حمدًا لله على السلامة. حضرتك النقيب هشام يا ماما، ده اللي ماسك موضوع عين في أسوان. صحيح يا بني، هي بخير؟ نجوى قالت لي إنها كويسة. أكد هشام باضطراب ونظراته حائرة بينها وبين نجوى التي أشارت إليه بلحظ خفي أن يؤكد على كلامها، فأطاع هاتفا: أكيد، هي بخير متقلقيش. بس هي مسألة وقت وهتكون معاكي هنا بإذن الله. شفتي يا ستي، أهو حضرة الظابط قالك إنها بخير. كان لازم تسمعيها منه يعني وأنا كلامي ملوش لازمة.
لا طبعًا إزاي يا آنسة نجوى، كلامك على العين والرأس. بس الظاهر إن الوالدة يهمها الكلام يبقى ميري. تمام يا فندم. وصلا أخيرًا لتلك القرية التي تتشابه دورها حجمًا ولونًا. فقد كانت كلها على هيئة مبانٍ من طابق واحد بيضاء اللون تعلوها القباب، كلها تقريبًا محفورة داخل جدران الجبل الذي تعتليه مشرفة على النيل. أشار لها لتتبعه بعد مشورة مع بعض الرجال.
تبعته في صمت تشعر بالتعب والإعياء والرغبة في الحصول على حمام دافئ والخلود للنوم ربما لأيام. ولم يكن هو بأقل رغبة منها في ذلك. لكن مهامه التي جاء من أجلها لا تترك له فرصة للراحة. دخل إلى الدار التي اختارها بعناية كما سابقتها في قرية جابر النوبية، دار متطرفة ومنعزلة بعض الشئ عن باقي الدور. أشار لإحدى الحجرات هامسًا بإرهاق: دي أوضتك يا دكتورة. شوفيها لو ناقصها حاجة قولي.
طب أنا عايزة آخد حمام. بعد العاصفة والنوم على الرمل و... هز رأسه المنكس متفهمًا وهمس: أيوه طبعًا. معلوم يا دكتورة. هخليهم يحضروا لك الحمام. ادخلي ارتاحي. ولما يجهز هناديكي. شكرًا. كانت حجرة بسيطة تحوي فراشًا صغيرًا لكنه نظيف عليه العديد من الأغطية وطاولة صغيرة ومصباحان على كل جانب بالغرفة داخل كوة بالحائط.
جلست على طرف الفراش لا ترغب في تلويثه بما علق بها من رمال أو ما شابه، تمنّت نفسها بنوم عميق تعوض به ساعات السهاد لليلتين الماضيتين. طرقات على الباب أنبأتها أن الحمام قد تم تجهيزه بكل ما يلزم. نهضت في عجالة تسير في الاتجاه الذي أشارت إليه إحدى النساء. هزت عين رأسها في امتنان فتركتها المرأة وانصرفت.
همت عين بدخول الحمام، لكنها وجدت أن الفرصة سانحة تمامًا لتدرك ما تحويه كل هذه الصناديق التي كانوا يحملونها على طول الطريق وكانت بالدار الأخرى يضعون على كل باب حارسًا لا يغادره. أما هنا، فلم تجد أيًا من الحراس، فقررت المجازفة لتعرف محتوى الصناديق التي يتم تهريبها. تسللت ببطء نحو إحدى الغرف التي رأت الرجال عند وصولهم يضعون بها حمولتهم الثمينة.
فتحت بابها بحذر ودخلت تحاول تلمس طريقها حتى اصطدمت قدمها بحافة صندوق ما كان موضوع جانبًا. تأوهت بصوت مكتوم وتغلبت على وجعها وقد ارتفع فضولها لمستوى عالٍ وهي تنحني تعبث بقفل الصندوق الذي عالجته قليلاً حتى فُتح. مدت كفها لمحتوياته فلم يكن هناك إلا بعض القش. مدت يدها بخوف مما قد يكون مدفونًا به فاصطدمت كفها بجسد أملس.
كادت أن تخرج يدها ذعرًا إلا أنها تشجعت تتحسس باقي الجسد الأملس جاذبة إياه خارج القش لتشهق في صدمة وهي تمسك بذاك التمثال الفرعوني بين يديها. تمالكت أعصابها ومدت كفها من جديد تزيح القش بعجالة لتكتشف عددًا من التماثيل الفرعونية المتعددة الأحجام والأشكال. إذن، فهو يقوم بتهريب ثروة بلاده والاتجار بها. كانت تعلم أنه مهرب، لكن لم يكن يخطر ببالها أن تكون تجارته هي تهريب آثار البلد وخيرها.
أمسكت تمثالًا بكل كف واندفعت خارج الحجرة ليتفاجأ كل منهما برؤية الآخر. شهق كلاهما في صدمة كان سببها مختلفًا لكلاهما. كان ليل قد أنهى حمامه لتوه خارجًا لا يستره إلا منشفة حول خاصرته يسير بها بأريحية تجاه غرفته معتقدًا أنها بدورها تأخذ حمامًا على الجانب الآخر من الدار، وتفاجأت عندما وجدها تخرج من الغرفة التي حفظ بها صناديق البضاعة حاملة بعضها بيدها.
تجاسرت عين على مظهره الشبه عار متجاهلة إياه وهي تتقدم نحوه حاملة التمثالين بين كفيها هاتفة في غضب مكتوم: إيه ده يا ليل بيه؟ هتف ليل ساخرًا: هيكون إيه يعني؟ أنتِ شايفة إيه؟ تماثيل فرعوني... مساخيط كيف ما بنقولها. هتفت في غضب لازال مكتومًا: كنت أتوقع تتاجر في أي حاجة إلا ده. هتف ليل بنفس النبرة الساخرة: محسساني يا دكتورة إننا اتجابلنا على عرفات. ما أنتِ عارفة من الأول إني بهرب بضاعة. إيه تفرق بضاعة عن التانية؟
هتف في ثورة: تفرق كتير. ده تاريخ بلدك. إزاي تبيعه كده بالساهل؟ هتف في لامبالاة: متكبريهاش قوي كده. دول اسمهم لُقْيَة. حاجة لقيناها في الأرض وبنبيعها للي يشتري. وبعدين أنتِ مهووسة قوي على شوية التماثيل اللي بنبيعهم. ما البني آدمين دلوقتي بيتباعوا. وعادي. دخل جابر في تلك اللحظة ليكتشف ما حدث، ليهتف به ليل في غضب هادر: أنا مش قلت تحط راجل يوقف على كل أوضة؟ محصلش ليه؟ هتف جابر معللًا:
الرجالة كانوا بيفطروا وانتوا قلتوا إنها في الحمام وهتطول. ومال على ليل هامسًا: إيه العمل دلوقتي يا بيه؟ دي عرفت كل حاجة! هتفت عين في غضب: عرفت وهبلغ البوليس كمان. أشار ليل لجابر بالمغادرة وما أن خرج طائعًا حتى اقترب منها ليل في استمتاع، لتتقهقر هي حتى اصطدمت بمقعد خلفها أجبرها لتسقط جالسة عليه وهي لا تزال تحمل التمثالين بيدها، لينحني ليل نحوها مستندًا بكلتا كفيه على يدي المقعد هامسًا وهو يتطلع لعينيها بمشاكسة:
قدامك حل من اتنين يا دكتورة. يا تموتي. يا تسكتي. تحبي إيه؟ همت بأن تنطق إلا أنه وضع سبابته على شفتيها هامسًا في تحذير: لأه. متجاوبيش دلوقتي. خدي وقتك يا دكتورة. واقترب أكثر لتبتعد ملصقة ظهرها بظهر المقعد الذي تشغله، وهو يهمس مقتربًا من مسامعها: وفيه حل تالت بس نخليه بعدين. وغمز بإحدى عينيه في عبث فاضطربت لقربه بهذا الشكل الحميمي، وما أن هم بالابتعاد حتى عاد يهمس من جديد:
آه بالمناسبة. تعرفي تماثيل إيه اللي أنتِ شايلها دي؟ أقولك أنا. أشار لأحدهما هامسًا بنبرة ماجنة جمدتها حرفيًا عن النطق: ده بيقولوا إنه إله المحبة عند الفراعنة اسمه (باسيت) . والتاني ده اسمه (حتحور) يبقى إله الإخصاب والأمومة. رفعت ناظريها إليه ليتطلع إلى عمق عينيها بمجون مستمتعًا قبل أن ينتصب واقفًا واستدار راحلًا وهو يشير لها آمرًا:
رجعي اللي في يدك دول يا دكتورة دي حاجات ناس. وادخلي فوقي وخذي حمامك ومتنسيش. فكري هتختاري إيه. وأغلق باب حجراته خلفه تاركًا إياها تتطلع للتماثيل الفرعونية التي تحملها لتنهض تعيدهما موضعهما مغلقة باب الحجرة خلفها واتجهت للحمام بآلية تحاول أن تستنتج ما هو الحل الثالث الذي يخفيه عنها. ربما عليها اختياره. فهي لا تريد الموت بالتأكيد وكذلك لن تقف مكتوفة الأيدي أمام ما تراه يحدث من تبديد لثروة البلاد.
لكن تراه ما هو ذاك الحل؟ لديها فضول لتعرف، لكن تتمنى ألا يكون فضولها ذاك. الفضول نفسه الذي قتل القطة.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!