مع كل ساعة تقترب منها رهف باليوم الموعود، يزداد خوفها وإضطراب قلبها وكأن هنالك وحشا يطاردها. كانت تشعر بشيء غريب يعتلي صدرها فيجثم عليه ليثقله. وما كان يقلقها أكثر ذلك الحلم الذي يراودها كل ليلة لا ينفك عنها، يزورها في كل منام ليؤرق عليها نومها. كانت تحلم بأنها كلما همت بدخول منزلها الجديد، منزل الزوجية، تجد حية كبيرة مخيفة مرابطة لها أمام باب المنزل تمنعها من الدخول وتخيفها حد الفزع.
حتى تهب رهف من نومها ترتعد أوصالها من الرعب، وتظل على حالتها الفزعة برهة من الزمن حتى تشرع في أذكارها إلى أن يزول عنها فزعها. ثم تتفل عن يسارها ثلاثا وتستعيذ بالله من الشيطان الرجيم. لم تدري رهف ما هو هذا الحلم وما تفسيره. وعندما تخبر أمها أنها ترى الحلم ذاته كل ليلة، لكنها لا تقصه عليها،
فالنبي أخبرنا فيما معناه: "أنه من رأى في المنام ما لا يسره فليتفل عن يساره ثلاثا ويستعيذ بالله من الشيطان الرجيم ولا يخبر به أحدا". ليكون رد أمها أنه ربما أضغاث أحلام لا أكثر، وذاك لأنها على وشك دخول مرحلة جديدة من حياتها، فلهذا تتوهم الخوف. ونصحتها أن تنفض هذه الأفكار عن رأسها ولا تفكر سوى أن اليوم عُرسها فقط.
وبعد أن أدت رهف فرضها، جلست على سجادتها تنهي أذكار الصلاة وأذكار الصباح، حتى أمسكتها أمها من يدها وأجلستها جوارها على طرف الفراش. ظنت رهف أن أمها تريد أن تدلي لها ببعض النصائح الخاصة بتلك المرحلة الهامة من حياتها والناتجة من خبرتها لسنوات طويلة، فهي لابد وأن تعرف ما الذي يُقَيِّم المنزل ويقومه. لكن أمها خيبت آمالها، فلم تُسدي لها أية نصائح، بل كانت كلها أوامر مثل: "اسمعي يا رهف...
شغل الدلع والهيافة اللي كنتي بتعمليه هنا ده... مينفعش مع جوزك. جوزك راجل مشهور وليه سمعته ومعجبينه، إوعي تقللي منه أو تحرجيه قدام الناس." "اللي يطلبه منك اعمليه من سكات ومن غير جدال، إنتي فاهمة." "ويا رب ما تكسفيني وتبوظي له الأكل زي ما كنتي بتعملي لينا هنا وتعملي أكل ملوش اسم أو ملامح... مش عارفة بأبصر إيه بشاميل ولا مش عارفة العك بتاعك ده ابعدي عنه...
أنا مش عايزة أخاف عليكي، تقوم واحدة تانية تلهفه منك، حاكم أنا عارفاكي هبلة وعقلك صغير." استاءت رهف من حديث أمها، فهي دائما ما تراها لا تصلح لفعل شيء. دائما ما كانت ترى دلعها وتدليلها على أبيها وأخيها هيافة وتدليل زائد لا لزوم له، وينبغي إيقافه. "فلنكن منصفين... إن لم تجد الفتاة في أبيها وأخيها المأوى والحب والتدليل، فأين ستجده؟ هتفت رهف بحزن: "أنا يا ماما هبلة وعقلي صغير... الله يسامحك."
لما تشأ سوسن أن تجعل ابنتها حزينة في ذلك اليوم، لذا ضربتها بخفة على كتفها: "يابت أنا عايزة مصلحتك... ربنا يسعدك وأشوف عدلك يا رب... هتوحشيني يا حبيبتي... بس هيه دي سنة الحياة." تنهدت رهف وحاولت الابتسامة لوالدتها، ومن ثم قامت بعناقها بشدة، لتربت أمها على ظهرها. "يلا... مدي شوية ريحي جسمك وأعصابك لحد ما معاد البيوتي سنتر يجي علشان تروحي تعملي لشعرك بروتين."
أبعدت رهف رأسها عن أمها: "ماما أنا هتحجب مش هكون بشعري في الفرح." أمسكت أمها بكلتا ذراعيه وقالت بتحذير: "بت يا رهف بقولك إيه... خطيبك عايز كده... انتي عايزة تفشكلي الدنيا يوم فرحك يا بت إنتي... اسمعي الكلام من غير مناقشة. حسن كتر خيره عمل معاكي الواجب وزيادة ومخلناش نشيل هم قشاية واحدة في العفش... اتكفل هو بكل حاجة... عريس زي ده مينفعش يتقاله لأ يا رهف، طالما هو قايد ليكي صوابعه العشرة شمع."
رمت رهف بكلام أمها عُرض الحائط وأصرت على ارتداءها لحجابها يوم عُرسها: "ماما أنا مش هتنازل عن حجابي... أنا كلمتك في الموضوع ده كتير وقتلك أقول لحسن وانتي تقوليلي خليها لوقتها... وده وقتها. أنا هتصل بحسن دلوقتي أقوله إني هلبس حجابي في الفرح." أخذت سوسن نفسا عميقا وأخرجته من رئتيها بغيظ من ابنتها: "ماشي كلميه، لكن لو قال لأ هتسمعي كلامه من سكات." نفخت رهف بضيق وحاولت أن تبرر كلامها: "ماما أنا بقولك مش هتنازل عن حجابي...
أنا محجبة طول عمري... هأجي يوم الفرح وأخلعه إزاي بس." التوى ثغر سوسن بضجر: "يابت ما البنات كلها بتكون بشعرها يوم الفرح، جت عليكي. هو يوم واحد بالعمر عيشيه مفرقتش يعني من يوم... ولا هو انتي مش زي البنات." عقدت رهف ساعديها أمام صدرها وهتفت بتبرم: "لأ يا ماما مش زي البنات... هو يعني علشان البنات بتعمل كده يبقى أقلدهم وخلاص... بعدين ما في بنات بتتحجب يوم فرحها وبتكون جميلة كمان."
رمقتها أمها بغيظ، فهي تعلم أن ابنتها تحمل رأسا عنيدا. "اعملي اللي تعمليه بس مترجعيش تعيطي... لو الجوازة اتعطلت بسبب الموضوع ده." امتعض وجه رهف كثيرا وأمسكت بهاتفها لتحاول الاتصال بخاطبها حسن. هاتفاته لأكثر من مرة لكنه لم يرد. لتتفوه أمها باشفاق عليه: "تلاقيه نايم ياقلب أمه... الحِمل كتير عليه الأيام دي." وفي المرة الرابعة استجاب حسن أخيرا ورد على الهاتف. ليقول بصوت ناعس، فعلى ما يبدو أنه كان
نائما ورنين هاتفه أيقظه: "أيوة يارهف يا حبيبتي.. في حاجة؟ تحرجت رهف من إقرانه لفظة حبيبتي باسمها، لذا تحنحت قائلة بجدية: "أنا أسفة يا حسن صحيتك من النوم، بس في موضوع مهم لازم نتكلم فيه دلوقتي." اعتدل هو في رقدته ونظر للساعة من شاشة هاتفه، ليجدها ما زالت الرابعة صباحا، فيلوي ثغره بضجر لكنه لم يظهره في نبرة صوته. "موضوع ايه المهم ده؟
رفعت رهف نظراتها لأمها، والتي كانت ترمقها بغيظ شديد مما تفعله، لكن رهف كانت مصرة على رأيها، لذا استجمعت شجاعتها وهتفت قائلة بسرعة وكأنها في سباق: "حسن أنا هلبس الحجاب في فرحي ومش هتنازل على القرار ده.. قلت إيه؟ أطلق حسن ضحكات عالية عملت على استفزاز رهف كثيرا وإثارة تعجبها. ونظرت لأمها التي همست لها بأن تفتح مكبر الصوت كي تسمع رد فعله. ففعلت رهف على مضض. لتتفوه رهف بصوت مختنق: "ممكن تبطل ضحك وترد عليا."
كف من ضحكاته عندما لاحظ نبرة صوتها المختنقة وهتف بهيام عاشق: "يا حبيبتي.. أرد على إيه.. انتي خلاص قررتي.. وطالما ده طلبك معنديش أدنى مشكلة.. صحيح أنا كنت حابب تكوني بشعرك، لكن طالما دي رغبتك فاللي انتي عايزاه يا قمر." ليتخضب وجه رهف ثانية وتتحرج من سماع أمها لكلماته. لتسمعه يهتف: "أي طلبات تانية يا قمري.. اطلبي وأنا ألبي على طول... الليلة ليلتك وأخيرا هبدل وسادتي الحزينة بيكي.... تنحنحت رهف، فهي في أشد حالاتها حرجا،
فخرج صوتها متلعثم خافت: "شكرا أوي ياحسن." ليهمس لها بعشق جعل ضربات قلبها تعلو وكأنها سيمفونية عذبة تطرب لتلك الكلمات. "فها نحن معشر النساء.. نطوق لسماع عبارات الغزل والإطراء ونذوب فيها حبا... فما كان من رهف إلا أنها أنهت وضع مكبر الصوت، فيكفي ما سمعته أمها، جعلها في موقف لا تُحسد عليه. "حبيبتي وحياتي متشكرنيش... انتي تقعدي على عرش قلبي معززة مكرمة تشاوري وبس."
وضعت يدها على أنفها وحاولت ضبط كلماتها لتخرج متزنة بعد تلك الكلمات التي أطاحت بعقلها. "ذاك.. طيب أسيبك تكمل نوم مع السلامة." ليهمس لها ثانية: "مع السلامة يا قمري.. لأني فعلا محتاج أنام أوي.. قدامنا يوم حافل النهاردة.. بحبك." أنهت مكالمتها مع خاطبها ونظرت لأمها بارتباك، تخشى أن توبخها على ما سمعت، فهي لم تزجره عندما أمطرها بعبارات الغزل. لكنها وجدت أمها تقترب منها ببسمة واسعة على محياها.
"برافو عليكي يا بت يا رهف.. أيوة كدي ارفعي راسي.. ودائما كده خلي جوزك دايب فيكي وهو هيكون زي الخاتم في صباعك." تفاجأت رهف بأن أمها لا تمانع بمثل هذه العبارات في فترة الخطوبة، وعللت ذلك بأن اليوم عرسها، فلربما مسموح بهذا، فهي ستقعد قرانها بالمساء أثناء الحفل. دفعتها أمها برفق نحو الفراش: "يلا يا حبيبتي نامي وارتاحي شوية."
-بعدة فترة لم تعرف رهف كم استغرقت في نومها، فهي استيقظت على يد ما تعبث في وجهها وشعرها بعشوائية هوجاء. لينعقد حاجباها، فهي تعرف جيدا أن أخيها ماجد يمزح معها كعادته ليجعلها تستيقظ، لذا هتفت بضجر: "ماجد سيبني أنام شوية كمان." لكن ماجد أصر عليها أن تستيقظ وجذبها من يدها لتقوم عنوة، وقال وهو يسند ظهرها بيده الأخرى
قائلا بنبرة تهكمية كعادته: "تنامي إيه بس.. اللي أعرفه إن البنات مش بيجيلها نوم اليوم ده.. وطبعا انتي لازم تكسري القاعدة دي... ما انتي مختلفة في كل حاجة." سحبت يدها التي يجذبها منها وقالت بادعاء الغضب وهي تدفعه عنها: "طيب كويس إنك عارف.. يلا اتفضل بقى من غير مطرود هويني علشان أكمل نوم." ليمسكها هو من ملابسها من الخلف كالمتهم وقال: "بت انتي.. انتي ناسية إنك بتكلمي أخوكي الكبير إزاي تكلميني كده؟
لتضع هي يدها على وجهها خوفا من مزاحه الثقيل ويده الطائشة وهتفت بسرعة: "لا أنا آسفة يا باشا والله ما كانش قصدي.. خلاص خلاص هقوم.. بس بلاش إيدك الطايشة دي.. ده النهاردة فرحي يا ميدو." تركها أخيها ويقول ضاحكا: "أيوه كده اتعدلي... يلا علشان نفطر سوا... آخر يوم هنفطر فيه سوا.. بكرة تفطري مع حبيب القلب وتنسيني." لتقوم أخته بعناقه وتقول بصوت باكي: "ماجد حبيبي.. انت عارف إني مقدرش أستغنى عنك أبدا."
ليباد لها ماجد العناق محاولا أن يجعل نبرة صوته ضاحكة كي يخرجها من نوبة بكائها: "حبيبتي وانتي بنتي الصغيرة اللي معرفش أعيش من غيرها أبدا." لكنها زاد بكاؤها أكثر. ليقول ماجد بجدية مستغربا الحالة التي بها أخته: "رهف مالك بس؟ شددت هي من إمساكها بقميصه وما زالت تدفن رأسها في صدر أخيها: "ماجد متسبنيش." مسد
هو على شعرها بحنان أخوي: "مش هسيبك أبدا ياروحي ولازم تعرفي إنك حتى لو اتجوزتي ده مش هيفرق بينا.. هكون معاكي وجنبك وقت ما تحتاجيني." أبعد وجهها عنه قليلا ومد يده يمسح تلك العبرات العالقة بأهدابها: "ممكن بقى متعيطيش.. دموعك دي غالية عليا أوي يا رهف." حاولت أن تبتسم لأخيها: "بحبك أوي ياماجد." قبل أخيها جبينها: "وأنا بحبك أكتر ياروح قلب ماجد." لتدلف أمهم مقتحمة الغرفة تحمحم بغضب كعادتها وتقول
وهي تحرك رأسها باستياء: "كنت عارفة إني هدخل ألاقيكم كدا.. انت ياواد مش هتبطل بقا." هتف ماجد بمزاح ودفع أخته خلفه: "أوبا يا رهف، سوسو قفشتنا وهتجيبلنا بوليس الآداب." لم تتمالك رهف نفسها من الضحك، فضحكت بصوت عال، حتى أمه فشلت في كبت ضحكاتها وضربت ابنها على صدره: "ماتبطل يا ولاد يا ماجد هزارك البايخ ده بقا." أمسك ماجد بأخته
ودفشها برفق نحو امها: "بنتك عندك اهي كانت عاملة مناحة من شوية.. الحق عليا كنت بهديها.. والله أنا مهدور حقي في البيت ده." قال كلماته وتركهم متوجها ناحية باب الغرفة ليخرج. لتنادي عليه رهف: "ماجد انت رايح فين؟ عقد ماجد ذراعيه أمام صدره وقال بمزاح وبصوت كوميدي: "لأقعدن على الطريق وأشتكي." فما كانت من أمه إلا أن انحنت بجزعها قليلا لتنزع حذاءها البيتي لتدفشه به، لكنه تفاداها بمهارة بإغلاقه الباب ليرتد الحذاء في الباب.
ليقوم ماجد بفتح الباب ثانية وهو يقول بابتسامة نصر: "مجاش فيا يا سوسو." لتُقوم أمه بنزع الآخر أيضا لتدفشه به بغيظ، ففعل كالمرة السابقة وأغلق الباب سريعا، ومن ثم فتحه. ثم قال مشرئبا برأسه بابتسامة أثارت غضب أمه: "ولا دي كمان." لتصيح به: "مااااجد." رفع ماجد يديه يدعي البراءة: "خلاص يا سوسو حقك عليا يا كبير.. هاتي راسك أبوسها." أدارت أمه وجهها الناحية الأخرى لتدعي أنها لا تريد الحديث معه، ليقترب هو منها
مصرا على أن يقبل رأسها: "خلاص بقا يا سوسو بهرج معاكي.. شايفك انتي وبنتك أعصابكم مشدودة قلت أفرفشكم فيها حاجة دي.. اضحكي بقا علشان أمشي.. جوزك هيقيم عليا الحد." ابتسمت هي وهي تردد: "ربنا يهديك يا ميدو." -في المساء، أنهت اخصائية التجميل المسئولة عن "رهف" عملها ولم ينقصها سوى أن تضع لها حجابها ليزين وجهها ويجعلها تشع نورًا وجمالًا أكثر. هتفت مسئولة التجميل وهي تدير الكرسي التي
تجلس عليه رهف تجاه أمها: "ها إيه رأيك كده يا طنط؟ اقتربت سوسن من ابنتها وطالعتها ببسمة وإعجاب وقالت ودموع الفرحة تكسو عيناها: "ما شاء الله.. زي القمر.. بدر منور.. تسلم إيدك يا حبيبتي." ابتسمت الفتاة ونظرت لرهف تداعب وجنتها: "العروسة نفسها قمر من غير حاجة.. ربنا يهينهم... فاضل بس الحجاب وكده يبقى شغلي انتهى." كانت ملك تنظر لأمها وتتآكل من الغيرة والحقد، فالفستان التي ظنته عاديًا...
جعل رهف غاية في الجمال والرقة. لذا جلست تحدقها بغل شديد، فها هي تمتاز عنها في كل شيء: جمال، تعليم، تمت خطبتها من رجل مشهور، وترتدي ملابس من أفخم المحال ومن أغلى الماركات. ماذا ينقصها بعد... لديها كل شيء. كورت يدها تميز من الغيظ وهمست بصوت مغلول: "آه يا بنت المحظوظة." لم تستطع خالتها أن تجلس هكذا وترى ابنتها تتآكل من الغيرة،
لذا هتفت قائلة: "ولازمتها إيه الطرحة دي يارهف.. ما العرايس كلها بتكون بشعرها عادي.. ولا انتي مش زي البنات." ابتسمت رهف لخالتها، فهي لم تفهم مقصدها من الحديث ولا نيتها في تعكير مزاجها: "يا خالتو.. مش هينفع أتخلى عن حجابي مهما كان." لوت سناء شفتيها بعدم اقتناع: "ياختي ده هي مرة في العمر.. هتعقديها ليه؟ "مش تعقيد ولا حاجة يا خالتو.. أنا حابة أبدأ حياتي الجديدة.. وربنا راضي عني."
تحركت سناء في كرسيها بغضب: "يعني إحنا اللي مغضوب علينا.. ما تشوفي بنتك يا سوسن." هتفت رهف تعتذر من خالتها: "أنا مقلتش كده يا خالتي.. وأسفة لو كنت ضايقتك بكلامي." ردت سوسن لإنهاء الأمر: "خلاص يا سناء هي حرة.. وطالما خطيبها موافق.. يبقى ملناش دعوى." بعد عدة دقائق أخرى، كانت سيارة حسن تستقر أمام بوابة المركز، وخلفها السيارة التي تحوي بداخلها أخوتها وأبيها.
ترجلوا جميعًا منها.. واستبقهم ماجد ليرى أخته مدللته كما يسميها. طرق الباب، فظنه الجميع العريس، إلا أنهم كانوا يعرفون العريس حق المعرفة. لكن عادة من يدلف الغرفة أولًا هو العريس، وليس أخ العروسة كما فعل ماجد. ما إن رأته رهف حتى هرولت نحوه تعانقه. ليبادلها هو العناق غير آبه بالهمهمات حولهم وقال بفرحة عارمة وصوت متحشرج من أثر فرحته: "حبيبتي وقلبي وعنيا.. ألف مبروك يا قطتي." تهتف هي ببكاء: "ماجد."
ليبتسم لها بمرح: "حبيبة ماجد بتبكي ليه بس... ربنا يتمم لك على خير يا رب." كانت ملك تراقب ما يحدث بغيرة شديدة وتتمنى لو كانت هي من بين يدي ماجد ويمطرها بكلمات الغزل التي تتلهف لسماعها. يا لها من حماقة أنها تغار من أخ وأخته. تبا للغضينة التي لا تفرق، فقد تبغض دون سبب. نهرتها خالتها عندما رأتها تبكي: "رهف العريس مستني برا، وأنتي بتبكي وبوظتي الميكاب؟ اقتربت منها اخصائية
التجميل ومعها الفرشاة: "مفيش مشكلة هعدله على السريع." انتظر ماجد حتى انتهت رهف وأصبحت جاهزة للخروج، فمد يده كي تتأبط أخته يده: "جاهزة يا قطتي.. علشان نخرج.. حسن مستني برا." أخذت رهف نفسا عميقا ثم حاولت رسم ابتسامة على محياها: "جاهزة يا ماجد." خرجا سويا وسط وابل من الزغاريد التي أطلقتها سوسن وسناء. استغربت ملك أمها وهمست لها: "انتي بتعملي إيه يا ماما؟
ابتسمت سناء بسخافة: "بجامل أختي.. اسكتي انتي أنا بمهد ليكي الطريق علشان الدور عليكي يا قلب أمك." ابتسمت ملك بنظرة حالمة وتلقائيًا توجهت أعينها على ماجد التي لا ترى سواه. خيل للرائي أن من يخرج مع رهف ما هو إلا العريس، فنظرة الحب في عينيه والفرحة التي تشع من قلبه جعلت الجميع يظن أن ماجد هو العريس المرتقب. سلمها ماجد إلى حسن الذي قال بابتسامة واسعة: "مبروك يا حبيبتي... زي القمر...
عايز أدخلك جوة قلبي وأخبيكي من عيون الناس." أخفضت رهف رأسها حرجا فالجميع ينظر إليها الآن. توجهوا جميعًا نحو القاعة المجهزة خصيصا لهم، وحضر الكثير من رجال الأعمال والرجال المشهورون والشخصيات العامة، كما حضر عدد لا بأس به من الإعلاميين والمصورون كي يوثقوا هذا الحدث الهام. حضر المأذون وتمت إجراءات عقد القرآن، واقترب الجميع من رهف وحسن يهنئونهم.
كان حفلا جميلا مميزا ممتعًا للجميع، انتهى بعد عدة ساعات قضاها المعظم في الاستمتاع بالأجواء المميزة. انتهى الحفل وتوجه حسن إلى سيارته مع رهف استعدادًا للانطلاق للفندق والذي سيقيمون فيه عدة أيام. وبعدها سيسافران لقضاء ما يسمى بشهر العسل في إحدى القرى السياحية في شرم الشيخ. كان على أهل رهف توديعها قبل ذهابها مع زوجها.
عانق أبو رهف ابنته بشدة واغرورقت أعينه بالدموع وهو يرى ابنته الوحيدة تزف لزوجها أخيرًا، فتلك هي اللحظة التي يتمناها أي أب وأم. لأول مرة تبكي سوسن بحزن وفرحة معا، سعيدة بابنتها متمنية لها السعادة والهناء. اقترب ماهر من حسن وودعه بحرارة، بينما مد يده ليسلم على أخته بجفاء كعادته: "مبروك يا رهف.. ربنا يهنيكم." أما من كان وداعهم حارًا، يتعانقان بشدة ولا يريدان أن يقترقا، وكأن كل منهما يشعر بأن هناك شيئًا سيئًا سيحدث.
تشبثت به رهف وقالت برجاء: "ماجد أرجوك خدوني معاكم مش عايزة أمشي وأسيبكم.. ماجد أنا غيرت رأيي مش عايزة أتجوز خليني معاك والله هسمع كلامك ومش هغلبك." همس ماجد لأخته بحب: "حبيبتي مش هنسيبك أبدا متقلقيش.. دي سنة الحياة يا قطتي.. ربنا يسعدك ويجعل أيامكم كلها هنا." كاد يترك يدها لتذهب مع زوجها الذي ينتظر جوار باب السيارة، ورغم ما يعتلي صدره من خوف لا يعرف مصدره، إلا أن رهف أبت أن تترك
يده وقالت ببكاء هذه المرة: "ماجد أنا خايفة.. بالله عليك خدوني معاكم." ضمه ماجد إلى صدره بشدة يبثها الأمان: "رهف خليكي شطورة بقا انتي مبقتيش صغيرة.. انتي دلوقتي بقيتي متجوزة وهتبقي مسئولة عن زوج وأسرة.. ها يا حبيبتي روحي مع زوجك ربنا يهديكي." تركت رهف أخيها رغما عنها. فنادى عليها قبل أن تدلف إلى السيارة: "رهف أنا مسافر النهاردة أشوف وشك بخير يا حبيبتي.. هرجع بعد أسبوع بس أكيد هطمن عليكي في التلفون على طول."
أشارت له رهف بيدها: "خد بالك من نفسك يا ماجد." ابتسم لها ماجد: "حاضر اطمني.. اهتمي انتي لنفسك يا حبيبتي.. في أمان الله." ما إن رحلت سيارة رهف وزوجها، حتى سقط قناع ماجد المزيف والذي يدعي الثبات، واغرورقت عيناه بالدمعات. لم يكن يصدق أن لأخته الصغيرة تأثيرًا على نفسه إلى هذا الشكل الذي سيحزنه فراقها حتى لو كانت ذاهبة إلى بيت زوجها. اقتربت منه ملك بعد أن دفشتها أمها نحوه لتنتهز الفرصة.
فقالت بادعاء الخجل: "مبررووك يا ماجد." أجابها ماجد دون أن ينظر إليها: "الله يبارك فيكي عقبالك يا ملك." تتفوه ملك بحماس: "يارب إن شاء الله.. امتى ده؟ التفت ماجد إلى ملك ليتفاجأ بالفستان الذي ترتديه، والذي رفض هو سابقًا أن تبتاعه، لكنها ذهبت وحدها في اليوم التالي وابتاعته. لذا هتف بغضب: "إيه اللي انتي لابساه ده؟ دارت ملك حول نفسها بسعادة ظنا منها أنه أعجب ماجد: "إيه رأيك الفستان هياكل مني حتة مش كده؟
زم هو شفتيه يكظم غضبه: "لأ طبعًا زي الزفت.. أنا مش قلتلك مينفعش تلبسي ده.. إيه اللي خلاكي تشتريه؟ زفرت ملك بضيق: "الله يا ماجد ما خلاص بقا انت لسه جاي تتكلم دلوقتي الحفلة خلصت." هدر ماجد بضيق: "أنا لسه واخد بالي منه دلوقتي.. بزمتك ده فستان يتلبس في حفلة زفاف.. ده فستان للسهرات الخاصة بتهزري يا ملك." لتهدر ملك بحنق: "آه طبعًا ماخدتش بالك مني.. ما انت مش مركز إلا مع حبيبة القلب رهف وبس."
حملق بها ماجد باستنكار لما تقوله لثواني معدودة، ومن ثم تركها متجاهلاً إياها وهو يقول لوالديه: "أنا يادوب أمشي دلوقتي.. أشوف وشكم بخير." لحق به أخيه: "خليني أوصلك يا ماجد." ابتسم ماجد لأخيه ماهر بامتنان: "تسلملي يا كابتن.. ابقى طمني على أختك ها." -لكزت سناء ابنتها مستاءة مما قالته: "انتي ياللي تنشكي في قلبك.. بتغيري من ماجد على أخته يا هبلة."
لتزفر ملك بحنق: "أول مرة أشوف واحد بيعامل أخته كده.. ده انتي تشوفيهم تقولي عليهم حبيبة مش أخوات." ضربت أمها كفًا على الآخر: "لأ انتي دماغك طارت خالص.. يقطع الحب وسنينه.. أنا رايحة لخالتك أشوفها هتعمل إيه في الصباحية بكرة." تقف ملك بمفردها تقضم أظافرها في غيظ من رهف: "روحي يا شيخة يارب متتهني في جوازتك واشوفك راجعة تاني لبيت أهلك."
(هناك أناس يحملون الضغينة للآخرين دون سبب، هم فقط لا يتمنون لهم الخير ولا يريدون أن يرونهم سعداء، يشعرون بالانتشاء عندما يرونهم يعانون.. وهذا ما كانت عليه ملك.) (فأخطر فايروس على وجه الأرض هو الحقد والحسد وتمني زوال النعمة من الآخرين.) -فعلى ما يبدو أن دعاء ملك على رهف قد استُجيب.
فبعد عدة ساعات خرج حسن من الفندق يهرول متخفيًا كمن يلاحقه وحش خطير ويغادر المكان على عجل، تاركًا رهف خلفه تواجه مصيرها البائس. ولا أحد يدري ما حدث بينهما ليجعله يفر كالطريد هكذا.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!