغ الصبر.
وصلوا للسطوح. وهنا استدارت ليلة والغضب ينهش قلبها وقالت.
رواية ليلة النعماني الفصل الثالث عشر 13 - بقلم ميفو سلطان
ما ان وصلوا للسطح ابتعدت عنه وظلت تدور وتدور تريد أن تصرخ فيه من غيظها ولا تعرف.
وهو تحرك وركن على السور وربع يديه يستمتع بغضبها وهو صامت.
التفتت إليه وقالت بغل: "قوضه إيه يا حبيبي اللي هتلمنا مع بعض؟"
قاطعها ساخرًا: "إيه ده يا ليلة؟ انتِ هتردحيلي؟"
نظرت إليه ساخطة: "انت اتجننت؟ انت فاكرني هبلة ولا إيه؟ أنا استحالة أقعد معاك في قوضة واحدة، مش اتفاق. لعب عيال هو!"
هنا اقترب منها بهدوء ولكن بنبرة غاضبة وتحذيرية: "كان الأول ينفع تقولي مابدالك بالطريقة اللي تعجبك، إنما دلوقتي أنا جوزك وطريقة الكلام فيها تقليل مني، يا ريت تتكلمي من الأول بهدوء وأنا هسمعك. كنتِ بتقولي إيه بقى عن القوضة؟"
نظرت إليه بعدم تصديق وأرادت أن تخبطه بأي شيء. ظلت تدور وتدور وهو مربع يديه وينظر إليها ببرود.
وفجأة قال: "اهدّي بقى وأنا هفهمك. البيت فيه ناس، وعيالك هتقوليلهم إيه؟ وكل واحد في حتة. عايزة ولادك وخصوصًا مراد يفضحونا عند الناس. انتِ دماغك دي متركبة إزاي؟ فكري في ولادك مش الحاجات الشمال اللي بتفكري فيها دي."
نظرت إليه مصعوقة: "حاجات شمال؟ حاجات شمال؟ 😳😳 أنا بفكر في حاجات شمال؟ إيه قلة الأدب دي؟"
كتم ضحكته بصعوبة: "أمال عاملة هوليلة ليه؟ مانا قلتلك مش هقربلك. والا هو فيه إيه بالظبط؟"
وظل يقترب منها بخبث وعلى فمه ابتسامة ساخرة.
وهنا ابتعدت مسرعة ناحية الحجرة وهي تتمتم: "مفيش حاجة ولا زفت، أما نشوف آخرتها إيه..."
فتحت الحجرة ودخلت دون أن تنطق وبدأت في جمع أوراقها وأشيائها الخاصة.
لم تكن واعية لفؤاد الذي دخل الغرفة وصعق من منظرها. كانت عبارة عن حجرة شبه مظلمة يتدلى سلك به لمبة من السقف والجدران مقشرة وبالية وسرير كبير في جنب الحجرة عليه مرتبة بالية وبعض الأغطية المهترئة وبجانبها كومدينو صغير، وفي الركن الآخر طاولة كبيرة عليها بوتجاز صغير وبعض أدوات المطبخ البائسة، وكانت على الأرض سجادة بالية وبعض لعب الأطفال المهترئة والمكسرة.
كان موجوعًا مصعوكًا، أحس بالاختناق وخرج مسرعًا من الغرفة. أحس أن رئته نفذت منها الهواء.
ركن على السور يسند نفسه. فهناك كلبشة في صدره ودماؤه تلسع عروقه. بدأخله غصة في حلقه، حالة من أشكال التجلط الدموي والذبحة الصدرية.
ست سنوات وهي تعيش في تلك المزبلة. ست سنوات وأولاده ينامون في هذه القذارة.
وتذكر جميلة وهي تقول: "الحجرة سقعه وبتنقط علينا."
أحس بوجع في صدره وظل يخبط على قلبه: "ليه ليه؟ عملوا إيه عشان يعيشوا كده؟ أنا عملت إيه عشان أتحط أنا وولادي في حاجة زي كده؟ يا ترى كانوا بيبقوا سقعانين وهي تعمل إيه؟ كنتِ بتعملي إيه يا ليلة؟ كنتِ بتعملي إيه وولادي بين إيديكي؟ لا حول لكي ولا قوة. أكيد كنتِ بتدعي عليا بحرقة. مانا أستاهل وأكتر. كنتوا بتاكلوا إيه؟ قلبكم اتحرق من قلة الأكل؟ لا والعيال طالعة ربنا هاديهم ومابينطقوش، اللي يتحط ياكلوه من رحمة ربنا. كنتِ بتواجهي العالم إزاي؟ تقفي للي يسوى ومايسواش إزاي؟ كنتِ بتعملي إيه وأنتِ لوحدك شايلة عيلين على كتفك؟ طب لما مشيتي في الشارع مضروبة ومكسورة رحتي فين وعملتي إيه؟ كنتِ حاسة بإيه؟ رحتي فين وبطنك اللي بتكبر ومالكيش إلا ربنا؟ طب لما خلفتي فكرتي أبوهم هيبقى مين وهو راميّهم سنين؟ اتقطعتي وأنتِ بتشتريلهم اسم أصلهم بقوا ولاد حرام. ليه ليه؟"
كان هيتجنن. "بتشتغلي وتربي سنين، تشيلي كراتين لما ضهرك انحنى وجوزك قافل على نفسه بينحت في بخت. كان ربنا خدك قبل عملتك السودا. اعمل إيه في تمزيقتي دي يا رب؟ ما عملتش حاجة أستاهل ده. لا وجاية تترجيني أخلي بنتي تعيش. بنتك كانت هتموت من قلة الفلوس وأنتِ جبال الفلوس اللي عندك ماتتعدش. إحساسك إيه وأنتِ جاية لحد عندي بعد ما رميتك تترجيني أنقذ بنتي اللي هي حتة من قلبي؟ إحساسك كان إيه في وسط كل ده؟ إحساس يدبح. أنا مدبوح. أحس أنه سيصاب بالجنون."
ظل يدور حول نفسه كالمجنون. "اللي يشوف الظلم دا كله وما يتجننش يبقى جبل، وأنت جبل يا قلبي. أنت كنت أم بميت راجل وأنا قاعد في العز بتحسر على حالي. عذاب إيه يا فؤاد اللي شفته؟ اسكت يا راجل عيب، دانت تستاهل الحرق على اللي عملته في مراتك وولادك وزعلان قوي إنك كنت عايش من غير نفس. والله عيب اختشي يا راجل، دانت تستاهل يتولع فيك."
وهنا رفع رأسه وعيناه تحولت للجمر من الغضب: "مابقاش فؤاد النعماني إن ما كنت آخد حقك يا ليلة وحق ولادي من اللي عمل كده. مابقاش في صنف الرجالة اتسمى راجل إن ما كنت أحرق قلبه على اللي عمله فيا. وأنت يا قلبي عارف اللي هتطلعي عليّ، بس يمين بالله لو شقيتي صدري نصين هيطلع قلبي من بينهم ويقولك بيعشقك. اعملي مابدالك فيا وأنا يا رب أنا اتظلمت. اديني القوة أستحمل اللي هتعمليه فيا واستحمل بعدي عني."
خرجت ليلة من الحجرة لتجد وجهه أحمر وعيناه غريبة، فأحست بالقلق. واقتربت منه بحرص وقالت: "فيه إيه؟ انت كويس؟ 😔"
أغمض عينيه وأحس كأن ماء لطيفًا سقط عليه وأزال كل الغضب لما أحس من نبرتها نبرة فيها قلق عليه. فنظر إليها وقال وقد استجمع نفسه: "لأ ولا حاجة. خلصتي طلباتك؟"
هزت رأسها وتقدمت أمامه وركبا السيارة وكان كل منهم صامت. كان هو في حال غير الحال، وكانت هي ساهية لا تعرف ماذا به. ليست معتادة على هدوئه هذا.
رجعا إلى البيت واستقبلهم الأولاد فرحين.
قال مراد: "تعالي شوفي عندهم بسين قد إيه."
قال فؤاد: "هما مين يا حبيبي اللي عندهم؟"
خبط مراد على جبهته وقال: "معلش يا بابا، عندنا عندنااااااا..."
وشد والدته لتجد جميلة ترتدي مايوه جميل ومعها أمنية تجلس بالقرب من بسين الأطفال وممتلئ بلعب لهم. أحست بالسعادة والفرح.
وقال مراد: "يلا يا بابا اقلعوا وتعالوا نبلبط."
بلعت ليلة ريقها: "اقلعوا؟ 🙄🙄🙄"
قالت له: "أنا هطلع أريح عشان تعبانة وهبقى أنزل مرة تانية."
"ال أقلع؟" قال: "قدام ده؟"
"إنهار أسود..."
صعدت لحجرتها ورتبت أشياءها وذهبت لغرفة الملابس لتستعجب، فالحجرة كما تركتها. لتقف مرتبكة، فأشياؤها كما هي.
وهنا دخل فؤاد بهدوء لينظر إليها ويتنهد. كانت جميلة فاتنة. أغمض عينيه متمنيًا قربها. ليهتف بهدوء: "القوضة دي مقفولة من ست سنين زي ما سبتيها، ما دخلتهاش مرة ومحرم على حد يدخلها، كانت بتتنضف وبس. ما قدرتش أخش فيها لحظة من وجعي وما تحملتش حاجتك تمشي منها. حاجتك عندك يا قلبي وجبت فوقهم حاجات."
وهي مبهورة وقلبها يرف، وتحس أن بها مسرة غير عادية لينبض قلبها بشدة. لتأخذ بيجاما بيتية محتشمة مريحة واتجهت إلى الحمام لتأخذ شور. أنهت استحمامها.
جلست تمشط شعرها. لينظر إليها بعشق. ولكنّه تصنع الإمبالاة حتى لا تثور عليه، فهو أرهق اليوم بشدة وقلبه لم يعد يتحمل أي مشاحنات. أحست بأن به شيئًا، فأجبرت نفسها على الصمت. ولكن القلق ينهش قلبها.
نظر إليها بوجع وتركها ودخل وذهب إلى غرفة الملابس وأخذ ملابسه واتجه بصمت إلى الحمام.
هنا استغربت ليلة: "ماله ده؟ داخل صامت، قامط ولا حتى بصلي؟ إيه يا ليلة؟ انتِ هتخيب؟ ما يخش صامت ولا يتنيل، والا انتِ دماغك حادفة شمال زي مابيقول؟ بس هو ماله؟ من ساعة مارجعنا متغير وفيه حاجة وجعاه أوي. ماله طيب؟ 😔😔"
وهنا نهرت نفسها: "ما تتعدلي فيه إيه؟ إيه السهتنة والسهوكة بتاعتك دي؟ ما يولع..."
اتجهت إلى الأريكة وصعدت عليها وأخذت إحدى المخدات وغطت في النوم، فاليوم كان مرهقًا إليها جدًا.
خرج فؤاد ليجدها نائمة ومستغرقة في النوم. ليقترب منها ويجلس بقربها وظل لفترة طويلة ينظر إليها ويشعر بالوجع عليها وعيناه لا تفارق وجهها، وطفرت دمعة من عينه.
وقال: "آسف، آسف ألف مرة على كل حاجة كنت السبب فيها. آسف إني ما كنتش أمانك ودنيتك زي ما وعدتك. آسف يا قلبي، آسف على العذاب اللي عيشتيه وولادي عاشوا فيه.. آسف من هنا لحد ما روحي تطلع هفضل ندمان لحد موتي على اللي عملته فيكي. نفسي أرجع قلبي لأنه معاكي، خدتيه ومش راضية ترجعيه. يوم ما ترجعلي هفضل عايش من غيره، مستني اليوم بس اللي تبصيلي بعين الرضا."
وضع يده على شعرها ودعا ربه أن يحنن قلبها عليه: "يا رب انت عالم إني اتظلمت، رديهالي وردلي قلبي يا رب. أنت عالم بحالي، اديني القوة لحد ما ترضي عني. أنا عارف إنها هتسامحني، عارف إن قلبها طيب، بس لحد ما يحصل قويني على بعدها ووجع قلبها لأني عارف إنها موجوعة زيي."
ثم قام وتذكر عمته.
ثم نزل وأمر أمنية أن لا تزعج ليلة وأن تعتني بالأولاد. ثم استقل السيارة وذهب إلى الحرباية، قصدي عمته. وما أن دخل عليها حتى تصنعت البكاء.
اقترب بسرعة وقبل يديها وقال: "الدموع دي غالية، ليه كده؟"
قالت: "ما خلاص نسيت أمك حبيبتك."
قال لها: "أنا أقدر، مانا جاي جعان وجاي آكل أهو، والا انتِ ما عملتيش أكل؟"
فانفرجت أساريرها وقامت بسرعة واتجهوا لغرفة الطعام وأمرتهم أن يحضروا الأكل.
ثم بدأت في القول: "هو أنا مش هشوف الولاد؟ أجي أبوسهم وأقطعهم بوس؟ أحفادي حبايبي."
قال لها: "حاضر، هجيبهم لحد عندك، حاضر."
رفعت حاجبها وقالت: "ليه؟ هو أنا ما أجيش بيت ابني براحتي؟ والا السنيورة مش عايزاني؟"
تنهد الغلبان وقال لها: "بس هي يا عمتي، معلش فترة كده وهتعدي. اللي حصلها مش قليل."
لتهتف بحقد: "ماشي يا ابني، اللي تشوفه. ربنا يسعدك. أنا هعوز إيه وأنا في آخر أيامي؟ ست كبيرة وقاعدة في بيت طويل عريض مش مخليني محتاجة حاجة."
تنهد وقال: "ما أنا هبقى عندك كل يوم وهجيب العيال. وشوية كده ليلة طيبة هتيجي ونتجمع كلنا من تاني."
لتهتف: "آه، امال يا حبيبي. ربنا يريحها دايما."
ظلوا يتسامرون ويضحكون وظلوا يتكلمون حتى تذكر المركز الطبي. وهنا قال: "بس يا عمتي، أنا هروح المركز ومش هخلي فيهم حد ينفع يمشي على رجله، واللي عمل فيا كده ما عادش هيتصنف في صنف الرجال، راجل."
ابتلعت العمة ريقها وقالت: "آه آه طبعًا."
أكمل فؤاد الجلسة الحربوية بسلامة نية ثم استأذن حتى يعود لبيته.
كان قد حل الليل ورجع ليجد الأولاد يجلسون في حجرة المعيشة مع أمهم ويلعبون بالألعاب وهيا ساهية أمام التلفاز. دخل وقبلهم. اتجه إليها وقبل وجنتها وجلس وهو يشعر بالإرهاق. كانت تريد أن تعرف أين كان كل ذلك الوقت، ولكنها منعت نفسها. ظل ينظر لأولاده صامتًا مطمئنًا.
وهنا لم تستطع أن تصمت أكثر من ذلك فقالت بهمس له: "ممكن تقلي مالك من الصبح؟" وهنا أدركت لهفتها فأكملت: "والا انت بتدبرلي حاجة؟"
قال لها بغلب: "تصدقي بالله ما فيا حيل حتى أدبر. إزاي؟ هطلع فوق أنا هقع من طولي. هموت وأنام."
وفجأة من دون سابق إنذار أحنى جسده ووضع رأسه على قدميها. فصرخت ونظر الأولاد: "فيه إيه يا ماما؟"
ضحك فؤاد وقال لهم: "معلش أمكم ساعات كده بتحب تعمل جو هزار وساسبنس وكده."
زغدته في كتفه وقالت: "قوم إنت اتجننت؟"
ماردش. فاقتربت من أذنه وهمست: "قوم من على رجلي أحسنلك."
أغمض عينيه من قربها منه وقال لها: "والنبي يا ليلة سيبيني أنام نص ساعة، نفسي أنام." وصمت وأخذ يدها في حضنه وغط في نوم عميق.
لم يكن بيدها حيلة، ماذا تفعل؟ ورق قلبها لحاله، فهو يبدو عليه التعب الشديد وكانت تشعر أن به شيئًا مختلف اليوم. وبدل أن ينام نصف ساعة نام ساعة كاملة. لم يحس بالأولاد وهم يغادرون للنوم. كل ما كان يشعر به أنه امتلك الدنيا بما فيها، ولأول مرة منذ ست سنوات تغمض عين فؤاد النعماني عن حق، فما لاقاه وعاناه ينهد له أعتى الرجال.
كانت تنظر إليه وهو نائم، بادٍ على ملامحه الإرهاق. ولا إراديًا مدت يدها على شعره تمسدها وظلت تداعب شعره حتى استيقظ. وأحس بها، ولكنه بذل مجهودًا جبارًا كي لا تلاحظ. كان سعيدًا وحالمًا بالحالة التي هم عليها. وهنا فجأة أدركت ليلة أن مشاعرها تجاه فؤاد ما زالت موجودة وبقوة. خافت ليلة من نفسها وارتعبت من هول ما أدركته.
أدركت أنه ما زال العاشق لتلك المعشوقة. سرحت في وجهه، فبعد أن أخبرها تبدلت مشاعرها وزاد توترها. أحست بقربه بزيادة وأصبح يربكها. لتغوص بيدها لا إراديًا وتملس على شعره. ليتململ ويحاوط خصرها بيده لترتجف. ليحس أنه ملك الدنيا.
كانت ليلة ترتجف من داخلها وصرعها كم المشاعر التي بداخلها له. وما زالت حاولت ليلة أن تتململ لتوقظه. كان قد استيقظ ومتصنع النوم وهو مطبق على يديها، وهيا تبرطم: "يادي النيلة! هو قافش إيدي ليه كده؟ سارقاله حاجة؟"
كان هو في سره: "قلبي سرقاه، رجعهولي تنستري يا شيخة."
وبدأت بهدوء توقظ زوجها. كانت تضع يدها على كتفه وتهزه بهدوء إلى أن فتح عينيه و...
رواية ليلة النعماني الفصل الرابع عشر 14 - بقلم ميفو سلطان
فتح عينيه ببطء وظل يحدق بها وهيا لا تعرف ماذا تفعل أو أين تدير وجهها.
فقالت مسرعة: "ممكن بقى تقوم وتسيب إيدي؟ رجلي وجعتني وما يصحش كده."
قام ونظر إليها وقال لها: "متشكر يا ليلة."
قطبت جبينها وقالت: "على إيه؟"
ليهتف بحب: "على سنين ما نمتش فيهم لحظة إلا دلوقتي. حسيت إني ملكت الدنيا وما فيها، مراتي معايا وولادي قدامي، دي بالدنيا يا ليلة."
ارتبكت وقالت: "أنا بس لولا إنك كنت تعبان كنت زقيتك من على رجلي."
اقترب منها بلهفة وابتسامة أذابت قلبها وقال: "يعني صعبت عليكِ يا قمر؟"
قامت بسرعة والخجل ينهشها. "لأ، انت مش ممكن. إيه ده؟" وصعدت إلى جناحها.
وهو يضحك عليها. "اتقل براحتك يا قمر وقليني عالجنبين وأنا صابر."
وهنا قام فؤاد وهو يشعر بالسكينة والراحة ليبدأ رحلة فؤاد النعماني في أخذ واسترداد حقوقه.
كان قد كلم أحد المحققين وأعطاه اسم المركز الطبي وما حدث معه. ليخبره: "عندك الحرية اللي عايزها والفلوس، بس تجيب لي اللي عمل كده متربط تحت رجلي."
اتصل فؤاد بالرجل وهنا أخبره الرجل أن مدير المستشفى لا يعلم شيئاً وأن دكتور التحاليل مختفٍ من حوالي أسبوع أو اتنين، وأنه هو من فعل ذلك.
قام فؤاد غاضباً وقال له: "لأ، صحصح كده. لو رجع بطن أمه، عارف بطن أمه؟ تشقها لي وتجيب لي مصارينه لعندي، فاهم؟ وإلا أدور على حد تاني."
قال الرجل بخوف. فهو فؤاد النعماني. أنه لم يتوقف عن البحث وعثر على بعض الخيوط وسيبدأ من جديد. ووعده أن يطمئنه.
فقال له: "أنا مش هرتاح ولا هعرف أعيش إلا أما الموضوع ده يخلص."
وأغلق الخط وظل يعمل لبعض الوقت. فله مدة كان في المستشفى حتى أحس بالتعب من العمل. فقرر أن ينهي عمله ويذهب إلى النوم. وتمنى أن يجد زوجته متيقظة حتى يشاكسها.
دخل الحجرة ليجدها جالسة على الأريكة تقرأ في أحد الكتب، سارحة فيما تقرأ. ظل بعض الوقت مسنداً جسده على الباب ينظر إلى من وجعت قلبه. ثم تنهد واقترب منها وجلس بجوارها. تصنعت اللامبالاة وهي تشتعل من الداخل.
"بتقري إيه؟"
قالت بلا مبالاة: "رواية..."
فرد عليها: "طب ما تحكي لي."
تنفست باستنكار: "هيا حدوتة؟"
فرد عليها: "وماله؟ أصلي عايز أنام ومش عارف، وأنت مش هترضي أمسك إيدك وأنام."
هنا قاطعته: "إياك، بقول لك أهو. احترمني شوية."
ضحك فؤاد وقام ليغير ملابسه وهو يقول: "والله نفسي أحترمك احترام بس من نوع تاني." وتركها وضحكته تصدح في الجناح. وتركها تشتعل من إيحاءاته المستفزة.
خرج وقد لبس ملابس بيت مريحة وجلس بجوارها. "يلا احكي لي بقى."
قالت له: "لأ، أحكي إيه. دا أنا في الآخر. طب الآخر بيقول إيه؟"
تنهدت من إصراره بلا حيلة. فهو جالس بجوارها وهذا يربكها.
فقالت: "دا يا سيدي البطل عزم البطلة على مطعم وجاب لها ورد كتير وطلبها للجواز، وهي أخيراً وافقت بعد ما بهدلته. فقام وقعد يلف بها."
"فاستعبط فؤاد. يعني إيه يلف بها؟ إزاي يعني؟"
فقالت ببراءة: "يعني حضنها وشالها لما وافقت وقعد يلف بها."
هنا اقترب منها وقال: "عقبالي يا رب."
انصدمت منه وقالت: "هو إيه اللي عقبالك؟ انت عايز تتجوز؟"
قام مبتعداً: "اسكتي يا ليلة. إلا أنتِ فصيلة. يا رب صبرني."
قطبت حاجبها وقالت: "ماله ده من الصبح مش طبيعي. وأقول له الواد حضنها ويلف، ودا يقول لي عقبالي. ما عندوش إحساس خالص. إيه ده؟"
قالت في نفسها: "أما أتخمد بدل حرقة الدم دي." وهمت أن تنام.
ولكن فؤاد نادى عليها وقال: "ليلة."
فقالت له: "نعم. عايز إيه؟"
ليضحك: "يا ساتر يا بنتي. براحة. ما تبقيش قطر كده. حد يرد على جوزه حبيبه كده؟"
قاطعته: "قطر في عينك. انت اللي بتستفزني. وإيه حبيبة دي؟ ما تحترمني شوية."
نظر إليها بدهشة وقال: "هو أنا لما أنده لك أبقى بستفزك؟ ويادي الاحترام اللي واكل دماغك."
ارتبكت وقالت: "لأ، بس متعصبة عشان عايزة أنام."
"طب سؤال. هيا البطلة ما كانتش موافقة تتجوزه ليه؟"
قالت له: "عشان كان مغرور ومتكبر، وهي طيبة وفاكر إن كل البنات سهلة."
ليهتف: "اممم. طب عمل إيه عشان يخليها تحبه؟"
اندفعت بعفوية ونسيت نفسها وقالت له: "يوووه، دا عمل كتير. قعد يغيّظ عليها بقى وما زهقش منها. وكانت هي بت بومة كده ومبهدلاه."
"بس على مين؟ الواد عمل فيها جيمس بوند وتوم كروز وشوية حركات. وثبتها وخلاها تحبه. أصله كان عليه حركات." وضحكت.
كانت مندمجة وسعيدة وهي تحكي. كانت طيبة للغاية.
وكان هو مشتعل بما فيه الكفاية من عفويتها وحماسها وسعادتها في تجمع عشيقين الرواية.
قال لها: "إيه إيه حركات إيه؟"
ارتبكت ووضعت يدها على فمها وقالت: "لأ، أنا عايزة أنام ومش قادرة. تصبح على خير."
نادى فؤاد مرة أخرى. "ليلة."
فقالت له: "اممممم."
ليهتف: "أنتِ مش تعبانة من الكنبة؟ ما تيجي يا بنتي السرير كبير والله. هنام مؤدب."
قالت له: "نام يا فؤاد. ما تعصبنيش."
ليهتف: "طب آخر حاجة. هو الواد لما غيظ البت ما زهقتش؟"
فاندفعت قائلة: "زهقت إيه يا عم؟ البنات بتحب الراجل اللي يغيظهم دول. ما بيصدقوا يلاقوا واحد حبيب يلزق كده. أصلك مش عارف، كتر الزن بيجيب. اسمع مني."
صمت فؤاد ثم قرر أن يسمع منها فعلاً وقال لها: "طب شكراً."
نظرت إليه باستغراب. "على إيه؟ أنا ما حكيتش القصة كلها."
قال لها: "بكرة تعرفي."
ليقوم ويقف بجانبها. لتستدير باستغراب. لينحني ويجلس على ركبتيه.
"عارفة يا ليلة، أنا أول مرة أنام من ست سنين. ما كنتش بنام. اللي غرز غرزته فيا خلاني عايش جحيم. حسيت لما نمت إني بني آدم. أنا بقيت بحس يا ليلة. أول مرة أرفع وشي في الحرس. والله أول مرة."
لتدمع عيناه. لتَلِن ملامحها ويرجف قلبها من كلامه وقربه.
"كسرني الراجل وقهرني. إنه قليل وحش قوي. وكسرتي إني كنت قليل ليكو. مميت إحساس جلوقتي هو العذاب. أنت حقك بيتجاب والله يا قلبي. بس أنا ما أعرفش حقي. هجيبه من مين؟ أنا ست سنين راجل ضايع وصغير وقليل. كنت عايش مذلول ودماغي هتتفرتك. يا ترى بيضحكوا عليا ويقولوا الأبلة أهو."
ليمُسك يدها. فكانت ساهمة في كلامه ودموعه دخلت قلبها. لتقوم وتجلس وتنظر إليه. ليرفع وجهه.
"عارفة الأوضة دي لو حد بس جاب سيرة إنه يشيل الحاجة اللي فيها، كنت ممكن أموت. حاجتك هنا كانت بتخليني أتنفس."
لتسقط دمعة من خده. "لو هعيش عمري تحت رجلك تشرطي فيا ما هنطقش."
لترفع يدها لا إرادياً وتمسح دموعه. ليظل ينظر إليها وبداخله قهر السنين. لتظل تتلمسه. ليقترب ويقبل خدها ويقوم يبتعد حتى لا ينهار.
ليقول: "تصبحين على خير يا قلبي اللي تاعبني." وتنهد وهو يتوعد لها أن يريها من العشق ألوان. فهي بطيبتها وضحت له ما يبدو ما في قلبها دون أن تحس.
نام فؤاد متمنياً ما في قلبه داعياً الله أن ترق له وتسامحه. فهو أصبح لا يحتمل بعدها. فقربها منه يشعله ويشعل فؤاده. وهي لا تحس بشيء.
أما هيا فظلت ساهمة في كلامه ودموعه هزتها وكلامه. وبدأت تلتمس له العذر قليلاً وتلين من جانبه. ولكنها لا تعترف وتحاول صد تلك المشاعر.
استيقظ صباحاً وذهب إلى العمل لأنه لم يذهب لفترة. ولبس في هدوء حتى لا يزعجها. وقبلها ونزل إلى عمله.
كانت قد أصبحت الحادية عشر حتى وجدت أولادها يتنططون حولها. "قومي يا ماما عشان نفطر وننزل نلعب عالبيسين."
قامت وأخذت شاور ولبست فستاناً جميلاً يبرز ملامحها الجميلة الفاتنة. فهو قد أحضر لها الكثير. وذهبت إليهم. كانوا يفطرون ويتضاحكون. وكانت الست حميدة تعد لهم أصنافاً طيبة. وقد أصبحت مقربة من ليلة. وطلبت ليلة منها أن تناديها بابنتي وليس بالهانم.
كانوا يفطرون في المطبخ وسط مداعبة حميدة وعم محمد. ثم أخذتهم أمنية ليلعبوا في الخارج.
بعد فترة ذهبت إليهم ليلة لتستمتع بالجو الجميل. وإذا بعم محمد يأتي مهرولاً ويخبرها أن هناك سيدة دخلت إلى الفيلا وتنتظرها.
قامت ليلة لتنصعق وتندهش.
قامت وتصنعت التعب. "الحمد لله على السلامة يا حبيبتي." وتصنعت البكاء. "قلبي كان بيتقطع على فؤاد." ولما عرفت منهم لله اللي كانوا السبب. كانت ليلة صامتة.
فقالت لها: "أهلاً يا عمتي. اتفضلي."
جلست فيروز والعيال فين؟ ليكون جميلة فيها حاجة؟
هتفت ليلة: "لأ، كويسة الحمد لله. بيلعبوا بره عالبيسين."
فردت فيروز: "آه طبعاً. ماهو العز حلو، أهو يا مرات ابني."
قالت ليلة بجدية: "العز لما يكون بحب واحترام هو اللي حلو يا عمتي."
لوت فيروز فمها وقالت: "آه طبعاً طبعاً. طب أنا عملت مفاجأة لفؤاد وهقوم أريح شوية لحد الغدا. دا بعد إذنك طبعاً وهمشي بالليل. قلت أقضي الوقت مع ولاد ابني."
قالت لها: "لأ طبعاً. تنوري يا عمتي."
وهنا نادت ليلة لحميدة وطلبت منها أن تصطحبها لحجرة الضيوف. دخلت فيروز ورمت شنطتها وصرخت: "مقعدها فين يابن النعماني الجربوعة دي؟ تقعد في مكان يشرح كده." واتجهت للنافذة تنظر للأولاد بحقد.
"أنا هتصرف إزاي؟ ما ينفعش أوقع بينهم. بس ينفع أسهوك وأعيش معاهم. وساعتها أنغص عليهم عيشتهم."
"خرجت ليلة متضايقة ولكنها لم تعلم ماذا تفعل. ومر بعض الوقت. ففيروز لم تنزل لأنها لا تطيق القعدة مع ليلة. حتى حلت الخامسة وجاء فؤاد وقبل أولاده ونظر إلى ليلة وجمالها واتجه إليها وقبلها. "إيه الجمال ده؟"
ارتبكت. فقال: "أنا واقع جوع."
أمرت ليلة حميدة أن تحضر الطعام وأخبرت فؤاد أن عمته فوق. فانبسطت أساريره. وصعد إليها ليحضرها لتبدأ مرحلة التمثيل والسهتنة. وتصنعت التعب في النزول. وعندما جلست على الطعام ظلت تهزر مع فؤاد والعيال. ولكن مراد لم يستجب لها. فكانت ثقيلة على قلبه. لم يرتاح لها. فنظراتها خبيثة. أما فؤاد فكان سعيداً.
انتهى الطعام وظلت فيروز تخرج بعض الأدوية وتاخذها. وكان فؤاد مهتماً بها. وأيضاً لم ينس أن يداعب أولاده أو زوجته. ولكن ليلة لا تتحدث ومجبرة على الجلوس. فهي كبيرة ومريضة. مر الوقت وأمرت ليلة أمنية أن تأخذ العيال للنوم. وهنا استأذنت ليلة لتصعد.
فنظرت فيروز لفؤاد بغضب: "أنا همشي يبني بلا قلة قيمة. يلا ابعت معايا حد يلقحني في بيتي."
تنهد فؤاد: "ليه بس يا عمتي؟ ما كنا حلوين. ما حدش جرح مشاعرك ولا قال لك حاجة. وأنا يا ستي بنفسي اللي هوصلك."
أحست بالحسرة وظلت تهري: "توصلني داحتي ما عزمني عليا أقعد. يا قهرك يا فيروز. يايامك السودة. بكرة العقربة تاخدك مني وتنساني."
تصنعت التعب وسندت عليه وأوصلها حتى بيتها. وقبلها وأصرت أن يبقي بعض الوقت ورضخ لها. ثم استأذن منها ورحل. وهيا الحسرة تنهش قلبها.
كانت ليلة غاضبة من تلك المرأة. فهي تعلم أنها لا تحبها. ولكن لا تعلم لماذا. ولكنها تخجل أن تقول لفؤاد أي شيء. فهي لم تصرح بشيء. ودخلت وأخذت شاور لعلها ترتاح وطلبت مشروباً بارداً لعلها تهدأ. وهنا دخل فؤاد متعباً منهكاً. فنظرت إليه فرق قلبها له. كانت تحس أنه ليس بيده شيء. فلم تتكلم بشأن عمته.
ولكنه اقترب منها ومسك يدها وقبلها وقال: "شكراً يا ليلة. أنتِ بنت أصول ومتربية." وتركها ودخل ليغير ملابسه ويأخذ حماماً. وخرج ليجدها تقف في التراث ومعها مشروبها. فابتسم وهو يرى جمالها. وهيا تقف. شعرها يتطاير مع نسمة هواء لطيفة. وهيا سرحانة في ملكوت آخر. جمالاً منحوتاً. فينوس متربع على عرش قلبه.
دخل بهدوء ليقف جنبها وظل صامتاً. ارتبكت هيا لوجوده. فقال لها: "بالله عليكي ما تدخلي. خليكي معايا شوية. النهارده يوم صعب."
استدارت هيا ونظرت إليه ثم جلست على الأريكة. فاقترب منها وجلس بجوارها وقال: "أنا عارف إنك اتضايقتي. بس أعمل إيه؟ ما أقدرش أقول لها حاجة. هي آه ساعات بتقول كلام بايخ. بس طيبة."
تألم وبان عليه الألم وقال: "النهاردة ما كنتش والله أعرف إنها جاية." وكان سيبرر وعلى وجهه الإحراج خوفاً على مشاعرها.
هنا وضعت يدها على شفتيه وقالت: "أنا مش زعلانة. أنت ما ينفعش تتقسم بينا. اهو يوم وهيعدي."
تجمد وانصعق من فعلتها. حتى كاد قلبه أن يخرج من مكانه على عفويتها وقلبها الذهبي. مسك يدها وقبلها وقال: "أنتِ كل ما الأيام بتعدي بعرف قد إيه إنك كنز ما أستحقوش. كان يقبل يديها. ثم وضعها على قلبه وقال: "نفسي تحسي بده. ما عدتش مستحمل بعدك عنه. والله اتربيت. لا اتربيت إيه؟ دا أنا استويت وتحت أمرك من إيدك دي لإيدك دي. ارضي عني الله لا يسيئك بقى يا شيخة. دا أنا غلبان غلب السنين."
ارتبكت وسحبت يديها وقامت مسرعة. بس طبعاً لازم تحدف لها دبشتين وتخرجنا بره المود. هيبقي هيا والعقربة عليه.
"بقلك إيه يا فؤاد؟ مش معني إني بتعامل معاك كويس يبقى تتمادى فيها. أنت فاهم؟ أنت أبو أولادي وبس. فاهم؟"
ابتسم وظل يقترب منها. وهيا تتراجع حتى خبطت في الحائط. ووضع يديه الاثنين حول رأسها يحاوط جسمها مقترباً منها. وهيا مشتعلة على الآخر. قائلاً بالذمة أنتِ مصدقة نفسك.
قطبت جبينها وزقته واستدارت وهيا تبرطم. "لأ، أنت كده عقلك خف. فيه وعد يا أستاذ. فاهم؟" ورزعت الباب وهي تسمع ضحكته تصدح في المكان. واتجهت للأريكة وهيا تشتعل وجسمها يرتعش مما فعله. ونامت عالأريكة ونام هو عالسرير. وظل كل منهم يفكر في الآخر. كان هوا نائماً مبتسماً يشعر بالرضا لأنه أحس أنها قريباً ستسامحه وستصبح له قريباً جداً. فهي أعطته مفتاح الوصول. غتت أكتر توصل أسرع.
أما هيا فكانت حالمة في حال غير الحال. كانت تتلمس يديها التي قبلها وتبتسم من حين لآخر. وكانت حائرة. فعقلها ينهرها. أما قلبها فكان مع فؤاد قلباً وقالباً يحثها أن تسامحه ولا تعذب نفسها وتعذبه. فكان له عذره من تلك التمثيلية الحقيرة. وظل قلبها وعقلها يتصارعان حتى نامت من التعب.
استيقظت لم تجد فؤاد. فهو ذهب للعمل. ونزلت لأولادها لتقضي الوقت معهم. وهنا جاء لها تليفون من الست فيروز. ما هو مش هنخلص.
"إزيك يا مرات ابني؟ كويسين؟ معلش امبارح مشيت عشان تعبت. بكرة أبقى أجي وأقعد براحتي عشان أشبع من الولاد أحفادي."
ردت ليلة: "آه طبعاً يا عمتي." وظلت الحرباية تتكلم وتثرثر وليلة ترد باختصار. ثم قفلت الخط.
وقفلت اليوم من أوله.
جاء مراد: "إيه يا ماما الست اللي اسمها فيروز دي زعلتك؟ لما تيجي هشتمها."
لتهتف: "عيب يا مراد. حد يشتم الكبير؟ وكمان عمة بابا."
قال: "دي ست عينيها شكل عيني سكار. عارفاه بتاع ليون كينج؟ عينها شريرة أوي وبتبص لينا وحش وجميلة هبلة ومش حاسة بحاجة."
ردت عليه وقالت: "عيب يا مراد. مالكش دعوة بيها."
اقترب منها ومسكها من يدها وقربها وقال: "فكرة اللي كان بيزعلك زمان كنت بعمل فيه إيه؟"
ضحكت. قالت له: "إياك. بقول لك أهو. هتغرقها ميه. هزعل منك. يلا روح العب."
اتصلت بالست فوزية وتكلمت معها وحكت لها. فقالت لها: "حرصي من الولية دي. دي ست شر. دي مريضة يا ليلة وممكن تكون خطيرة. خلي بالك. تعلقها بفؤاد مش طبيعي ومش بعيد تكون سبب في اللي حصلكو."
أحست ليلة بالذعر ولكنها أكملت المكالمة. وإذا بفوزية تكمل بعفوية: "وأنتِ يا بت اتلحلحي كده وماتقرفيش الراجل. اهو ندم ورجع على بوزه. متقرفوش يا ليلة. إلا يزهق والنسوان تخطفه منك. حرصي. أنتِ طيبة." وتمنت لها الخير.
لتسرح. وظلت تفكر. "هو ممكن يزهق وعنيه تزوغ؟ لأ لأ لأ. فؤاد مش هيعمل كده." وهنا تذكرت كلام فوزية عن عمته وقالت: "إيه ده؟ لأ لأ لأ. كده إن بعض الظن إثم. حرام ما عيش دليل كده. إثم عليا."
ظل يتردد في عقلها كلام فوزية. فشعرت بالخوف منها وعلى أولادها وعلى فؤاد. يمكن تعمل فيه حاجة لو بعد عنها.
"بس يا ليلة اعقلي. أعوذ بالله من الشيطان الرجيم."
وكان فؤاد يجلس في مكتبه. حتى أتى تليفون من خادمه عمته. وقالت: "الحقنا يا فؤاد بيه. الست فيروز قاطعة النفس."
قام فؤاد مزعوراً. وما إن وصل حتى وجد طبيباً عند عمته وقال له: "أهلاً فؤاد بيه. الست بس ضغطها عالي. ويا ريت تعمل تحاليل دي وماتتسابش لوحدها."
وخرج الطبيب واضطر فؤاد أن يبيت مع عمته لأنها متعبة. وخرج ليكلم ليلة ويخبرها عما حدث. كان صوته متعباً.
فأحست بوجع قلبها عليه. فقالت له: "طب أنت كويس؟ حاساك تعبان."
قال لها: "طالما أنتِ بخير أنا هبقى كويس. بس هتوحشيني من هنا لبكرة."
قالت له بهمس وصوتها يرتعش: "وبعدين معاك؟ كلامك ده ما يصحش."
فرد عليها: "والله اللي ما يصح هتشوفيه. لو ما بطلتيش صوتك الناعم ده. قلبي يا ليلة ارحميه بقى. والنبي أنا خلاص هبقى حسحس وهمشي في الشارع وأقول ليلة ليلة."
انفجرت ضاحكة من قلبها. فابتسم سعيداً ورد قائلاً: "صلاة النبي أحسن. أحلى ضحكة سمعتها في حياتي."
غيرت الحديث بسرعة. "بت فصيلة." وتساءلت: "عمتك عاملة إيه؟"
تنهد وقال: "هي بس محتاجة شوية رعاية."
فقالت له: "لو عايز تجيبها لحد ما ترتاح هاتها يا فؤاد. أنت تعبان وقلبك عليها. هاتها وأنا مش هزعل."
قال لها: "تسلميلي يا حتة من قلبي."
"لأ، حتة إيه يا قلبي كله. بس يا خسارة مش معايا خالص. روحي كده عند المرايا." فنظرت ليلة للمرآة باستغراب.
"شايفة إيه؟"
قالت له: "أنا والقوضة."
"طب بصي لنفسك كده. أهو ده قلبي اللي أنا عايزة وهموت عليه. هموت وربنا عليه. أخده وأتوه فيه."
وهنا قفلت السكة في وشه وقلبها سيخرج من مكانه. وقالت: "يا نهار أسود. دا قليل الأدب كده ليه؟ قلبي هيقف." وصمتت بعض الوقت ثم ابتسمت حالمة.
عندما قفلت الخط ظل فؤاد يضحك ويقول: "هانت يا قلبي. إلا أنا أغتت واحد في الكون. يا ولاد بحب مزة. آه ياني على المرار اللي مشربوهولي. بس تعمل مابدالها. أقطع يا فؤاد واصبر. يا رب حنن قلبها كمان وكمان."
اتجه إلى عمته ليجدها نائمة وذهب هو أيضاً للنوم. وظل يفكر في معشوقته المجنونة ليلته الجميلة.
في الصباح استعد هو وعمته للرجوع للفيلا. وأخذت معها حيزبونة زيها بالضبط بس صغيرة. مشروع حربوءة اسمها وردة خادمتها.
واتجهوا إلى الفيلا وقابلتهم ليلى. ببشاشة وأدخلتها إلى المنزل. وكانت أولى مراحل الهم في البيت. فالبيت به شياطين نستعيذ منها ونقدر أن نصرفها. أما شياطين الإنس فماذا نفعل. لا شيء. فقط ننتظر عدل ربك في الأرض. وندعو الله أن لا نراهم في حياتنا.
رواية ليلة النعماني الفصل الخامس عشر 15 - بقلم ميفو سلطان
دخلت فيروز البيت وانتفخ صدرها. بدأت تقلل من مشاحناتها مع ليلة لتطمئن لها.
"بت يا وردة، عينك تفتحيها. دبة النملة أعرفها. وخلي بالك من الولية اللي اسمها حميدة، وليه ممحونة كده وعقربة."
كان فؤاد سعيدا ولكنه حذر من زعل ليلة ونوبات الغضب التي تأتي إليها حين تفتعل عمته أي حوار. تقدم بهدوء من عمته وقال:
"عمتي، عايزك تعمليلي خاطر عشان خاطري. ولو زعلتي من حاجة تقوليلي. مالكيش دعوة بليلة."
مصمصت عمته وقالت:
"هيا السنيورة لحقت تشتكيلك مني؟ هو أنا لحقت أقعد؟ داهما يومين. يا عيني عليكي يا فيروز."
قبل يدها وقال لها:
"لا والله، ما بتفتح بقها. بس عشان خاطري."
قالت له:
"طيب يا نن عين عمتك، أنا ليا إلا راحتك."
ذهب فؤاد للعمل وترك المسكينة مع العقربة تستفرد بها.
وصل إلى شركته ولاحظ الموظفون تغيره وابتسامته التي لم يروها. دخل عليه كريم وقال له:
"إيه يا عم النور ده؟ وشك منور."
قال له:
"إيه يا فقر؟ هتقر عليا؟ دانا مدعوك. ولا عمتي ماسبتنيش في حالي. مش عارف استفرد بالبت. هموت. حاسس إني هنجلط."
ليشاكسه كريم:
"وانت عايز تستفرد بالبت ليه يا قلب كريم؟"
فحدجه فؤاد بنظرة مميتة:
"هقوم أشقك يا كريم. إلا أنا على أخري."
رد كريم مسرعاً:
"خلاص خلاص بنهزر يا رمضان. دانت واقع. عشنا وشفنا فؤاد النعماني بجلالة قدره واقع لشوشته."
مسك فؤاد الوراقة وقال:
"أنا عارف إنك مش هتقطم..."
فقفز كريم:
"طب يا وحش، أهدي."
"طب وعمتك أول ما تخف رجعها البيت. عمتك مش سهلة يا فؤاد وأنت مسلم ليها قوي. وغلبت أقول لك وأنت ولا هنا."
قال له:
"أعمل إيه؟ آخرتها أرميها؟ دي هي اللي ربتني."
ليهتف كريم:
"أيوه ربتك. عملت إيه يعني؟ عيل دخل مدرسته وبفلوسه وعايش في عزك وعز أبوك. أنت أهبل يا فؤاد؟ محسسني إنها كانت بتسرح عليك في الشوارع. أمّال ليلة يتقال عليها إيه؟"
ركن فؤاد رأسه مبتسماً:
"ليلة يتقال عليها الحلو اللي في الدنيا. ليلة دي الدنيا اللي مش عارف أعيشها. نفسي أعيشها يا كريم."
ابتسم كريم وقال:
"وإيه كمان يا قيس أفندي؟"
كشر فؤاد ورد عليه:
"تصدق إنك عيل فصيل. نعم؟ عايز إيه؟ انجز وقوم غور."
"ميفونيفو. مفيش. الشركة السويدية هنمضي معاها العقود بكرة. والاجتماع الساعة أربعة. ماتنساش."
هز رأسه وخرج كريم. تذكر المحقق واتصل به ليعرف آخر الأخبار. وهنا كانت مفاجأة. إذا قال له إن هناك من دفع للطبيب لكي يفعل ذلك. وأن هناك شخص وراء المكيدة. وقريباً سيعثر على الطبيب إذ أنه اختفى ولم يترك وراءه أثر. ولكن المحقق يتتبعه وقريباً سيكون عند فؤاد.
أنهى فؤاد المكالمة عاقداً جبينه:
"والله لو فين هجيبك وأقتلك بإيدي. مش هيشفي غليلي إلا كده. ويا ترى مين اللي دفع لك؟"
أما في الفيلا، فكانت ليلة تتجنب فيروز وتشغل وقتها بالأولاد. وكان هناك شخص واحد واقف لفيروز وهو مراد. كان يكرهها بشدة ويراقبها. رغم صغر سنه، كان يعشق أمه ويتضايق عندما تفعل أي شيء لوالدته.
جلست فيروز وقالت:
"ليلة، وإيه رأيك بقه؟ مش عيشة العز أحسن من حتة الأوضة اللي كنتي فيها يا حبيبتي؟"
همت ليلة أن ترد ولكن مراد قاطعها وضحك:
"عيشة حلوة أوي. ماهي فلوسنا يا حاجة."
نظرت فيروز وبرقت:
"حاجة؟"
وأكمل:
"عارفة يا حاجة؟ بابا بيقولي لما أكبر هيقعد ويسيبني أقعد على كل حاجة. ماهو أنا ابنه. وحضرتك لو فضلت عايشة هبقى أسيبك برضه في حتتك. كل واحد في حتته. ما إحنا عندنا حتت كتير. وبابا قعد يعد لي."
هنا تجمدت فيروز وليلة من كلماته. وقامت وردة وقالت له:
"ماتلم لسانك يا واد انت."
هنا ليلة تدخلت وقالت بحدة:
"وردة، مالك؟ فيه إيه؟ دا عيل."
هنا مراد قام غاضباً واتجه إلى وردة وأشار بإصبعه:
"أنا مش واد، أنا مراد بيه. قولي ورايا. مش أنت بتاخدي فلوس من بابا، مش كده؟ اسمي إيه بقه؟ أنت كده مش عارفة اسمي."
وقطب جبينه وقال:
"وأنا هقول لبابا إنك بتقولي عليا واد وعايز لساني يتلم."
ذعرت وردة وقالت:
"والله ما قصد."
قال لها:
"طب اسمي إيه؟"
قالت له:
"مراد بيه."
قال لها:
"إيه؟ ماسمعتش على صوتك."
قالت:
"مراد بييييه."
قال لها:
"شاطرة يا وردة."
"وحضرتك يا حاجة لازم تاخدي بالك من الخدامين عشان ماينفعش يطولوا لسانهم. تقوم تطول لسانها عليكي ونزعل عليكي."
كانت ليلة مصدومة من ابنها. أحست أنه رجل وليس طفل. فقالت:
"مراد، روح شوف أختك."
قال:
"أختي الهبلة بتلعب بالعرايس. مابتعملش حاجة تانية في حياتها."
فنظرت إليه فيروز بغل:
"قال له متروح تلعب بالعرايس انت كمان. والا انت مش زي العيال."
فاقترب منها وصعد على رجلها وقال لها:
"تاني؟ لا يا حاجة. أصل انت مش عارفة ماما بتقولي انت مش عيل ولساني متبري مني وبتحاولي تسكتيني. بس أنا بيني وبينك مبعرفش. وكان اللي يقرب من ماما كنت ببهدله. عينيكي حلوة أوي يا حاجة."
نظرت إليه فيروز باستغراب:
"قالت له تسلم يابن ابني."
قال لها:
"لا، أنا مراد بس."
فقالت له:
"ماشي. شكراً."
فهتف بمكر:
"عارفة يا حاجة."
"واديلها يا واد حاجات خليها تنجلط."
"عينيكي شكل سكار بالظبط. مسحوبة كده ومرسومة."
لوت فمها وقالت:
"أسكار مين ده لآخر؟"
هنا تدخلت ليلة بتوتر:
"مراد، اطلع شوف أختك. بطل رغي."
"معلش يا طنط. هو كده عيل غريب. راجل صغير. سبحان الله."
لتهتف فيروز بسخرية:
"آه يا حبيبتي، واضح. بت يا وردة، طلعيلي أوضتي."
وصعدت والنار في بطنها من الواد اللي حرق دمها.
صعدت حجرتها تأكل في نفسها:
"أنا حاجة على آخر الزمن ويقول لي هقعدك في حتتك. هيصرف عليا ابن فؤاد وبيتبشر عليا. أنا جاية أعمل إيه هنا بالظبط؟ يا حسرتي ياني. الواد عقربة صغيرة وبلسانين. دا ملبوس. دانا باخاف منه. دا مبيسبنيش أقول كلمتين. مربيني. بقيت أخاف أكلم. لا وعينه جامدة. منك لله يا ليلة مخلفالنا شيطان. طيب اصبروا عليا. آه يا ناري."
دخلت ليلة المطبخ فاقتربت منها حميدة وقالت:
"انت يا ست ليلة، طيبة والحاجة معلش صعبة. بس خلي بالك من البت وردة بشفها واقفة بتتصنت وبزعقلها."
تفاجأت ليلة. ثم أكملت حميدة:
"حرسي يا بنتي. أنت طيبة وقلبك أبيض. لازم تاخدي بالك. وتاخدي بالك من جوزك. ماتبقيش ناشفة معاه. إلا واحدة تلهفه. اسأليني. فيه ستات حاطة أبيض وأحمر ويتسهوكوا لحد ما ياخدوا الراجل. وأنت طيبة مالكيش في السهوكه. وفؤاد بيه الله أكبر. عيني عليه باردة. حاجة تشرح القلب. دا لو جوز بنتي كنت خليتها تبقي قتب ليه تركب على ضهره."
كانت ليلة مسهمة. هو ممكن فؤاد يحب حد تاني؟
"آه، ليه لا. مش راجل وعايز ست. وأنت بومة بتعضي فيه."
ثم قطبت وقالت لنفسها:
"أنت اتجننتي؟ بتفكري في إيه؟ ما يتخطف والا يتنيل. أنا مالي."
نظرت لحميدة وقالت:
"طب يا خالتي، خلي بالك منها والنبي. وأي حاجة بلغيني."
قالت لها:
"عيوني."
صعدت ليلة حجرتها ولبست فستاناً رائعاً ذو حمالات عريضة وتركت شعرها منسدلاً. ووضعت بجانب شعرها فراشة ألماس ترفع شعرها قليلاً من الجنب. ووضعت ملمع وردي لشفتها. كانت ساحرة. ونزلت. وهيا في طريقها لحجرة الليفنج، أتى مراد ونظر لها.
"إيه يا ماما؟ أنت حلوة ليه كده؟"
قطبت جبينها وقالت:
"هو أنا كنت وحشة؟"
رد عليها:
"أبدا. بس بتلمعي كده. بتنوري يا ماما."
قالت له:
"بطل غلبة. أختك فين؟"
ليتزمر:
"يادي أختي. قلت لك أختي دي في دنيا لوحدها. كيوت أوي. ماعرفش جايه كده إزاي. دانا باخاف عليها لما أكلمها."
قالت له:
"عشان كده عايزك طول عمرك تحطها في عينيك. واللي يقرب لها تاكله. جميلة. برنسيسة كده. بسكوتايه. وأنت سندها في الدنيا."
انتفخ صدره وقال:
"ما تقلقيش. دانا هعجبك أوي لما أكبر."
قالت له:
"دانا عجبتني أوي دلوقتي. أمال لما تكبر هيبقي شكلك إيه؟ ربنا يحميك يابني."
وهنا جاءت فيروز. ونظرت ليليه من فوق وتحت وضحكت:
"إيه اللي حاطاه في وشك ده يا مرات ابني؟"
احمرت ليلة من الغضب. وهنا اقترب مراد من أمه وقال:
"إيه يا حاجة؟ الحاجات دي بيحطوها البنات عشان الولاد يحبوهم. أنت كبرتي وعجزتي. وأكيد ما تعرفيش. ماما أصلاً بتلمع كده لوحدها. وبسمع بابا بيقولها كلام حلو أوي. مش كده يا ماما؟ سمعته كذا مرة بيقولك يا قمر."
احمرت ليلة خجلاً واحمرت العقربة غضباً وكتمت نفسها. وقالت:
"أنا همشي عشان هنجلط."
وتركتهم. ثم ذهب مراد. تركته وخرجت الحديقة في جزء خاص لهم لتريح أعصابها. لتقرأ فهي شغوفة بالروايات الرومانسية. واند. ولم تحس بذلك الذي أتى من خلفها متسحباً ليضع وجهه عند شعرها وجزء من عنقها ويغمض عينيه ويشم رائحة عبيرها الساحر.
فجأة أحست بأطرافها تتجمد إذ أحست بأنفاس على عنقها. فاستدارت وصرخت. فغمض عينيه واستغفر ربه. فقطبت جبينها وقالت:
"حد يخض حد كده؟"
رفع حاجبيه وقال:
"أنا برضه اللي صرخت في وشك صح؟"
فصفقت ووضعت يدها في وسطها وقالت:
"لا، أنا اللي اتسحبت وخضيتك صح."
كان هو بقي في حتة تانية. وظلت عيناه تجول وجهها وجمالها وفستانها. كانت في حتة تانية. جمال بيبرق فعلاً. تصنم أمامها وهو سارح بها. حاول أن يتحرك ولكنه مذهول.
"دي ليلة؟"
فاقترب منها وهيا مرتبكة وقال:
"هو القمر بيطلع الصبح؟ لا قمر إيه؟ أنت مين؟ كان فيه واحدة هنا بتزعق على طول. هو أنا دخلت الجنة وحورية جات لي ولا إيه؟"
نظرت إليه مرتبكة وقالت:
"فيه إيه؟ مالي يعني؟ والا ما شبهش الستات اللي بيجولك في الشغل وحاطين أحمر وأخضر؟"
هنا ابتسم واتسعت ابتسامته. فمعشوقته تغير عليه. وقال:
"ستات مين؟ قصدك سيدات الأعمال. اسكتي يا ليلة. دا مقرفني. بيجو ولازقة. وتقولش الواحدة راحة تعمل موديل."
كانت كلماته تلتهب فؤادها. فنظرت غاضبة مشتعلة. وجهها أحمر.
"آه، وأنت مابتصدق تلزق في الموديلات. الـ إيه؟ عمري ما كان ليا في الشمال. وأنت كلك شمال. روح ارجع للموديلات بتوعك وخد ذنوب يا أخويا."
وتركته غاضبة. إلا أنه لم يتركها. فاقترب منها وأخذها في أحضانه وهيا تقاومه. وهو يضحك ومش قادر يبطل ضحك.
"طب والله قمر. ولا فيه حد يملي عيني وقلبي غيرك. أنت يا بيض. أنت. بس أنت حلوة أوي انهارده ليه كده؟ أنت عايزة تموتيني بحسرتي؟ عايزاني أفرّ فرفر براحة على قلبي إلا ماعدش قادر."
كانت قد استكانت بين يديه متخدرة من كلامه. واقترب بوجهه منها وهيا مسهمة. ليهتف بحب:
"حبيبي. قمر انهارده وقلبي شايط."
ليلة كان محتضناً إياها ويتلمسها بحنان. وهيا سرحت في عينيه بحب. وقلبها سيخرج من مكانه. ليشدها أكثر ويبدأ في ملامسة وجهها بشفتيه.
"قلبي هيموت والله وينفلق نصين. أنت حلوة ليه كده؟ ليلة. حبيبتي. أنت رحتي فين يا عمري."
أخذها وأطلع بها فوق. الآن لينحني ويتلمس شفاهها بهدوء. إلى أن سمع فجأة أحداً من خلفه. فتجمد وكز على أسنانه.
"حمد الله عالسلامة يا قلب عمتك."
هنا استجمع نفسه وشد ليلة إليه أكثر واستدار والغيظ ينهش قلبه.
"أروح فين؟ أطفش؟ يا رب ارحمني."
"الله يسلمك يا عمتي."
ردت عليه بخبث:
"طب ماتخشوا واقفين كده ليه؟ يلا جعنا."
هنا شد مراد ليلة التي تلون وجهها بالأحمر. وكانت مسيرة. فذهبوا جميعاً للداخل وجلسوا في الليفنج. وفؤاد مكلبش في ليلة في حضنه. وعمته نازلة مصمصة والغيظ يأكلها. وليلة في حتة تانية.
طلبت فيروز من وردة أن تخبر حميدة وتنادي الأولاد. وقاموا جميعاً. وأخذ مراد ليلة من يدها وأجلسها بجواره وقبلها من رقبتها وجلس.
جاء الأولاد مهللين وقبلهم جميعاً. كانت فيروز ستتجه إلى رأس المائدة الأخرى. فاسرع مراد وجلس مغيظاً إياها. ونظر بكره إليها. وخاطب أبيه سريعاً:
"بابا، مش أنا كبرت وبقيت راجل؟"
قال له:
"آه طبعاً يا حبيبي."
قاله:
"خلاص. أنت هتبقى الكبير بتاع العيلة. وأنا الكبير الصغير بتاع العيلة. مش كده؟"
ضحك فؤاد وقال له:
"والله يا ابني أنت ابن أبوك. تالت ومتلت."
وفي تلك اللحظة كتمت فيروز غيظها وجلست وسط المائدة. وجلست جميلة. كانت طفلة حالمة جاية من كرتون ديزني.
ظلو يتسامرون. وليلة صامتة والخجل يأكلها. ولا تعرف كيف ستواجه فؤاد بعد ما حدث.
وبخت نفسها:
"لازم أجمد. هي مالها؟ بقت سهلة كده."
أنهى الطعام. وقام الجميع لحجرة الليفنج. وبدأ الأولاد يلعبون ويمرحون. وفيروز عينيها باظة عليهم. قاعدة هتطير من النار اللي قايدة فيها. وليلة لا تجرؤ على رفع عينيها لفؤاد. وفتحوا أحد الأفلام وظلوا يشاهدون. وبعد فترة قام الأولاد لكي يناموا. وظلت فيروز وليلة وفؤاد. وهو واضعاً يديه عليها. وهيا بين أحضانه مستكينة. وظل يمسد كتفيها حتى تراخت ونامت بين يديه.
وهنا اغتاظت فيروز.
قالت فيروز بصوت عال نسبياً:
"ليلة."
لم تسمعها ليلة. ولكن فؤاد أشار لعمته محذراً أن لا توقظها.
فقامت فيروز لأنها لم تعد تطيق القاعدة. وقالت:
"تصبح على خير."
فهمس لها:
"وأنت من أهله."
وغادرت فيروز مقهورة.
وهنا ضم فؤاد ليلة إليه ووضع رأسه على رأسها وقال في سره:
"الله يسامحك يا عمتي. كنا ماشيين كويس بره. وكان فيه أمل. بس إزاي عيل فقر وخلاص هتصحى متحولة وترجع بعد مالانت بين إيديا."
قام بهدوء وحملها بين يديه. ثم صعد بهدوء. دخل حجرتها واتجه إلى السرير ووضعها بهدوء. وظل ينظر لها فترة. شعرها منسدل عالوسادة ووجهها مرتاح ومرتخي في جمال براق. ثم تنهد وغطاها. وذهب لياخذ شاور. عل الماء تزيل سخونة جسمه. خرج ووجدها مازالت نائمة. وجلس عالأريكة ينظر إليها. ظل الحب ينهش في قلبه.
"طب مش حرام؟ أنا هنام إزاي دلوقتي وهيا قمر كده قدامي."
ظل ينظر إليها وقلبه يأكله من فرط الانفعال. ثم هب من مكانه:
"أنا هنام جنبها. مش قادر خلاص. بس هبقى مؤدب والله."
ثم اتجه بهدوء إلى السرير. ثم تسلل بجوارها وأخذها في أحضانه. وشعرها يلتف على وجهها. كان كأن عقله سيذهب.
ظل يتلمس شعرها ويقبل رأسها.
"طب إيه؟ هنام إزاي كده؟ قلبي هيقف."
كان يشدد عليها. وظل ينظر إليها بحب.
"دا إيه المرار اللي طافح عليا ده. قلبي بين إيديا ومش قادر."
أحس أن قلبه سينشق من فرط رغبته فيها. لينزل بهدوء ليقبل جانب شفتيها بحب. وابتعد وتنهد بعمق. وظل ينظر إليها. ولم يستطع أن يصمد. لينزل على شفتيها بهدوء ليظل فترة. ليسمعها تتأوه ليبتعد وقلبه سيخرج منه. وظل يمسد على جسدها لتنام في هدوء. ليهتف بحب:
"خلاص. أنا كده جبت جاز وولعت."
ثم نهر نفسه:
"احترم نفسك ونام. إلا هيا ممكن تقوم وتصحى متحولة وشقاك نصين. بس أنام إزاي وهيا جنبي؟ يا رب. أنا عملت إيه في دنيتي عشان العذاب ده."
وضع يده على رأسها وظل يتمتم بعض الأدعية. ثم أنهى:
"اللهم ردها إليا رداً جميلاً."
وقبل رأسها.
"يلا يا فؤاد. اتنفس. أه. هيا في حضنك. اشكر ربنا ونام. اتخمد."
ظل قلبه وعقله يأكلانه. وهو دافن وجهه في عنقها قائلاً:
"يا رب. إيه الغلب ده."
ثم استغفر ربه ونام أخيراً. الغلبان.
استيقظت ليلة من نومها. وظلت تحاول التحرك. وأحست بأحد مكلبش فيها. فقطبت جبينها. وفتحت عينيها. لتتسع عينيها. وكان قلبها سينفجر من فرط الانفعال. ثم صرخت.
رواية ليلة النعماني الفصل السادس عشر 16 - بقلم ميفو سلطان
ظلت ليله تتحرك ولكنها أحست أن أحدًا مكلبش فيها، وهي لا تعرف كيف تتحرك.
لتفتح عينها ببطء، لتتسع حدقتاها من الصدمة. كانت نائمة على صدره ويديه حولها كأنها ستهرب منه.
رفعت رأسها وصرخت، وتدلّى شعرها على وجه فؤاد.
فاستيقظ مذعورًا وقال: "إيه؟ فيه إيه؟ البيت بيولع..."
ليجد ليله متشنجة، وأدرك أنها تحولت. فأبعد يديه بهدوء ورفعهما بجانبه دليلًا على الاستسلام والهدنة.
لتقفز مبتعدة، ولكنها مازالت قريبة وهتفت بحنق: "إيه ده؟ وإيه اللي جابني هنا؟ وإنت إزاي تنّمني؟ انطق!"
كان يحاول أن يهدّئ من روعها، فهي فزعته بصراخها.
فقال بغلب شديد: "حد يصحّي حد كده برضه؟ ده أنا نمت الفجر، حرام عليكي..."
لتقاطعه: "وإيه اللي نيمك الفجر إن شاء الله؟"
قال لها: "الغلب اللي نيمّني."
ردت مسرعة: "عمومًا أنا مالي."
وخبطته على كتفه وزقته: "أنا عايز أعرف إيه اللي جابني هنا."
قال لها: "ولا حاجة، إنتِ نمتي تحت بين إيديا وجيت أشيلك، كلبشتي فيا. حتى اسألي عمتي. وطلعت حطيتك عالسرير، وما عرفتش أروح الكنبة. لقيتك مكلبشة فيه، فنمت جنبك بكل أدب. والله أهو إنتِ كاملة مكملة وقمر زي مانتي أهو، وأنا اللي اتصرعت. خيرًا تعمل."
قطّبت جبينها مذهولة: "أنا عملت كده؟"
قال لها: "أناديلك عمتي؟ طب استني أما أناديها." وهمّ أن يقوم.
فانقضت عليه ومسكته: "لأ لأ، أنا مصدقاك، بس غريبة."
ليهتف: "ياستي عمتي زمانها صاحية و..."
قاطعته: "خلاص خلصنا، ولو حصل تاني ابقى صحيني."
وحدفت المخده بجواره، وكان هو يمثل الغلب. واتجهت غاضبة للحمام.
***
ما إن رحلت حتى انفجر فؤاد ضاحكًا: "مش سهل إنت يا واد يا فؤش، بس إيه عسل بنت الـ... مزة، بس مخها جزمه."
دخلت ليله الحمام وهي مشتعلة من الخجل: "يا نهار أسود، هيقول إيه عليا؟ زمانه بيقول دي كانت عايزة كده... أعمل إيه؟ شكلي زبالة وأنا عاملة جامدة، وأول ما يسبسبلي أنخ واقع. طب أعمل إيه؟ أنا موجوعة منه، بس لسه بحبه."
هنا اعترفت أخيرًا أنها مازالت تحبه، وكأن جبلًا زال من على صدرها.
"طب وبعدين يا ليله؟ ماينفعش تسامحيه؟ خبط لازق كده؟ لازم تطلعي على جتته القديم، إنتِ كرامتك اتهانت، لازم يتربى. طب يا فؤاد، والله لأوريكِ سهوكة الستات، ولا تعرف تنطق..."
"حد يلحق الغلبان؟ على آخر القصة هيموت مننا."
***
خرجت من الحمام لتجده يقف أمامها، ليقترب ويهتف: "إيه يا ليلتي؟ زعلانة ليه طيب؟ ما كان غصب عني."
لتتنهد وتهتف: "خلاص، ما فيش حاجة، عادي."
ليقترب ويهتف: "عادي يعني كده؟ هننام جنب بعض طالما عادي؟"
لترتبك: "هاه؟ بتقول إيه؟"
ليهتف: "إيه؟ مش عادي؟ وإلا المز ما يقدرش ينام جنبي؟"
لتهتف: "إيه؟ إيه؟ مين دي اللي ماتقدرش؟"
ليقترب ويحاوطها بيديه، فترتجف.
ليهمس بالقرب منها: "أمال بتترعشي؟"
لتبتلع ريقها: "هاه؟ أترعش؟ إنت؟ إنت بتقول إيه؟ مفيش كده."
ليهمس: "طب بصيلي في عيوني وقولي مفيش. بصيلي."
لتنظر إليه، ليمسك يدها ويتلمسها بشفتيه: "حبيبي، عيونه بتقول، والله بتقول."
لتهمس: "بتقول إيه؟"
ليحاوطها، لتتوه في نظراته: "بتقول فؤاد وحب فؤاد وعشق فؤاد... عشان فؤاد بقى واقع على الآخر، والله ما عدت قادر. ارحميني."
لتظل ساهمة.
ليهمس: "ليله."
ليشدها ويقبلها بهيام، لتتوه معه. ليشدها ويهيم بها، وتاهت هي معه بلا وعي منها، ومشاعرها تتصاعد.
لتنتفض عندما سمعا صرخات عالية، لينتفض ويهب فؤاد ليرى ما حدث.
***
نعود للوراء...
استيقظت فيروز وقررت أن تتربص بجميلة، فهي تراها عبيطة. وذهبت لتجدها تلعب في الجنينة جنب البسين، وأمرت لوزة أن تنده لها وترمي الكرة في البسين الكبير.
وهنا أتت جميلة بأدب، كان طفلة وديعة، بسكوتة، وقالت: "إزيك يا تيته؟ عاملة إيه؟"
قالت لها: "كويسة يا حبيبتي."
كانت أمنية قد دخلت تأتي لجميلة بالشراب. وهنا ألقت وردة الكرة بجانب المياه حتى تحضرها جميلة.
سألتها فيروز: "بتعملي إيه؟"
قالت لها: "بلعب كورة."
قالت لها: "طب روحي هاتيها. ألعب معاكي."
ذهبت جميلة تحاول أن تحضر الكرة، فسقطت في الحمام. وهنا اختفت وردة، واستدارت فيروز بالكرسي حتى يظهر أنها لم ترها.
وفي تلك اللحظة خرجت أمنية بالعصير تبحث عن جميلة، فلم تجدها. وظلت تنظر حتى وجدت طرف ثوب في البسين، فصرخت بأعلى صوتها ونطت في البسين كي تأتي بها.
وهنا سمعهم فؤاد ونزل جري ليرى أمنية تحمل ابنته. وقام بدفعها وأخذ ابنته وحاول إخراج الماء من جوفها، فتنفست لأنها لم تكن مكثت كثيرًا.
فصرخ في وجه أمنية: "أنا هوديكي في ستين داهية!"
أتت ليله وهي تصرخ فيه: "إيه؟ فيه إيه؟"
ثم قام وأخذ ابنته واستدعى الطبيب، وأعطاها بعض الأدوية وطلب الراحة، وطمأنهم عليها. وأحس بغرابة، فجميلة تخاف من الماء، إيه اللي وداها هناك؟ وأمنية تبكي وتقسم أنها كانت تحضر العصير لمدة دقيقة.
وسأل عمته، فقالت متمسكنة: "إيه يا ابني؟ هشوف بضهري وسمعي بقى على قدي يا قلب ستك يا بنتي..."
انتظر بجوارها طوال الليل، وأتت ليله لتجعله يذهب للنوم. رفض بشدة، وتركته فنام بجوار ابنته.
وفي الصباح حكت جميلة ببراءة كل شيء، وأن فيروز نادتها وكانت تريد أن تلعب معها، وأنها تركت الكرة على العشب، وعندما ذهبت لم تجدها، فوجدته في البسين وحاولت أن تأتي بها فوقعت.
هنا أحس فؤاد ببعض القلق: "طب لما عمته كانت موجودة، ما بصتش على البت ليه؟ وإيه اللي ودى الكرة البسين؟"
كان سيصاب بالجنون، ولكنه قرر أن يحتاط للأمر، وتذكر كلام كريم، فبدأ يفكر.
فراوده بعض القلق تجاه عمته.
مرت الأيام وأصبحت جميلة بخير، وفيروز لا تجرؤ على فعل شيء، ففؤاد ينظر لها نظرات غريبة.
***
أما على الجهه الأخرى، فهناك امرأة قررت أن تتدلل وتجعل غريمها يستشيط من الغيظ. فهي تريد مسامحته، ولكنها لا تعرف كيف. فقررت أن تشعله وتغيظه.
لبست فستانًا بحمالات رفيعة وقصير، ولم يكن من طبعها. واختارت أن تجلس في الجنينة.
وعندما دخل فؤاد، نظر إليها مذهولًا: "يخربيتك! لابسة إيه دي؟"
وظل يتلفت حوله، فأسفرع إليها ومسكها من يدها وشدها وصعد بها إلى حجرتها وركنها على الحائط، والغضب يتأكله لأن من الممكن أن يراها أي أحد.
فنظرت إليه غاضبة: "فيه إيه؟ إيه الهمجية دي؟ حد يشد حد كده؟"
خبط الحائط بجوارها وقال: "لو سمعت حسك، ماتبقيش تزعلي من اللي هعمله."
فكتمت وقلبت قطة من منظره.
"ممكن أعرف انتِ لابسة قميص نوم ونازلة بيه تحت ليه؟ ده أنا يا شيخة مابشوفكش في الأوضة إلا بلبس الغفر."
غضبت منه وقالت له: "غفر؟ أنا غفر؟ غفر في عينك! إشعرفك في اللبس؟"
قاطعها صارخًا: "وده لبس ليه؟ مجوّزة واحد بقرون، تنزلي كده قدام الحرس؟ إنتِ ماتتخجليش؟"
نظرت إليه بغيظ وقالت له: "ماكنش حد موجود، وبعدين إحنا اتفقنا كل واحد حر وفي حاله."
قال لها: "اممم حر، ماشي. يعني إنتِ عايزة تخلعي وأنا ألبس عباية وأطبلك؟ طب ما كنتِ تقلتيلي، أبقى عامل حسابي أروح أجيب إريل بستالايت وأرشقه في دماغي، كنت هحبك قوي."
لتهتف: "ماتحترم نفسك! إيه الكلام ده؟ ماله لبسي وأنا في بيتي؟ وإلا ده مش بيتي؟"
ليصرخ: "آه بيتك، بس لحدود الجنينة."
فخبطها على ذراعها وقال بغضب: "يحرق انفاسه، ذراعك ده كله باين! ماتتكررش تاني."
ثم خبطها على ظهرها: "وضهرك كله باين."
ونزل ولسعها على قدمها: "ورجلك دي باينة."
وهم أن يخبطها على صدرها. فانزوت في أحضانه وبكت من الكسوف: "خلاص خلاص، والله ما هعمل كده تاني."
ظل صامتًا، كانت خائفة مرعوبة، لم تقدر عواقب فعلتها وغضبه الشديد. لم تقدر أن ترفع نظرها إليه، وكان هو يتنهد من أفعالها، ولكنها بين يديه. فصمت وصبر.
رفعت وجهها ببطء، تفتح عين وتقفل عين، وتتساءل: "إيه؟ لسه هتضرب؟"
ركنها على الحائط: "يمين بالله يا ليله، لو لبستي كده تاني، لكون مرقدك في السرير شهر، وإنتِ حرة، فاهمة؟"
وزقها وتركها ورحل غاضبًا.
لتهتف بغضب: "إيه ده؟ زقني كده ليه؟"
أحست كان الغزو رحل، وفجأة تحولت وظلت تتنطط وفرحة أنه كان غيورًا عليها.
"ولسه يابن النعماني، أما نشوف هتصبر لأمتي."
وظلت تضحك وترقص بحركات مجنونة.
***
نزل فؤاد المكتب غاضبًا، والغيرة تتاكله. فمنظرها لا يروح من باله، كانت فاتنة. حاول أن يشغل نفسه بالعمل، ولكنه لم يستطع، فهيئتها لا تغيب عنه. والغضب يأكله أن يكون أحد رآها.
حاول مرة أخرى العمل فلم يستطع، فرمى الورق وصرخ: "يا رب بقى، ما عدت قادر! حد يرحمني!"
فإذا باتصال تليفوني يقاطعه، فاضطر أن يهدأ نفسه وفتح الخط. فكان من المحقق ليقول له إنه عثر على شخص له صلة بالطبيب في مكان في الصعيد، وأنه سيسافر ليرى. فشكره فؤاد منتظرًا المعلومات.
ظل يعمل في المكتب لفترة طويلة ولم يخرج منها، حتى لم يأتِ على العشاء. كان غاضبًا.
وكانت ليله قد صعدت لحجرتها ولبست بيجامة جميلة بنصف كم وشورت ليس بقصير، وكانت جميلة. وهي تحس بالذنب لأنه لم يأكل، وظلت تنتظر، ولكنه لم يأتِ.
دخل الحجرة ولم ينظر إليها، ودخل ليأخذ حمامًا ويغير ملابسه، والصمت يخيم على المكان. ثم اتجه إلى السرير لينام، كأنها ليست موجودة.
فتحت عينها: "إيه ده؟ هو هينام؟ لأ، مانا مش هاكل في نفسي وهو ينام."
وكزوجة مصرية أصيلة، ذهبت إليه وهزت: "فؤاد، إنت نمت؟"
لم يرد عليها. "فؤاد، ماتستعبطش، إنت ما لحقتش تنام."
قال لها: "عدّي يومك وروحي نامي."
رددت بغباء: "بس إنت ما أكلتش، هتنام من غير أكل؟"
قام وجلس: "يعني إنتِ عايزاني أسيبلك الأوضة وأطفش؟"
نظرت إليه بغضب: "إنت كمان ليك عين تزعل؟ إن ما كنتش ضربتني..."
نظر بذهول: "قلتِ إيه؟ ضربتك؟ أنا ضربتك؟"
قالت له: "واللي عملته الصبح ده إيه؟"
ابتسم بسماجة: "طب آسف، روحي نامي يلا بقى."
وشد الغطا وأدار وجهه.
"تسيبه إيه؟ أكلت في نفسي. إيه ده؟ بيكلم بنت أخته؟ لأ بقى."
وكشفت الغطا: "مانت مش هتسبني، أهري وأنام، وكمان من غير أكل..."
في تلك اللحظة شدها وأوقعها بجواره، فصرخت.
فقال لها غاضبًا بنبرة شديدة: "اسمع صوتك، ليلتك مش هتعدي، وعدّي ليلتك إلا أنا. على تكه وهعمل حاجات هموت وأعملها، فتحترمي نفسك كده وتبطلي فرك عشان أنا على آخري، فاهمة؟"
"وصرخ بها."
كتمت وصمتت وخافت وانكمشت وأعطته ظهرها. فأخذها في أحضانه ونام على الفور. أما هي فظلت تفرك حتى نامت من التعب.
استيقظت في الصباح فلم تجده، كان قد ذهب للعمل. فتبرمت وندمت أنها أغضبته، وتذكرت سيدات الأعمال وقالت: "يا خيبتك يا ليله، مش عارفة حتى تخليه يحن عليكي، دانتِ فقر. أهو هيروح يبص بره وإنتِ قاعدة، بيقول عليكي غفر."
واتجهت للمرآة فوجدت شعرها غير مهندم وقطبت وأكلت في نفسها: "إيه ده؟ عفريت؟ وهما هناك موديلات حاطين أحمر وأخضر. أحست بالقهر. طب أعمل إيه عشان يسيبهم؟ وماله كمان زعل أوي كده؟ مش فاهمة أنا إيه ده."
***
كان فؤاد قبل أن يغادر قد أخبر عمته أن الطبيب أكد على عودة صحتها، وأنه يوم أو اثنين وسيرجعها بيتها، وانصرف.
وصعدت فيروز لتلطم على وجهها: "خلاص خلاص، هيسيبني خلاص، هيرميني؟ ما لحقتش أشبطهم في بعض، ما لحقتش."
"لحست عقله وأنا لا حول ليا ولا قوة."
"يا قلبك اللي هيتحرق يا فيروز."
ظلت تلطم وتكلم نفسها كالمجنونة: "يومين وهمشي؟ لأ، ده أنا أموت. أروح فين يا حرقتاااااااي..."
لم يأتِ فؤاد إلا في المساء، وألقى التحية وجلس معهم، وظل يلعب مع الأولاد ولا يكلم ليله، ولم ينظر لها حتى، وهي على نار. ومر الوقت وقام الجميع للنوم.
فصعدت ليله ولبست بيجامة سوداء تظهر ساقيها وذراعيها، كانت رائعة.
دخل فؤاد ونظر إليها وخفق قلبه، ولكنه تجلد ودخل ليغير ملابسه. وخرج متجهاً إلى السرير.
فوقفت أمامه وقالت: "ممكن أعرف هتفضل كده لحد إمتي؟"
رد عليها: "كده إزاي؟"
فتذمرت ودبدبت: "كده اللي هو كده، إنت عارف أنا قصدي إيه."
كتم ابتسامته ورد عليها: "إنتِ عايزة إيه في ليلتك؟"
لتصرخ: "آه، قول إنك شايف لك شوفة. الست حميدة قالت لي وأنا ما صدقتش ونسيت الـ... إيه؟ أاتمنالك الرضا، ترضي؟ أخبار الأحمر والأخضر إيه؟"
اندهش وقال: "شايف لي؟ شوفة؟ أحمر وأخضر؟"
هنا ضحك بشدة حتى احمر وجهه، وتقدم منها وظل يتقدم وهي تتراجع. قال لها: "تصدقي بالله؟ ما فيش أحلى من الأبيض اللي مشقلب حالي، وإلا إيه يا أبيض إنت يا قمر."
رفعت إصبعها وهمت أن تتكلم، فقاطعها: "ليله، لمي ليلتك، إلا أنا. على تكه، إنتِ عايزة إيه؟"
قالت له: "تعاملني كويس قدام الولاد."
اقترب أكثر وقال هامسًا: "قدام الولاد بس؟"
خفضت رأسها واحمرت. فرفع وجهها وشدها إليه واحتضنها وقال: "كفاية بقى، أبوس إيدك."
مسك يدها ووضعها على صدره وقال لها: "ده هيموت عليكي. هتعملي فيه إيه أكتر من كده؟"
لم تنطق، وكانت مستسلمة له تمامًا. فاقترب منها وأغمض عينيه متلمسها وتنهد وقال: "وحشتيني. أنا حاسس إن قلبي هيقف. أنا مش مصدق إنك بين إيديا. كنت بحلم باللحظة دي."
كان يتمتم بكلمات العشق.
لترفع يدها وتهمس: "ابعد."
ليرفع وجهها ويقترب منها: "ما عدت قادر. تعبت. بعد سنيني تعبتني. روحي عايزة حبيبي، والله تعبت. ليله، أنا بحبك، وقلبي بيصرخ وعايز حبيبه. نفسي أعيش وأخش دنيتك، نفس ليلتي تبقى سعيدة وفرحانة."
ليقترب ويتلمسها بحنان.
لتهمس: "فؤاد."
ليهتف بهيام: "فؤاد هيموت وتبقى بتاعته. روحه. نفسي آخدك في حضني وأتوه فيكي. نفسي فيكي يا ليلتي."
لينحني ويتلمسها بشفتيه، وكانت هي في عالم آخر. كان يشدها إليه ويهيم بها، لترتخي بين يديها. ليرفعها أكثر وقلبه سيخرج من مكانه. أحس أن أخيرًا حبيبته ستكون له. كانت مغيبة مستكينة، لينة بين يديه، وهو جن بها. كانت وصلة من العشق. ليحملها ويريحها على الفراش بروية، وهو يتفنن في جعلها تهيم به أكثر.
كان قد أصبحا مغيبين تمامًا، وهو ينهل من عشقها بجنون. وأحس أنه سيحترق. وظلا يهيمان ببعضهما، وهما في حالة من التغيب التام عن الواقع. وأحس أنه سيملك حبيبته. وقفز قلبه فرحًا.
ولكن الواقع أبى أن يتركهما ليكمل، وليتمّا عشقهما. فرن هاتفه وظل يرن وهما مغيبين، إلى أن انتفضت ليله وابتعدت عنه، وقلبها سيخرج من ضلوعها. أما هو فاغمض عينيه بقوة، واضعاً يده على الحائط، قابضاً يديه، يحاول السيطرة على نفسه. ورنين الهاتف لا يكل ولا يصمت.
فهمست له بحرج شديد: "رد على الفون..."
تنهد وذهب ببطء وهو في حالة من السكر.
***
ليفِق فجأة على صوت المحقق، وقد اتسعت عيناه وبان الغضب عليه، واحمر وجهه حين قال له المحقق أن...
رواية ليلة النعماني الفصل السابع عشر 17 - بقلم ميفو سلطان
تحول نظرات فؤاد إلى الجمر عندنا سمع من المحقق أنه وجد الدكتور وهو في الطريق، فأخبره أن يذهب به إلى المخزن وهو سينتظره هناك. هنا قفل التليفون وكلم كريم وقال له:
"تكون في المخزن وتجيب الرجالة وأنا جايلك."
ثم أغلق الخط.
وتحرك سريعًا إلى حجرة الملابس فاعترضته ليله.
"فيه إيه يا فؤاد مالك عينيك حمرا كده؟"
نظر إليها وهو يحاول التحكم في النار التي بداخله.
"لقيته يا ليله، لقيته ومش هيبات عليه ليل. هخلص عليه بإيدي."
ذعرت ليله وكلبشت في دراعه.
"فؤاد اعقل كده يا حبيبي، أنت اتحولت ولا إيه؟ عشان خاطري اهدي والنبي وحياة ولادك."
أزاح يدها بهدوء ورد.
"سيبيني يا ليله، مش وقت كلام."
فأسرعت ليله من دون تفكير واحتضنته.
"كلبشت فيه وقالت له: ولما تعمل مصيبة إحنا هنروح فين؟ تاني يا فؤاد تاني، عايز تدبحني تاني؟ ليه بتعمل كده حرام عليك، ولادك محتاجينك، أنا محتجاك، حرام عليك."
هنا فؤاد هدأ تمامًا وحاوطها بيديه ثم حاول أن يبعدها وهي ترفض. فرفع وجهها فوجد دموعها تجري على خدها وتشهق من الرعب، فقبل وجنتها وقال:
"طب اهدي."
ردت مسرعة.
"لأ، أنت رايح تعمل مصيبة وهتتحبس وتسيبني."
ضحك ليخفف عنها وقال.
"خلاص، حبستيني وأنا واقف."
"أمال رايح تموت مين؟"
"فؤااااااد.... أنا أموت لو جرالك حاجة."
أخذها في أحضانه.
"ياااه يا ليله، أخيرًا."
ثم أغمض عينيه وتنهد وقال في سره.
"اهدي يا فؤاد."
قال لها.
"ممكن بس تفكي الكلبشة دي ونتكلم."
أحرجت وابتعدت عنه سريعة، فشدها إليه وجلسا.
"بصي يا ليله، أنا مش عيل صغير ولا هخلي نفسي عرضة للخطر، أنا لسه ما عيشتش أصلًا، هودي نفسي في داهية قبل ما أخش دنيا."
قاطعته.
"هتعمل إيه وأنت شكلك يخوف كده."
ليهتف.
"أنا لقيته يا ليله ولسه مش عارف هعمل إيه، بس اللي أعرفه إن حقك وحق ولادك والسنين السودة اللي اندعك وشي في التراب ليها تمن. أنا مش قتال قتلة، بس اللي جه عليا هيتعلم عليه ألف مرة. مش أنا اللي أتقرطس ويترمي ولادي ومراتي، مش أنا. أنا جوايا نار لازم أطفيها."
ظل يضرب على صدره.
"ده لازم يرتاح، وإلا هتجنن. أنا بتعذب في كل دقيقة، بعدك عني لوحده دبح ليا."
مسكت يديه وقالت له.
"طب اوعدني ترجعلي بخير."
ابتسم وقبل خدها وقال.
"اوعدك."
ثم قام وتحرك مسرعًا ليلبس ويأخذ أشياءه وينزل مسرعًا وركب عربيته ومعه الحرس.
وهنا ليله جلست ينهشها القلق.
"يا رب نجيه ورجعهولي يا رب، ماعرفش أعيش من غيره يا رب، إحنا اتظلمنا."
وظلت تبكي.
هنا وصل فؤاد إلى المخزن ليجد كريم صديقه وقال له.
"إيه ماحدش جه؟"
قال كريم.
"قدامه بتاع ساعتين."
فقال له.
"ليه كان مستخبي فين بروح أمه؟"
كان يشتعل من الغضب.
اقترب منه كريم وقال.
"أهدا يا فؤاد واعقل كده، أي تهور مش مطلوب."
رد مسرعًا.
"مش هقدر يا كريم، أنا حاسس إني هطبق في زماره رقبته، أطلع روحه في إيدي."
نهره كريم وقال.
"مش وقت انفعالات خالص، لازم نعرف ونقرر ونشوف مين اللي وراه."
ليهتف كريم.
"فؤاد، أنت ليك أعداء في السوق كتير وممكن يكون وراه حد تقيل، فنهدي كده ونشوف هنخطط هنعمل إيه خطوة بخطوة."
هاج فؤاد وصرخ.
"يمين بالله لما أعرفه لأخليه يركع يطلب الموت ومش هيطوله، همحيه من السوق كله، مش فؤاد النعماني اللي ينضرب بالشكل ده ومايردش. فؤاد النعماني كسرته تمنها كبير."
هز كريم رأسه منفعلاً وقال.
"ماشي، هنعمل كل ده بس بالعقل. فؤاد، ماتخليش مشاعرك تحركك."
ليصرخ.
"مشاعري؟ هو أنا كان هيبقى عندي مشاعر؟ اسكت يا كريم، دانا يا أخي اتمسح بيا البلاط، دانا بنتي كانت هتموت عشان شوية ملاليم. ولادي اتحرموا واتعذبوا ومراتي كرهتني واتهانت واتنعتت بأبشع الألفاظ، وأنت بتقولي مشاعر؟ أنا كنت ميت يا كريم وصحيت، كنت جثة، وليله وولادي رجعولي النفس اللي ناوي أخده من اللي عمل فيا كده."
ظلوا يتكلمون حتى طلع النهار، فاتصل على الرجل فقال له:
"إحنا داخلين عليكوا أهوه، نص ساعة أخري."
مرت وكان فؤاد يتقلي على الجمر. ووصل الرجل ومعه رجالاته ومعهم رجل مربوط العين والفم واليدين، ثم أحضروه الرجال ورموه على الأرض.
اقترب منه المحقق وقال له.
"أظن كده أنا تمام يا باشا."
فخبط فؤاد على كتفه برضا وقال.
"كنت عارف إن مفيش غيرك اللي هيجيبه."
ثم حرر له شيكًا بمبلغ ضخم، فابتسم الرجل وقال.
"يدوم العز دا أكتر من الاتفاق."
فابتسم له فؤاد وخرج الرجل.
"صرخ فؤاد في الحرس: اقفلولي بقه المخزن كده وفوقولي البتاع ده وهاتولي كراسي وطربيزة وسلسلة."
هم الحرس سريعًا لينفذوا أوامره. واقترب منه كريم وقال بنبرة حازمة.
"فؤؤؤااااد."
قال له.
"إيه يا كريم؟ دا النهار لسه في أوله يا راجل، صباح جميل نبدأه كده ونسمي الله."
كان الرجال قد انتهوا ووضعوا الرجل على كرسي متربط، فأحضر فؤاد جردل من الماء الساخن ورماه عليه.
فصرخ الرجل واستيقظ وما إن وعى ظل يصرخ.
"إيه؟ فيه إيه؟ أنتوا مين وعايزين إيه؟"
ثم وقع نظره على فؤاد ودخل الرعب والفزع قلبه وقال له.
"فؤاد بيه، إيه؟ فيه إيه؟"
ضحك فؤاد واقترب منه وقال بفحيح غاضب.
"بقي مش عارف فيه إيه يا روح أمك؟"
ثم انقض عليه وكان الرجل يتلوي ويصرخ من كثر الضرب، وكان فؤاد كالعمى يخرج حرقة السنين، وكلما تذكر منظر أولاده يضرب أكثر، وكلما أتت صورته وهو يرمي ليله وينعتها بأبشع الألفاظ حتى يهتاج أكثر، حتى قطع الرجل النفس من كثرة الضرب وأنهك فؤاد.
فاقترب منه كريم وشده.
"أنا سيبتك بس، وبعدين."
قال له.
"البعدين ده بتاعي كله."
فصرخ.
"فوقوه."
اقترب الحرس وقاموا بإلقاء جردل ماء عليه، فانتفض الرجل مذعورًا، فأمر الحارس أن يضعه على الكرسي وأحضر كرسي واقترب منه بهدوء وقال له.
"نعقل كده ونقول ونقر التحاليل اللي أنت زورتها وطفشت بسببها، مين اللي وزك؟"
فذعر الرجل وقال.
"تحاليل إيه؟ أنا مازورتش حاجة."
قال له.
"تصدق أنت جميل وتستاهل، وأنا نفسي ما اعترفش دلوقتي أصلًا."
وقام وخلع حزامه مثلما فعل في ليله وظل يضربه بشدة ويرزع وجهه في الحائط حتى أغمي عليه مرة أخرى.
فصرخ به كريم.
"فؤاد، لو مات بين إيديك الحقيقة هتموت معاه."
فهز فؤاد رأسه وأشار للحرس لإفاقته.
في تلك الأثناء كانت ليله تجوب الجناح يمينًا وشمالًا والقلق ينهش قلبها وهي مرعوبة على فؤاد وأن يتهور، وكانت تأكل في نفسها.
"يا رب رجعهولي يا رب، ماليش غيره.. يا رب دانا أموت."
هنا دخل عقلها.
"خلاص يا ليله هتتجنني عليه، ونسي له رميته ليكي ونسي مشيك في الشوارع، نسيتي ولادك وأنتم مش لاقيين تاكلوا."
هنا نهرت عقلها وتحكم قلبها وقالت صارخة.
"آه مانسيتش، بس هسامحه، دا شاف عذاب ماحدش شافه، دا لو كان جبل كان انهد، دا اتطعن في رجولته وفي شرفه، ولما عرف لقي ولاده ومراته مرميين في الفقر. اتعذب اتعذب."
خبطت على رأسها.
"عايز مني إيه؟ اسكت شوية اسكت. آه، وجعني.. آه وجعني وموتني، آه اتقطعت ميت حتة بسببه، بس بعشقه وبحبه، مش هنسي، بس هو يستاهل، أسامحه زي ما بيحارب عشاني، لازم أقدر ده. مش هقضي بقيت العمر أذل فيه وهو يموت أكتر. أنا تعبانة، عاوزاه جنبي، ونفس الوقت موجوعة منه. هموت من الخوف عليه، ونفس الوقت مش نسياله. يا رب أنا هتجنن. وجوده قدامي صحي كل حاجة حلوة جوايا، كنت فاكرة إني مت، طلع قلبي كان في الإنعاش، وجه فؤاد بحبه وتفانيه وصحاه. أنا مش عارفة هسامحه إزاي ونرجع إزاي، بس كل اللي أعرفه إن مرعوبة عليه، ولو جراله حاجة هموت وراه. أنا لسه ما عيشتش وعايزة أعيش في دنيا هو فيها. هو طعن الشرف صعب عالرجالة، غصب عنه، وآه موجوعة، والسماح مش عارفة هعمله إزاي، بس هموت وأسامحه. قلبي هيتجنن عليه وعقلي موقفني عند كرامتي وبس. بس اللي بيحب بيسامح، وأنا بحبه أوي."
ظلت تأكل نفسها طول الليل ما بين معاتبة ومرتعبه، حتى طلع النهار ولم تستطع أن تتحمل أكثر من ذلك، فاتجهت إلى الفون لترن عليه، كان هو مشغولًا ولم يرد، فأصبحت كالمجنونة.
"أكيد جراله حاجة، أكيد فيه مصيبة."
أكثر من عشرين مرة ولم يرد.
"لأ لأ لأ، فيه حاجة. قلبي موجوع."
وظلت تخبط على قلبها.
"هموت، أنت فين يا فؤاد؟ فؤاد مايسيبش فونه ومايردش عليا."
"قعدتي تقولي مش هسامحه، لما راح أكيد جراله حاجة."
ظلت تدور كالمجنونة وعيناها حمراء.
فتذكرت كريم فاتصلت عليه، فقطب جبينه عندما رأى اسمها، كان فؤاد أمامه نازل عجن في الراجل.
"طب أفتح أقولها إيه؟ معلش جوزك مش فاضي، بيعجن في نفر لما طلع روحه."
لم يرد واتجه إلى فؤاد أمسكه وقال.
"ما تعقل بقه يا أخي وشوف دي كمان اللي بتتصل بيك."
قطب فؤاد حاجبيه ونظر إلى الفون واستجمع نفسه وأنفسه، وظل بعض الوقت وهي مستمرة في الرن على كريم.
هدأ واتجه إلى تليفونه ليجد أكثر من عشرين رنة، منها كانت ليله قد انهارت عندما لم يرد كريم وظلت تلطم وتصرخ.
"فؤاد فؤاد."
هنا وجدت رنة تليفونها فالتقطتها سريعًا وفتحتها وهي تشهق من الرعب ولم تكن قادرة على الكلام. هنا فؤاد أحس بوجع في قلبه وهو يسمع شهقاتها فقال لها.
"ليله حبيبتي مالك."
حاولت الرد لم تقدر وزادت شهقاتها، فقال مسرعًا.
"فيكي إيه؟ أنت كويسة؟"
فاستجمعت نفسها وقالت وهي تشهق.
"أنــــــت كـــــــويـــــــس؟ مابتردش عليا ليه؟ فيك إيه؟"
هنا تنهد وارتاح فؤاد.
"حرام عليكي يا ليله، والله مانا ناقص يا قلبي."
قاطعته وقالت.
"أنا هموت عليك، أنت فين؟"
ابتسم واحس أنه امتلك الدنيا وقال لها.
"بجبلك حقك يا عمري."
صرخت وقالت.
"مش عايزة حاجة، تعالي، عايزك أنت."
قرر أن يلاطفها حتى تهدأ.
"قلها طب عايزاني أتجنن؟ بتقوليلي كده وأنت بعيدة، مش تحسي بيا شويه؟ أنت لو قاصدة تجلطيني مش هتعملي كده."
كانت تبكي فابتسمت وهدأت قليلاً وهدأت شهقاتها.
ثم قالت بهمس وحنية.
"طب ماتتهورش."
ليهتف بحب.
"أنا كده بطريقتك دي هسيب اللي في إيدي وأجي أتهور."
(أنت في إيه ولا في إيه يا عم انت 😂)
صمتت ولم ترد، فعلم أنها محرجة.
"قلها طب اطمني، أنا كويس وصدقيني، ثقي فيا شوية."
فردت مسرعة.
"أنا واثقة فيك والله."
تنهد وقال.
"طب إيه بقه؟ هخلص على اللي في إيدي."
فصعقت وصرخت.
فقال مسرعًا.
"قصدي هخلص اللي في إيدي وأجي على طول، مش هتأخر."
قالت بحنية شديدة.
"طب خلي بالك من نفسك."
تنهد منها ومن كلامها وقال.
"بس اوعديني لما أجي نعيد الحوار من الأول وأشوف أنت عايزاني إزاي."
فأسرعت وقالت.
"أنت قليل الأدب."
وقفتلت السكة.
ظل مبتسمًا لفترة وكريم ينظر إليه.
"وفي نفسه: والله أنا مصاحب مخبول، دا مش طبيعي، بيتحول في ثانية."
وفجأة تحول فؤاد فعلًا، كأنه أخذ جرعة منشطة واقترب من الرجل بمكر.
"خلاص يا جماعة، نهدا كلنا كده عشان الدكتور كامل هيقطع النفس كده."
فاقترب منه والرعب بادئ على الرجل وقال له.
"مش كامل برضه."
ابتلع الرجل ريقه وقال.
"هو فيه إيه يا فؤاد بيه؟"
قال له.
"تاني؟ دانت مصمم بقه، وأنا إيدي وجعتني، بس شايف التيران دول."
ثم قام وحدف الكرسي بعيدًا وقال.
"علقوه، بس من رجل واحدة، أما نشوف هيخبي لامتى ويستحمل لامتى."
في تلك الأثناء كانت ليله قد نزلت واقتربت لتجدهم يتناولون الطعام، فنادت عليها فيروز.
"مش هتفطري؟"
قالت لها.
"معلش يا عمتي، بطني بتوجعني."
فمصمصت فيروز وقالت لها.
"من إيه يا حبيبتي؟ شكلك أصفر، ماتيجي تقوليلي وأطمنيني."
(يمين بالله يا ليله لو قلتيلها لأكون مخرجاكي بره الرواية وأجيب للواد فؤاد بت تانية، ماهو خلاص بقه روحنا كلنا، طلعت للحلقوم وداخله عالبلعوم).
قالت لها.
"مفيش، هيا بتوجعني من بالليل."
(يا دي الهنا، زغرتو يا ولاد.. إيه ده؟ أخيرًا قفلتي بوقك يا شيخة.. ع الهبل وسنينه).
فلوت بوذها فيروز.
"لتكوني حامل يا مرات ابني."
انصدمت ليله من كلامها وهنا رد مراد.
"والله وأنت مالك يا حاجة؟ زعلانة ليه؟ تصدقي برضه بوقك كمان شكل اسكار. والله عسولة يا حاجة، واخده من سكار بقه وعنيَّه."
وأدار وجهه لأمه.
"والله يا ماما، أنتِ تجيبي لنا عيال كتير وأنا أبقى الريس بتاعهم."
واستدار لفيروز بلؤم.
(التي ستلفظ أنفاسها من الغيظ).
أكمل مراد.
"وأنتِ أبقي تعالي ربيهم عادي بدل ما أنتِ ما بتعمليش حاجة. هو أنتِ يا حاجة ما بتزهقيش من القعدة؟"
قالت له.
"ولا ما عدتش تكلمني."
اقترب منها فصرخت.
"قالت إياك تقعد على رجلي."
فضحك واستدار.
"لأ هيا مرة واحدة، مش أي حد برضه، كل شوية أقعد على رجله، دانا مراد فؤاد النعماني."
وقام وقال.
"شبعت."
ثم قامت جميله واتجهت لأمها وذهبوا، تركوها لتجد نفسها بمفردها منبوذة، تعض في الأرض.
(عندك خشب الطربيزة قرقشيه).
نروح عند فؤاد بقه اللي قاعد حاطط رجل على رجل وشايف الراجل متعلق وهو يقول.
"إيه رأيك؟ مش تعليقة حلوة يا دكتور؟"
والدكتور يصرخ.
"قاله إيه؟ عجباك؟ نريح شوية ولا نخليها من الإيدين؟"
وأشار للحرس فصرخ الطبيب.
"أبوس إيدك ارحمني."
فأشار لهم أن ينزلوه.
"ها هتقول ولا لسه فيه مناوشات؟ الأنا فاضي ومزاجي في السحاب."
فقال له.
"بص يا فؤاد بيه، التحاليل اتلخبطت في بعض يومها وطلعت التقارير غلط وماخدناش بالنا."
رفع فؤاد حاجبيه وقال.
"لأ يا راجل، تصدق أفحمتني."
فقام فؤاد واستدار ووجد مفك مرمي بجانب الصناديق، فاخذه وظل يلف به حول الطبيب وقال بسخرية.
"إيه داه؟ أنتو لسه مربطين إيده؟ ما يصحش كده، الراجل قال كل حاجة أهوه."
فاتجه أحد الحراس وفك قيد يديه.
فرفع الرجل يديه يركنها برعب على الطربيزة أمامه.
"يعني صدقتني يا بيه ومش هتموتوني."
ضحك فؤاد ثم جلس أمامه والطبيب جالس.
"قاله ماتقلقش، ما بنقتلش حد، إحنا، أنت شايفنا قتالين قتلة يا راجل."
كانا يجلسان وبينهما طربيزة صغيرة وقال له.
"قلي تاني كده التحاليل مالها؟"
فتلعثم الطبيب وكرر الجملة، ولم يكد ينهيها حتى قاطعه فؤاد وغرس سن المفك في كف يده.
فصرخ الطبيب وظل يصرخ من يده وفؤاد يجلس وعلى وجهه ابتسامة باردة.
"شفت صدقتك إزاي؟ هيا دي الإيد اللي لخبطت التحليل صح؟ مالهاش حق. وكل أما أصدقك أكتر هتلاقي من ده كتير. تحاليل إيه يا روح أمك اللي اتبدلت واتغيرت؟ فاكرني مختوم على قفايا؟"
نظر له الرجل برعب وصمت، فأشار لأحد الحراس ليأتيه بمفك آخر.
وهنا صرخ الرجل وقال.
"هقول، هقول على كل حاجة."
كان قد أحضر الحرس المفك وهنا قال فؤاد.
"استنى بس قبل ما تقول، أصلي بحب العدل."
ورشق المفك التاني في إيده التانية، فصرخ الطبيب وبكى وركن فؤاد واستراح على الكرسي وقال له.
"دلوقتي بقه تقدر تبخ كل السم اللي عملته، سامعك."
استجمع الرجل نفسه وكان الدموع تنهمر من عينيه وبدأ بسرد حكايته.
"قاله يا بيه أنا دكتور على قد حالي، جاتلي مصلحة أرفضها، وكانت فلوس كتير. جه واحد وقالي فيه واحد خطيبته بنت حرام وبتستنطعه وتاخد فلوسه، عايزين بس نفهمها إنه مابيخلفش وبعدين هنقوله. وقالي ليك مليون جنيه، فبدلت التحاليل وماكنتش أعرف إنك هتزعل."
رد فؤاد مستنكرًا.
"أزعل؟ لأ يا راجل، ربنا ما يجيب زعل، وأطبق على المفكين."
فصرخ الرجل.
"خطيبة إيه يا روح أمك اللي بتستنطعه؟ والله يا بيه يمين بالله ده اللي حصل. ومن حوالي شهر ونص كده جالي تاتي وقالي إنك عرفت ولازم أهرب. قلت مش أنت قلتوا إن خطيبته بتستنطعه وهتعرفوه بعد ما تسيبه؟ فقال لي: أنت تختفي من على وش الأرض، وأداني مليون جنيه، وعرفت ساعتها إنك لو عثرت فيا هتموتني، فكنت ههرب بره وقلت أكن في أي حتة لحد ما أشوف لو ما عملتش حاجة أستخبي في بلدي وخلاص. وسافرت أسوان بعيالي واستخبيت هناك، والله يا بيه دا اللي حصل وأنا أضحك عليا زيك."
اقترب منه فؤاد ونزع المفكات وصرخ الرجل مرة أخرى.
"وقال له: اممممم، أضحك عليك زيي؟ لأ، دانت طلعت المظلوم يا راجل، واتساوينا ببعض. وهنا تحولت عينيه إلى الجمر وأطبق على رقبته. ودلوقتي تقلي مين الو$خ اللي حرضك عليا."
هنا تذكر الطبيب ما قالته فيروز أنه لن يرف لها جفن بأن تقتله وتقتل أولاده، وهنا تمنى الموت على أن يحدث لأولاده شيء.
فقال.
"خلاص هقول."
فتركه فؤاد وصدره يعلو ويهبط بسرعة ورد عليه.
"أيوه كده، إلا المفكين، المرة الجاية ماعرفش هيروحوا فين، وأنا ما بعرفش أشن، وساعتها نقول الله يرحمك يا رجولة."
زعر الرجل وانكمش وقال له.
"يا بيه اللي جالي واحد بيه أنا ماعرفوش، هو واحد لما يجيلي من أي حتة هعرفه منين، يعني، وجابلي الفلوس في شنطة، قالي: إحنا بنعملك خدمة يا بيه، أنا اتخدعت، وكان راجل كباره كده وشعره أبيض و و و آه، وكان ماسك عكاز وكان له هيبة و و.. راجل يا بيه زي أي راجل كباره."
جلس فؤاد على الطربيزة وظل ينظر للمفكات وسرح لبعض الوقت، ثم أخرج فونه وقال.
"أمجد."
وكان هذا المحقق.
"فاكمل: هو أنتو لما جبتوا الدكتور كان لوحده ولا معاه حد؟"
قال ذلك وفتح فؤاد الإسبيكر والطبيب ملامح الرعب بادية على وجهه.
"فسمعه يقول: لأ، جبنا معاه مراته وولاده، بس وديناهم بيتهم وكان معاهم فلوس كتير."
قال له.
"طيب تروح تجيبلي عياله ومراته وتيجي."
ثم أغلق الخط.
واستدار له وقال له.
"اللعب لسه هيحلو أوي، وأنت عجبتني ومزاجي متسلطن، نبتدي ونسمي من الأول على بركة الله."
وقام واتجه للطبيب ووووو.
قلم ميفو السلطان.
رواية ليلة النعماني الفصل الثامن عشر 18 - بقلم ميفو سلطان
هنا أغلق فؤاد الخط. نظر إلى الطبيب وقال له:
"تصدق اللعب هيحلو وهنعوز حتة طرية في القاعدة."
وظل ينظر إليه والطبيب يرتعش. كل ذلك وكريم والحرس مذهولين مما يفعله فؤاد، وأنه شخصية جبّارة لا يستهان بها.
وهنا اقترب منه وقال له:
"انت عندك عيلين صح؟ وست؟"
فقام وظل يدور حوله وقال:
"اممممم طب هما عيلين، أنا معايا مفكين، يبقى فاضل الست، نعمل فيها إيه يا فؤاد؟ نعمل فيها إيه قدام جوزها وولادها؟"
كان يبث فيه الرعب. نظر لرجّالته وضحك وقال:
"إيه رأيكوا نعمل عليها حفلة انهارده؟"
وظل يضحك. ثم ابتعد عنه وقال للحرس:
"اتبعوني."
ووقف بهم بعيداً. والطبيب ظن أنهم يدبرون لاغتصاب زوجته. وكان فؤاد عينه عليه، فطلب من رجالته أن يضحكوا بصوت عالٍ. ففعلوا ذلك. وأمرهم:
"دلوقتي بقه تروحوا وكل واحد يبصلي بخبث وابتسامة اللي هو مستني الحفلة."
وفعل الحرس ما أمرهم. وكريم مذهول لا ينطق.
فقال الطبيب:
"انتو ناوين على إيه؟ مراتي وولادي لا.. موتوني انتو برضو هتعملوا زيها؟ هيا برضو هددتني هتموت ولادي.. مراتي وولادي لا."
وظل يصرخ بهستيرية:
"هتموتهم وانتو هتغتصبوا مراتي لا لا."
إلى أن سقط مغشياً عليه. هنا قطّب فؤاد جبينه:
"نعمل زيها.. هيا واحدة مش واحد."
فصرخ بهم:
"فوقوه."
أفاق الرجل وهو تقريباً قاطع النفس. اقترب منه فؤاد وقال:
"هو بقه كان راجل عجوز وشايب وكبير وماسك عكاز."
تلبّك الرجل وقال له:
"ارحمني."
وهنا وصل الرجل بسيدة ومعها طفلين. فأمر فؤاد أن يخرج الأولاد للخارج وتظل السيدة. فالأولاد ليس لهم ذنب في شيء. ثم قال:
"هنشوف الأول اللعب على مين يا رجالة."
وهنا مسكها أحد الرجال وقربها منه ورماها تحت قدمي الطبيب. وهنا قال له:
"اختار.. وادي المفكات قدامك والرجالة ورايا، انت اللي تختار.. يا إما تبقى راجل مرة في حياتك يا تفضل مرة ومراتك تشيل عار السنين."
اقترب كريم أخيراً وصرخ بالرجل وشده:
"ما تنطق."
"بقه دول مابيرحموش وأنا مش موافق على هيعملوه بس مش هتحرك، انت حر."
فنظرت الطبيب إلى زوجته بحرقة، ثم إلى فؤاد:
"بس تحميني وتحمي ولادي."
"قاله انطق انت قلت هيا.. هيا ست مش راجل.. مين الست دي وتعرفها منين؟ انطق بقه."
وقام رازعه بوكس ليتدفق الدماء من فمه. هنا انهار الطبيب وقال له:
"خلاص يا بيه خلاص بس ولادي ومراتي مالهمش ذنب وطالب حمايتك. أنا عارف إني هخش السجن بس مش هستحمل العار. أنا هقلّك على كل حاجة."
وبدأ في سرد الحكاية بحذافيرها. ثم أنهى حديثه قائلاً:
"واللي عمل كده فيروز هانم عمت حضرتك."
نظر فؤاد إليه ببلاهة لفترة ثم انفجر في الضحك. ونظر إلى كريم وقال:
"يعني لما أقوم أشقه نصين دلوقتي ماتبقاش تزعل."
ومسك المفك. فانحنى الطبيب مسرعاً تحت قدمه وصرخت الزوجة:
"أقسم لك بالله هيا اللي أدتني الفلوس وجاتلي قبل ما تعملوا التحليل وجتلي أكتر من مرة، والتسجيلات معايا."
نظر فؤاد إليه بذهول وقال:
"انت تقصد مين؟ عمتي أنا؟ الست اللي كانت معايا؟ عمتي أنا اللي لابسة نظارة وقصيرة شوية؟ انت تقصد كده؟ الست الكبيرة؟ الهانم اللي كانت ماسكة في دراعي."
وظل فؤاد يهذي أكثر من مرة بالكلام عن عمته بذهول وقلبه سيقفز من ضلوعه. اتجه إليه كريم ومسك يده وقال له:
"فؤاد مش وقت انهيار خالص."
ثم اتجه إلى الطبيب وأحضر التسجيل وبدأ يسمع أوامرها له وهي تأمره أن يفعل ذلك وصوتها مليان بغل في المسجل.
مسك فؤاد التليفون وظل يعيده أكثر من مرة وسقط على قدميه ودموعه تتساقط على وجهه. ظل أكثر من ربع ساعة جالس على الأرض ويعيد في التسجيل. وسكتت الدنيا من حوله صمت مطبق. فؤاد النعماني وفيروز النعماني في مشهد واحد. الصوت وصداه بداخله كانه يخرج من داخله. كان محني الرأس على الأرض يسمع التسجيل وصوتها ينغز جسده. كان كلما انتهى التسجيل لا إرادياً يعيده. كان يريد أن يتغلغل صوتها حتى يدرك أنها هي. كان في دنيا أخرى وسرح إلى أيام صغره وهي تغنجه وتحضنه وسرح في ذكرياته معها. كان في دنيا غير الدنيا وكان كأنه جن ولا يشعر بمن حوله. وكان الحراس وكريم كأن على رؤوسهم الطير لا أحد يجرؤ على الكلام. فهم في فاجعة كبرى. كان يعيد الشريط ومع كل إعادة يمحو ذكرى لها من قلبه. كان كل صوت يتغلغل ينزع شيئاً لها من داخله. ظل يعيد ويعيد وصوتها ينتزع حبها من قلبه. كان غلها قد نعش قلبه ومزّق فؤاده. كيف تفعل أمه به ذلك؟ كان الصوت ينساب ويدخل إلى الوريد يحرقُه بركان يسري بداخله ويتصاعد ويشتعل حتى محى كل ما فعلته له. وذهب إلى عالم آخر كان مع صوت عمته وهي تقتله.
اقترب منه كريم وجثى على قدميه وقال:
"إيه يا فؤاد؟ انت اجمد من كده، انت وقعت وقمت ودلوقتي هتقوم."
ظل يهز فيه فؤاد. ولكن فؤاد كانت يده على المسجل كحركة لا إرادية لتشغيله ولا يستجيب، مغيب تماماً وصوت عمته يتردد في عقله لا يحس بشيء آخر. وظل الصوت يخرج من عقله ثم من جوفه موجعاً إياه وليس من التسجيل. رعب، مشهد مرعب وموجع للقلب. شخص طعنه أتته ممن كان يعتقد أنه روحها وهي روحه. طعنة أتت لتنغرز وتدوس بقدمها على أثر الطعنة لتقتله تماماً فقتلت كل مشاعره تجاهها. ليتذكر دعوة ليلة: "يا رب تدوق طعنة الحبيب."
ولم يجد كريم طريقه لإفاقته إلا أن قام بصفعه على وجهه. فارعد فؤاد وارتد للخلف ونظر إلى صديقه. الذي صرخ له وقال له:
"فوق، مش وقت وقوع، فوق بقه. عيالك ومراتك في خطر."
تجمد فؤاد ونظر لصديقه وأعانه كريم على الوقوف. وهنا تدخل الدكتور:
"مش خلاص يا فؤاد بيه، كفاية عليا كده."
نظر إليه وهو يلفظ أنفاسه ولم ينطق. وهنا تحدث كريم:
"خدوهم، هو كده كده متبلغ فيه التلاعب والخداع والتزوير. سلموه، إحنا كده مش عايزين منه حاجة."
وأخذه الحراس وهو يصرخ:
"بلاش يا بيه مستقبلي هيضيع، بلاش يا بيه هيا السبب، هتخرب بيتي."
وظل يصرخ:
"هيا السبب، هيا السبب."
إلى أن ذهبوا به. وهنا جلس فؤاد على الكرسي صامتاً في عالم آخر. وصوت كلام عمته يخرج من أعماقه وأوشك أن يفجر دماغه وأحس بتصاعد الدماء إلى رأسه وانشقاق في قلبه ووجع. وملامحه كانت تصرخ من الوجع. واقترب منه كريم بحذر ووضع يده على كتفه:
"حقك عليا يا صاحبي، الدنيا فعلاً وحشة أوي. أنا حاسس بيك، الطعنة صعبة أوي."
وهنا قام فؤاد بصعوبة ونظر لكريم بعد أن قال ذلك. وانفجر ضاحكاً:
"عمتي ههههههههه، دي طلعت عمتي."
وظل يضحك وكريم ينظر إليه مصعوقاً مقطب الجبين. وانهار في هستيرية ضحك:
"طلعت عمتي يا كريم.. ودموعه تنهمر على وجهه بغزارة. الخنجر طلع بتاع عمتي.. الغرزة والطعنة بتاعة عمتي.. عمتي.. عمتي يا كريم."
وظل يتعجب بهستيرية:
"عمتي! عمتي أنا! عمتي تعمل فيا أنا كده! عمتي.. أمي أمي أنا تعملي فيا كده؟ روحي.. عمتي لا لا إزاي طيب؟ عمتي أنا ترمي ولادي في الشارع؟ لحمها يترمي؟ عمتي... عمتي فيروز.. عمتي اللي ربتني."
فقال كريم:
"فؤاد أنت كويس."
وهنا أكمل في الضحك وهو يقول:
"كويس؟ انت بتسألني أنا كويس؟"
وعند تلك اللحظة لم يعد يتحمل. فهذا يكفي. لم يعد جسمه يستطيع الصمود أمام كل هذا الوجع. وأعلن استسلامه فالتمزق وصل إلى أخره وقلب فؤاد النعماني أصبح أشلاء. فصرخ فؤاد خابطاً على قلبه:
"آآآآآآآآآآه."
ثم سقط مغشياً عليه. هنا أحس كريم بالذعر ثم اتجه إليه وحاول إفاقته ولكنه لم يستطع. فأمر الحراس بسرعة أن ينقلوه إلى المستشفى. فدخل على الفور وظل ينتظر بقلق شديد. وبعد فترة جاء الطبيب ليخبره أن فؤاد دخل في انهيار عصبي شديد. وأنه أدوا له مهدئ وسيفضل تحت المراقبة والحمد لله لا توجد جلطات ولا حاجة وبكرة يتمنى أن يكون كويس.
أحس كريم بالقهر على صديقه وسقط على المقعد. وأيضاً حزن الحراس لرئيسهم واقتربوا من كريم. فرفع رأسه والدموع تنزل من عينيه وقال:
"يمين بالله لو حد شم خبر باللي حصل في المخزن ليتشاهد على روحه."
وهنا وضع قائد الحرس يده على كتف كريم وقال:
"عيب يا كريم بيه يتقال لنا كده، داحنا نفديه بروحنا بس يقوم لنا بالسلامة."
ظل كريم يفكر كيف سيخبر ليلة إذا اتصلت. أحس بالعجز ودخل على صديقه ووجده نائماً ووجهه شاحب ولا يشعر بشيء. وظل دموعه تسيل على وجهه. وهو يرى فؤاد النعماني بجبروته مسجى على السرير لا حول ولا قوة. فؤاد غول سوق المعمار سقط متهالكاً من كثرة وشدة الطعنات. اقترب منه ودموعه تنهمر.
"قوم يا فؤاد، انت جامد وقوي، قوم يا حبيب أخويا، قوم ماليش غيرك، قوم يا سندي.. يا أخويا اللي دايماً شايلني، يا أخويا اللي أمي ما جابتهوش. قوم يا قلب أخويا ماتقطعش قلبي.. مش قلتلي أنا عمري ما فارقك يا كريم، انت كأنك أخويا الصغير.. مش قلتلي طول ما أنا موجود ماحدش هيقدر يقربلك.. كريم بيقلك قوم لأنه خايف يبقى لوحده. عارف إن الصدمة صعبة، لا دي مش صدمة دي فاجعة، اتطعنت في ضهرك من أقرب الناس، لا ضهرك إيه دا الغرزة جت في قلبك شقته فرافيت اتمزعت وما تحملتش. فؤاد النعماني راقد واللي راقده اللي كان فاكرها أمه.. قوم مش قلتلي نفسك تخش الدنيا. قوم يا حبيبي دنيتك مستنياك. قوم وخد منها فرحك اللي ما خدتوش. قوم خد نصيبك من دنيا ما عشتهاش. قوم ماتقهرنيش ولا تفجع قلبي."
كان كريم يشهق بشدة.
"انت جبل وكلنا اللي بنتحامي فيك، انت كل حاجة وإحنا اللي وراك، انت العمود ماينفعش يتكسر. انت الكبير بهيبتك وشخصيتك وهتفضل. قوم انت ماتستاهلش كده. آه صعب اللي شفته بس قوم، قوم يا حبيبي انت لك حق تسعد وتحب وتعيش لولادك ومراتك.. انت ليك حق تتحب يا فؤاد لأنك يا حبيب أخويا تستحق تتحب."
كانت شهقاته تقطع أنفاسه. ففؤاد أخيه وصديقه وكل ماله.
"لا اعتراض على حكمك يا رب بس كتير والله كتير. فؤاد ما عملش حاجة وحشة يستحق عليها. إيه الابتلاء ده؟ انت يابني ربنا بيحبك لأن الرب إذا أحب عبداً ابتلاه. آه يا قلبي كلك خير وقلبك مليان خير وفاتح بيوت للخير بس نقول إيه أمر ربك. غلبت أقولك عمتك مش سهلة، حرص منها بس انت كنت طيب أوي ومأمن أوي ومديها ضهرك ومغمض، وهيا تطلع ملعونة أوي ومجرمة. لا مجرمة إيه دي مجنونة، دا راكبها شيطان. دانت بتقلها يا أمي.. تعمل فيك كده؟ إيه الجبروت والفجر ده؟ سنين وانت نايم في حضن أفعى بتبخ سم.. ومش أي سم أفعى وحرباية بتتلون وتنهش من غير ما حد يحس. دي يبني فاقت كل الشياطين، وأكيد هيا اللي دبرت حادثة البت."
هنا قطّب جبينه ومسح دموعه وقال فجأة:
"دا كده ليلة والعيال في خطر."
هب من مكانه:
"طب وبعدين."
وهنا خرج وأمر أحد الحراس أن يعود إلى الفيلا ويجعل عينيه على تلك العمة ويخبر حميدة أن تراقبها. وأخبرها:
"دا أمر مني.. خليها زي ضلها."
فامتثل الحارس وذهب. ثم ذهب إلى مدير المستشفى أن يمنع أي خبر عن وجود فؤاد في المستشفى. ثم جاءت ليلة على باله. وهنا ظل يفكر كيف سيخبر ليلة ولكنه لا يعرف كيف. فجاءت له فكرة وأرسل إلى ليلة رسالة من تليفون فؤاد يخبرها أن تحضر الأولاد فهم سيسهرون بالخارج ويبيتون في أحد الفنادق للاستجمام ولكن لا تخبر مخلوق حتى لا تزعل عمته. فلتتحجج بأي حجة وسوف يوصلك الحرس. وأن تقول إن فؤاد جائته سفرية لعمته. وأكمل:
"حتى تصدقيه. فأنا في انتظارك على شوق حبيبتي.. وحشتيني.. فكل شيء تم بسلام."
كانت ليلة في تلك اللحظة نائمة. فقد سهرت طول الليل. ثم مر بعض الوقت فاستيقظت وكان الوقت المغرب. فاندهشت وسألت حميدة لتعلم أن فؤاد لم يحضر. فاستغربت وفتحت تليفونها لتكلمه فوجدت الرسالة. فابتسمت حالمة إذ علمت أنه يريد أن يقضي معهم بعض الوقت دون وجود تلك المزعجة. فذهبت إلى الأعلى ولبست ولبس أولادها وهموا بالخروج. لتسألها تلك الحرباء على فين يا مرات ابني. نظرت إليها:
"مفيش يا عمتي. فؤاد قالي إنه جائته سفرية وأنا استأذنته أروح للست فوزيه أبيت معاها يومين عشان وحشتني."
لوت بوزها وفرحت فهي لا تطيقهم. ففؤاد مسافر فليذهبوا إلى أي مصيبة. فاسرعت بسعادة وقالت:
"براحتك يا مرات ابني."
قالت لها:
"سلام يا عمتي."
فهمست وقالت:
"الله لا يسلمك ولا ترجعي تاني."
ثم نادت على وردة وقالت:
"بت يا وردة اعمليلنا حاجة نشربها وهاتي شوية مكسرات وتعالي افتحي المدعوء ده وعلي الصوت.. دا يوم الهنا لما غارت مرات فؤاد."
نتركها تقضي آخر ليلة بإذن الله سعيدة ونذهب إلى ليلة التي ركبت مع الحراس وكان معهم أمنية. فذهب الحارس بهم إلى فيلا كريم. وكان منتظرهم كريم.
"ليلة.. إمال فؤاد فين واحنا هنا ليه؟"
هنا اقترب منها لتجد عينيه حمراء لتحس بقبضة في قلبها. وتحول كريم إلى أمنية وقال:
"أنت هتاخدي العيال وتخلي بالك منهم وهيبقي معاكي حارس يلازمك، ماشي؟ وإياكي تخرجي من الفيلا أصلاً، هيمنعوكي."
وأمرها أن تحضر تليفونها وأخذه منها تحت نظر ليلة التي بدأ القلق ينهش قلبها. لتهتف بخوف:
"فيه إيه يا كريم؟"
فرد:
"دقيقة يا ليلة."
وجه كلامه للحراس وقال:
"إياك حد يدخل أو يخرج أو يتكلم في التليفون بعمركم، أولاد فؤاد بيه أمانة فاهمين."
ثم أمر ليلة أن تأتي معه. فاتجهت إلى أولادها تطمئنهم وتخبرهم أنهم سيذهبون للست فوزيه عشان تعبانة. فصمت الأولاد ودخلوا مع أمنية للفيلا. وهنا استدارت لكريم:
"فؤاد جراله حاجة صح؟"
نظر إليها وقال لها:
"فؤاد كويس بس تعبان شوية وهنروحله."
فارتاعت وصرخت:
"تعبان إزاي؟ كريم ماتجننيش، فؤاد جراله حاجة، قلبي بيوجعني، أنا حاسة إن فؤاد بيه حاجة.. وحياة ربنا قولي جراله إيه."
اقترب منها وقال:
"اهدي يا ليلة، فؤاد هيبقي كويس."
فصرخت:
"هيبقي هيبقي يعني جراله حاجة؟"
مسكته من قميصه وظلت تصرخ:
"مخبي عني إيه وجايب عيالي هنا ليه وحاطط حرس؟ مين بيهددنا ومين عمل في فؤاد إيه؟"
ثم صمتت وخبطت قلبها ليكون اللي كان رايحله عمل فيه حاجة وهيجي ليا ولولادي. يعني إيه أنا بقيت لوحدي تاني؟ ضربت كريم على صدره:
"ماتنطق يا أخي."
هنا قال لها كريم ما جعلها تنتفض وتخبط على قلبها بعنف وأحست بأن الموت أهون إليها عندما قال.
رواية ليلة النعماني الفصل التاسع عشر 19 - بقلم ميفو سلطان
اقترب منها كريم وهيا في حالة هيستيريا.
هو كويس، بس في المستشفى تعبان شوية. طلب منها إنها تيجي معاه، فهرعت للعربية وقلبها يرجف بعنف وذعر.
أثناء الطريق، كان كريم يخبرها ببعض المقتطفات، ولم يخبرها باعتراف الطبيب كاملاً. وأن الطبيب بدل التحاليل عن خطأ.
عندما وصلوا بجانب المشفي، قال لها: "ليلة، انتي لازم تبقي قوية. ودلوقتي هو محتاجك. فؤاد وقع وجاله انهيار عصبي وأخذ مهدئ، وبكرة هيبقي كويس."
أحست ليلة بأن أنفاسها تقطعت وبدأت تشهق. ومسكت كريم وقالت له: "انت بتقول إيه؟ فؤاد مين اللي جاله انهيار؟ فؤاد جوزي أنا.. فؤاد حبيبي جاله انهيار. عملتوا فيه إيه؟ آه يا قلبي، كنت حاسة.. كنت حاسة.."
ثم صرخت به: "وديني ليه بسرعة."
أخذها كريم ودخل المشفي. وكان قلبها يكاد يتوقف، وتبحث في وسط الحجرات كالمجنونة. حتى وصلوا لحجرة فؤاد لتدخل عليه مسرعة.
تتسمر لتجده نائماً. ونظرت لكريم بذعر. فقال: "هو يا ليلة نايم. وكويس صدقيني. عايزة تقعدي جنبه براحتك؟ عايزة أحجزلك أوضة؟"
قاطعته مسرعة: "أنا هقعد معاه."
نظر إليها وحزن عليها أيضاً. فهي أصبحت شاحبة ومرتعبة.
ثم استأذن وقال: "أنا بالخارج لو أردتي شيئاً."
ما أن خرج كريم، حتى تسمرت ليلة قليلاً. كانت خائفة أن تقترب، أول مرة تراه بهذه الحالة. مسترخياً ووجهه يفيض بالألم وشاحب، والأجهزة حوله.
"لا حول ولا قوة."
جلست ليلة بهدوء بجوار فؤاد. ومسكت يده وظلت تبكي في صمت.
ثم اقتربت منه أكثر وهمست: "فؤاد حبيبي، انت سامعني؟"
كانت تمسك يده وتقبلها تارة، وتضعها في أحضانها تارة.
"فؤاد، إيه اللي حصل عشان يوقعك كده؟ انت عرفت إيه اللي قطم ضهرك كده؟ فيه إيه؟ قلبك ما قدرش يستحمله؟ لا يا حبيبي، الدنيا دي ما تسواش. انت اللي بتعملها. انت دنيتي يا فؤاد. قوم يا قلبي، قوم يا روح ليلة. انت ماينفعش تنام كده. مش فؤاد اللي يرقد كده، انت دايماً واقف جبل ما حدش يقدر عليه. قوم يا عمري ودنيتي. انت نفسي اللي بتنفسه. طب بص، قوم هقولك حاجة حلوة. قوم مسامحاك والله مسامحاك. دانا أموت وراك ولا أعيش دقيقة. ونفسي وروحي بتتسحب. هتروح مني يا عمري."
نامت على صدره وظلت لفترة تشهق، لا تستطيع أن تصمت. وتمسد على صدره وتبكي وتبكي وتنادي عليه.
"فؤاد.. حبيبي.. رد عليا... قلبي بينخلع يا حبة القلب. قوم يا قلب، ليه؟ اتهني انت ما تهنيتش ولا شفت فرح. قوم خد نصيبك من الدنيا واديني نصيبي. اتكتب علينا نرقد والقهر ينهش جوانا. قوم إيه اللي رقدك؟ الطعنة غرزت والغرزة نفذت وجابت قلبك. قوم وأنا هاخده أدوي. عهد عليا أداويه."
اعتدلت مرة أخرى واقتربت منه أكثر وقالت: "طب مش انت قلتلي أنا مستنيكي تسامحيني، وإنك مستني تبقى الراجل اللي بينفذ وعده؟ طب إيه بقى؟ أنا أهو، إيدك على قلبي وبقولك مسامحاك يا عمري."
ضحكت والدموع تسيل على وجهها وقالت: "كنت بفكر هسامحك إزاي وأقول هعملها إزاي دي وكرامتي؟ أنا دلوقتي أهو بين إيديك وبقولك قوم يا عمري مسامحاك. قوم وخدني في حضنك. قوم والله قلبي راضي. راضي أبقى أي حاجة جنبك بس تقوم وتبقى جنبى. أنا ما عشتش لسه يا فؤاد. كنت عاملة جامدة وأنا بتقطع من جوايا. كانت كرامتي وذل السنين وشقايا مانعني أعاملك كويس."
نامت مرة أخرى وتحرك يديها على صدره وتبكي وتشهق وتهمس: "ما عشتش والله ما عشتش. إيه عايز تحسرني تاني؟ أنا هسند على مين؟ ما عادش قادرة. ضهري اتقطم وهينكسر لو ما قمتش. أنا ماشفتش الفرح إلا لما رجعتلي."
قطبت وقالت بنبرة حادة: "قوووووم. ليا حق عندك تسعدني. قوم قوم. قوم يا حبة القلب، قوم يا فؤادي. قلتلي انت خدت قلبي ومستنيكي ترجعيه. ساعتها هتملك الدنيا."
فانهمرت دموعها أكثر. "خلاص يا نن عيني، قوم وخد قلبي وقلبك. خد روحي. قوم يا قلبي وأنا أوريك السعادة عن حق. مش عايزة إلا إني أسعدك. طب مش عايزة حاجة لنفسي. مش هزعلك ولا هقولك حاجة بس تقوم لي. قوم يا روح ليلة وأنا هقعد تحت رجليك بس قوم. طب ولادك أقولهم إيه؟ بابا مش بيقوم ليه؟ قوم ست سنين مرار."
ركنت عليه وظلت تداعب وجهه بحنية وهمست: "ست سنين نايمة لوحدي مكموشة وخايفة. ست سنين وشي بنجاب الأرض. ست سنين خايفة. ست سنين ما فيش يوم نسيتك. بس عارف خلاص راحوا برقدتك دي. هديك قصادهم سنين عمري كلها. هديك اللي تعوزه أنت بس شاور. مش كنت بتقلي يا قمر؟ قمرك بيقلك قوم يا شمس حياتي يا نور اللي منور قلبي. أنا مظلمة ومطفية. قوم واسقيني من نورك يا عمري. قوم يا فؤاد ما تهزرش. أنا جيت وولادك في البيت. بقلك أهو. إياك إياك تسيبني تاني. والله أرقدك في المستشفى."
وهنا بكت أكثر. "أرقدك إزاي؟ أزززززاي؟" بحرقة وقهره، "وأنت راقد يا قلبي. آآآآه قلبي هموت يا فؤاد."
وكانت تشهق حتى انفجرت وخرجت مسرعة من الحجرة. فمسكها كريم وأجلسها.
"أهدي يا ليلة."
كانت تشهق. بدأت تأخذ أنفاسها بصعوبة. ثم قالت: "مش متحملة أشوفه كده."
قال لها: "ليلة، انتي تقدري. دا جوزك ومستنيكي تبقي جنبه لما يفوق."
"مش قادرة أتنفس يا كريم وهو كده. حاسة بقلبشة في صدري."
وهنا أسرع كريم ونادى الطبيب. وجاء ووجد أن توترها وضغطها غير سليم. فأعطاها مهدئ.
وهنا دخلت ليلة مرة أخرى وصعدت بجوار فؤاد عالسرير ونامت في أحضانه. فلم يكن بيدها حيلة ولا تستطيع أن تتركه وتنام بمفردها.
في الصباح، بدأ فؤاد يفيق وحاول أن يحرك يده فلم يستطع. ليجد ليلة غارقة في النوم بين أحضانه وعيونها منتفخة من البكاء. فأحس بنبض قلبها. أعاد له نبضات قلبه وهمس مبتسماً: "قلبي، انت هنا."
كانت نائمة، فضمها إليه أكثر وظل يستنشق عطرها. كان متعباً مرهقاً، ولكن وجودها في أحضانه أثر به كثيراً. ظل يقبل رأسها، كان يمسد كتفها وجسدها. حتى بدأت تستفيق، ولكنها شبه حالمة. فابتسم عليها وظل يداعبها.
بدأت في الاستيقاظ وفتحت عينيها ببطء لتجد أحلى عيون تنظر لها بهيام. فحاولت أن تقوم وهي تقول بلهفة وذعر: "انت صحيت!! انت كويس. حاسس بإيه؟ تعبان؟ صدرك كويس؟ حاسس بوجع؟"
ليقاطعها قائلاً: "حيلك حيلك. إيه؟ أنا بس تعبت شوية من السهر والسفر. خدي نفسك كده واهدي يا قلبي."
نظرت إليه متذمرة: "كده يا فؤاد؟ تخلع قلبي كده؟ دانا كنت هموت يا حبيبي."
هنا اعتدل فؤاد وضمها إليه. "قولي كده، بتألم؟ يا ريتني كنت تعبت من زمان."
وهم أن يتكلم ولكنه تأوه من التعب وتذكر ما حدث فتصلب جسمه.
اعتدلت وقامت: "إيه يا حبيبي مالك؟ فهمني."
هنا حاول فؤاد جاهداً أن يبقى طبيعياً وقال لها: "أنا كويس، صدقيني."
فملست على صدره وقالت بحنان وهمس: "أمال رحت المستشفى ليه؟"
فرد عليها: "عشان قلبي اللي تعب من البعد. عشان حبيبي اللي ملوعني." وكان ينظر لها بخبث. "مش ملوعني برضه."
فخجلت واخفضت وجهها وابتعدت.
ليرفع وجهها بحب: "حبيبي مكسوف؟ هو أنا قلت حاجة؟"
لتهمس: "بس بقى، انت تعبان."
ليقول بحب: "آه والله تعبان ووالع. ما تيجي بوسة."
لتشهق وتبتعد. ليشدها إليه لتقول: "بطل بقى."
ليهمس بحب: "طب أي حاجة، موجوع والله." وتأوه متعمداً.
لتقول: "طيب طيب، بس أهدي والنبي."
ليبتسم: "هدي بس." وأشار على خده.
لتحمر أكثر وتقترب منه وتقبله. ليلتفت إليها بسرعة لتقع قبلتها على شفتيه. ليضمها بقوة ويغوص معها في قبلة حارة ألهمتها وأثلجت صدره من كثر بعاده عنها. ليمر الوقت ليبتعد ويأخذها في حضنه. كانت تنهج بشدة. ليقبل رأسها بحب. "بموت فيكي والله."
مر بعض الوقت ودخلت عليهم الطبيبة وكانت فاتنة لتطمئن عليه. وهنا قالت بدلع: "حمدالله ع السلامة. الحمد لله حضرتك كويس. بكرة بالكتير تخرج."
قال لها وهو ينظر لمن تأكل نفسها: "اللي تأمري بيه."
ظلت تتغنج عليه وليلى تمنع نفسها من الانقضاض عليها. فقامت ليلى والتصقت به ونظرت إليها: "الحمد لله يا حبيبي إنك كويس." ونظرت للطبيبة وقالت بسماجة: "أنا المدام."
كانت قد تحولت وتريد أن تخنقهم معاً. فارتبكت الطبيبة وتمنت له الشفاء وخرجت.
وهنا هبت مبتعدة. فنظر إليها: "إيه؟ فيه إيه؟"
فاقتربت منه وقالت: "إيه؟ عاجبك أوي الست اللي مليطة وشها وأنت عيان كده ومتبهدل وعينك زاېغة؟"
فتح فمه من الذهول: "أنا عيني زاېغة؟"
فرفعت صباعها في وجهه: "انت تسكت خالص." وقلدته: "اللي تأمري بيه." "ودي تأمر ليه؟ إحنا لما نعوز نخرج هنخرج. وإلا هي تماحيك؟ واتعدل عشان ربنا يشفيك يا أبو عين زاېغة. عجبتك البت الصفرا دي؟"
مسك يدها فحاولت شدها. فتأوه وتصنع الوجع. فجريت عليه: "إيه مالك؟ فيك إيه؟ طب آسفة والله ما هزعق تاني. أنت كويس؟ اتكلم. ساكت ليه؟ أنادي الدكتورة؟ طب أعمل إيه؟ اتكلم. قلبي هيقف."
شده إليها ضاحكاً: "هو انت مديني فرصة أنطق؟ تصدقي يا ليلة، ما باشوفش ست تانية غيرك أصلاً."
فزغدته وقالت له: "أوعى كده، سيبني."
ليهتف بحب: "حد يسيب قلبه؟ والله دانا أموت على طول."
قالت له: "بعد الشر عنك يا حبيبي."
فشدها أكثر وقال لها بجد يا ليلة، أنا حبيبك."
فصمتت خجلاً. "لا والنبي قولي. أنا ما صدقت سمعت حاجة تبل ريقي. أنا حبيبك يا ليلة."
كان يقربها منه بهيام وهي بدأت تتوه معه. ليهمس بين شفتيها: "ما عدتش قادر يا بنت الـ... ليلتي، قلبي، انت سرقتي."
وهنا دخل كريم وتحمحم.
فاقات ليلة فابتعدت محرجة. ونظر إليه فؤاد بغل. ثم ابتسم بسماجة: "خير يا حبيب أخوك؟ القوضة فيها غزو؟ بتهجم عليها عادي كده؟"
فارتبك كريم وقال: "حمدالله ع السلامة حبيبي."
وهنا أشار فؤاد أنه يريد الخروج. فاعترضوا جميعاً. ولم يجد حيلة. فنده على ليلة وهمس في أذنها: "هقعد بس بشرط ماتطلعيش من حضني."
فشهقت وابتعدت. فقال: "طب يا كريم بقى نقوم نعمل الإجراءات."
فقالت مسرعة: "ماشي، ماشية."
هنا قال كريم مرة أخرى بحب: "حمدلله على السلامة يا حبيب أخوك." وربت على كتفه.
فحضنه وقال: "حمدالله على السلامة يا غالي."
فرد عليه: "الله يسلمك يا حبيبي."
مر يومان وكانت ليلة ملاصقة لفؤاد حتى استعاد صحته. ولم يخلو الوقت من مشاكساتها. ثم جاء وقت الانصراف. فنادى كريم وقال له: "شوف يا كريم، إحنا هنقعد عندك يومين كده."
ليهتف كريم: "تنور يا حبيب أخوك، دا بيتك ومطرحك."
فهمت أن تتكلم. فقال لها: "ليلة، أرجوكي ما تسأليش وبكرة تعرفي كل حاجة."
ذهبوا جميعاً إلى بيت كريم واستقبله الأولاد فرحين. ونظر فؤاد لكريم ممتناً له لحفاظه على أولاده. وظلوا جميعاً معاً وليلة ملاصقة به كجلدته، تحس بالرعب وأن هناك شيئاً خطيراً. وقام وعدى اليوم. وقام فؤاد ليصعد هو وليلة. وقد نام الأولاد. فدخلت ليلة معه وساعدته وجلست بجواره في السرير. فقالت له: "انت كويس؟"
ظل صامتاً. ليفتح له ذراعه لتنضم إليه ليحاوطها. ثم قال: "دلوقتي بقيت كويس. ليلة، أرجوكي اتحمليني اليومين دول وخديني في حضنك، نفسي أرتاح."
فقالت له: "حاضر يا حبيبي."
فاغمض عينيه وارتمى في أحضانها وقال: "ممكن تقوليها تاني؟"
كان قلبها ينزف. فهذا ليس فؤاد المشاكس الذي تخجل منه. فيه كسرة في كلامه. فردت وقالت: "حاضر يا قلب وحبيب ليلة."
وهنا ضمها أكثر ثم غفا ونام. وظلت هيا متيقظة والرعب يأكلها. يا ترى فيه إيه يا فؤاد؟ انت هادي كده ليه وموجوع أوي؟ يا ترى بتخطط لإيه وهتعمل إيه؟ ومين اللي ورا دا كله؟ أستر يا رب."
وظلت هكذا حتى غلبها النوم. استيقظ هو ليجدها نائمة والارهاق يبدو على وجهها. وقام بهدوء وتركها ترتاح. فهو حتى وهو في حالته هذه يراعي حالتها وارهاقها.
ومر يومان وهما على هذا الحال. يستيقظ ويقضي وقته في المكتب ثم يستريح بعض الوقت تحت إجبار من كريم وليلة. كان في تلك الأثناء قد استعاد صحته إلى حد ما وأصبح معافى في بدنه. ولكن قلبه لا يعلم بحاله إلا الله.
واقترب كريم وقال: "انت كويس؟"
قال له: "عايش، لسه بتنفس."
قال له كريم: "يا رب دايماً. ناوي على إيه؟"
قال ساخراً: "له ناوي على كل خير. دي عمتي اللي ربتني، فاكرني هقتلها مثلاً؟" وضحك.
ليهتف كريم: "فؤاد مالك؟ فيه إيه؟ مش مستريحلك."
قال له: "لا اطمن، دا إحنا عند أكتر حتة ساسبنس. عمتي دي أنا ما كنتش فاهمها كويس بس حافظها وهعرف أضربها في أكتر حتة بتوجعها. عمتي ما يلاعبهاش إلا اللي كان عارفها كويس وبعدين شاف نابها الأزرق. عمتي كانت مفكراني أهبل وبريالي وهفضل مرقدها حية تعبان في عب... فخلاص بقى لازم أبقى تعبان زيها."
واقترب من كريم وقال بفحيح: "ماهو أنا تربيتها وتربية الحية حنش. أنا مش فؤاد اللي كانت زمان مربياه. أنا بقيت حية زيها. اتنين تعابين هيلفوا على بعض. بس الحلو بقى إن أنا التعبان الأقوى. فلما هدعكها هعرف هدعكها منين. مانا حافظ أكتر حتة بتقتلها. هرقد وهبخ سمي وهغرزه في قلبها نفس الخنجر اللي غرزته في ضهري. أنا بقى هجيب قلبها ده وأدعكه تحت رجلي."
فضحك: "تصديق يا راجل؟ معيشها في خيري وبأقولها يا أمي وتعمل فيا أنا كده؟ اتكفي على وشي وأجري عليها لما تقول آه؟ والآخر ترمي لحمنا في الشارع؟ تاكل من لقمتي وتطلعني مش راجل؟ لا وكمان متقرطس؟ عمتي دي ست عدت الفجر نفسه، كمية شر وشيطنة ماشية عالأرض. عارف إنك قلتلي وأنا كنت عبيط. آه عادي، فؤاد النعماني كان عبيط. ماهو ما حدش يتخيل إن فيه أم أو اللي تتسمى كده، ما عدتش عارفالها اسم تعمل كده. عمتي لما تموت هترتاح وأنا غليلي وناري مش هتبرد. أنا جوايا نار تولع في بلد. إنما أنا عايز عمتي تعيش تشوف العذاب ألوان. عايزها تقتلني من الوجع زي ما طعنتني وما كنتش متوقع. هدبحها وهي مش حاسة. هتلف تلاقي سكينة دبحها في إيدي. تخيل بقى إحساسها."
"فيروز هانم بنت الحسب والنسب اللي متمرمغة في العز تطلب في جاب؟ أنا همرمغها في التراب. هحط وشها وهدعكه برجلي في الأرض. الست دي قدرت ونجحت إنها تخلي فؤاد النعماني يبقى جبروت. قدرت رغم إنها كسرتني قدرت تغير فيا حاجات ما كنتش أحلم إنها تكون موجودة. وسبحان من نزع حبها من قلبي عشان أعرف أرشق نابي صح. دي لو ماتت هنقهر والله. أنا في دماغي حاجات."
وسكت قليلاً ثم ضحك: "عارف يا كوكو؟ حاسس إن الشيطان دخل واتربع وقعد. بقالي يومين بحلم هعمل فيها إيه."
رد كريم: "هتعمل إيه؟ قلبي واكلني."
ليرد فؤاد بجحود: "شوف واتعلم من أستاذك."
فقال له كريم: "استر يا رب."
فقال له: "بس اجمعلي الحرس بعد شوية لآني عايزهم."
فأرجع فؤاد رأسه وقال له: "نادي ليلة."
فرد: "إيه؟ هتقولها؟"
فرد عليه: "آه طبعاً، ليلة قلبها طيب وممكن تقفلي. وأنا لازم أبقى حازم معاها. أنا لما هضرب لو أبويا طلع من قبره يرجعني مش هرجع. فلازم أتكلم معاها ونتفاهم."
فذهب كريم ليمتثل لطلبه.
جاءت ليلة إليه. ومسكت يديه وقالت: "انت كويس؟"
فضحك وقال: "هو كلكم لما تشوفوا وشي تقولوا كده؟ آه يا قلبي كويس طول ما انت جنبي ومعايا ورضية عني."
لتقول: "مش ناوي تقولي يا فؤاد؟ قلبي بياكلني."
ليهتف: "بصي يا ليلة، أنا عايزك تعرفي الحقيقة وإني هجبلك حقك تالت ومتلت. وهنا سرد عليها كل شيء وأنهى كلامه: "وبس يا ستي." وابتسامة ساخرة على فمه. "وطلعت عمتي اللي كنت بقولها أمي هي اللي طلعتني مش راجل ورمتكم في الشارع. شفتي الدنيا."
لتشهق ليلة برعب عليه. وتحتضنه بشدة لإحساسها بوجعه. وعرف سبب سقوطه فالصدمة فاجعة. وأحست بالوجع لما مر به. فارتمت في أحضانه وأحست بما هو مقدم عليه فارتاعبت وقالت له: "فؤاد، أنا مش عايزة حاجة. أنا كده كويسة. الله يسامحها، تبقى بعيد عننا وخلاص."
فؤاد رد عليها. كان فؤاد متجمداً بعض الشيء. فقبل يدها وقال: "ليلة، ما تخافيش. بس يا ريت أي حاجة هعملها ما تتدخليش فيها. دي حاجة بيني وبين عمتي ومهما حصل خليكي في حالك."
لترتعب: "ليه يا فؤاد؟ هتقتلها؟ هتقتل عمتك؟"
ليهتف: "تصدقي؟ نفسي بس ما أقدرش. خبط على قلبه وقال: "ده اللي مانعني. بس الحقيقة لازم تاخد اللي لازم تستحقه."
لتقول: "يعني إيه؟"
"فؤاد، أوعي تاذيها. فؤاد، سكة الشر وحشة."
ضحك فؤاد ومسك يدها وقبلها وقال: "هو انت كده إزاي؟ متصالحة مع نفسك كده إزاي؟" وأكمل: "رميتك ورمية ولادي وطعني في ضهري بتحرق. أنا جوايا غليان ولو ما أخدتش حقي هنجلط أو هقلب سوسن. وأنت ما يرضيكش أكيد."
قطبت وقالت: "يعني إيه؟"
ليقول: "لا يعني إيه دي هتعرفيها لما نروح. ويلا قومي اجهزي. أنا جايبلك لبسك فوق وجبتلك مستلزماته وللعيال كمان. ويلا هاتيهم وأنا مستنيكي."
ذهبت ليلة لتتحضر وهي مستغربة. لتجد فستاناً أقل ما يقال عنه إنه فاتن، يخطف العين من أول وهلة. ومعه كل كمالياته. فلبسته وأصبحت كالأميرة وتجهزت. وكانت قد أمرت أمنية أن تجهز الأولاد. وما أن أنهت كانت تقف أمام المرآة لتنهي زينتها. فدخل فؤاد وسمعته يطلق صفيرًا. فاشتعلت خجلاً. فاقترب منها واحتضنها من الخلف وقال: "بقي الجمال ده كله بتاعي يا ناس؟ لا كده كتير والله. جمالك ده ماينفعش لازم يتدارى. وأنا هولع وأنت حلوة كده."
فضحكت. فقبلها من رقبتها من الخلف. فابتعدت وقالت له: "إيه؟ عايزني أتحجب؟"
فقال لها: "يا ريت يا ليلة. إلا أنا فعلاً مش قادر أستحمل نظرات الناس ليكي. بحس إني بأكل في نفسي."
ضحكت واقتربت منه بدلال وقالت: "اللي تؤمر بيه يا فؤادي." وابتعدت عنه مسرعة.
فشدها من يدها واحتضنها من الخلف: "يعني انت تشععليني وعايزاني أسيبك؟"
فكشرت عن قصد وقالت له: "وبعدين العيال مستنين."
فتنهد وقال: "آه، هما يتبسطوا وأولع أنا." ثم أخرج من جيبه عقداً من ألماس فيه نفس فصوص الفستان وادارها وألبسها إياه. ثم قبلها.
كانت هيا مسحورة. فوضعت يدها على العقد وقالت: "دا حلو أوي يا فؤاد. بس دا غالي أوي."
فقال: "ما فيش حاجة تغلي عليكي. أنا عايزك تخشي الفيلا ملكة منورة نجمة عالية في السما."
تنهدت وقالت: "انت ناوي على إيه؟ مش مطمنالك."
ضحك وقال: "كل خير. بس لاجل خاطري ما تتدخليش في أي حاجة. لأني ممكن أزعلك ساعتها. لأني مش هسمح لحد يراجعني. وأنا ما صدقت إنك رضيتي عني. ما أستحملش نعيده من تاني."
نظرت إليه بمكر وقالت: "ومين قالك إني رضيت عنك."
فنظر إليها بمكر أيضاً: "إيه ده؟ يعني انت ما رضيتيش عني وسامحتيني؟"
فنظرت بدلال: "تؤ تؤ تؤ..."
فكسر عينيه دليل على التفكير وقال: "تؤ تؤ تؤ... لا. ماليش حق. لازم بقى أصالحك." وبدأ يفك أزرار قميصه.
فنظرت له بدهشة ورعب. فقال لها: "إيه يا قلبي؟ مانا مش هخرج من هنا إلا وأنا هريكي حب لحد ما تصالحيني."
قالته مسرعة: "لا لا لا، سمحتك والله. سمحتك. روح روح."
"إيه يا فؤاد؟ قلة الأدب دي." وهربت من الحجرة مسرعة. فصدحت ضحكته على جنون حبيبته. "البت دي هبلة ولا إيه؟ هي لسه شافت قلة أدب."
ثم نزل وتركها تذهب إلى الأولاد. وذهب هو إلى كريم ودخل المكتب واجتمع جميع الحرس. وهنا بدأ فؤاد النعماني أول خطوة لاسترجاع الحقوق. لا ترجع الحقوق إلا بالقوة. وهو في أقوى مرحلة من حياته. كان على وشك أن يفقد حياته وتموت ابنته. ولكن ربك كان حليماً به. فرب العباد يمهل ولا يهمل. فمهل تلك العقرب حتى تمادت. ولكن لم يهمل. فبعث لها فؤاد ليريها من العذاب ألوان. إنه العدل وسنة الرحمن أن يجعل تلك المرأة تتعذب بقانون حبيبها. قانون وسنن فؤاد النعماني.
رواية ليلة النعماني الفصل العشرون 20 - بقلم ميفو سلطان
استدعى الحرس مسبقاً وقال لهم:
"بصوا بقه عشان اللي هيتقال هيتنفذ بالحرف الواحد. فيلا فيروز هانم العفش اللي فيها كله يتشال، والستاير والنجف. أنا عايزها خرابه وضلمة، عايز اللي يخش يتقبض."
"الشبابيك تتمسمر ويتحطلها أقْفال وحديد، وكل اللي هيبقي موجود في الفيلا بحالها سرير متر في متر يتوضع في منتصف الريسيبشن. المطبخ يتخلع ويتشال، الحمامات أي كماليات تتشال. أنا عايز الفلة على الحيط وأرض ومقفلة وضلمة، والريسيبشن فيه لمبة واحدة، فاهمين؟ وتعملي باب جوه الريسيبشن بينه وبين باب الجنينة بحيث اللي يفتح باب البيت مايشوفش الجنينة. أنا عايز اللي جوه مايشوفش إلا حيطان. وكل ده انهارده، وتجبلي طقم حرس يتحط على الباب وعلى البوابة، وتحطلي كاميرات في كل حتة."
ثم رفع السماعة وكلم ليلة وقال لها:
"حبيبتي، هو أنتوا كنتوا بتاكلوا فول؟ وإيه اللي وحشني الأكل ده؟"
فردت مستغربة:
"مرة كشري، مرة بتنجان، ومعظم الأيام فول وطعمية."
قال لها:
"طب أنا نفسي في الفول."
قالت له:
"عيوني."
"تسلميلي عيونك وقلبك وكلك كلك على بعضك يا قشطة إنت يا قمر."
ضحكت ولم ترد.
"طب اخلص اللي في إيدي وبعدين أبقى أجي أشوف اللي هتفطس مني في التليفون دي. أمال لو بين إيديا هتعملي إيه؟"
فأغلقت الخط وصدحت ضحكته.
ابتسم وأغلق السماعة ثم تحول مرة أخرى وقال:
"هتجيب وجبة فول وطعمية وبتنجان أو عدس وكشري دول على الغدا، وحتة جبنة الصبح وحتة زيها بالليل. وشخص واحد بس اللي يخش على الفيلا، إياك حد يخش تاني، مفهوم؟"
فقال له:
"حاضر يا فؤاد بيه."
أخذ فؤاد زوجته وقرر ترك أمنية والأولاد، فلا يجوز لأولاده أن يحسوا بشيء أو مشاهدة أي شيء. ثم اتجه إلى فيلته ومعه الحرس. وكريم يشدد على يديه وينظر إليه محذراً.
"فؤاد."
فرد عليه:
"عارف يا كريم، عارف إنها عمتي، وده اللي حازز فيا ومانعني أشُقها نصين. عضم التراب ليه خاطر يا كريم، عارف. بس اطمن، أنا بقرص ودانها مش هأذيها، دي برضه عمتي وأشيلها على راسي."
في تلك الأثناء كانت فيروز تذل من بالبيت، فهي سيدته الآن. كانت منتفخة الصدر، متملكة.
وظلت تأمر هنا وهناك فيطاع. عاشت يومان ملكة البيت. لم تكن تعلم أن رب الكون سيصب عليها العذاب صباً.
وهنا دخل فؤاد وليلة متأبطة يده، وكانت تشع جمالاً.
كانت فيروز تنظر إليهم بحقد، ثم ذهب وأجلس ليلة وقبلها وجلس على كرسي مقابل عمته وعيناه تشع حقداً. ودخل كريم أيضاً.
وهنا لوت فيروز بوزها والقهرة تنهش قلبها من منظر ليلة وقالت:
"إيه يا فؤاد، نسيت عمتك خلاص؟"
فنظرت لها ببرود:
"عمري ما هنسيكي يا عمتي، دانتي ليكي فضل عليا."
قالت:
"ولما هو كده تسيبني يومين لوحدي كده، قلبي بيتقطع عليك وانت بتتفسح؟ ولا حتى تقولي هو أنا عدوتك؟ دانا ممتنالكم الخير."
وهنا ضحك فؤاد ورد عليها ببروده الثلج:
"أماااال. لا تصدقي، ماليش حق."
ثم قال ببرود شديد:
"عرفتي يا عمتي؟ مش أنا لقيت اللي عمل فيا كده يا عمتي."
وصمت.
وهنا أحست فيروز بالرعب.
ظل صامتاً لفترة، كان قلب فيروز سيقفز من مكانه رعباً.
قال لها:
"طب اهدي، مالك كده؟ ليجرالك حاجة وتطبي ساكتة."
فردت مسرعة:
"ما تنطق واحكيلي طمني."
قال لها:
"أطمنك؟ ولوي بوذه. عنيا. دانتي بس تأشري يا عمتي. طلبتي الاطمئنان وهتاخديه يا عمتي زي ما أنا كنت مطمئن بالضبط. افتح يا كريم الشاشة وخد الفلاشة دي عشان عمتي تستمتع بالعرض ده. هيعجبك أوي وأنا عامل فيه شغل جامد."
تحرك كريم لينفذ أمر فؤاد.
وهنا بدأت تشاهد منذ بداية تعذيب الدكتور والمشاهد تتوالى وعيناها تتفتح على آخرها بذعر حتى آخر كلمة تصدح في المكان:
"عمتك فيروز هانم هي السبب."
كانت الكلمة تتردد في عقلها بزعر.
كان الصمت يعم المكان لفترة. وفجأة قامت تصرخ وقلبها سيخرج من مكانها وتقول:
"كذب كذب، أنت تصدق كده عمتك اللي ربتك؟ مين اللي مأجره الو$خ ده؟ أنت اتجننت؟ دانا أمك إيه يا فؤاد؟ أكيد هيا، أه هيا اللي اجرته، عايزة تبعدك عني الحرباية."
واقتربت منه تمسكه، فمسك ذراعها وغرز أظافره فيها فصرخت حتى كاد أن ينقطع في يديه وقال:
"إيدك تلمسني تاني هتحصلي مراحيم العيلة كلهم."
فكلمت مذعورة:
"فؤاد حبيبي، ابني، أو عي تصدق، أو عي تبعد عني، أموت يا فؤاد."
فأشار إلى كريم ليجلسها وهي تقاومه فصرخ بها:
"اقعدي بدل ما أقعدك بطريقتي، وأظنك شفتيها وأنا هموت وأعملها."
فنظرت إليه برعب:
"ست سنين يا عمتي، وجالك الفجر إنك تعملي كده؟ تاكلي في خيري وتطعنيني؟ منيم حية في بيتي عقربة يوم ما تلدغ تلدغ اللي معيشها."
صرخت فيه وقالت:
"حرام عليك، دانا عمتك."
فضحك عالياً:
"ضحكتيني يا شيخة. أنا بعدت عن عيالي ست سنين، ست سنين وعيالي ومراتي بيتذلوا وانت نايمة في الحرير. عملولك إيه؟"
صرخ بها واتجه إليها ومسكها ويهزها بعنف، وعيناه تخرج جمراً وهي تنظر بفزع شديد.
"ست سنين، ست سنين! أنا عملتلك إيه؟ إلا الخير كله، عملتلك إيه يا كافرة؟"
كان يصرخ وقلبه سيخرج من مكانه.
"عارفة يا عمتي لو كانوا قالولي أمك طلعت من القبر وعملتها كنت هصدق، إنما انت!!!!!!!! أنت يا عمتي... لا استحالة، خيال والله، دنيا الخيال. لو انت طعنتيني والتفت ولقيت الخنجر في إيدك مش هصدق وهقول دا بيحوش عني. تطلعي انتي؟ ست سنين عملتلك إيه يا شيخة؟ دانتي فجرك عدى الحدود."
صمت ليريح قلبه قليلاً وليلة تزرف الدموع عليه.
"عيالي اترموا ومراتي اتبهدلت عليهم ست سنين بياكلوا زبالة والقهر مكلبش في قلبي وقلبها. طب أنا ما صعبتش عليكي؟ ما قلتيش دا هيموت وقلبه بيخرج مكانه. ست سنين شايفاني موطي راسي خزيان، ست سنين قلبي بيتمزع قدامك. ست سنين مش راجل وماشي عيني ما بتترفعش، كسرة الرجال، قهر. ليه ليه؟ طب عيالي لحمي، عادي ترميهم كده؟"
ثم رزعها على الكرسي وقال:
"ليه يا شيخة، عملتلك إيه؟ وتخطيطك وسمك اللي بختيه ده كله عمايلك انت. قدرتي إزاي؟ قلبي هيقف منك، لله. دانتي في قلبي نجمة، دانتي في قلبي حب السنين، دانتي قلبي وأمي، آخرتها اتمزع كده؟ قلبي ده كان رخيص ووجعي هين."
لتنزل دمعة من عينه، ليظل صامتاً ليمسح دمعته ليهتف:
"بس لااااا، مش أنا... يبقى إحنا نطلب العدل، ده حق ربنا."
كل ذلك وهي تهز رأسها يميناً ويساراً بهستيرية وعيناها كاسات من الدم كأنه الفزع الأكبر.
"العدل بقى إنك تبعدي عن عيالك ست سنين وبعدها نبتدي نعاقبك. ماهو إحنا نعدل الأول وبعدين نعاقب. وبما إن مالكيش عيال أصلاً، واللا إيه؟ أنا يعتبر ابنك، يبقى هتبعدي عني ست سنين، لا تشوفيني ولا أشوفك، وتاكلي نفس اللي بياكلوه ويندعك وشك زي ما اندعك وش ولادي. أمال ماهوه ده العدل. ولو فضلت عايشة بعدها أصلاً، وده أشُك فيه، هتكوني ميتة بالنسبالي، مرمية رمية الكلاب. فيروز هانم هتترمى جنب الزبالة، ماهو ده مقامها."
صرخت فيروز وظلت تلطم على وشها كالمجنونة وقالت:
"عايز تبعد عني؟ عايز تسيبني؟ عايز روحي تفارقني؟ لاااا، دانا أموتك وأموت نفسي. كله إلا إنك تبعد."
ظلت تدور حوله تلمسه وتتمنى قربه، فهي مجنونة به، كأن أصابها مس. وهو يدفع يدها بعنف.
"فؤاد حبيبي، نن عين عمتك. اعمل اللي عايزه. اضربني، يلا موتني، أيوه صح كده، موتني، يلا بس ماتفارقنيش."
كانت تهذي كالمخبولة وقلبها سيخرج من مكانه. فاتجهت إلى ليلة:
"قولي له، قولي له، دانا أمه. طب سامحيني، طب معلش، أنا ست خرفت. أنتِ طيبة يا ليلة، قولي له وحياة عيالك. ينفع ياخدوا عيالك من حضنك؟ ينفع حضن فيروز ما يبقاش فيه فؤادها؟ دانا هموت يا ليلة. رجلك أهيه، هبوسها، سامحيني وخليه يسامحني."
كانت ليلة بدأت تدمع. ثم جثت فيروز على قدمها تقبلها.
"قولي له، هيسمع كلامك، وهيا تصرخ. دا فؤادي بتاعي، ابني."
فنظرت ليلة إلى فؤاد تستعطفه. فأشار إلى كريم ليذهب ليبعدها عن ليلة.
أبعدها كريم، فظلت تدور حول فؤاد وتحاول أن تلمسه مرة أخرى. كانت كأن عقلها سيذهب.
فصرخ فيها:
"والله في سماه لو قلبك خرج من مكانه واتفرفت تحت رجلي ميت حتة، فؤاد النعماني، تربية فيروز النعماني، ماهيرجع عاللي هيعمله. أنتِ متي بالنسبالي."
فقالت بجنون:
"هموت، هتموتني بحسرتي، هتموتني ببعدك عني. صح عرفت يا ابن النعماني إزاي تقهر فيروز؟ عرفت تبعد روحها عنها وتموتها. يعني إيه خلاص وحبك وسنينك معايا؟"
اقترب منها وقال:
"كل ده بخ.. طار يا عمتي. طار مع شفتي ولادي مرمين بياكلوا زبالة. طار مع ضربي لمراتي وأقولها يا خاطية. طار مع ذلي قدام الناس. طار مع بنتي اللي قلبها كان هيقف بسببك. طار يا عمتي وعقلي كان هيطير معاه."
وأشار إلى قلبه:
"عارفة يا فيروز هانم، عشان انتي اخت أبويا، ده اللي منعني أموتك. آه والله، نفسي كنت أدخل إيديا، أطلع قلبك في إيديا وأهرسه بجزمتي."
فصعقت من الكلمة وأشار إلى قلبه:
"بس هنا خلاص، ما عادش فيه حاجة اسمها فيروز. هنا فيه حاجة نضيفة اسمها ليلة."
ظلت تصرخ وتشد في شعرها وتبكي كالمجنونة وتقطع وشها إلى أن أدمته وتشهق بالبكاء.
"لا يابني، أمك أنا أمك، وأنت بتهزر، أنا عارفة. يلا يا حبيبي، هنروح الفيلا ونبقى عيلة تاني أنا وانت. هزارك تقيل، أنا عارفة، مش كده يا حبيب عمتك؟"
لتنظر إلى ليلة بغل:
"أنت السبب، ربنا ياخدك أنت وعيالك. خلتيه ينساني."
فقال لها:
"أه نسيتك وهنسيكي، وأه نسيت أقولك يا عمتي، مش فلوسك اتسرقت؟ آه والله، الملايين اللي في البنك من خيري اتسرقت."
ظلت تلطم على وشها. وقال لها:
"لسة لما تعرفي مين اللي خدها."
اقترب منها وقال بفحيح:
"اللي خدها فؤاد النعماني وخد كل حاجة منك. زي ما كبرك وعملك، هترجعي، هتعيشي عيشة ولادي وليلة الست سنين اللي جايين."
أهتاجت فيروز وانقضت عليه لتغرز أظافرها في وجهه قائلة:
"لا، دانا وأنت روح واحدة، يبقى أخد روحك وأموت نفسي."
دفعها بعيداً لتسقط على الأرض ثم تقوم ليعاود ويسقطها مرة أخرى.
وأخيراً نادته ليلة فلم تعد تحتمل. فأشار لها محذراً ووجهه قد من حديد، فخافت وصمتت. ليس بيدها حيلة.
كانت ملقاة على الأرض والأفكار تدور في عقلها كالمجنونة.
وهنا اقترب منها وجثى على ركبتيه وهمس بفحيح بارد:
"عارفة يا فيروز هانم، أنا اللي مفرحني إني حاسس بيكي. إن خلعة قلبي وبعدي عن ولادي، أنتِ حاساها. عارف إن بعدي عنك ليه نفس الخلعة بتاكلك وبتحرقك دلوقتي، عارف إن بعدي هينهش بطنك ومصارينك اللي نفسي أطلعهم بإيدي، بس مش قادر. ثم ضحك، صلة رحم بقى وكده."
ثم أكمل:
"عارفة يا عمتي، أنا جبت حية كبيرة وربيتها في بيتي لحد ما استفحلت، والحية دي ربت فؤاد النعماني، فلما نهشتي فيه بأنيابك، ما طلعش فؤاد، طلع حنش يرد عليكي. آهو أنتِ السبب يا عمتي، تربيتك واللي ربي خير من اللي اشتري. شكراً إنك علمتيني إزاي أبقى تعبان يلبد لحد ما يرشق نابه في رقبة اللي قدامه. وأديني أهو، إيه رأيك بقه في تربيتك؟ عارفك وحافظك وعارف إيه اللي يحرق كبدك."
وقام ورفع يديه ويصفق وظل يضحك.
"تربية فيروز عن حق يا فؤاد يا نعماني."
وهي ستنفجر من رعبها وقهرها. كان قلبها يأكلها وأنفاسها تلفظها بأعجوبة.
"تربيتك نفعت يا عمتي، كتر خيرك، تربيتك وصنعة إيدك. إيه رأيك، لازم تبقي فخورة بتربية الحية. تصدقي أنا حاسس إن فيه جمهور."
وظل يدور حول نفسه رافعاً يديه قائلاً:
"ومستني الجمهور يصفق لي. سعيد بنفسي وتربيتك اللي تشرف."
هنا ليلة قد انفجرت من البكاء، فهي طيبة ونادت عليه، فأشار إليها مرة أخرى بتحذير، ثم نادى للحراس وطلب منهم أن يحضروها، وأخذ عمته وهي تصرخ وتمسك في أثاث المنزل صارخة والحرس يشدونها، وهي تعلم أنها بخروجها ستفقد روحها. كانت تتشبث بكل ما تراه وتغرز أظافرها حتى تخلعت بعضها وأصبحت مشعثة وعيناها كاسات من الدم، ورماها الحارس في عربة بمفردها وهي تصرخ وتنظر لفؤاد ظناً منها أنها لن تراه مرة أخرى، والعربة تبتعد وروحها تتسحب منها حتى أغمي عليها.
هنا مسكته ليلة:
"لا يا فؤاد، لا صعب."
ليتنهد:
"ما تخفيش يا قلب فؤاد، هرجعها وآخدها في حضني، بس لما تعرف إن الله حق. دي قرصة ودن عشان ترحملي وتطلعلي حبها تيجي."
ركب كريم العربة الأخرى واتجه إلى فيلا فيروز، ليراها نائمة على السرير تشبه الشياطين، مشعثة ومتربة، كانت كأنها خارجة من خناقة رهيبة.
ظل فؤاد ينظر ويتفقد الفيلا فلم يجد فيها منفذاً ولا مخرجاً. الأعلى ظلام تام، لا يجرؤ أحد إلى الصعود، والشبابيك متبرشمة حديد، لا يوجه نقطة ضوء.
الحمامات عبارة عن حوض وقاعدة، وباقي الفيلا خرابة. وهناك لمبة في وسط الريسيبشن تحتها السرير الذي تنام عليه تلك فيروز.
فأشار للحارس أن يوقظها، فأفاقت لتستوعب أين هي لتصاب بالذعر:
"أنا فين؟ دا بيتي... لا دا إيه؟ أنا فين؟"
ونظرت لفؤاد:
"أنت جيت يا حبيبي."
اقترب منها وقال بحقد:
"ده الست سنين الجايين يا يا عمتي."
قامت هائجة:
"إيه؟ فين بيتي؟ فين بيتي حاجتي؟ وإيه ده؟ خرابة وضلمة؟ ليه؟ أنت هتقعدني هنا يا ابن النعماني؟"
اقتربت منه، فؤاد، وهمت بلمسه فزقه بعيداً. ظلت تدور حوله كالمجنونة تتمنى قربه، ولكنه زقها فوقعت، فزحفت حتى وصلت لقدمه.
"أبوس رجلك يا حبيبي. ونامت على قدمه. دانا عمتك حبيبتك. طب إيه؟ مش أنا أمك؟ آه أمك. طب سيبني هعيش خدامة. آه أنا خدامة خدامة فؤاد. فؤاد حبيبي رد عليا يابني. هيا يابني هيا اللي فرقت بينا؟ طب خلاص والله اتذليت واتربيت. أنا مجرمة، سامحني. أنا هعيش تحت جزمتك أنت وليلي."
ابتعد هنا ساخراً وجثى بالقرب منها وقال:
"ده بعينك، آخر مرة تشوفيني أو تشوفي جنس مخلوق. هتقعدي على السرير ده لحد ما تموتي. وهتاكلي زبالة زي اللي ولادي كانوا بياكلوها، ومش هتشوفي النور. هقعدك في الضلمة عشان أنتِ قلبك أسود من ضلمته. فيروز النعماني على آخر أيامها هتترمي على سرير حديد متر في متر، يترمي لها حتة جبنة. فيروز النعماني بنت الحسب والنسب. أنا عايزك تاكلي نفسك بنفسك زي ما آذيتي ودمرتي ناس مالهاش ذنب. أنتِ أحشائك هتقطعك من جوا. سوادك وجواكي هيطلعوا عليكي، يطلعوا روحك. إنما أنا كده اكتفيت وشفيت غليكي، وأنا شايفة هتتجني وشوية وقلبك بينخلع منك خلع."
وهنا بدأت تصرخ بهستيرية وتمزق شعرها وتنهش وجهها بيديها.
"لاااا فؤاد لا، أموت ولا تبعد. لا فؤاد لا، هتسيبني هنا؟ أنا بخاف أبقى لوحدي. فؤاد أو عي تسيبني، روحي بتطلع، مش قادرة آخد نفسي."
وهنا تحرك فؤاد نحو الباب، فجريت إليه فمنعها الحارس وهي تصرخ:
"يابني! يابني! يا قلب عمتك! روحك بتسيبك يا فيروووووووووز!"
كانت تصرخ:
"يا حتة من قلبي يابناااااااااااي!"
ويقفل الباب.
وقف فؤاد لتنزل دموعه ليحس بقهر وينهشه قلبه، ليتنهد:
"معلش يا حبيبتي، هاجيلك بكرة، بس تكوني حسيتي قد إيه أنتِ وجعتيني، حسيتي إن بعد الضنا غالي، ساعتها هرجعك. أمي وشرك يمشي من جواكي."
لينصرف مقهورا على ما فعله. أما هي، ظنت أنه هذه أيامها. ظلت تهذي وتصرخ وترزع في السرير وتخبط على الباب. كان منتظراً ليسمع صريخها. وكلما صرخت يبرد ناره، وكلما زاد جنونها نزل البرد على قلبه. أحس أنه وصل لغايته. وقد فتح الكاميرا ليراها وهي تدور كالَمجنونة وتنده عليه وهو يقول:
"طب ليه يا عمتي، أنتِ اللي عملتي كده بسوادك؟ بعدك عني أكبر عذاب ليكي، بعدك عني هو عقابك في الدنيا."
ثم ترك المكان وذهب.
جلست فيروز من التعب على السرير وبدأت في هندمة هدومها وحاولت تمشيط شعرها وبدأت بالضحك.
"فؤاد... خرج ومشي."
وهي... وتضحك.
"فؤاد سابني."
وتصرخ:
"يعني فيروز مش هتشوف فؤادها؟"
وتضحك:
"يعني كده فيروز ماتت؟"
"إيه ده؟"
صمتت برهة قاطبة جبينها.
"الله يرحمها، ماتت إمتى؟"
ردت على نفسها:
"مش فؤاد سابها؟"
وقامت:
"ماتت محصورة."
كانت تتكلم وترد على نفسها بهستيرية. قالت:
"يا حبة عيني يا فيروز، أمال تعرفيش فؤاد هيزورها وهي ميتة؟"
قالت:
"ماعرفش."
فصرخت:
"إيه ده؟ فيروز ماماتتش، عايشة."
فقالت:
"أمال مين اللي مات؟"
فظلت تضحك وتهندم ملابسها.
"ده ابني مات، روحي، حبيبي. يلا هبقى أروح أعزي فيه يا عيني، دا كان عقلي ونن عيني."
وهنا بدأت في الصراخ مرة أخرى.
"مش فؤاد ساب الولية اللي اسمها فيروز على آخر الزمن؟ دا واطي، تربيتها وما طمرتش. دا عايز يتقتل."
فصمتت. وصرخت:
"ماتلمي، عايزة تقتلي ابني؟ لا، دانا أموتك وأموتكو كلكو."
وظلت تضرب وجهها وتلطم.
قامت وظلت تقطع في المرتبة وتصرخ:
"فؤاد!"
وأخرجت ما بها وكانت تبعثره وتضحك. كان منظرها كأن شياطين العالم تلبستها وكانت تخبط على الحديد ولا تحس بالدماء وهي تقول:
"فؤااااد..."
مرت فترة ما بين الصراخ والكلام، ثم جلست وظلت تتكلم في هدوء مريب.
"إيه يا فيروز هانم، مالك ملخبطة كده؟"
وبدأت بالجلوس على الأرض وتلم فتات القطن وتقول:
"أما أعمل حاجة لحبيبي يقعد عليها، آه. ماهو جاي."
وبدأت تضع القطن على رأسها.
"أيوه هعمل هانم، مانا هانم. اقعدي استني الواد."
ومشطت شعرها والدماء اختلطت به.
وجلست تغني:
"وفي دنيا غير الدنيا."
وقد ذهب عقلها لبعدها عنه. وكان هو يعلم أن غرزته ستصيب، وفعلاً أصابت قلب وعقل عمته الذي هو كان بداخلهما، متربعاً على عرش قلبها وعقلها.
رجع فؤاد إلى بيته وهو منهك وكانت ليلة تنتظره، فاقتربت منه وجلست بجواره.
"ارتحت كده؟"
رد عليها:
"ليلة... قلبي مش مستحمل، الله يخليكي."
ليصعد لينام وهي معه. لياخذ حماماً وذهب إلى السرير ولكنه سحب ليلة معه وقال:
"تعالي، هنام على رجلك، تعبان."
أخذته على رجلها وظلت تعبث بشعره إلى أن نام على الفور. وبهدوء تسحبت ووضعت مخدة وتركته ينام بعمق.
في الصباح استيقظ فؤاد وكان قد استعاد جزءً من روحه وزال تعبه. لتدخل عليه ليلة مبتسمة:
"صح النوم، جبتلك الفطار."
ابتسم وقال:
"إيه الرضا ده كله؟"
قالت:
"ما كنت أرضى عن فؤادي، هرضى عن مين."
اتسعت ابتسامته وقال:
"ده إيه الصباح الحلو ده؟ هتبتدي تندع والا إيه؟"
قالت بأمر:
"الأكل يتاكل كله، وهحضرك هدومك وننزل نشوف العيال."
أنهى طعامه ولبسه ونزل فاستقبله الأولاد بالتهليل فسعد بهم.
ومر بعض الوقت ليتصل حارس فيروز ويخبره أنها لم تقف عن الصراخ طول الليل والتحدث مع نفسها ولم تأكل شيئاً حتى ذهب عقلها وأن فيروز لم تعد تعي شيئاً حولها وأنها تهذي باسم فؤاد فقط وأنها تظل تمزق ملابسها وأنهت على السرير تماماً.
فهب مسرعاً، فهي مهما كان عمته. فقال له أنه سيحضر الطبيب ويأتي.
هم فؤاد وذهب وفتح على فيروز فلم تتعرف عليه ورآها تضحك وتكلم نفسها وأحياناً تلطم على وجهها وتشد شعرها. شعر بالأسى عليها، فهي من ربته في الآخر.
فرفعت نظرها إليهم صارخة:
"ما جبتوش الواد اللي اسمه فؤاد ليه بس؟ أما أشوفه هبهدله الواطي."
واقتربت تهجم على الحارس الذي كان معها ويدخل عليها طول الليل تحاول أن تمزق ملابسه.
هنا اتجه الطبيب وقال:
"إنها حالة من الجنون الخطر، ولابد من مصحة، لأن هناك خطر على حياتها. فلابد من المراقبة لأنها من الممكن أن تفعل أي شيء جنوني."
استسلم فؤاد، فلم يكن بيده شيء. وهنا انتقلت فيروز إلى المصحة، وهي تصرخ باسم فؤاد، فعمتها لم تحتمل بعده يوماً واحداً، فهي كانت مريضة به، حب التملك. وكان هذا أقصى عقاب لها لأنه روحها وسلبها منها.
وما إن وصلت المصحة حتى كانت في حالة صمت مطبق، وكان كل من ينظر إليها يتحسر على تلك السيدة. حتى كانت تنظر إلى أيامها معه وهي تغنجه وتدلله وتجري وراءه وهو أمام عينيها يجري.
وهنا قامت فجأة بدفع الممرضين واتجهت تجري وفي مخيلتها فؤاد الصغير يجري أمامها، فقابلتها حائط السور لترمي نفسها لا إرادياً من عليه لتنزل جثة هامدة.
لينتهي بذلك فصل من فصول الشر في حياة فؤاد ويتحقق العدل الإلهي في حكايته، ليعود الحق لأصحابه ويبرد نار كل مظلوم. لتتوقف معاناة عائلة لم تذنب في شيء، وكان ذنبها أنها أحبت بعضها. ولتبدأ أول مراحل اندمال الجروح، ولا يعلم إلا الله متى ستندمل إلا برحمة من الله وجبراً لقلوب العباد. فالشر في الخيال دائماً ما ينتهي ويبرد نار المظلوم. أما في واقعنا هذا، نتمنى أن يحدث ذلك في الواقع. لكن لله حكمة في ذلك مما يراه العباد من ابتلاءات.