الفصل 2 | من 4 فصل

رواية ليلة هروب البائسة الفصل الثاني 2 - بقلم سيد داود المطعني

المشاهدات
18
كلمة
1,253
وقت القراءة
7 د
التقدم في الرواية 50%
حجم الخط: 18

تقول مايسة: أنا قررت أنتحر! مفيش حل تاني غير إني أتخلص من حياتي.. ماليش مكان يضمني غير القبر، بعد ما مرات أبويا طردتني، ومرات خالي قبلها، وقبل الكل جوزي.. خرجت من عند أبويا وأنا سايبة نفسي لرجلي تروح بيا زي ما هي عايزة تروح، كده كده العقل شارد، والمخ واقف، ومفيش أي وسيلة ألجأ لها غير الانتحار..

بالصدفة في طريقي لاقيت محل بيبيع فول وعدس وحبوب بالجملة، روحت له، ووقفت شوية، وقلت لنفسي أنه أكيد عنده حبوب غلال، أكيد بيستخدمها علشان يحفظ بضاعته من البوظان.. ناديت عليه وقال لي: اؤمري يا بنتي، كان راجل صعيدي، لابس جلابية وعمة، وعمره حاجة وخمسين سنة. قلت له: ممكن يا عمو تديني قرص أو قرصين حبوب من اللي بتحفظ بيهم الحبوب اللي بتبيعها؟ الراجل قال لي: من عنيا يا بنتي، بس يا ترى عايزاهم لأي نوع حبوب؟ قلت له: فول.

سألني: نوعه إيه؟ قلت له: بلدي. قال لي: الكمية قد إيه؟ قلت له: كتير. سألني: إردب ولا اتنين ولا تلات أرادب؟ أنا مش فاهمة يعني إيه إردب، لكن لازم أجاوبه.. قلت له: تلات أرادب. راح بص لي من فوق لتحت وقال لي: هو الإردب كام كيلو؟ قلت له: خمسة. الراجل بص لي بنظرة غضب، وقال لي: انتي مش عايزة الحبوب علشان تحفظي بيها فول ولا حتى قمح، انتي عايزاها لغرض وحش والعياذ بالله، صح ولا لا؟

حسيت إن الراجل كشفني، وأنا أصلاً منهارة، وشكلي باين عليه الغلب، ومفيش حيلتي غير البكا والدموع، وانفجرت فعلاً.. بكيت لدرجة إني حتى مقدرتش أهرب بعيد من الراجل. بس قال لي جملة لا يمكن أنساها أبداً.. قال لي: سكرات الموت أصعب من كل البلاوي اللي شايفاها في حياتك.. ولو صبرت على مصايبك ورضيتي بنصيبك، هتلاقي سهلة معاكي، ويمكن تسهل لك سكرات الموت. «أنا خفت من الموت بجد، خفت من الموت جدا، مرعوبة منه، مش عايزاه»

الراجل فتح درج في ديسك خشب جوة المحل، وطلع 100 جنيه، وقال لي: ده كل اللي عملته من الصبح، شكلهم كده رزقك ومن نصيبك، وصبري بيهم نفسك لحد ما تتحل مشاكلك. مش عارفة إزاي مديت إيدي وأخدتهم، مع إني خجولة جدا ومستحيل آخد حاجة من حد، بس أنا مش محتاجة الفلوس أوي، والراجل خطفني بذوقه حسيت إنه أبويا. «لا مش أبويا، ده أحسن من أبويا، لأن أبويا خذلني»

مشيت على رجلي، وأنا تايهة في البلاد، مش عارفة أروح فين.. دخلت شوارع عمري ما شفتها، وكل ما ألاقي عربيات ماشية في طريق أمشي وراها لحد ما لاقيت نفسي واقفة على الطريق السريع، مصر اسماعيلية الصحراوي. الشمس غابت، والغروب حضر، والليل بدأ ينزل، والدنيا اسودت في ضهري، ومفيش غير نور الطريق السريع. شاورت لعربية راجعة المكان اللي أنا كنت فيه، لأني خفت أبعد عن المكان اللي أعرفه.

ركبت العربية ورجعت مشي لحد محل الحبوب اللي فيه الراجل الصعيدي. ولاقيت فيه شاب واقف، لابس جلابية صعيدي، وكان باين عليه إنه مثقف خالص. لاقيت على الديسك لاب توب، وشوية كتب. سألته: هو الحاج الكبير اللي كان هنا الصبح راح فين؟ قال لي إن ده أبوه، وبيوقف في المحل لحد المغرب ويروح البيت يرتاح. طلبت منه أروح له البيت، عايزة أقصد في خدمة. شاور لي على مدخل العمارة، وقال لي إنه ساكن في الدور الأول، والمدخل من الناحية التانية.

بصيت على مدخل العمارة لاقيت فيه بوابة حديدية، وسور محاوطها واخد من الشارع مساحة كبيرة زارعها شجر. فتحت الباب ودخلت، وأنا معتقدة إن العمارة فيها سكان كتير زي عندنا، بس عرفت بعدين إنها ملك الراجل ده كلها، وفاتح كل شقق الدور الأول على بعض وعاملهم شقة ليه، وباقي الأدوار مجوز فيها عياله، ومخلي الباقي للي مش متجوز.

ضربت جرس الباب، وفتحت لي بنوتة عشر سنين، عرفت إنه أبوها مش جدها، دي حتى مراته مش كبيرة، عمرها في حدود سبعة وأربعين سنة، ومع ذلك عندها حفيد بيبي صغنون خالص. الراجل عرفني أول ما شافني، واستقبلني هو ومراته استقبال حلو، وأول حاجة قالها لي، إنه من حقه يعرف إيه حكايتي. قلت له: أنا جاية طالبة مساعدتك أصلاً، وأكيد لازم أحكيلك مشكلتي. وحكيت له كل حاجة، وكل شوية وأنا بحكيله أبص على مراته،

لأنها طبيعي هتقول: وإحنا مالنا، هنشيل همك ليه؟ هو إحنا نعرفك. فجأة الست دي بقت تبكي، وتقول: يا ضنايا يا بنتي، هو انتي مستحملة كل ده لوحدك. جوزها قال لها: دي كانت عايزة تنتحر الصبح، لولا ربنا كشفها. هنا عرفت إن العمارة بتاعتهم، لما قالت له: بعد إذنك يا حاج، العروسة دي ضيفتي لحد ما مشكلتها تتحل، وتختار أي شقة ترتاح فيها. الحاج قال لها: لو أعرف إن دي مشكلتها، كنت عزمت عليها تقعد معاكي من الصبح. «إيه الفرحة دي؟

هو أنا هنام في بيت؟ هيتقفل عليا باب؟ وكمان هتعشى؟ هنام من غير أصوات الحشيش دي؟ سألته: هتساعدني يا عمو؟ قال: لما قلت لك في الصبح إن الصبر والرضا بيهونوا المصيبة، كنت عارف إن ربنا هيسخر لك أولاد الحلال.. بس مكنتش أعرف إن ربنا هيسخرني أنا ليكي.. إحنا عيلتك يا بنتي لحد ما تتحل كل مشاكلك. الحاج مسك تليفونه، واتصل بابنه اللي واقف في المحل وقال له: اقفل المحل يا بدر يا ولدي وتعالى لي عايزك. «فجأة لاقيت

راجل كبير يقول لولده: اقفل أنا عايزك» مفيش عشر دقايق، وجرس الباب ضرب، والباب اتفتح من برة في نفس اللحظة، ودخل الشاب بدر. قال: خير يا حاج. قال له: اقعد الأول خد نفسك. «قعد بدر، وقعدت كمان روحي اللي واقفة مرعوبة من الصبح» تلات حاجات خلوني أطمن العيلة دي: موقف الراجل الصبح. دموع مراته دلوقتي. وطاعة ابنه ليه لما قال له: تعال عايزك، ومفكرش يسأل عايزني في إيه، لكن حضر على طول.

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...