شعرت بحركة غريبة داخل الدار وخارجه. كان الوقت قد اقترب على الفجر وسمعت أصوات جلبة بالخارج فاستشعرت أن هناك أمرًا ما يحاك. أربت باب حجرتها قليلاً متطلعة لتلك الحركة الدؤوب التي تحدث والرجال يتحركون في نشاط هنا وهناك لتتأكد أن ليل على موعد مع تسليم هذه البضاعة التي يحفظ. استشعرت الخطر وانقباضًا غريبًا بصدرها ولا تعلم لما تذكرت حلمها الذي رأته أول أمس.
فتحت الباب فجأة ليتوقف الرجال لثوان عن عملهم، لكن ليل الذي كان يقف في أحد الأركان البعيدة عن مجال رؤيتها هتف آمرًا: "وجفتوا ليه!؟ هموا ياللاه مفيش وجت." تحركت باتجاهه ثم توقفت قبالته ليتطلع إليها مستفسرًا: "خير يا داكتورة!؟ ايه اللي خرچك من اوضتك الساعة دي!؟ همست عين متطلعة إلى عمق عينيه: "على فكرة.. أنا فكرت واخترت." تنبه لها تلك اللحظة وقد زم ما بين حاجبيه منتظرًا سماع اختيارها لتهمس هي بثبات:
"اخترت الحل الثالث.. أنا مش عايزة اموت ولا هقدر اسكت ع اللي بيحصل ده.. يبقى أكيد الحل الثالث حل وسط بين الحلين دول." ابتسم ليل ابتسامة مبهمة لم تستطع تفسير مغزاها، وهمس مقتربًا منها: "لو رچعت بالسلامة.. هاتعرفي ايه هو الحل الثالث اللي أنتِ اخترتيه من غير ما تعرفي أصلا ايه هو." تطلعت إليه في ذعر عندما نطق كلمة "لو رجعت بالسلامة" وهمست وهو يهم بالخروج خلف الرجال الذين أنهوا مهمتهم: "ليل.."
توقف فقد كانت المرة الأولى التي تناديه باسمه مجردًا، واستطردت وعيناها متعلقة بمحياه: "بلاش.." همس بصوت متحشرج وقد خطفت نظراتها تلك قلبه كليًا: "بلاش إيه!؟ همست وهي تزدرد ريقها في صعوبة تستشعر ألمًا مجهولًا بصدرها: "بلاش تروح المشوار اللي أنت رايحة ده.. عشان خاطري بلاش." ابتسم محاولًا مداراة تأثره بها هامسًا: "خاطرك على عيني يا داكتورة.. بس ماينفعشي.. لما ارچع نبجى نتكلم." هم بالخروج لتعترض طريقه في جرأة
هي نفسها تعجبتها هامسة: "ولو لا قدر الله مرجعتش!؟ تطلع إليها لبرهة في صمت قبل أن ينطق بصوت تغلب عليه نبرة المودع: "يبجى نصيبنا يا داكتورة.. والحمد لله على كل حال." دمعت عيناها غير قادرة على النطق بحرف فقد أدركت تمامًا أنها لن تستطيع إثنائه عن عزمه ليهمس ليل مبتسمًا بعد أن تشرب ملامحها وقسمات وجهها الصبوح: "ممكن بجى تعديني.. الرچالة مستنيانى بره وإحنا اتأخرنا بچد."
تنحت جانبا ليتحرك هو مندفعًا للخارج إلا أنه توقف على عتبة الباب الخارجية وعاد أدراجه لموضع وقوفها المضطرب هناك حيث كانت نظراتها معلقة به في أمل ورغبة تعلم تمامًا أنها لن تتحقق. توقف قبالتها وأخرج من جيب جلبابه سلسال فضي يتدلى منه رمز مفتاح الحياة الفرعوني. مد كفه واضعًا إياه حول جيدها هامسًا: "هدية مش مجامكِ.. بس حاچة على كدي." تطلعت للقلادة المعلقة برقبتها وأمسكت مفتاح الحياة الفضي بكفها هامسة: "جميل أوي."
رفعت ناظريها إليه هامسة وهي تهم بخلعه: "بس أنا مقدرش اخد.." اخفض كفيها التي كانت تذيبه حرفيًا ما أن يتطلع لهذه الرسوم على ظهرها بالحناء والتي رفعتها تهم بخلع القلادة هامسًا في تأكيد: "دِه مش م البضاعة يا داكتورة.. دِه تجليد.. عارف إنك مش هتجبلي تاخديه لو أصلي.. أني عارف انك بتعتبري اللي بنعملوه دِه سرجة وأني مش ممكن اهاديكِ حاچة مسروجة." اخفضت كفيها ولم تعقب، ليندفع هو من جديد للخارج واستدار قليلا هاتفا:
"افتكرينى بالخير يا داكتورة.. سلام عليكم." خرج تاركًا إياها تتطلع لموضع رحيله تستشعر أن شيئًا ما هنا بصدرها قد فُقد لغيابه ورحل مغادرها لرحيله. شيء ما لا سلطان لها عليه ولا تستطيع توجيهه فيما يحب أو يكره. شعرت باختناق يعتصر قلبها اعتصارًا فاندفعت للخارج حيث كان في ذيل القافلة التي كانت تحمل بضاعته وهتفت باسمه فتوقف فرسه مستديرًا يتطلع إليها في رغبة قاهرة بترك كل العالم عائدًا إليها، لكنه ظل على ثباته وهي تهتف
به في نبرة يحدوها الأمل: "ليل... "لا إله إلا الله." صمت للحظة وتطلع إليها مرددًا في صوت متحشرج: "سيدنا محمد رسول الله." وأطلق لفرسه العنان ليلحق بالقافلة رغبة في التغلب على ضعفه الذي بدأ يغالبه تاركًا إياها تذرف الدمع على رحيله الذي تستشعر بقوة أن لا لقاء بعده. *** اندفع هشام لداخل مكتب العقيد حسان هاتفا في حماس: "الإشارة وصلت يا فندم." هتف العميد حسان: "طب القوة جاهزة!؟ أكد هشام: "ايوه يا فندم وكله تمام." هتف حسان:
"طب ياللاه على بركة الله.. ربنا ييسرها المرة دي ونمسكهم متلبسين." هتف هشام متضرعًا: "يا رب يا فندم.. دي بجد هاتبقى ضربة معلم." هتف العقيد حسان رابتا على كتف هشام في تقدير: "يااارب.. همتك يا بطل." هتف هشام في تواضع وهو يتجه لعربته بمقدمة القوة التي تنتظرهما: "كله على الله يا فندم." وتحركت العربات في سبيلها لإتمام مهمتها. *** فتحت نجوى باب شقتهن هاتفة في سعادة وهي تسند أمها لتساعدها على الجلوس على أقرب
مقعد حتى تلتقط أنفاسها: "حمدا لله على سلامتك يا ست الكل.. البيت نور." ابتسمت أمها في سعادة: "البيت وحشني أوي.. ووحشتني لمتنا جواه.. ربنا يرجع أختك بالسلامة يا نجوى وترجع تكمل لمتنا الحلوة بيها." لثمت نجوى جبينها في مودة هامسة: "بإذن الله يا ماما.. سيادة النقيب هشام طمني قبل ما يرجع على أسوان إنه بيكون فيه أخبار كويسة عن قريب." همست أمها في تخابث: "ابن حلال هشام ده.. ربنا يكرمه.. شكله فعلا ابن ناس."
تنبهت نجوى لتلميح أمها الخفي فاحمرت خجلا لتتسع ابتسامة أمها هامسة داخليًا بتضرع إلى الله أن يكون هشام من نصيب ابنتها الصغرى التي طالما كانت مصدر اهتمام الجميع أما عين الحياة فقد كانت على يقين من عودتها سالمة حيث هتفت في ثقة: "عارفة يا نجوى.. أختك راجعة بإذن الله." هتفت نجوى: "يا رب يا ماما.. يسمع منك ربنا." استطردت أمها مؤكدة:
"أبوكِ جالي ف المنام امبارح وقالي متخافيش عليها.. هترجع.. بس العجيب انه برضو كان زعلان.. بقوله شكلك زعلان ليه كِده يا كامل.. مردش عليا ومشي." اضطربت نجوى فهي على قدر سعادتها بهذه البشرى الرائعة بقرب عودة أختها، على قدر حزنها لأنها تعلم لما أبوها كان حزينًا بالرؤية. بسبب فقدانهما الوشيك للمصنع الذي كان أحب إليه من نفسه. ذاك السبب الذي لم يكن من الجائز أن تخبر به أمها بعد وعكتها الصحية جراء ما حدث لعين الحياة.
تنهدت نجوى في هم ولم تعقب، بل همست تبتهل داخليًا.. يااارب. *** هتف ليل وهو يقف على رأس رجاله في وكر مرعي الزعيم الأكبر والرأس المدبر لكل عمليات حداد وعصابته: "أديني چيتكم لحد عنديكم وبنفسي.. و دِه مابيحصلش إلا مع الحبايب، وحداد عارف كِده.. على الرغم من إنه المرة اللي فاتت طلع مخون بالجوي." هتف حداد مدافعًا عن نفسه في وجود ولي نعمته مرعي: "حجي يا واد عمي.. هي اللي ظهرت دي مش كانت تبعكم برضك." هتف ليل مؤكدًا:
"لا تبعنا ولا نعرفوها.. من ميتا الحريم ليهم يد مع ليل الچارحي.. وبعدين خلاص راحت لحالها وخلصنا منيها.. خلونا ف اللي چاي." هتف مرعي أخيرًا: "صح يا ليل.. خلينا ف اللي چاي.. ايه بجى اللي عنديك ومدوخ وراك المعلمين كلها!؟ ما تفرچنا كِده حاچة تستاهل ولا باينها حكاوي ملهاش عازة!؟ هتف ليل مقهقها: "لو انت واعي انها ملهاش عازة مكنتش تبجى مشرفنا هنا بنفسك يا واد عمي.. ولا اني غلطان!؟ ابتسم مرعي مؤكدًا:
"صح الصح.. تعچبني.. ياللاه فرچنا بجى لحسن الواحد مشتاج لحاچة نضيفة يطلع منيها بمصلحة زينة." هتف ليل مشيرًا لجابر الذي تقدم بأحد الصناديق واضعًا إياها في حرص أمام مرعي. انفرج الصندوق عن بعض التماثيل الفرعونية المدفونة بالقش ليمد مرعي كفه متطلعًا إليها بعين خبير يقلب فيها ذات اليمين وذات الشمال حتى هتف بعد برهة من الوقت: "ايه العظمة ده يا ليل!؟ هو ده الشغل ولا بلاش.. أصلي أصلي يعني.. دي معدية يا واد أبوي."
هتف ليل في ثقة: "ما إحنا جلنا الكلام دِه ورچلك كان هيودرنا بالكدب." ضرب مرعي على صدر حداد في حنق هاتفا: "عشان غشيم.. وحجك عليا أني يا كَبير.. طالب فيها كام بجى الحتة اللوز دي!؟ هتف ليل في تعال: "كلك نظر يا معلم.. دي حتت لو راحت مش هترچع تاني.. وأنت واعي إن كلامي مظبوط." هتف مرعي في مهادنة: "وأني مش هرچع كلمتك واللي تطلبه هتاخده.. عشان تعرف إن المعلم مرعي بيعرف يجدر."
هتف ليل بمبلغ طائل نظيرًا للقطع الموجودة بالصندوق ليهتف مرعي هازا رأسه في إيجاب: "ماشي.. والله ما أرد لك كلمة.. لأن البضاعة فعلا تستاهل.. وأنت ليك حج تتشرط برضك.. ما انت أبو العروسة." قهقه الجمع ومرعي يشير لحداد ليناول ليل حقيبة النقود ليفتحها ليل متطلعًا إليها، بينما هتف مرعي: "متعدش وتجل بركتهم والله زي ما طلبت بالمليم." ما أن أغلق ليل الحقيبة حتى بدأت النيران تُصوب إليهم من كل حدب وصوب.
تسابق الجميع للإختباء لحماية أنفسهم وبدأ تبادل إطلاق النار بين الطرفين. الشرطة من جانب وعصابة مرعي وليل على الجانب الآخر. استمر الوضع طويلًا حتى توقف إطلاق النار وهتف هشام بداخل جهاز اللاسلكي مؤكدًا في فخر: "كله تمام يا فندم.. العملية تمت بنجاح.. صناديق البضاعة تحت ايدينا.. وبنحصر عدد المصابين والوفيات." واستطرد هشام مجيبًا على تساؤل من قبل العقيد حسان على الطرف الآخر: "اه يا فندم.. كلهم ماتوا.. حداد ومرعي."
تطلع هشام إلى جثة المذكورين، وأخيرًا هتف في ثقة: "وطبعا ليل الجارحي." قال كلماته وهو يتطلع إلى جثة ليل التي كانت ملقاة أمامه مدرجة في دمائها.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!