اللي كنت خايفة منه حصل. أبويا راح البيت عند خالي وقال له إن مايسة عند جماعة صعايدة هنا في القاهرة. ومفيش عشر دقايق كان خالي طار على الورشة وبلغ مجدي إني عند الناس دول. وفجأة... كان أبويا وخالي وزفت الطين اللي اسمه مجدي في بيت الراجل المحترم ده. وكنت حاسة بإحراج شديد وأنا بجيب له مشكلة لحد بيته. هو كان في غنى عنها من الأول.
الصالون واسع جداً، ومفروش كله، ويشيل ١٠٠ راجل في جلسة واحدة، لأنه فاتح شقق الدور الأرضي كلها على بعضها.
كنت خايفة مجدي يزعق للراجل الكبير أو يكون قليل الأدب معاه. الست أم بدر، شافتني وأنا مرعوبة، وجات طبطبت عليا، وقالت لي متخافيش، عمك متعود على كده، وهو راجل قوي وحكيم. ولولا إن المحكمة رجعت لنا الوقف بتاعنا اللي هنا، كان زمانه لسة في الصعيد ماشي في جلسات العرب ولجان الصلح. ثم إنه ليه ست إخوات هنا، وكل أخ معاه خمس رجالة أولاده. أصواتهم كانت عالية خالص، وأنا بصراحة تعمدت أكون قريبة منهم علشان أسمع اللي أقدر أسمعه.
مجدي بيرفع صوته: _انت فاكر نفسك مصلح اجتماعي.. أمشي غور هات مراتي بدل ما أدخل أجيبها من شعرها. _اخرس يا ولد لاقطع لسانك.. انت فاكر نفسك في زريبة زي اللي عايش فيها. _أنا عايش في زريبة أنا؟ _اسمع ياد انت، إذا كنت متسلط على البنت دي علشان أبوها راجل غلبان، وخالها راجل من محاسيبك، يبقى لازم تعرف إنها من النهاردة في بيتي وحمايتي. _بيتك إيه وحمايتك مين؟ انت فاكر نفسك في الصعيد، اصحى يابا وفوق لنفسك.
_اصبر على رزقك وشوف إن كنا في الصعيد ولا مش في الصعيد، أنا مش بتكلم من فراغ. بعد ربع ساعة من الشد والجذب، جرس الباب من ناحية الصالون ضرب، ودخل إخوات الحاج وعيالهم، ومعاهم ولاد الحاج اللي في المحل الكبير. الصالون كان زحمة جداً، لدرجة إني نسيت نفسي وأنا بتفرج عليهم من بعيد. الحاج زعق لأبويا وبهدله على اللي عمله فيا، وزعق لجوزي، وطلب من جوزي إنه يطلقني ويبعت لي ابني بالتي هي أحسن. قام مجدي متضايق، وبيزعق، وبيهدد:
_أنا هروح القسم، وهبلغ عنكم إنكم خاطفين مراتي، وهعمل لكم فضيحة. بدر نادى عليه وقاله أنه لو عمل الحركات دي هيشمع له الورشة وهيشرده. لكن مجدي مشي على طول، ووراه أبويا وخالي.
ويا فرحة ما تمت. إخوات الحاج اتخانقوا معاه خناقة كبيرة بسببي. قالوله إيه اللي بتعمله ده، إزاي تجيب بنت متعرفهاش في بيتك، وتحط نفسك في مشاكل مع عيل بلطجي حشاش زي ده. ليه تخلينا نقفل محلاتنا ونسيب أشغالنا علشان نحضر قعدة تافهة زي دي. أها الولد الميكانيكي هيبلغ عنك في القسم، وهتدخل في متاهات ومشاكل أنت في غنى عنها. الحاج زعق فيهم وقال لهم:
_أنا راجل طول عمري بسند الحق، علشان كده ربنا فاتح لي من خيراته وبركاته، وانتوا شفتوا بعينكم الوقف اللي لينا سنين واخدين أحكام باسترداده، ربنا رجعهولنا السنين دي وبملايين كمان. وبدل ما نحمد ربنا ونساعد غيرنا، نقوم إحنا نطنش علشان خايفين على أشغالنا، وإحنا ناس معانا القوة والفلوس، هنخاف من مين؟ من عيل بلطجي ملهوش أهل. راجل منهم بص على بدر بيقول له أنت راضي على اللي بيعمله أبوك ده يا بدر. بدر رد عليه:
_أنا اللي يهمني رضا أبويا عني يا عمي، مش أنا اللي أرضى عنه وعن أي حاجة يعملها. الحاج زعق فيهم: _ويا سيدي اعتبروني أنا غلطان، حقكم عليا، آسف إني بعتلكم علشان استقوى بيكم، ومن النهاردة أنا مش هستقوى غير بعيالي. واحد في إخواته زعق وقال: _يا سلام! وإحنا هنسيبك أنت وعيالك لوحدك اياك؟ أنت شكلك كبرت وخرفت. _والله ما حد خرف غيرك، والفلوس خلتك بقيت جبان. _أنا جبان يا حاج؟
تحب أروح أربط لك الميكانيكي بتاعك ده في موتور عربيتي وأجيبهولك. واستمرت المشادات الكلامية بين الحاج وأخواته لحد وقت طويل، وكانت النهاية إن الشباب يقسموا بعض، ناس تزل أشغالها، وناس تقعد هنا في مدخل العمارة دايماً علشان يحموها من أي حركة غدر يعملها مجدي. الحاج جاب لي عقدين إيجار بتاريخ قديم، ووقعت أنا وهو عليهم، وبقيت رسمياً مستأجرة شقة في عمارته. ولما جات الشرطة تفتش عني في العمارة حسب البلاغ، كان
الحاج بكل هدوء بيقول لهم: _شقة مدام مايسة فوق، الموضوع مش محتاج تفتيش. ظابط ضرب الجرس، خرجت له، سألني إن كنت مخطوفة، طلعت له عقد الإيجار، وسألني ليه مستأجرة شقة، قلت له علشان جوزي بيطردني في مواعيد صعبة بالليل، ومليش أهل أروح لهم، واستأجرت الشقة دي علشان ألجأ لها في الظروف دي. الشرطة رجعت، واستدعوا جوزي، واتهموه بالبلاغ الكاذب وإزعاج السلطات.
في اللحظة دي كان بدر بلغ رئاسة الحي عن الجزء اللي واخداه الورشة من الشارع، وكان بلغ الشرطة عن سهرات الحشيش اللي في الورشة كل يوم. وفعلاً الحي عمل إزالة للجزء الأكبر من الورشة، ومكافحة المخدرات عملت كبسة على الورشة بالليل، واتقبضوا في حالة تلبس، والورشة بقت سمعتها في منتهى السوء، لدرجة إن مجدي رجع يشتغل فيها بنفسه من غير ما يجيب صنايعية يساعدوه. واختصاراً لكلام كتير ممكن أحكيه:
الحاج ساعدني أرفع قضية طلاق وكسبتها، ورجعت ابني لحضني من تاني. وكنت معتقدة إني هفضل دايماً في عمارة الحاج، لكن المفاجأة أنه قال لي أنه تحت أمري في أي وقت وأي لحظة لحد ما يموت، وعياله كمان من بعده، بس مش هينفع أعيش في بيت فيه شباب على سن جواز، ده غير عيال إخواته الشباب اللي دايماً بيزوروه.
أنا كنت مصدومة، مش عايز أسيب البيت ده، ومش علشان العز اللي فيه، لا، علشان الأمان. بس الراجل الحكيم قال لي إني لازم أسكن في شقة جنب أبويا، حتى لو كان ضعيف ومراته وحشة، بس على الأقل إخواتي من أبويا يكبروا قدامي، ويعرفوا إن ليهم أخت وابن أخت.
واستأجر لي الحاج شقة صغيرة في نفس شارع أبويا، ودفع لي إيجار أربع سنين مقدم، وفتح لي محل بيع حبوب وغلال في نفس المنطقة علشان يساعدني على المعيشة، وقال لي إن عربيتهم هتوفر لي كل السلع اللي تخلص من محلي زي ما بيعملوا مع كل محلاتهم الكبيرة. والراجل اللي كنت رايحة أشتري منه حبوب تكون سبب في موتي... فتح لي محل بيع حبوب تكون سبب في حياتي. ولسة عايشة عليها لحد النهاردة.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!